هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
من يحكم الظل؟.. القصة الكاملة لصراع الاستخبارات في مصر

من يحكم الظل؟.. القصة الكاملة لصراع الاستخبارات في مصر

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
    
قليلًا ما يستقبل قطاع غزة المحاصر زوارًا على قدر عال من الأهمية، ونادرا ما يصطف مسؤولوه لاستقبال أحد على أي حال، ولكن في ذلك اليوم وعلى غير العادة كانت أجواء القطاع احتفالية للغاية، أو هكذا خطط لها أن تبدو، فيما كانت الاستعدادات تجري على قدم وساق لاستقبال ضيوف يبدو أنهم غير عاديين. قبل عدة أسابيع فقط، لم يكن أحد يتخيل أن إحدى أكثر البقاع معاداة للنظام المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي سوف تتجمل لاستقبال مسؤول قاهري في زيارة رسمية، وعلى الجانب المقابل لم يتخيل أحد أن جيوش إعلام ذلك النظام سترفع رايات الابتهاج لزيارة أحد أرفع مسؤوليه للقطاع، معقل حركة حماس «الإرهابية» كما اعتاد الإعلام المصري تسميتها. 

  

لكن الجنرال الذي بلغ الستين من عمره للتو بدا وكأنه نجح في فرض نفسه على المشهد بالفعل. كانت سنوات ثلاث قضاها خالد فوزي على رأس جهاز المخابرات العامة المصرية ونجح خلالها في اقتلاع الجهاز من سبات طويل كفيلة بمنحه ما يكفي من الثقة للمضي قدما. ولم تكن تسمية فوزي لرئاسة أحد أكثر الأجهزة المصرية حساسية بالأساس سوى عودة اضطرارية للسيسي للسير على الأعراف التقليدية لتعيين قيادات الجهاز العريق، بعد عام ونصف من الفشل الذريع لأستاذه الروحي "محمد فريد التهامي" الذي بعثه السيسي من موت إكلينيكي بعد أن انتزعه من قلب اتهامات غير مسبوقة بالفساد ليضعه مباشرة على رأِس أهم الأجهزة السيادية في مصر.

   

  

ولكن ما غفل عنه خالد فوزي أن السيسي، وعلى مدار أربع سنوات من حكمه الفعلي، كان يحول جهاز المخابرات تدريجيًا لمقبرة لخصومه. ورغم أن فوزي لم يكن خصما للسيسي في أي وقت، في ظاهر الأمر على الأقل، إلا أنه نسي أن كل من يتولى ذلك المنصب يتحول بالتبعية لخصم مفترض ليس للسيسي وحده، ولكن لترسانة مراكز القوى التي صعدت به إلى السلطة. لم يكن من المستغرب إذن أنه، وبينما كان فوزي في أوج نجاحه، كانت مراكز القوى المنافسة له تستعد لتوجيه ضربتها على الطريقة التقليدية لمعارك تكسير العظام التي ميزت الدولة المصرية على مدار تاريخها الحديث.

 

كان هجوم مسجد الروضة الدموي في شمال سيناء، والذي راح ضحيته أكثر من 300 قتيل، فرصة مواتية للنيل من جنرال المخابرات العامة الذي يبدو أنه فرض نفسه على الصورة أكثر مما ينبغي، ورغم أن سيناء قد تحولت منذ أوائل التسعينيات إلى ساحة لصراع مراكز القوى الأمنية الكبرى في مصر: جهازي المخابرات العامة والمخابرات الحربية وجهاز أمن الدولة (الأمن الوطني)، إلا أنه -ولأسباب باتت معلومة فيما يبدو - فقد تواطأ الجميع على أن يدفع فوزي الفاتورة وحده.

 

لذا وكما أخبرتنا(1) الأحاديث الاستخباراتية الخاصة المسربة فإن تحالفا ثلاثيا، ضم كل من صدقي صبحي وزير الدفاع ومجدي عبد الغفار وزير الداخلية وعباس كامل مدير مكتب السيسي المدلل، قد عزم أمره على تقديم مطالبة صريحة للرئيس المصري لعزل مدير المخابرات العامة. وجاءت محاولة الاغتيال "المزعومة رسميًا" لوزيري الداخلية والدفاع بعد ذلك بأسابيع عبر قذيفة صاروخية استهدفت مروحية أقلتهما لمطار العريش لتضيف سببا آخر لتقوية مطلب تحالف القوى الثلاثي.

 

غير أن السيسي لم يكن يحتاج في أي وقت لأسباب إضافية لتعميق شكوكه في جهاز مخابراته العامة، معتبرًا إياه منذ اللحظة الأولى لتوليه مقاليد الحكم بعد انقلاب الثالث من يوليو/تموز وبشكل فعلي خصمه الأول داخل الدولة. وكابن مخلص للقوات المسلحة بشكل عام، ولجهاز المخابرات الحربية بشكل خاص، لم يشعر السيسي بالارتياح أبدا تجاه المخابرات العامة، حاملًا في صدره الإرث التاريخي للصراع الدائم بين أهم جناحين في منظومة الاستخبارات المصرية، خاصة إبان حكم الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك الذي أعطى جهاز المخابرات العامة صلاحيات مدنية موسعة لموازنة نفوذ الجيش. لذا لم يكن من المستغرب بحال أن يدشن السيسي ضربة البداية في صراعه مع جهاز المخابرات العامة، وبعد يومين فقط من انقلاب 3 يوليو/تموز، بتوقيع أمر إقالة "محمد رأفت شحاتة" رئيس الجهاز الأسبق الذي عينه مرسي ليضع مكانه معلمه الروحي "فريد التهامي".

   

مدير المخابرات السابق محمد فريد التهامي والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (أسوشيتد برس)

   

منذ ذلك التوقيت، لم يدخر السيسي جهدًا في تفكيك(2) مراكز القوى داخل الجهاز عبر موجات(3) متتالية من الإقالات وقرارات التقاعد شملت ما لا يقل عن 119 شخصا من أبرز ضباط ووكلاء الجهاز. ثم جاءت تسريبات(4) صحيفة نيويورك تايمز في 6 يناير/كانون الثاني لتعطي السيسي ذريعة لتوجيه الضربة القاصمة لرئيس مخابراته، عندما كشفت أن أحد ضباط المخابرات المصرية حاول التواصل مع بعض الشخصيات العامة ودفعها لتوجيه الرأي العام لقبول قرار الرئيس الأمريكي ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل.

 

كان ظهور التسريبات مجددا من الواجهة علامة على وجود تواطؤ داخل الجهاز أو حالة من فقدان السيطرة في أدنى الأحوال، والأدهى أن تلك التسريبات جاءت متزامنة تقريبا مع الجدل الذي أثاره رئيس الأركان الأسبق سامي عنان بإعلان اعتزامه الترشح للرئاسة قبل أن يتم اعتقاله لاحقا، حيث أدرك السيسي وحلفاؤه للوهلة الأولى أن عنان لم يكن ليقدم على تلك الخطوة دون ضوء أخضر من أحد الأجهزة السيادية. وعلى طريقة عبد الناصر قبل خمسة عقود حين قام بإقالة رئيس مخابراته صلاح نصر ووضع الجهاز تحت إشرافه مباشرة، أقدم السيسي على إقالة خالد فوزي، وقرر أن يسحب جهاز المخابرات عدة خطوات للوراء بوضعه تحت قيادة مدير مكتبه عباس كامل.

 

لا يخفي السيسي ولعه بعبد الناصر، وهو يجد قدرا من النشوة في قرارة نفسه لهذه المقارنة على ما يبدو، وهو ولع يبدو أنه تحول(5) لنبوءة ذاتية التحقق، حيث يخوض الجنرال المصري الجديد -الأقل كفاءة وحضورا من ناصر- معارك داخل نظامه شبيهة بتلك التي خاضها مثله الأعلى قبل عقود، وهو للمفارقة يرغب في إعادة تثبيت نسخة قديمة من ذات التوازنات التي أرساها ناصر نفسه حين شرع في بناء مجتمع الاستخبارات المصري مع صعوده للسلطة، مجتمع تحول سريعا من مجرد جهاز أمني لمجمع لمراكز القوى الصلبة للنظام السياسي، وهي مراكز أوشكت في أكثر من مناسبة أن تقوض النظام من داخله، وهددت سلطة ناصر نفسه بعد أن أًصبحت على مدر سبعة عقود الحاكم الفعلي لمصر، حتى وإن اختلفت صيغ هذا الحكم، وتباينت طبيعة معاركه وتغيرت توازنات القوى داخله ما بين عهد وآخر.

  

دولة المخابرات

حين صعد الضباط الأحرار لحكم مصر بعد انقلاب 23 يوليو/تموز عام 1952، جلبوا معهم هوسًا أمنيًا وولعًا بمؤامرات السلطة لقلب النظام السياسي الجديد الذي أرسوا دعائمه، وفي وقت لم تقتصر مخاوف الضباط الأحرار على خصومهم السياسيين الحقيقيين والمحتملين سواء من الاشتراكيين أو الإخوان المسلمين أو حتى سدنة النظام القديم، كانت المخاوف كامنة أيضا في نظرتهم لبعضهم البعض. ولم يمض وقت طويل حتى بدأت الدولة البوليسية تكشر عن أنيابها، بعد أن شرع القادة الجدد في عملية إعادة بناء لجهاز أمني واستخباراتي واسع الصلاحيات.

     

مجموعة الضباط الأحرار (مواقع التواصل)

  

أسند عبد الناصر المهمة المعقدة لصديقه المقرب العقيد زكريا محي الدين، من تم تكليفه مباشرة بإعادة هيكلة جهاز استخبارات الجيش "المخابرات العسكرية"، التي كانت الوكالة الأمنية الوحيدة في مصر وقتها، واقتصر نشاطها حينها على فحص ولاء ضباط الجيش ومكافحة التجسس ورصد وتحليل إمكانات القوى الأجنبية. وسرعان ما انخرطت المخابرات العسكرية في برنامج طويل بالشراكة مع الغرب والولايات المتحدة لمكافحة الشيوعية، وكثفت نشاطها في كشف المؤامرات الداخلية على النظام، وهو ما جعلها غير كفء بما يكفي للاضطلاع بمهام الأمن الداخلي، وهو أمر كشفته الاحتجاجات العمالية في كفر الدوار التي نشبت بعد أسابيع قليلة من حكم الضباط، ما اضطر زكريا محي الدين للدفع بجنود الجيش لقمعها.

 

كانت قيادات الجيش على قناعة بأن احتجاجات كفر الدوار لم تكن عفوية وأنها جاءت مدفوعة من قبل الشيوعيين والوفديين، الأمر الذي دفعهم للشروع مباشرة في تشكيل جهاز أمني جديد يتولى مهمة الأمن الداخلي. وتحت إِشراف الجيش، شرعت القيادة العسكرية في إنشاء جهاز استخبارات مدني جديد يقوده ضباط من المخابرات الحربية، على أن يستوعب أفراد جهاز الشرطة القديم، وأطلق على الجهاز الجديد اسم "المباحث العامة"، وتحول لاحقا لـ "مباحث أمن الدولة".

 

ولى الجهاز الجديد وجهته لواشنطن مبكرا للحصول على التدريب اللازم، وسرعان ما كان الاستخباراتي الأمريكي الشهير "كيرميت روزفلت" يجوب شوارع القاهرة كمستشار خاص، وتبعته فيالق الاستخباراتيين الأمريكيين مثل "جيمس إيشلبرجر" ثم "مايلز كوبلاند" الذي استفاد من هذه الفترة لاحقا في تدوين كتابه الشهير لعبة الأمم. لكن الولايات المتحدة لم تكن الجهة الوحيدة التي شاركت في تجهيز وحدة الاستخبارات المصرية الجديدة، وإنما استعانت تلك الوحدة أيضًا بخدمات دول أجنبية أخرى من أجل موازنة نفوذ واشنطن، وكانت ألمانيا على وجه الخصوص أحد أهم الوجهات التي يمم ناصر وجهه نحوها.

 

ترجع البدايات الأولى للعلاقات الأمنية بين مصر وألمانيا إلى العهد الملكي، حين عهد الملك فاروق بمهمة إعادة بناء الجيش المصري بعد حرب عام 1948 لمجموعة من المستشارين الألمان الذين بقي عدد منهم قيد العمل بعد انقلاب الضباط الأحرار، وأبرزهم الماجور "جيرهارد جورج مارتينيز"، من قام بتدريب وحدات حرب العصابات المصرية التي قامت باستهداف البريطانيين في منطقة القناة.

 

 

   

ولكن نظام عبد الناصر قام بتوسيع نطاق التعاون مع الألمان من خلال فتح قناة الاتصال مع الاستخبارات الألمانية، وقامت الأخيرة بترشيح جنرال نازي سابق هو "أوتو أسكورزيني" للعمل لصالح القاهرة، وقام الأخير بدوره بجلب أصدقائه القدامى من قوات الأمن الخاصة و"الجستابو" للعمل في مصر، وعلى رأسهم "ليوبوليد غليم" الرئيس السابق للجستابو في وارسو، و"أنطون بونر" وهو رئيس سابق لوحدة إس إٍس ذات التاريخ الوحشي في ألمانيا النازية، وقد ساهم هؤلاء الرجال في نقل أداء أجهزة الأمن المصرية لمستوى غير مسبوق من الوحشية وحكم الحديد والنار.

 

على مدار الأعوام التالية، قادت أجهزة الأمن الناصرية حملة من القمع غير المسبوق ضد المعارضين السياسيين المحتملين للنظام، وقامت أجهزة الاستخبارات بحملة تنقية شاملة لأجهزة الدولة من ذوي التوجهات السياسية، حملة وصلت لقلب الأجهزة الأمنية ذاتها حيث تم فصل 400 من ضباط الشرطة بدعوى «التعاطف مع الإخوان»، كما مست حملات التصفية كبار قادة الجيش مثل العقيد "حسن النجار"، نائب مدير المخابرات العسكرية، الذي تم اعتقاله على خلفية القضية الشهيرة بـ "مؤامرة ضباط الصف".

 

وفي ظل تركيزهم على تأمين نظام حكمهم الوليد، لم يكن الصراع مع إسرائيل يشكل أولوية فعلية بأي حال للضباط الأحرار في بداية حكمهم، غير أن الكيان العبري اختار نقل المواجهة من خلال ما عرف لاحقا باسم "العملية سوازانا"، عملية شملت تحريك خلايا تخريبية في القاهرة والاسكندرية من اليهود المصريين. وقد نشطت هذه الخلايا بشكل خاص في صيف عام 1954 بينما كانت مصر تتفاوض مع بريطانيا حول الانسحاب من منطقة القناة، وكانت العملية سوزانا هي الخطة التي وضعتها إسرائيل لوقف الانسحاب البريطاني من مصر.

 

فشلت العملية سوزانا في نهاية المطاف ونجحت أجهزة الاستخبارات المصرية في الكشف عن الخلايا وتفكيكها. وفي مقابلة لاحقة مع هيئة الإذاعة الأمريكية "إن بي سي"، كان زكريا محي الدين يفجر قنبلته حين أعلن للعالم أن القاهرة تمتلك أدلة دامغة على علاقة المخربين بالمخابرات الإسرائيلية "الموساد". وفي وقت سببت فيه "سوزانا" هزة سياسية كبيرة في إسرائيل اضطر على إثرها وزير الدفاع بنحاس لافون للاستقالة، كانت الهزة التي سببتها في مصر أقل وضوحا ولكنها أكثر عمقا، حيث كانت تلك هي اللحظة التي أدرك فيها نظام الضباط حاجتهم لجهاز استخباراتي جديد مختص بالمهام الخارجية، سيعرف فيما بعد باسم "المخابرات العامة المصرية".

    

على اليمين زكريا محي الدين (مواقع التواصل)

   

مرة أخرى، أسندت المهمة لزكريا محي الدين، وكانت قائمة البلدان المستهدفة مع ضربة البداية تضم اسمين فقط هما بريطانيا وإسرائيل. في تلك الفترة كان ناصر يخطط للانتقال بشكل منهجي من الزعامة المحلية للزعامة الإقليمية، وقد أدرك أن دور لندن المهيمن في الشرق الأوسط يشكل عقبة رئيسة أمام طموحاته، في وقت كانت علاقته مع الغرب آخذة في التدهور تدريجيا مع تشكيل "محور عدم الانحياز" وتصاعد خطاب القومية العربية.

 

في تلك الأجواء تم تأسيس جهاز المخابرات العامة، وحل محل المخابرات العسكرية في مجال الاستخبارات الأجنبية، والأهم أنه لعب الدور الرئيس في تطوير الذراع الدعائية لسياسة ناصر الخارجية، من خلال إشرافه على هيئة الإذاعة المصرية لتنمو بشكل غير مسبوق في عام واحد ولتوسع برامجها الإذاعية من البرامج المحلية، وتم تدشين بث إذاعة صوت العرب بثمانية لغات لإفريقيا وآسيا. ولم يقتصر الأمر على الدعاية فحسب في غضون السنوات التالية، وخاصة في وقت رئاسة "صلاح نصر" للجهاز، وطور جهاز المخابرات العامة المصرية أذرعا أثارت الاضطرابات في جميع دول المنطقة، ودعم حركات التحرر والاضطرابات الفئوية وحتى الانقلابات في الكثير من دول الشرق الأوسط وحتى إفريقيا، من الجزائر في الغرب للعراق وإيران والسعودية في الشرق وحتى في أثيوبيا والكونغو.

 

ولكن المغامرة الأكثر كلفة ودرامية لناصر وأذرعه الخارجية كانت التدخل الدرامي في اليمن بكل تأكيد. كان تقييم الاستخبارات المصرية أن التدخل لدعم الجمهوريين ضد النظام الملكي الزيدي سوف يمنح مصر موطئ قدم في مضيق باب المندب الاستراتيجي، كما يمكن أن يحول اليمن لقاعدة استخباراتية لزعزعة استقرار النظام السعودي المناوئ لناصر، والأهم أنه سوف يسهم في استعادة جزء من هيبة النظام المفقودة بعد انهيار الوحدة مع سوريا قبل أقل من عام. ورغم أن القوات المصرية لم تبدأ في التدفق رسميا لليمن سوى في أواخر عام 1962 بعد انقلاب الجمهوريين، فإن القاهرة كانت تزرع أصولها هناك قبل ذلك بعدة أعوام على الأقل، وتحديدا منذ منتصف الخمسينيات من خلال تجنيد الطلاب اليمنيين والضباط الذين قدموا للالتحاق بالمدارس العسكرية في مصر.

 

لم يكن دخول القوات المصرية لليمن مفاجئا إذن، ولكنه سرعان ما برهن على الفشل المتعدد المستويات للأجهزة الأمنية المصرية التي فشلت في توقع حجم التمرد الريفي الذي واجهه الجيش المصري في شمال اليمن، والذي انتعش بشكل أكبر من خلال التضاريس الجبلية الشائكة، أما على المستوى الاستراتيجي فإن الحرب أثبتت أن المخابرات المصرية كانت تفتقر لمصادر للمعلومات الدقيقة حول المجتمع اليمني، وهياكله القبلية المعقدة. وقد أدى نقص المعلومات الاستخباراتية لتوقع خيالي في القاهرة حول حرب ناجعة وقصيرة الأمد، ولكن مع قدوم عام 1965 كانت الحرب قد ابتلعت 70 ألفا من الجنود المصريين. ولم تفق مصر من سكرة حرب اليمن إلا على أصداء الدراما المدوية لهزيمة عام 1967 وما بعدها.

   

   

فجرت نيران الهزيمة المعارك المكتومة بين أساطين الأجهزة الأمنية المصرية، وبدأت رحى معارك الظل في الدوران حول من سيدفع فاتورة الهزيمة. دفعت الهزيمة جمال عبد الناصر لأحد أكثر مواقفه ضعفا، وكان قاب قوسين أو أدنى من أن يطاح به من الرئاسة ضمن الأحداث التي عرفت في وقت لاحق تحت مسمى "مؤامرة المشير عامر". ومع سيطرته على الجيش والاستخبارات العسكرية بقيادة صديقه المقرب "شمس بدران"، ومع وجود صلاح نصر المقرب منه على رأس المخابرات العامة، تحول عبد الحكيم عامر إلى أقوى رجل في مصر.

 

ولكن ناصر، وبعد أن جدد شعبيته من خلال مقامرة التنحي، قرر أن يستغل الهزيمة للتخلص من مراكز القوي المتضخمة داخل نظامه. وفي أعقاب "انتحار" عبد الحكيم عامر في ظروف لا تزال غامضة لليوم، شرع ناصر مباشرة في التخلص من رفاقه القدامى مستغلا السمعة الوحشية لجهاز المخابرات في المداهمات والتعذيب وانتزاع المعلومات، بعد أن فجر قضية "انحرافات المخابرات" الشهيرة، ووعد بتفكيك دولة الاستخبارات ليزج بصلاح نصر وشمس بدران وعشرات من كبار العسكريين والمدنيين لمحاكمة عسكرية شاملة، محاكمة انتهت بهروب شمس بدران، وما مجموعه 40 عاما من السجن لصلاح نصر في قضيتي انحرافات المخابرات ومؤامرة المشير عامر.

 

لكن دولة المخابرات التي وعد ناصر بتفكيكها لم تكن قريبة من ذلك التفكك بحال، وبدلا من ذلك فإنه عمد لإرساء توازن أكثر دقة داخل مجتمع الاستخبارات من خلال وضع رجال جدد وربط المنظومة الاستخباراتية به بشكل شخصي.

 

قامت منظومة ناصر الاستخباراتية الجديدة على ثلاثة أركان، أولها مساعده "سامي شرف" الذي يدير جهاز معلومات الرئاسة والذي منح صلاحيات موسعة، وثانيها هو أمين هويدي الذي منح المسؤولية عن جهازي المخابرات العامة والحربية معا، ووزير الداخلية شعراوي جمعة الذي أشرف على جهاز المباحث العامة. وفي حين قلص أمين هويدي من انخراط أجهزة مخابراته مباشرة في الحياة العامة، ووجه المخابرات العسكرية للتركيز على البيئة الاستراتيجية الجديدة في ظل احتلال سيناءنمن قبل إسرائيل، تُركت مهمة الأمن الداخلي وممارسة القمع المتوسع من نصيب جهاز المباحث العامة.

 

البيات الشتوي

بدا أن الأمور تسير على ما يرام مع الكهنة الجدد، إلا أن ناصر سرعان ما هز كل شيء حين قام بتسمية أنور السادات كنائب لرئيس الجمهورية، وهو اسم قادم من خارج مراكز القوي التقليدية رغم انتمائه لحركة الضباط الأحرار وعضويته في مجلس قيادة الثورة، وعنى ذلك أن وفاة ناصر ستفجر الأوضاع من جديد، وهو ما حدث بالفعل خاصة أن السادات لم يكن يحمل نفس المودة التي كنها سلفه لدولة الاستخبارات العتيدة ومؤسساتها التقليدية.

   

شعراوي جمعة - وزير الداخلية في عهد جمال عبد الناصر (مواقع التواصل)

  

وصل السادات للسلطة محاطا بدائرة داخلية من رجال ناصر المقربين من أبناء دوائر الاستخبارات، وهم نائب رئيس الجمهورية "علي صبري"، ووزير الحربية "محمد فوزي"، ووزير الداخلية "شعراوي جمعة"، وسكرتير مكتب الرئيس "سامي شرف". ولم يمض وقت طويل قبل أن تدخل المخابرات العامة في قلب الصراع على السلطة حين أطاح السادات بزعيمها "محمد حافظ إسماعيل" ليحل محله ضابط المدفعية "أحمد كامل".

 

لم تمض عدة أشهر قبل أن يقدم السادات على خطوته الكبرى بإقالة وزير الداخلية "شعراوي جمعة"، من ارتبط اسمه بقدر كبير من الوحشية بسبب انتهاكات المباحث العامة، وهي خطوة عارضتها مراكز القوى الناصرية، محاولة إحداث فراغ قيادي في النظام الجديد عبر استقالات جماعية كان السادات مستعدًا لها على ما يبدو، قبل أن يبادر بالانقضاض على خصومه واعتقالهم وتحويلهم للمحاكمة بتهمة قلب نظام الحكم، ضمن ما عرف آنذاك بـ "ثورة التصحيح" التي تزامنت مع إقدام السادات مرة أخرى على تغيير رئيس مخابراته "أحمد كامل"، متهمًا إياه بالفشل في كشف المؤامرة على نظام الحكم ليضع مكانه "أحمد إسماعيل".

 

خلال السنوات الأولى من حكمه، صب السادات جام غضبه على جهاز المباحث العامة، فجرده من الكثير من سلطاته، وقام بحرق أرشيف التجسس التاريخي للجهاز وحول اسمه لمديرية أمن الدولة. وبينما كانت بوصلة الاستخبارات المصرية تتجه نحو العمليات الداخلية بدلا من العمليات الخارجية، باستثناء أفغانستان، بسبب التحول الجوهري في الأهداف الوطنية والسياسة الخارجية والتخلي عن طموحات ناصر الموسعة، ألقى ذلك بظلاله على هيكل الاستخبارات في مصر، حيث هيمنت المخابرات العسكرية بشكل كبير خلال حقبة ما قبل عام 1973، ولكن تأثيرها بدأ في التلاشي مع اتجاه مصر للسلام مع إسرائيل، وعودة مهام الأمن الداخلي للواجهة، ما كان يعني توسعا تدريجيا لجهاز أمن الدولة. غير أن السادات لم يكن يدرك أنه سيدفع حياته ثمنا للفشل الأكبر للجهازين، حيث فشل أمن الدولة في رصد تفاصيل عملية اغتياله عام 1981، في حين فشلت المخابرات الحربية في كشف حجم توغل الفكر الجهادي بين صفوف ضباط الجيش المصري.

 

تم إعلان حالة الطوارئ مباشرة في أعقاب اغتيال السادات، ولكن أحدا لم ير جنود الجيش في الشوارع. كانت تلك علامة لا تخطيء حول ريبة القادم الجديد للرئاسة نحو ولاء الجيش. كان مبارك ضابطا قادما من سلاح الجو الذي لا يعد(6) مركزا تقليديا للثقل في العسكرية المصرية، وفي ظل أجواء مؤامراتية صاحبت مقتل السادات، وتحقيقات طالت الكثير من أفرع الجيش وقادة الاستخبارات العسكرية على وجه الخصوص، تعلم مبارك مبكرا الدرس من تجربة سلفه، وأيقن أن مجرد انتمائه للمؤسسة العسكرية لا يكفي لأن يراهن بحكمه فقط على دعم الجيش.

   

   

تسببت سنوات الارتباك الأولى في عصر مبارك في نشوب صراع داخلي بين الأجهزة الأمنية المصرية، خاصة بين الاستخبارات العسكرية وبين جهاز أمن الدولة الذي أولاه الرئيس الجديد ثقة كبيرة. على كل حال، كان الارتقاء الكبير لجهاز أمن الدولة السمة الأكثر بروزًا للعقد الأول لحكم مبارك، حيث اضطلع الجهاز الجديد بالدور الأكبر في الأمن السياسي لمبارك وحاشيته، ما عنى توليه زمام الأمور في حرب الدولة المصرية ضد الجهاديين، وهو ما مكنه من تأسيس شبكة واسعة من النفوذ امتدت في جميع هياكل البيروقراطية المدنية وصولا للجامعات، مشكلا شبكة استخبارات بشرية ضخمة شملت آلافًا من المخبرين تنوعت وظائفهم من بوابي الفنادق والعمارات السكنية، لعمال النظافة وتجار البقالة وسائقو سيارات الأجرة، كما قام الجهاز باستغلال جحافلًا من الشباب العاطلين عن العمل الجالسين على المقاهي أو في الشوارع بالقرب من الفنادق الكبرى والمواقع السياحية والمرافق الدبلوماسية الأجنبية.

 

في تلك الفترة كان "الجهاديون" قد بدأوا بالتكشير عن أنيابهم بوضوح في مصر تزامنا مع نهاية حقبة "الجهاد الأفغاني" وعودة "المجاهدين" لديارهم الأصلية. لم يكن مبارك مهتما بالمشروع الأمريكي لمحاربة الشيوعية في أفغانستان بقدر اهتمام السادات، ولكن أفغانستان مثلت بالنسبة لمبارك ساحة مناسبة لتوجيه الاستياء الإسلامي بعيدا عن مصر، بمن في ذلك المسجونين لمدد قصيرة والذين أفرج عنهم النظام مع وعد ضمني بمغادرة البلاد وعلى رأسهم "أيمن الظواهري". على جانب آخر كانت المشاركة المصرية في أفغانستان فرصة مناسبة لاستجلاب دفعات نقدية أمريكية وسعودية ودعم جهود مبارك للحصول على السلاح والتدريب الأمريكي.

 

ولكن "التجربة الجهادية المصرية" أثبتت سريعا أنها أكبر بكثير من أن يتم التعامل معها كشأن داخلي محض، مع تبلور أفكار الجهاد العالمي وتأسيس شبكة الجهاديين العابرة للحدود المتمثلة في تنظيم القاعدة. وتزامن ذلك مع حزمة جديدة من التهديدات في بيئة الأمن القومي المصرية، تمثلت في تصعيد النظام "الإسلامي الإيراني" من عدائه ضد مصر، ونجاح انقلاب "الترابي" في تأسيس إمارة إسلامية محتملة في السودان عملت كقاعدة دعم لخصوم النظام المصري، وتصاعد التمرد المسلح في الصعيد من خلال "الجماعة الإسلامية"، وتزامنت هذه التهديدات مع حالة استياء حضري وريفي لم يسبق لها مثيل بفعل عدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية، وبفعل شبكة المحسوبية التي أسسها نظام مبارك، مع إطلاقه اليد الوحشية لأمن الدولة لممارسة الاعتقال والتعذيب بلا حدود.

 

ولكن الواقعة التي هزت نظام مبارك بشكل حقيقي كانت واقعة التمرد الداخلي لجهاز الشرطة، المعروفة لاحقًا بـ "أحداث الأمن المركزي". في عام 1986 واجهت الحكومة تمردا من قبل قوات الأمن المركزي التابعة لوزارة الداخلية، وهي كتائب مسلحة شبه عسكرية غير تابعة للجيش أسسها السادات في أعقاب انتفاضة الخبز الشهيرة في السبعينيات، ووسعها مبارك بشكل غير مسبوق لتوفير الحماية المدنية لنظامه دون أن يكون مضطرا للجوء إلى الجيش. ولكن مع التمرد الجماعي لـ 17،000 ألفا من مجندي قوات الأمن الشعبي بأعمال شغب في فبراير / شباط 1986 على شائعات بأن مدة كتابتهم ستمدد سنة واحدة، تم تسليط الضوء على الأمن المركزي، وكان على مبارك أن يدعو الجيش من جديد لاستعادة النظام.

  

وزير الداخلية المصري السابق اللواء زكي بدر(مواقع التواصل)

 

سببت أحداث الأمن المركزي ضربة كبيرة لنفوذ أمن الدولة، دافعة مبارك لإقالة وزير داخليته "زكي بدر" ورئيس جهاز أمن الدولة، وتم نقل المئات من ضباط الجهاز وأحيل العشرات منهم للتقاعد. إلا أن انتفاضة الأمن وما تلاها جعلت مبارك يدرك أهمية الحفاظ على ولاء الجيش وخطورة تهميشه بشكل كامل لصالح دولة الأجهزة الأمنية، رغم أن مبارك زاد في ميزانية الأجهزة الأمنية ورفع تعداد قواتها بشكل غير مسبوق إلى ما يقارب 1.5 مليون شخص، وهو ما يعادل مرة ونصف ضعف القوة العددية للجيش بما في ذلك قوات الاحتياط.

 

دأب الرجل أيضًا يخطط لدمج الجيش بأكمله داخل نظام المحسوبية السياسية الذي أنشأه، وعلى عكس عبد الناصر الذي حذر (7) يوما أنه «لا يريد سياسيين داخل الجيش»، ولكنه يريد «الجيش ككلّ ليشكّل في حدّ ذاته قوة في العملية السياسية الوطنية» كما قال، عكس ذلك لم يكن مبارك يرغب في إبراز الجيش كقوة سياسية، ولكنه أراد دمج ضباطه ضمن شبكاته الخاصة للمحسوبية والولاء، مع منع صعود عسكري قوي يمكن أن ينافسه في سلطته.

 

كان من الطبيعي في ضوء ذلك أن يسعى مبارك مباشرة للتخلص من "أبو غزالة"، المنافس الرئيس الذي يمكن أن ينازع سلطته بسبب شعبيته الجارفة سواء داخل المؤسسة العسكرية أو حتى على الصعيد الشعبي، وهو ما فعله بالفعل عام 1989 ليضع محله "يوسف صبري أبو طالب" لفترة مؤقتة، قبل أن يعين "حسين طنطاوي" قائد الحرس الجمهوري السابق للمنصب في مايو/أيار 1991.

 

كان طنطاوي جنديا مطيعا لمبارك لدرجة أنه وصف من قبل بعض ضباطه بأنه «كلب مبارك» كما ورد في إحدى برقيات ويكيليكس، وضمن مبارك من خلال وجوده تسريع عملية ضمّ سلك الضباط في القوات المسلحة لداخل نظامه، حيث أصبح المتقاعدون العسكريون يشغلون وظائف مرموقة في البيروقراطية الحكومية. وجاءت النقلة الكبرى حين أطلق مبارك حملة كبرى لخصخصة المشاريع الاقتصادية التابعة للقطاع العام، على خلفية مفاوضات مع صندوق النقد الدولي، حيث نقلت عمليات الخصخصة المشوهة حصة كبيرة من الاقتصاد الحكومي ليد الضباط الذين تركوا السلاح وراكموا الثروات والممتلكات في محافظهم.

   

الرئيس المصري السابق حسني مبارك والمشير حسين طنطاوي (رويترز)

   

عن طريق هذه السياسة، نجح مبارك في تطويع المجتمع العسكري المصري تحت سيطرته، ولكن ثقته في الجيش لم تصبح كاملة بحال. وكان أفول نجم "الجهاديين" المحليين وتجدد بروز الظاهرة الجهادية العابرة الحدود إضافة لتحولات في البيئة الأمنية بعد حرب الخليج ناقوس خطر جديد للنظام المصري، ناقوسًا ارتبط بعصر ذهبي جديد لجهاز المخابرات العامة الذي كان قد دخل في بيات شتوي طويل على مدار العقدين الماضيين. وكانت محاولة اغتيال مبارك في إثيوبيا عام 1995 ضربة بداية العصر الذهبي الجديد للمخابرات العامة، حيث تم إحباط العملية بفضل تدخل حاسم للجهاز ورئيسه الجديد، اللواء "عمر سليمان"، ليتحول في السنوات التالية لأحد الأيقونات المميزة للنصف الثاني من حكم مبارك الطويل.

 

كان عمر سليمان بالأساس ضابطا عسكريا سابقا، يتمتع بخبرة سياسية، ولديه سابقة في قيادة المخابرات الحربية صنع خلالها علاقات واسعة مع المخابرات الأمريكية، رغم تلقيه التدريب خلال سنواته المهنية الأولى في الاتحاد السوفيتي. وأعاد تعريف علاقة الاتصال مع وكالة المخابرات المركزية. وبفضل هذه الخلفية أعاد عمر سليمان تجديد العلاقة بين أجهزة الاستخبارات المصرية وبين السي آي إيه، ما عنى أن مصر سوف تنقل حربها مع الجهاديين للخارج.

 

نقلت العلاقة مع الأمريكيين والدور الذي لعبه عمر سليمان كوسيط بين واشنطن والقاهرة المخابرات العامة لقلب المركز الحقيقي للسلطة في مصر، وأسهم في ذلك التبعية المباشرة للجهاز لرئيس الجمهورية، عكس أجهزة الاستخبارات الأخرى التي تتبع اسميا إما وزارة الداخلية أو وزارة الدفاع. وقد منحت المخابرات العامة أدوارا خارجية بشكل أساسي، ولكنها اضطلعت أيضا بحصة رئيسة من مهام الأمن الداخلي، كما اضطلعت أيضا بحقيبة من المهام السياسية المرتبطة بالأمن، وعلى رأسها ملف الفصائل الفلسطينية وقبائل سيناء الذي نقله مبارك من أمن الدولة ووضعه تحت سلطة المخابرات العامة.

   

مدير المخابرات السابق اللواء عمر سليمان (رويترز)

  

على المستوى المدني، ونتيجة الضبابية الكثيفة والهالة المتعمدة من الغموض والتقديس التي أحيطت بها المخابرات، بقيت مشاركاتها في الحياة المدنية وعلى الأخص في كعكعة اقتصاد نظام مبارك غير واضحة، رغم أن انخراط المخابرات في النظام الاقتصادي قديمة وتعود لعهد صلاح نصر نفسه، حين أسست شركة النصر بموافقة من الرئاسة من أجل تمويل أنشطة الجهاز. ولكن يعتقد أن جهاز الأمن القومي، أكبر الأفرع الثلاثة للمخابرات إضافة لجهاز الاتصال وجهاز التقدير والمعلومات، قد لعب لسنوات طويلة دورا في السيطرة على الحياة السياسية من خلال اختراق الأحزاب الكبرى وطبقات رجال الأعمال والصحف الحزبية والخاصة، إضافة لامتلاك(8) الجهاز من الباطن لعدد من الشركات التي تستثمر في مجالات مختلفة مثل شركة وادي النيل للمقاولات.

 

ومع دخول العقد الأخير من حكم مبارك بدا أن صيغة حكمه باتت مستقرة بشكل كبير في صورة نظام سياسي مدني، تشرف عليه المخابرات العامة، ويراقبه جهاز أمن الدولة، ويتدخل الرئيس دوما لمنع الاشتباك بين الجهازين، بالتوازي مع بيروقراطية عسكرية نافذة ينخرط قادتها في شبكات المحسوبية المستقرة التي صنعها النظام. غير أن دخول نجل الرئيس "جمال مبارك" للواجهة في الأعوام الأخيرة أخل نسبيا بتلك التوازنات، ولعب دورا حاسما على الأرجح في دفع للجيش للتدخل بشكل مباشر للإطاحة بمبارك مستغلا الانتفاضة الشعبية ضد حكمه مطلع عام 2011، ليصعد الجيش كمؤسسة للسلطة وتنقلب لعبة التوازنات من جديد.

  

قلب الطاولة

    

في العاشر من يوليو/تموز عام 2012، بث التليفزيون الأرضي والفضائي الحكومي فيلما تسجيليا مدته 41 دقيقة تحت اسم "كلمة وطن" بمناسبة الذكرى 57 لتأسيس جهاز المخابرات العامة. سلط(9) الفيلم الضوء على أهم عمليات الجهاز، مع تسليط الضوء بشكل خاص على دور جهاز المخابرات في سد الفراغ الأمني بعد جمعة الغضب، وإحباط محاولات استهداف المتظاهرين أثناء الثورة، والتصدي لجهود الإضرار باقتصاد البلاد من خلال تزييف العملات. وبدا الفيلم محاولة من المخابرات للعودة للمشهد بعد عام ونصف من الانزواء منذ الإطاحة بمبارك.

 

قلبت الإطاحة بمبارك توازنات القوى بين الأجهزة الأمنية رأسا على عقب، وكان جهاز أمن الدولة الضحية الأولى حيث تعرض للحل والانزواء الكامل من المشهد بعد أن حمله الجميع مسؤولية خروج المتظاهرين على مبارك، وألقوا باللوم على نفوذه المتوسع وتكتيكاته الوحشية. ومع تولي الجيش زمام المسؤولية بشكل فعلي، لم يدخر طنطاوي ورجاله جهدا في الإجهاز على دولة المخابرات وصولا لإقصاء عمر سليمان من سباق الانتخابات الرئاسية عام 2011.

 

عرفت فترة ما بعد مبارك هيمنة مطلقة للجيش ليس فقط على الحياة السياسية ولكن على البيروقراطية الأمنية بأكملها، في ظل انهيار وزارة الداخلية واهتزاز معظم شبكة الولاء التي أسستها المخابرات العامة بين النخب السياسية ورجال أعمال عهد مبارك. ولم تفلح محاولات الرئيس المعزول "محمد مرسي" لإعادة الاتزان بين الأجهزة الأمنية من خلال تصعيد قيادات جديدة للجيش على رأسها رئيس المخابرات العسكرية آنذاك عبد الفتاح السيسي إلى منصب وزير الدفاع، أو عن طريقة محاولة إحياء وزارة الداخلية، أو التلاعب بتوان القوى داخل جهاز المخابرات العامة عبر تعيين محمد رأفت شحاته _ابن جهاز الاتصال_ على حساب مراد موافي في محاولة لنقل مراكز الثقل في الجهاز بعيدا عن هيمنة الجيش.

 

لم تفلح تلك المحاولات في تغيير الكثير من الأوضاع الراهنة، بل إنها لم تضمن بقاء مرسي نفسه في مقعده طويلا، فبعد عام واحد فقط كان مرسي يقذف خارج السلطة عبر انقلاب عسكري قاده عبد الفتاح السيسي نفسه، القادم من مراكز القوى التقليدية في الجيش وتحديدا من جهاز المخابرات العسكرية. وصعد السيسي إلى السلطة مع هدف واضح: أن يضع نفسه مركزا لنظام سياسي قائم بشكل مباشر على هيمنة الجيش. وبعد أسابيع قليلة من انقلابه، جلب السيسي أستاذه الروحي(10) ورئيس المخابرات العسكرية محمد فريد التهامي على رأس جهاز المخابرات العامة. 

   

يمين الصورة اللوء محمد رأفت شحاتة مدير المخابرات السابق أثناء تسليم الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط على الحدود المصرية مع قطاع غزة (مواقع التواصل)

    

ينتمي(11) التهامي لمعسكر الصقور في المؤسسة العسكرية المصرية، ولعب(12) دور الوصي المختار للفساد والمحسوبية والإفلات من العقاب لنظام مبارك من خلال رئاسته لهيئة الرقابة الإدارية، وأسهم في إخفاء أدلة يمكن أن تدين مبارك ونجليه وعدد من رموز نظامه، وعلى رأسهم رئيس الوزراء ومرشح الرئاسة السابق أحمد شفيق، بقضايا فساد كبرى، كما أسهم في حماية أعضاء في المجلس الأعلى للقوات المسلحة من اتهامات فساد وتربح من بيع الوقود المدعوم.

 

يرى التهامي أيضا أن التساهل مع مجموعات الشباب والحقوقيين هو الخطأ الاستراتيجي الذي ارتكبه نظام مبارك وأدى لثورة يناير، ويجب تجنب تكراره مرة أخرى، لذا فإن كثيرين يميلون لإحالة بعض مواقف السيسي الأكثر تشددا في أعقاب انقلابه لنصائح "التهامي"، من كان يرى ضرورة «إبعاد جماعة الإخوان المسلمين وسحقها»، وينسحب موقفه ذاته على حركة حماس، بعكس التقاليد الراسخة لجهاز المخابرات العامة الذي تولى لعقود مهمة التواصل والتوسط بين الفصائل الفلسطينية.

 

كان تولي التهامي لملف المخابرات العامة محاولة لإخضاع الجهاز وطيه بشكل كامل تحت سلطة الجيش، ولكن الجهاز قاوم محاولات تطويعه مستندا على شبكة محسوبية عتيقة خاصة به شملت صفوفا من البيروقراطيين ورجال الأعمال ووسائل الإعلام. ويبدو أن كبر سن التهامي أو اختلاف أسلوب عمله عن الطريقة التقليدية لتسيير الأعمال داخل المخابرات قادت مثل السيسي الأعلى لفشل ذريع، تحول بموجبه عصره إلى عصر ذهبي لتسريبات استهدفت الرئيس وسُجلت من هاتف مدير مكتبه.

 

ومع التقلبات الشديدة في البيئة الأمنية الإقليمية، وبروز ملفات حساسة متعلقة بالأمن القومي للواجهة مثل سد النهضة والخلافات مع السودان وحرب اليمن، ووصول السيسي لقناعة(13) بأهمية التعاون مع حماس من أجل السيطرة على الأمور في سيناء، قرر الجنرال المصري أن يخفف من سياسته المتشددة تجاه المخابرات نسبيا، وجلب خالد فوزي لرئاسة الجهاز، مع الحفاظ على حملات تنصيب الموالين وتفكيك مراكز القوى داخله. وعلى مدار ثلاث سنوات قضاها رئيس الجهاز الجديد في منصبه، انتزع فوزي المخابرات العامة من سبات طويل، لتعلب أدوارا فاعلة في ملفات حيوية تتعلق بمصالح النظام المصري في لبنان وسوريا والسودان وسيناء والفصائل الفلسطينية، وحتى في أزمة الخليج.

    

غير أن النشاط المكثف لفوزي وجهاز مخابراته لم يخل من إزعاج للسيسي، من تشتعل الصراعات الداخلية مرة تلو المرة بين أركان نظامه ليخرج صداها لوسائل الإعلام في أكثر من مناسبة، لدرجة أن إعلاميين مثل يوسف الحسيني ولميس الحديدي ومن قبلهم توفيق عكاشة أشاروا بشكل صريح لصراع(14) أجهزة الأمن على ساحات الإعلام، وهو صراع لا يتوقف على استقطاب وتوظيف الإعلاميين ولكنه يتحول تدريجيا لمعركة طاحنة للسيطرة على ملكية الساحة الإعلامية المصرية التي تحولت لساحة حرب بين الأجهزة السيادية.

  

مدير المخابرات السابق اللواء خالد فوزي ورئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية (رويترز)

  

على سبيل المثال، وقبل أيام قليلة من نهاية العام الماضي 2017، وقعت شركة تدعى "إيجل كابيتال" للاستثمارات المالية على عقد لشراء حصة مهيمنة في مجموعة إعلام المصريين المالكة لشبكة من القنوات والصحف ذائعة الصيت في مصر، وقد تبين سريعا أن "إيجل كابيتال" لا تعدو كونها صندوق استثمار مباشر مملوك لجهاز المخابرات العامة. وقبل ذلك بفترة قليلة، كانت شركة فالكون التي يديرها وكيل المخابرات الحربية الأسبق شريف خالد توسع وجودها هي الأخرى في مجال الإعلام بعقد ضخم لشراء إحدى أكبر الشبكات التلفازية العربية.

 

لا يقف صراع الأجهزة السيادية اليوم على عتبة الإعلام، لكنه يضرب بجذوره في بعض الملفات الأمنية والأكثر حساسية للدولة المصرية، ومن ذلك ما عزته(15) الدوريات الاستخباراتية في أكثر من مناسبة حول تأثير الصراع بين جهاز المخابرات العامة من ناحية، وجهازي المخابرات العسكرية والأمن الوطني من ناحية أخرى، على العمليات العسكرية في سيناء، وهو ملف يمتد لفلسفة إدارة العلاقات مع القوى الفعالة في شبه الجزيرة وعلى الضفة الأخرى من الحدود في قطاع غزة، ويصل إلى الخلاف حول المصالح المالية المرتبطة بالصراع في سيناء، وفق ما روته(16) صحيفة الأخبار اللبنانية على عهدتها مؤخرا من كون الاضطراب المتكرر حول فتح وإغلاق معبر رفح راجع بالأساس لـ «خلاف بين الأجهزة السيادية المصرية»، والانتقادات الموجهة للمخابرات الحربية بالتربح من المعبر على حساب الاعتبارات الأمنية أو إغلاقه بغية ممارسة ضغوط على حماس. كما يمتد الصراع للملف الأفريقي المرتبط بسد النهضة والأمن المائي لمصر، والذي يبدو أنه يسحب تدريجيا من المخابرات العامة، وأن المخابرات الحربية تمارس(17) فيه اليوم نفوذا أكبر.

 

ويبدو أن السيسي، من خلال الإقدام على إبعاد فوزي، قرر العودة من جديد للخطة صفر المتمثلة في رؤيته الأصلية لنظام الحكم الراغب في تشكيله، نظام يقف فيه الجيش كمؤسسة -كما كان في عهد ناصر- وأفراد -كما في عهد مبارك_ على قمة الهرم السياسي والأمني في مصر، مع تنظيم سائر مؤسسات الدولة الأمنية والبيروقراطية في هيراركية تابعة خلف الجيش، وهي رؤية تتطلب في جوهرها إعادة تنظيم(18) مجتمع الاستخبارات وترويض وحوشه المفترسة ودفعها إلى أقفاصها في هدوء، إلى حين.

 

ولكن رؤساء مصر تعلموا بالتجارب الصعبة أن ترويض مراكز القوى غالبا ما يكون مهمة صعبة ومكلفة مقارنة باستئناس المجتمع وقواه الشعبية وحتى فصائل المعارضة على اختلاف توجهاتها، وهي ذات التجارب التي أثبتت مرارا وتكرارا أن التهديدات الحقيقية للحاكم في مصر غالبا ما تنبع من داخل نظامه ذاته، ومن داخل ديناميات الصراعات الذاتية فيه، والتي تصنع نمطا خاصا من التبادل الدوري للنفوذ بين مختلف القوى داخل النظام نفسه، لتعمل كبديل لتبادل السلطة التقليدي في الأنظمة الديمقراطية، ويتم خلالها تجديد وجه النظام الديكتاتوري أو الشمولي والتخلص من بطاقاته ووجوهه المحترقة. ديناميات كادت تطيح بناصر في وقت ما، ودفع السادات حياته ثمنا لها، وخسر مبارك حكمه بفعل اختلالها المفاجئ في لحظة هبة شعبية، ولا يبدو أن السيسي يملك حصانة خاصة منها، مهما بالغ في استخدام نبرات التهديد والوعيد التي تخفي طموحات شخصية مهددة، وحروب تكسير عظام خلف الكواليس يبدو أنها لا تنتهي.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار