هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
إسكندر صفا.. إمبراطور لبناني تحول لوسيط بين إسرائيل والخليج

إسكندر صفا.. إمبراطور لبناني تحول لوسيط بين إسرائيل والخليج

عارف عبد البصير

محرر سياسة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
  
على متن يخت(1) فاره يعج بالجميلات على شاطئ الريفيرا الفرنسي الساحر، كان الصحفي الفرنسي جون أوك على موعد مع مقاطعة جادة بنكهة سينمائية لعطلته، حين تقدم نحوه فجأة رجل متوسط العمر ذو ملامح صارمة، وبخطوات رسمية مميزة، قبل أن يمد يده لمصافحته بلا مقدمات كثيرة، مسارعا للتعريف بنفسه مباشرة وبنفس السلوك الجاد: اسمي عاموس، إسرائيلي، ولدينا طيار مختطف منذ ثلاث سنوات يدعى "رون عراد"، ونحن نعتقد أن الرجل الذي توسط لتحريرك سابقا يمكنه أن يساعدنا.

     

كان جون أوك نفسه، أو بيار بودري كما يعرفه الإسرائيليون باسم مستعار استخدمه لتغطية حرب الخليج الثانية لاحقا لصالح صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية وعدة صحف أخرى، قد تم اختطافه من قبل حزب الله اللبناني عام 1987 أثناء أزمة الرهائن الشهيرة في لبنان، حين اختطف عدد من الجماعات المسلحة 121 رهينة أجنبية في البلاد على مدار قرابة عقد من الزمان. وبعد مرور أكثر من عام،391 يوما بشكل أدق، قضاها جون في قبضة المسلحين تم الإفراج عنه بعد تدخل دبلوماسي لفريق فرنسي قاده ضابط الاستخبارات السابق ذائع الصيت جان تشالز مارشياني، بتكليف من رئيس الوزراء آنذاك جاك شيراك ووزير داخليته شارلز باسكوا، بينما تكشف في وقت لاحق أن رجل الظل ومحرك العرائس والفاعل الرئيسي في هذه المفاوضات الذي يسعى الإسرائيليون إلى وساطته كان شخصا مختلفا تماما، لم يلعب أي دور رسمي في المفاوضات، ولا ينتمي إلى عالم السياسة بحال، عرفه الجميع آنذاك باسم "ساندي"، بينما نعرفه الآن باسمه الحقيقي "إسكندر صفا".

      

وقعت تفاصيل تلك الأحداث خلال عام 1987 وانتهت رسميا في مايو/أيار من العام التالي 1988 بإعلان الحكومة الفرنسية أنها قادت جهود وساطة ناجحة بقيادة مارشياني للإفراج عن خمسة دبلوماسيين وصحافيين فرنسيين تم احتجازهم في لبنان من قبل حزب الله. ولما لم تعلن الحكومة الفرنسية أي تفاصيل حول عملية استخدمتها لتعزيز شعبيتها قبيل الانتخابات، دفع ذلك الصحافة الفرنسية للتكهن بأن الحكومة قامت بدفع فدية للإفراج عن مواطنيها، رغم إصرار شيراك على النفي.

                

رجل الأعمال الفرنسي ذو الأصول اللبنانية "إسكندر صفا"

مواقع التواصل
           

كعادة تلك الأحداث، خفت الصخب سريعا بعد ضجة، وذهبت القضية إلى غياهب النسيان، غير أنها لم تلبث طويلا قبل أن تعود إلى دائرة الضوء مع اهتمام أكبر وتركيز أشد بعد ثلاث سنوات كاملة، حين رصدت(2) الأجهزة الرقابية الفرنسية سلسلة من التحويلات المالية المشبوهة بقيمة إجمالية وصلت ملايين الدولارات من حساب سويسري باسم صفا إلى حسابه الشخصي في فرع بنك كريدي كوميرشيال دي فرانس في الشانزليزيه، حيث تم سحبها من قبل سكرتيره الخاص وتسليم بعضها في أظرف خاصة لمسؤولين فرنسيين مقربين من وزير الداخلية باسكوا، وعلى رأسهم مارشياني نفسه وزوجته كريستين.

     

مثلت تلك التحويلات أول دليل رسمي على ضلوع صفا في صفقة الرهائن، دافعة باسم رجل الأعمال الفرنسي اللبناني، الذي طالما اعتاد العمل في الظل، إلى عالم الأضواء الذي يكرهه، مع كثير من الشبهات حول صفقة سرية قاد بموجبها صفا المفاوضات نيابة عن الحكومة الفرنسية، مقابل مبالغ مالية طائلة تم دفع بعضها لتمويل الصفقة، حصل صفا على بعضها، وقام بتحويل بعضها الآخر إلى شركائه من المسؤولين الحكوميين. كان الضجيج والشبهات كفيلين بدفع صفا للخروج عن صمته والحديث إلى وسائل الإعلام ليضع نهاية للتكهنات، وليؤكد لأول مرة في حديث لصحيفة "لوموند" الفرنسية أنه لعب دورا في الإفراج عن الرهائن، زاعما أن ذلك كان بدافع إنساني وليس مقابل المال، قبل أن يؤكد في ما بعد للصحافيين بيير فافير وميشال مارتن رولاند اللذين ألفا كتاب "عقد ميتران" أنه وضع اتصالاته في لبنان وفي سوريا، والأهم من ذلك في إيران، «في خدمة القضية» كما قال.

    

غير أن مطلعين آخرين على الصفقة زعموا أن رجل الظل لعب دورا أكثر مركزية حتى مما ذكر، حيث تحدث أحد أعضاء فريق التفاوض، مخفيا هويته، إلى صحيفة فرنسية واصفا "صفا" بأنه الرجل الذي يملك خيوطا مع الجميع في الشرق الأوسط، بما في ذلك الموساد وإسرائيل، وأن عملية الرهائن بأكملها تمت هندستها من قبل شركة "ترياكورب"، المملوكة لصفا آنذاك، وأن الشركة هي التي مولت الخطة بأكملها، حيث دفعت عشرات الملايين من الفرانكات نيابة عن الحكومة الفرنسية. ورغم أن القضاء الفرنسي خلص في عام 2002 إلى إصدار مذكرة توقيف دولية بحق صفا، فإن رجل الأعمال الفرنسي اللبناني صاحب الاتصالات الواسعة لم يستجب أبدا لاستدعاءات الشرطة الفرنسية له على مدار قرابة سبع سنوات، قبل أن ينجح وكيله القضائي باستصدار حكم بوقف كافة أشكال التعقب له في عام 2009، ليواصل صفا رحلته في كواليس إدارة إمبراطوريته المالية مترامية الأطراف، مستندا على شبكة معقدة من اتصالات سياسية لم تعترف يوما بأي قيود، سواء كانت حدودا جغرافية أو خلافات سياسية أو حتى تعقيدات قانونية، شبكة كانت كفيلة بإبقاء سفينة صفا مبحرة في سلاسة على مدار قرابة 40 عاما في محيط تلفه أعاصير سياسية وعسكرية لا تنتهي.

 

الوسيط العابر للحدود
 "لبنان هو بلدي، ولكن بعد أعوام طويلة من الحرب لم تعد لدينا أي تعقيدات حول أي دولة أخرى، أشعر أنني في وطني في فرنسا وفي الولايات المتحدة وفي بريطانيا أيضا"

(إسكندر صفا -1993)

                

في فندق فاخر في قلب العاصمة السعودية الرياض، وقعت مقابلة عمل لم تكن مثمرة في ظاهر الأمر. كان إسكندر صفا قد أنهى للتو رحلة عمل قصيرة كمهندس مدني في الولايات المتحدة، عائدا للرياض في مهمة لرعاية واستثمار أموال فنادق "نوفابارك" الشهيرة بطلب من الأمير متعب بن عبد الله نجل ولي العهد السعودي آنذاك. في ذلك التوقيت كان ضابط الاستخبارات الفرنسي الأسبق جان تشالز مارشياني يعمل هو الآخر كمسؤول تسويقي لفنادق ميرديان لصالح مجموعة من المستثمرين الخليجيين، وقدم لمقابلة عمل في نوفابارك حيث التقى صفا للمرة الأولى، ونشأت بينهما صداقة مثمرة أسفرت في وقت لاحق عن أعمال تجارية واسعة إضافة لصفقة الرهائن الشهيرة، رغم أن مارشياني لم يحصل على الوظيفة المنشودة في نهاية المطاف.

                 

ضابط الاستخبارات الفرنسي الأسبق جان تشالز مارشياني

رويترز
     

يرتبط صفا بعلاقات طويلة الأمد مع المملكة العربية السعودية، ورث معظمها في ما يبدو عن عائلته المنتمية لنخبة المسيحيين الموارنة الذين صنعوا ثروات هائلة بفضل أنشطتهم في المملكة. لذا لم يرث إسكندر صفا وشقيقه الأصغر وشريكه ومساعده المقرب أكرم عن عائلتهما مجرد ثروة كبيرة فقط، ولكنهما ورثا(3) أيضا في ما يبدو قائمة من علاقات لا تقدر بثمن، وقاما برعايتها وتنميتها مشكلين شبكة من اتصالات نافذة متقاطعة وعابرة للحدود.

         

لم يمكث صفا طويلا في لبنان على كل حال، فبعد إنهائه لدراسة الهندسة المدنية في الجامعة الأميركية في بيروت، ومشاركته لمدة قصيرة في مصاف الميليشيات المسيحية إبان الحرب الأهلية اللبنانية المندلعة في منتصف السبعينيات، حيث أصيب بطلق ناري مرتين وأصيب شقيقه أكرم خلال القتال أيضا وحاز صفا لقبه الأشهر "ساندي" هناك، بعد كل ذلك سرعان ما غادر لبنان إلى الولايات المتحدة، حيث عمل بالهندسة لفترة قصيرة قبل أن يعود إلى السعودية كمحطة قصيرة الأمد أيضا في طريقه للضفة الأخرى من الأطلسي، حيث التحق بكلية إنسايد الشهيرة للأعمال في فرنسا، وحصل على ماجستير إدارة أعمال.

        

كان لقاء صفا مع مارشياني في الرياض في ما يبدو إيذانا بتحويل وجهة رجل الأعمال اللبناني الصاعد صوب باريس، فالرجل أثبت منذ الوهلة الأولى أنه لا يعترف بالحدود، وكانت تلك الحياة العابرة للقارات السمة المميزة له منذ سنوات عمره الأولى، حتى قبل أن يزج به القدر لاحقا في مهنة تتوافق تماما مع هذا النمط الحياتي وهي صناعة السفن. كانت متطلبات مهنة صفا الجديدة المُشتهر بها في ما بعد تتوافق تماما مع قائمة علاقاته القوية الموروثة عن عائلته، والتي نجح في تعزيزها بشكل غير مسبوق خلال سنواته الأولى في عالم الأعمال، والتي امتهن خلالها مهنة أبعد ما تكون عن التقليدية وهي "الوساطات الدولية".

 

 

غالبا ما تسعى الشركات العابرة للحدود إلى الترويج لنفسها بغرض الحصول على نصيب من كعكة العقود الكبرى التي تبرمها الدول والحكومات، سواء كانت في مجالات البنية التحتية أو الغذاء والدواء أو حتى الأمن والسلاح. على سبيل المثال، إذا أرادت شركة غربية أن تبيع طائرة إلى اليابان أو أي دولة أخرى، فإن الحكومة اليابانية ستصر على أن يقوم المُصدر بترتيب عقود تمويل من أجل الحفاظ على حصيلتها من النقد الأجنبي. وتتلخص مهمة الوسطاء الدوليين، مثل صفا، في الاضطلاع بمهمة ترتيب العقود بين الشركات الغربية وبين العملاء من الدول في الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا، من خلال الترويج لأفضلية الشركات التي يعملون لصالحها في مواجهة منافسيها من ناحية، والأهم هو إقناع الجهات المانحة والبنوك بتمويل هذه الصفقات، مقابل التزامات دين آجلة تتكفل بها الدول المستقبلة للصفقة، وفي مقابل ذلك فإنهم يحصلون على عمولات مادية كبيرة. وقد ساعدت هذه المهنة الجديدة والمربحة إسكندر صفا وشقيقه على تكديس ثروة طائلة خلال فترة زمنية قصيرة.

         

كانت البداية في كوريا الجنوبية، حين توسط صفا في عقد لتوريد الطائرات المقاتلة من طراز إف-5 وإف-20 بين حكومة سيول وشركة الصناعات العسكرية الأميركية الشهيرة "نورثروب"، وهي صفقة جلبت له شهرة واسعة، قبل أن يحول نشاطه للشركات الفرنسية مستغلا علاقته مع مارشياني الذي كان انضم لعملاق الإلكترونيات الفرنسي طومسون، ثم لجأ لصفا لمساعدته في تسويق الصادرات الفرنسية من منتجات التكنولوجيا الفائقة لدول الشرق الأوسط، غير أن علاقتهما اتخذت منحى جديدا حين أقنع مارشياني، المقرب من وزير الداخلية الفرنسي آنذاك باسكوا، بالعمل لصالح عملاق صناعة الأسلحة الفرنسي "سوفريمي"، وهي شركة دفاعية أنشأتها وزارة الداخلية الفرنسية. وكثمرة لهذه العلاقة، عمل صفا نيابة عن "سوفريمي" في صفقة لتوريد المعدات الصناعية لليبيا عام 1988، قبل أن يعود بعد ثلاث سنوات للتدخل نيابة عن الشركة الفرنسية نفسها، مبرما اتفاقا مع الكويت حول إزالة الألغام بعد حرب الخليج.

         

لم تتوقف علاقة العمل المثمرة بين صفا و"سوفريمي" عند هذا الحد، ففي عام 1993 كان صفا يعمل(4) لصالح الشركة الفرنسية وصديقه الجديد باسكوا، مستغلا علاقته القديمة مع السعودية لتسهيل حصول الشركة الفرنسية على عقد "ميكسا" الشهير، وهي صفقة قدرت قيمتها آنذاك بملياري دولار لتوريد أنظمة تأمين الحدود لوزارة الداخلية السعودية، وتم توقيع اتفاق تفهم بشأنها بين السعودية والحكومة الفرنسية عام 1986 في أعقاب حصول المملكة على صفقة سفن فرنسية. وقد شهد التفاوض بشأن ميكسا جولات طويلة من الكر والفر بسبب التنافس بين مختلف الوكلاء الفرنسيين وداعميهم السياسيين للحصول على العقد، وهو تنافس تسبب في تأرجح بندول الصفقة بين "سفريمي" وصفا في التسعينيات، وصولا لعملاق الدفاع الفرنسي "ثالس" مع مطلع الألفية الجديدة، وهي شركة كانت خاضعة لسيطرة وزير الداخلية الفرنسي آنذاك نيكولا ساركوزي، وتم التوسط لها من قبل رجل أعمال فرنسي لبناني آخر هو زياد تقي الدين.

 

لم ينجح صفا في حسم صفقة "ميكسا" على كل حال، ولم تفز بها "ثالس" أيضا، ولكنها ذهبت(5) في عام 2009، بعد جولات ماراثونية طويلة استمرت قرابة عشرين عاما في نهاية المطاف، إلى "إيداس" وهو تحالف فرنسي ألماني. كانت الصفقة من الإخفاقات القليلة لصفا في وظيفة عادة ما تكون فرص الإخفاق فيها أكبر بكثير من النجاح، غير أن اللبناني أثبت عبر تاريخه أنه عنيد جدا في مواجهة الإخفاقات، وقد علمته تجربته أن بعض الصفقات قد لا تستسلم لك من المرة الأولى، وأنه قد يتحتم عليك في بعض الأحيان أن تحاول مرة بعد مرة وتنتظر عاما بعد عام قبل أن تنقاد لك الأمور في نهاية المطاف.

           

صانع السفن
صانع السلاح الفرنسي فليكس أميوت
        
يعرف الفرنسيون جيدا فليكس أميوت، صانع السلاح الفرنسي وابن مدينة شيربورغ الذي تخصص في صناعة السفن مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وبحلول الستينيات كانت شركته نورماندي للصناعات الميكانيكية (CMN) في شيربورغ واحدة من أكبر منتجي السفن الصغيرة، مصدرة سفنها لأكثر من 18 دولة حول العالم.

                       

ترتبط نورماندي وحوض بناء السفن في شيربورغ بذكرى خاصة في الصراع العربي الإسرائيلي، حيث كانت نورماندي هي مصنع قوارب ساعر 3 الشهيرة لصالح البحرية الإسرائيلية في الستينيات، وهي قوارب منعت الحكومة الفرنسية تسليمها بعد حظر السلاح الذي فرضته على إسرائيل بعد حرب الأيام الستة، وهو ما دفع البحرية الإسرائيلية لهندسة(6) عملية تهريب معقدة لخمسة قوارب غير مسلحة من ميناء شيربورغ لميناء حيفا على البحر المتوسط في الأراضي المحتلة.

          

على كل حال، لم تصمد إمبراطورية فليكس أميوت وفي مقدمتها نورماندي طويلا بعد وفاة صاحبها ومؤسسها، وبحلول عام 1987 كانت الإمبراطورية قد انهارت تماما وأصبحت نورماندي معروضة للبيع. وفي نفس التوقيت تقريبا كان فريد هندرسون، صديق إسكندر صفا البريطاني، يقنعه باتخاذ الخطوة الأكبر في حياته المهنية كلها بالاستثمار في صناعة السفن. وفي عام 1986 أسس إسكندر صفا بالفعل شركته الأولى، ترياكورب الدولية، بمشاركة أكرم صفا، وبعد ذلك بأشهر كان الشقيقان صفا يصارعان في صفقة شراء نورماندي، ولكن ضربتهما الأولى باءت بالفشل، حيث ذهبت الصفقة لمجموعة روزاريو الأرجنتينية. وعلى مدار السنوات الخمس التالية، استخدم الشقيقان صفا شركتيهما كوسيط فعال بين الشركات الأوروبية ودول الشرق الأوسط وآسيا لإبرام عدد من الصفقات في مجالات الأسلحة والأمن والتكنولوجيا، ليعود صفا من جديد لتقديم عرض لشراء نورماندي التي كانت تواصل التعثر وفقدان العقود حتى في ظل قيادتها الجديدة، وفي هذه المرة كان من المنطقي أن يستحوذ صفا على الصفقة بسهولة كبيرة.

       

بعد استحواذه على نورماندي، سارع(7) صفا لاستثمار دفتر علاقاته المتوسعة من أجل جلب الصفقات والعقود لشركته الجديدة، وبحلول عام 1993 عادت ساحة بناء السفن الشهيرة في فرنسا تكتظ من جديد بالعقود الصغيرة ومتوسطة الحجم، عقود بدأت مع صفقة لصناعة زوارق دوريات لسلطة عمان، ونجح صفا في اقتناصها بعد منافسة مع سوان هانتر، أحد صانعي السفن الأكثر شهرة في بريطانيا، لتدخل سوان بعد ذلك في أزمة مالية كبيرة تقدم صفا إثرها بعقد لشراء الشركة، وهي صفقة لم يكتب لها النجاح في نهاية المطاف بعد توجس أجهزة الاستخبارات البريطانية من بيع شركة محلية لمستثمر شرق أوسطي يشتبه أن له علاقات مع الحكومة العراقية المغضوب عليها عالميا منذ إقدامها على غزو الكويت مطلع التسعينيات.

 

 

في وقت لاحق من العقد نفسه أقدم إسكندر صفا وشقيقه أكرم على تأسيس شركتهما الأهم، مجموعة بريفنفيست القابضة، في موطنهما الأصلي لبنان، وخلال وقت قصير أصبحت بريفنفيست منصة جامعة لأنشطة صفا المتوسعة وخاصة في بناء السفن، وضمت شركاته وعلى رأسها نورماندي، ومجموعة جوزيف إيشروود البريطانية التي استحوذ عليها صفا لاحقا، إضافة إلى درر تاج البحرية الألمانية الثلاثة: "كيل" و"نوبيسكروغ" و"ليندناو"، والذين استحوذ عليهم صفا بالشراكة مع حلفائه الخليجيين الجدد، ولكن هذه المرة في أبو ظبي.

     

لا يعرف بالتحديد متى بدأت علاقة العمل المتنامية بين إسكندر صفا وحكومة أبو ظبي، لكن المرجح أنها بدأت عبر إحدى الوساطات التقليدية التي يجيدها الملياردير اللبناني. ففي عام 2003، تمت دعوة صفا من قبل مجموعة الصناعات البحرية الدفاعية الفرنسية (DCNS) للعب دور الوسيط بين المجموعة ودولة الإمارات العربية للتوسط في عقد بين الطرفين يتضمن تزويد القوات المسلحة الإماراتية بستة طرادات حربية من طراز بينونة، قامت مجموعة نورماندي التي يملكها صفا، ببنائها، بتكليف من المجموعة الفرنسية.

 

 

كانت صفقة بينونة مفتاحا لعلاقة جديدة مربحة بين إسكندر صفا والإمارة الخليجية، علاقة توجت في عام 2007 بشراكة كان مخططا أن تكون ضربة البداية لإمبراطورية ضخمة لصناعة السفن واليخوت. وبموجب تلك الشراكة، أقامت شركة إسكندر صفا "بريفنفيست" حوضا لبناء السفن في أبو ظبي بالشراكة مع شركة العين العالمية للنفط والنقل التي يرأسها رجل الأعمال الإماراتي أحمد درويش المرر، وقد وضع هذا التحالف حجر الأساس لما اشتهر لاحقا بشركة مار أبوظبي (ADM)، وحصل فيها صفا على نسبة أقلية تبلغ 30% مقابل 70% للشركة الإماراتية، وأساسا لمجموعة مار العالمية للسفن المنشئة لأول حوض خاص بها لتصنيع السفن في ميناء زايد في العام التالي.

               

وفي عام 2009 صوبت مجموعة مار أنظارها صوب ألمانيا وتحديدا شركات كيل الثلاث، وبدأت السلسلة في العام المذكور بالاستحواذ على مجموعة نوبسكروغ المتخصصة في بناء اليخوت الضخمة التي يبلغ طولها بين 160-200 متر، تلاها صفقة للاستحواذ على حوض بناء السفن كيل (GNY KEIL) أو (HDW) في عام 2011، واختتمت بالاستحواذ على مجموعة الإمداد والصيانة ليندناو في عام 2013.

          

في غضون ذلك، نجحت مجموعة مار في نهاية عام 2009 بإبرام أهم صفقاتها، حين وصلت لاتفاق مع مجموعة تيسنكورب مارين سيستمز (TKMS) لإنشاء مشروع مشترك لبناء السفن القتالية السطحية(7)، تتولى بموجبه المجموعة الألمانية عملية البناء والتوريد لصالح البحرية الألمانية وحلف الناتو، في حين تتولى مجموعة مار المسؤولية عن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وبموجب هذه الصفقة، حصلت مار أبوظبي أيضا على حصة 80% من شركات السفن السطحية الثلاث التابعة للمجموعة الألمانية وهي بلوم وفوس شيب ياردز، وبلوم وفوس إنداستريز، وبلوم وفوس ريبير، وفي وقت لاحق دخلت المجموعة في شراكة جديدة مع العملاق الألماني لشراء حوض السفن الهيليني في اليونان إثر تعرضه للإفلاس في عام 2010، في صفقة حصل فيها صفا وشركاؤه الإماراتيين على حصة 75%، في حين حصل الشريك الألماني على حصة تبلغ 25%.

         

تحدثت صحف فرنسية عن دور لعبه صفا بالتوسط بين شركات السلاح الأوروبية ونظام العقيد معمر القذافي في ليبيا عن طريق ابنه سيف الإسلام لإبرام صفقات أسلحة قبل سقوط نظام القذافي عام 2012

لأوروبية
                     

ورغم النجاحات الكبيرة والسريعة لأعمال صفا وشركائه الإماراتيين في مجال صناعة السفن، فإن الشراكة لم تستمر لوقت طويل خاصة بعد أن انهارت الشركة مع مجموعة تسينكورب الألمانية في العام نفسه بعد اعتراض السلطات الألمانية على تقاسم التكنولوجيا البحرية الخاصة بها مع مجموعة لبنانية إماراتية. ولم تصمد الشراكة بين صفا والإماراتيين في ما يبدو أمام صدمة انهيار العقد الألماني، فمع قدوم عام 2011 ، نجح إسكندر صفا في الاستحواذ على حصة شريكه الإماراتي وتأمين 100% من أسهم مجموعة مار لصالح شركته الرئيسة بريفنفيست، قبل أن يقوم بإخضاع الشركة لعملية إعادة هيكلة واسعة في عام 2014 شملت فصل شركات قناة كيل الألمانية الثلاث عن المجموعة، وضمها مباشرة إلى شركته الأم بريفنفيست تحت اسم موحد هو  مجموعة السفن الألمانية القابضة (GNY holding)، ما عنى فعليا تقليص أنشطة مجموعة مار الدولية والاكتفاء بشركة مار الإماراتية في أبي ظبي، ووضعها صفا تحت إدارة شركة جديدة مملوكة لبريفنفيست تدعى بسيب (PSIB) جنبا إلى جنب مع حوض السفن اليوناني.

      

لم تمنع نجاحات بريفنفيست المتتالية، بما يشمل تصنيع أكثر من 2000 سفينة بمختلف الأحجام والاستخدامات وتوريدها إلى أكثر من 40 دولة وأسطول بحري حول العالم خلال فترة لا تزيد عن عقدين، لم تمنع تلك النجاحات صفا من ممارسة مهنته الأثيرة على هامش أعماله كلما تطلبت الأمور. ففي عام 2010، لعب صفا دور الوسيط بين شركة "داسو" المنتجة لطائرات رفال المقاتلة وبين المملكة العربية السعودية لإبرام عقد يقضي بتزويد السعودية بهذه الطائرات، كما أنه شارك في وساطة لبيع اثنين من طرادات تسينكورب الألمانية إلى الجزائر في أبريل/نيسان 2012، وتحدثت صحف فرنسية عن دور لعبه صفا بالتوسط بين شركات السلاح الأوروبية ونظام العقيد معمر القذافي في ليبيا عن طريق ابنه سيف الإسلام وذلك لإبرام صفقات أسلحة قبل سقوط نظام القذافي عام 2012.

         

مواطن العالم الكبير
كثيرا ما يزعم(8) صفا أن هناك رابطا خفيا يجمعه بصناعة السفن، رغم أن دخوله إلى هذا المجال جاء عن طريق الصدفة البحتة في المقام الأول، وهو يعزو هذا الرابط إلى نشأته الأولى في لبنان في منزل لم يكن يبعد كثيرا عن البحر، وهو ما يلهمه شغفا دائما ببناء السفن وتجارة معدات البحر. لكن الأرباح الكبيرة والسهلة تمثل حافزا لا يقل أهمية، وقد حولت سنوات الخبرة الطويلة صفا إلى صائد ماهر لهذه الأرباح، ففي وقت استقرت فيه حصة بائع السفن في أوروبا والعالم العربي، فإن صانع السفن يمم وجهه اليوم صوب أفريقيا، ليثبت من جديد قدرته على كسب المال حتى من قلب أكثر الدول فقرا.
 

 

أحد الأمثلة على ذلك هي موزمبيق، إحدى أكثر دول العالم فقرا مع تعداد سكاني يتجاوز 27 مليون نسمة، وناتج محلي إجمالي يبلغ بالكاد 16 مليار دولار، وتاريخ طويل قريب لحرب أهلية طاحنة، ونخبة سياسية مشتهرة بالفساد. في ظاهر الأمر لا تعد مابوتو بيئة نموذجية لممارسة الأعمال، ولكن رجلا مثل إسكندر صفا له دائما رأي آخر.

     

في عام 2012 كان صفا قد أمن موافقة سهلة لحكومة موزمبيق على صفقة للحصول على عدد من سفن الصيد وسفن الدوريات الساحلية وحوض لصيانة السفن في البلاد، وكانت المهمة(9) الحقيقية تتمثل في الحصول على مانحين دوليين راغبين في تمويل الصفقة مقابل سندات آجلة مرتفعة الفائدة تصدرها موزمبيق وتضمنها بريفنفيست. ونجح صفا بالفعل في إقناع ثلاثة بنوك هي "كريدي سويس" السويسري و"في بي تي" الروسي و"بي إن بي باريبا" الفرنسي باستثمار مبلغ ملياري دولار لتمويل الصفقة، مقسمة بين قرض بقيمة 622 مليون دولار لشراء معدات عسكرية، و850 مليون دولار في صورة سندات لمشتريات قوارب للصيد، و535 مليون دولار لبناء حوض سفن لخدمة الأساطيل العسكرية وأساطيل الصيد.

    

كانت الصفقة مريبة بما يكفي(10) لجذب انتباه العديد من الجهات المالية الدولية وعلى رأسها صندوق النقد الدولي الذي قام بتوظيف شركة تحقيقات خاصة تدعى "كرول" من أجل مراجعة الصفقة. فمن ناحية، لم يكن الوضع المالي للحكومة في موزمبيق يسمح لها بإصدار سندات ديون بهذه القيمة التي تسببت في ارتفاع الدين العام في البلاد بنسبة 35% خلال عام واحد فقط، ومن ناحية أخرى فإن نسبة كبيرة من هذه الأموال تم تحويلها مباشرة إلى صفا وشركاته وليس إلى الحكومة في موزمبيق كما يقتضي الأمر، وصولا إلى كون تحقيقات "كرول" توصلت إلى أن أسعار المعدات التي ستقدمها شركة بريفنفيست تجاوزت قيمتها الحقيقية بنحو 700 مليون دولار على الأقل.

    

بالإضافة إلى ذلك، تم تمثيل(11) الحكومة الموزمبيقية في تلك الصفقة من قبل ثلاث شركات هي "إماتوم" و"بروينديكوس" و"صندوق إدارة الأصول" والتي تبين في ما بعد أنها مملوكة بالكامل لجهاز الاستخبارات في البلاد المقرب من الحزب الحاكم، وأن الصفقة تم تمريرها دون موافقة برلمانية، ومع تورط بنوك أوربية كبرى في عملية التمويل لم يكن من المستغرب أن تستجلب الصفقة تحقيق جهات دولية مرموقة في مقدمتها مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي.

          

غير أن صفا لا يبدو أنه يعبأ بالأمر على كل حال، وهو يثق في ما يبدو بأن علاقاته سوف تكفل له النجاة كما فعلت دوما على مدار عقود، وأنه سيكون في كل الأحوال قادرا على تجنب مصير صديقه مارشياني الذي أدين في عام 2005 لقبوله أموال من شركة رينك الألمانية لمساعدتها على الفوز بعقد لتوريد علب تروس لدبابات ليكليرك لدولة الإمارات العربية المتحدة. وتتجلى هذه الثقة أكثر في مساعي صفا الحثيثة للحصول على ممولين لعقد مبدئي أبرمه العام الماضي مع الحكومة الأنغولية للحصول على 17 قارب دورية يتم صناعتها في حوض نورمندي.

                           

إسكندر صفا بعد توقيعه لاتفاقيتين مع الحكومة الأنغولية لبيع السفن العسكرية ضمن مشروعاته الكبيرة في أنغولا (مواقع التواصل)

       

يبدو أن شهية إسكندر صفا لاقتناص الأموال المشبوهة من الدول الفقيرة لا حد لها، في وقت تخوض(12) فيه شركاته مفاوضات مماثلة لجدولة ديون شركة البترول الوطنية في الكونغو مقابل الحصول على عقد لتوريد ناقلات النفط البحرية وسفن خفر السواحل للدولة الإفريقية. واعتاد صفا فيي كثير من الأحوال أن تثير صفقاته الكثير من الغبار، بقدر ما اعتاد أن يخرج من هذا الغبار نظيفا أيضا مع أقل القليل من الضرر لأعماله أو حتى لسمعته.

             

أحد أهم هذه العواصف التي واجهها صفا في مسقط رأسه في لبنان وفي محيطه العربي وقعت في العام الماضي، حين كشفت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية أن شركة لبنانية إماراتية، في إشارة إلى أبوظبي مار، تتولى(13) صناعة السفن الحربية الإسرائيلية من طراز ساعر 6 بموجب صفقة أبرمها الكيان المحتل مع مجموعة تسينكورب الألمانية. وأكدت الصحيفة أنه رغم أن عقد الشراكة الرسمي بين مجموعة مار وبين الشركة الألمانية لم يدم طويلا، إلا أن التعاون بين الطرفين لم يتوقف كليا، وأن مجموعة كيل لبناء السفن لا تزال تعمل كمتعهد ثانوي للشركة الألمانية وهي تتولى المساعدة في الجانب الهندسي لبناء السفن.

       

لم تكن تلك هي الواقعة الأولى التي تصبح فيها علاقات صفا "المزعومة" مع إسرائيل موضعا لتسليط الضوء منذ أن ذاعت سيرته بعد صفقة الرهائن الفرنسيين. ففي أعقاب لقائه بالضابط الإسرائيلي على متن يخت الريفيرا، كان الصحفي أوك حريصا على الوفاء بتعهده بتعريف الإسرائيليين بالرجل الذي أنقذ حياته. وقد وقع اللقاء المرتقب لاحقا عام 1989 في شقة صفا الفاخرة في باريس بحضور الضابط عاموس وأوري لوبراني منسق الأعمال الإسرائيلي في لبنان في الثمانينيات. لم يثمر التعاون الأول بين صفا والإسرائيليين شيئا يذكر، حيث اكتشف الموساد لاحقا أن الطيار رون عراد قتل في عام 1988، غير أن علاقة الأعمال المعتادة يبدو أنها استمرت على كل حال.

          

يحب إسكندر صفا أن يطلق على نفسه لقب "مواطن العالم الكبير"، وهو عالم لا يعترف من وجهة نظره ربما إلا بلغة واحدة هي ذلك المال الذي يتدفق بسلاسة عبر الحدود في حماية شبكة مترامية الأطراف من العلاقات، تجمع خيوطها في تناغم بين رجال الأعمال والسياسة والمال، صانعة عالما خاصا يبدو للخارجين عنه أقرب إلى الفانتازيا منه إلى عالم الواقع.

المسلمون في الصين وعلاقتهم بالدولة

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار