هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
"التلاعب بالجماهير"..  كيف تشتري أموال الأثرياء نتائج الديمقراطية؟

"التلاعب بالجماهير".. كيف تشتري أموال الأثرياء نتائج الديمقراطية؟

محمد جمال الدين

محرر سياسة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
       

"إذا تركزت السيطرة على الإذاعة في أيدي قلة من الناس، فلا يمكن لأي أمة أن تكون حرة"

(جوي إلمر مورجان، أحد مسؤولي الإذاعة الأميركية، وسيلة الإعلام الأولى في الثلاثينيات)

 

لم يكن "ألكسندر نيكس" معتادا على أن يعيش أياما متوالية بتوتر، فطالما عُرف بتكتيكاته في انتقاء زبائنه وتغطية آثاره لدى عقده لأي صفقة، تكتيكات كانت سبب ثقته الدائمة بخطاه منذ تأسيسه لشركته "كامبريدج أناليتيكا" المعروفة بخدماتها الإعلامية المدفوعة للسياسيين في واشنطن، لكن طبيعة التساؤلات التي وصلته عبر البريد الإلكتروني من مُعرّف غير معتاد أفقدته شعوره بالأمان والثقة، شاعرا بالارتباك بجوار دائرة ضيقة من موظفيه، وهو يقرأ رسالة من إدارة "القناة الرابعة" البريطانية تطلبُ فيها توضيحات حول مجموعة من النشاطات "غير القانونية" المنسوبة لشركته، ولأن أكثر زبائن كامبريدج كانوا من السياسيين الباحثين عن السلطة، فقد اعتاد نيكس أن يواجه ويتجاهل في آن معا كل التشكيكات الموجهة لنزاهة عمله، لكن طبيعة المعلومات التي تضمنتها الرسالة حمّلتها مستوى أعلى من الإرباك، وأظهرت كما لو أن هناك اختراقا داخليا قد حدث للشركة.

 

تضمن البريد مسودة من 20 صفحة تشرح بالتفصيل ما جرى خلال اجتماعين بين نيكس وزبون قدم نفسه على أنه سياسي سيرلانكي يبحث عن آلية لهزيمة خصمه في الانتخابات القادمة، ليتلقى عروضا من نيكس تضمنت جذب المرشحين المنافسين عبر رشاوى وهمية، وتوظيف المومسات لإغرائهم وتوريطهم في فضائح تُنشَرُ على الإنترنت بكثافة، وتنتهي بخسارتهم الانتخابات.

 

عرف نيكس منذ اللحظة الأولى عما يدورُ الحديث بالضبط، فقد مَثّل التناقض بين اللغة البريطانية الطليقة لأحد الزبائن وأصله الآسيوي الذي عرّف به نفسه سببا للشك بمصداقيته في أول اتصال هاتفي بينهما قبل شهور، ولكنّ عددا من الاتصالات المتبادلة لاحقا، ثم طبيعة اللقاء الأول الذي جرى بينهما في أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي، وإظهار الزبون لرغبات بالحصول على خدمات تتطابق مع الطريقة التي تعمل بها كامبريدج بسرية، كل ذلك أدى إلى إلغاء حواجز الشك بينهما تدريجيا، حيث توقّف نيكس عن التظاهر بالنزاهة، وجعلَ من اللقاء الثاني بينهما مطلع العام الجاري فرصة أفضل لاستعراض الخدمات النوعية والمظلمة التي تقدمها "كامبريدج" لزبائنها السياسيين بأريحية.

 

لم تترك القناة الرابعة فرصة لنيكس ليخمن كيف توصلت إلى تلك المعلومات التي يطالعها على بريده، فقد كان بوسعه متابعة اللقاء الذي جمعه بالزبون إضافة إلى موظفين كبار بالشركة على شاشة القناة نفسها بعد أسبوع واحد، ليكتشفَ أنه وقعَ ضحية فخ متقن لأحد صحفيي القناة المتخصصة بالتحقيقات الاستقصائية، والذي قابله على أنه سياسي سيريلانكي مسجّلا لقاءاته معه بكاميرا مُخبّئة، وهي فضيحة أصبحت بمرور ساعات الخبر الأول على وسائل الإعلام الغربية بالأسابيع القليلة الماضية وحتى لحظتنا هذه، فيما عُرِف باسم "فضيحة كامبريدج"، واستتبعت بقصص أخرى اشتبكت معها في العلاقة والأطراف المتورطة.

    

   

لم ينبع الاهتمام الدولي بالفضيحة من تصريحات نيكس وحدها، حيث إن كامبريدج قابعة تحت مجهر التحقيق منذ عامين بالفعل، وذلك إبّان حملة التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي فيما عُرِف بأزمة "بريكسِت"، حيث اتُّهمت الشركة بممارسة نشاطات خاصة للتأثير إعلاميا لصالح خروج بريطانيا من الكتلة، الأمر الذي نفته الشركة كما نفت اتهامات لاحقة نسبت إليها بعقد صفقة مع المجلس الوطني للإعلام بدولة الإمارات العربية المتحدة، قضت بنشر الشركة مئات آلاف الإعلانات المُلفّقة ضد دولة قطر على وسائل التواصل الاجتماعي في إطار تشويه صورتها غربيا ضمن مخطط إماراتي مدروس نسجته أبوظبي -ودول عربية وخليجية- لعزل قطر وحصارها بإتقان.

 

بعد فضيحة الصفقة الإماراتية، خفت الحديث عن كامبريدج لفترة، قبل أن تتولى تقارير مفاجئة نشرتها صحف غربية إحضارها لواجهة التحقيق ثانية، بالتزامن مع مسرحية السياسي السيرلانكي في مارس/آذار الماضي، ومتهمة إياها بالسطو على المعلومات الشخصية لأكثر من 50 مليون حساب على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" في أميركا الشمالية، وتحليل بياناتهم الشخصية عن طريق ما يُعرف بتقنية "النمذجة النفسية"، والتي عنت -في هذا الإطار- التنبؤ بسلوك الناخبين الأميركيين واهتماماتهم، والتأثير بهم عن طريق غرائزهم ودوافعهم اللاعقلانية، لصالح حملة الرئيس الأميركي "دونالد ترامب" قبل عامين، وهو أمر أصابَ الأميركيين بصدمة كبيرة، ظهرت في كتاباتهم على وسائل التواصل الاجتماعي بعدها.

 

يمثل تحذير "جوي مورجان" المبكر منذ ثلاثينيات القرن الماضي هاجسا يُطرحُ بقوة في الأوساط الأميركية بعد فضيحة كامبريدج، يتساءل عن مدى نزاهة الأنظمة الديمقراطية الحالية وحقيقة تمثيلها لإرادات الشعوب، في ظل الدور الذي تؤديه وسائل الإعلام الجديد في التلاعب بالحقائق وغسل أدمغة الجماهير، بما يتفقُ مع مصالح مجموعات الضغط والنخبة السياسية الحاكمة، تساؤل يستدعي ربما الرجوع إلى جذور الديمقراطية تاريخيا لفهم سياقها التطوري وعلاقته بالإعلام وبدايات التحايل عليها.

 

هندسة الحرب

"لقد ذهب المثقفون الألمان للحرب لإنقاذ ثقافتهم من الهمجية، وذهب الفرنسيون للحرب لإنقاذ فرنسا الجميلة" ([1])

 (أندلف بورون - مثقف أميركي دعم مشاركة أميركا في الحرب، وكتب مقالة بليغة لكسب تأييد شريحة المثقفين الأميركيين لها)

  

عرفت البشرية "الديمقراطية" لأول مرة في القرن الرابع قبل الميلاد ممثلة بنموذج أثينا في اليونان، وارتبطت نشأتها بشخصية وأفكار "بيريكليس" أحد أشهر فلاسفة اليونان البارزين، والذي انتقل من التنظير إلى الممارسة عندما حكم أثينا لسنوات معتمدا على مبادئ المساواة السياسية والاجتماعية وحكم الشعب، وهي مبادئ أصبحت فيما بعد خصائص النظم الديمقراطية. وحديثا، عُدَّت التجربة الديمقراطية الأميركية في القرن الثامن عشر على رأس التجارب الديمقراطية الحديثة، وذلك بإطاحتها بالحكم الاستعماري وإحلال الحكم الرئاسي الوطني بدلا منه، وهو ما اعتُبر خطوة تجاه وضع أول دستور أميركي، وأساسا للديمقراطية المعاصرة التي ساهمت وسائلُ الإعلام في تشكيلها والترويج لها ([2]).

   

   

في مرحلة الإعلام المطبوع، كانت استجابة الجمهور لا تتسم بالتزامن بتلقيهم الرسالة الإعلامية في أوقات مختلفة، حيث يمتد النطاق الزمني لتلك الاستجابة لنحو 24 ساعة على الأقل، وهي مرحلة صدور الصحفية اليومية كأسرع وسيلة إعلامية في تلك المرحلة. لكن بمرور الوقت، اكتشف الساسة ورجال الأعمال وذوو النفوذ بعد ظهور الإذاعة النتائج المهمة التي استتبعت تزامن الاستقبال، حيث تستقبل الجماهير الرسالة نفسها بالقالب والتوقيت نفسه، ما عنى ردة فعل متشابهة وسريعة، وهو كُلُّ ما تحتاجه النخبة الحاكمة لتوطيد نفوذها.

 

ومع بداية انتشار وسائل الإعلام الصورية في عشرينيات القرن الماضي، حرص السياسيون على استثمار التراكم الأدواتي لتلك الوسائل إضافة إلى التلفاز فيما بعد في تصميم رسائلهم وتشكيل وعي الجماهير خدمة لأغراضهم السياسية، فبدأ الأمر مع "وودرو ويلسون" الرئيس الأميركي خلال العقد الثاني من القرن الماضي، وفي وقت كانت فيه دول المركز تخوض حربا شاملة ضد دول "الوفاق الثلاثي" ممثلة ببريطانيا وفرنسا وروسيا، كان بوسع "ويلسون" تخيل الدبابات الألمانية وهي تقتحم باريس رافعة أعلامها النازية ومعلنة قيام النظام الاشتراكي وتهديد أمن أوروبا في آن معا، وهو هاجس كان قريبا من حلم ألماني يوشكُ أن يتحقق بعد القرار المفاجئ الذي حملَه إلى الواجهة انتصار الثورة البلشفية في روسيا.

 

بعد تسلم "فلاديمير لينين" زعيم الثورة البلشفية الحكم، انفردت روسيا بتوقيع اتفاقية سلام مع ألمانيا في عام 1917، مخلفة خاصرة رخوة في تحالف دول الوفاق الذي ضم بالإضافة إليها كلا من بريطانيا وفرنسا، ما دفع برلين إلى استغلالها وتصعيد هجماتها ضد الأخيرتين، ومن ثم رفعت حرارة النقاش الخافت الدائر في الأروقة السياسية للولايات المتحدة منذ شهور حول وجوب انخراط واشنطن في الحرب، ومن ثم أخذ ذلك النقاش إلى أعلى مستوياته بعد تعرض عدة سفن أميركية لهجوم ألماني ([3]).

 

على خلاف بريطانيا وفرنسا، كانت الإدارة الأميركية وقتها ملتزمة بعزل سياستها الخارجية عن أوروبا تمسكا بما يُعرف بمذهب "مونرو" التاريخي الشهير والقاضي بعدم انحيازها إلى أي طرف أوروبي، وهو مذهب تحولَ إلى عبء عليها في تلك اللحظة الحرجة ([4]) تبعا لسلميته الراسخة في الوعي الشعبي الأميركي منذ عقود سابقة والتي ستصعّبُ على "ويلسون" كرئيس منتخب تبرير قرار الانخراط الحربي القادم أمام شعبه. وبمحاولة تجميع الخيوط، أخذت المعادلة شكلها الأخير لدى ويلسون، فأي محاولة للحفاظ على خارطة أوروبا من التفكك تعني أن على الإدارة الأميركية تفكيك وعي الجمهور الأميركي، وإعادة تشكيله وفق أسس داعمة للحرب.

 

لذا، وبدءا بالأخبار والملصقات والإعلانات، مرورا بالمهرجانات والمسرحيات والأفلام، تمكنت الإدارة الأميركية خلال ستة أشهر لا غير من كسب الرأي العام لصف الحرب تماما ولصالح توجيه الآلة الحربية الأميركية كاملة إلى صدور الألمان، وهو تغيير ينسبُ إنجازه للجنة المعلومات المعروفة باسم "لجنة كريل"، وهو الاسم الثاني لرئيسها الصحافي "جورج كوريل" ([5]).

       

من اليمين جورج كوريل ووودر ويسلون 

    

خلال تلك المدة، احتقن الجو الشعبي الأميركي وتحولت العامة إلى حشود غاضبة متعطشة للحرب وراغبة بالتخلص من وسحق كل ما هو ألماني، بينما كانت الدعاية المنظمة تلقي القنابل الذهنية والعاطفية على الجمهور موصلة إياه إلى ذروة الحماس، كما يروي المفكر الأميركي ومؤسس العلاقات العامة "أدوارد بيرينز" القصة، ليكمل بعدها أن البروباغاندا عمدت إلى تسليط أهداف ومثاليات ومنافع الحرب على آذان وعيون العامة لشهور، وهو ما أيقظ في المجتمع غرائزه البشرية الضامرة كالانتقام والهستيريا الجماعية، وجعلته يتحرك بشكل هيستيري لدرجة أن شرطة مكافحة الشعب في ولاية "ماساشوستس" هبطت إلى الشوارع للتعامل مع حشد غاضب أنهى لتوه مشاهدة فيلم يتحدث عن "وحوش برلين" تولّت لجنة كوريل نسج أحداثه ([6]).

   

مثلت سياسة "كوريل" أول عملية موسعة وضخمة لتوظيف علم النفس سياسيا، عملية لم تلبث أن تكررت بعد عقد من الزمن في قارة الصقيع الحمراء. فلدى تسلم "جوزيف ستالين" زعامة الاتحاد السوفياتي، وفي وقت تبنت فيه الشيوعية عقيدة هيمنة الدولة على وسائل الإنتاج والمحاصيل الزراعية، بالتزامن مع إرساء معسكر الرأسمالية لاستقطاباته المعاكسة، انتقل "ستالين" من الخطاب الإذاعي إلى الصورة لتكييف وعي الجماهير بما يتناسب مع خطة الدولة الاقتصادية، مدركا أن عليه غرس الولاء المُهندس نظاميا في الشعب كشرط لضمان قدر أكبر من الإنتاج.

   

  (احتفال الروس بتسليم محاصيلهم الزراعية للحكومة)

     

بلاد الصقيع الأحمر
اجتمع الفلاحون السوفييت ظهيرة يوم بارد في مجموعات صغيرة ليشاهدوا زعيمهم "ستالين" عبر الشاشة الفضية -الموضوعة خصيصا لهم- وهو يقود بشخصيته الكاريزمية جرارا زراعيا محلي الصنع، لتقفز خيالاتهم مباشرة إلى وعوده بقيادة اقتصاد الاتحاد السوفيتي ليكون الأول عالميا ولتربط تلك العقول بين الأمرين، ولسنوات لاحقة تابعت البروباغاندا السوفييتية سياستها في تشجيع المواطنين على تسليم محاصيلهم الزراعية بصورة آلية، وذلك عبر دعايات تظهر مجموعة من الفلاحين يرقصون بجوار لافتات كتبت عليها عبارات "كارل ماركس" الفيلسوف الروسي، وبعدها يسلمون محاصيلهم الزراعية وهم يهنئون الشيوعية مبتهجين، وقد كان مشهدا مألوفا بعد ذلك مشاهدة الفلاحين ببطونهم الهزيلة وخطواتهم المتعبة وعيونهم اليائسة، وهم يسلمون أكياس البذار والمحاصيل الزراعية لشرطة التفتيش بحثا عن تلك السعادة المنعكسة على الشاشة الفضية.

   

   

تخبرنا الصور التي تم توجيهها إلى أطفال أوروبا في كتبهم المدرسية عن مدى الهيستيريا التي عاشتها المجتمعات الغربية بدءا من الخمسينيات بسبب الشيوعية، فلدى تلبد السماء الأوروبية السوفيتية بغيوم الحرب الباردة، احتاج طرفا الصراع تكريس الولاء الأيديولوجي والثقافي لمجتمعاتهم لصالح النظم السياسية القائمة، ما عنى بالاستتباع تشويه صورة المعسكر الآخر، وهو أمر جلب المعركة بين الديمقراطية والشيوعية الحمراء إلى الشاشة الكبيرة. وفي ضوء براعة الأوروبيين بتلك الشاشة، كما براعتهم اليوم، سعت البروباغاندا -بخلط بين ما هو حقيقي وما هو أسطوري- لتصعيد المخاوف الداخلية للجمهور الأوروبي من خطر الدمار الوشيك بفعل تجارب السوفييت النووية، وخلال حملات ما سُميّ بـ "الذعر الأحمر" ركزت البروباغاندا في خطابها البصري على إظهار السوفييت بصورة وحش أحمر ذي أيدي كثيرة، مُغرقة الفضاء العام بصور تظهرُ كوكب الأرض مكسوا باللون الأحمر كناية عن السيطرة السوفياتية المرتقبة، بالتوازي مع صور تظهرُ الأطفال الروس يتحركون بشكل آلي، الأمر الذي جعل الجمهور الأميركي يتحركُ بانفعالية وتشنج جماعي ضد الشيوعية، والفضل الأكبر في ذلك لشركات الأفلام التلفازية.

 

تروي "جينيفر ليويلين" الباحثة في جامعة هاليفاكس الكندية ما حدث في تلك الفترة([7])، لتتابع بأنه وفي فترة تحول التجسس السوفييتي الغربي إلى أمر شائع، سعت استوديوهات الأفلام الأميركية لإظهار ازدهار وتفوق الرأسمالية الأميركية عبر الشاشة، وظهر ذلك في أفلام كثيرة كـ "Big Jim McLain"، حيث شارك "John Wayne" كمحقق في لجنة مراقبة الأنشطة غير الأميركية بالكونجرس "HUAC" يسافر إلى جزر هاواي للقضاء على النشاط الشيوعي هناك، وتبعته أفلام أخرى شبيهة كـ "The Third Man" وغيره.

    

   

بلغت هيستيريا الحرب الباردة وشبح الشيوعية حدًّا جعلهما يتسربان إلى أفلام الخيال العلمي مثل "Red Planet Mars" و"The Blob" وغيرهما، وبسهولة يمكن ملاحظة التصدير المتعمد للأفراد في الفيلم الأخير على أنهم قوى غامضة مصممة على السيطرة على العالم من خلال التسلل والتخفي بين البشر، ما مثل استعارة واضحة لمفاهيم الشيوعية في قوالب بدا أنها مصممة خصيصا لغسل أدمغة الجماهير خدمة لصراع طويل استمر معتمدا هذا النمط إلى أن تفكك الاتحاد السوفياتي مطلع التسعينيات، ليُغلقَ معه الباب على أكبر توظيف سياسي لعلم النفس في الصراعات الكبرى باستخدام وسائل الاتصال، وممهدا الطريق أمام عصر جديد من الدعاية السياسية، باستخدام فضاء الإنترنت المفتوح وإمبراطوريات العالم الرقمي الجديدة هائلة الحجم مثل فيسبوك وتويتر ويوتيوب.

   

هذه حياتك الرقمية

بالعودة لـ "كامبريدج"، وبالرغم من أن صخب الحديث حول الشركة لم يظهر للعلن إلا في الشهور الثلاثة الأخيرة، فإن نشاطات كامبريدج لتوظيف علم النفس في الأغراض السياسية بدأ فعليا قبل عدة سنوات.

 

منطلقا من شغفه بأخذ علم النفس إلى سوق الإعلانات السياسية، تمكن "ألكسندر نيكس" رجل الأعمال البريطاني من تنفيذ أولى تجاربه لاستخلاص توجهات الأفراد النفسية، بعد حصوله على تمويل بقيمة 15 مليون دولار من "روبرت ميرسر" أحد أبرز داعمي الحزب الجمهوري في أميركا وممول حملة ترمب بشكل شخصي. أنشأ نيكس فرعا للشركة البريطانية الإعلامية (إس سي إل) في كل من نيويورك وواشنطن أواخر عام 2012، ونفذ تجربته الأولى خلال سباق حكام الولايات الأميركية، مستهدفا ولاية فرجينيا أواخر 2013، لكن الأسلوب التقليدي الذي اعتمده ممثلا بتحليل قسائم الشراء وسجلات التصويت وضعه أمام نتائج محدودة وقابلة للخطأ، حيث لم يكن بإمكانها التنبؤ بالمذهب السياسي والاجتماعي الذي يتبعه الناخبون.

   

جون روبرت ميرسر الداعم الجمهوري الثري، ممول حملة ترامب ومشاريع كامبريدج (مواقع التواصل)

   

في الفترة نفسها، تقاطعت مطامح كامبريدج مع اهتمامات موظف في شركة "بالانتير تكنولوجيز" المتخصصة بتوريد التكنولوجيا الخاصة للبنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "سي آي إيه"، واسمه "ألكسندر دوغان"، وهو أستاذ جامعي في جامعة كامبريدج يحمل الجنسيتين الأميركية والروسية. كان دوغان يعمل بشكل وثيق مع علماء البيانات لبناء تقنية "التوصيف النفسي" في جامعة كامبريدج، وسبق وأن اقترح على الجامعة إنشاء تطبيق إلكتروني يساعدها في اكتشاف السمات الشخصية للأفراد ممثلا بمسابقة شخصية على الهاتف المحمول تطلب من المستخدم الإذن بالوصول إلى بياناته وقائمة أصدقائه إن أراد حل الاختبار والانخراط في المسابقة ([8]).

 

نقل دوغان تجربته إلى موظفي كامبريدج، ما حدا بها لاتخاذ نهج مماثل وذلك عبر البروفيسور نفسه، فقام الأخير بتصميم تطبيق اسمه "هذه حياتك الرقمية"، طالبا من الأميركيين على فيسبوك المشاركة فيه بحجة أهداف بحثية. كان تطبيق دوغان يطلبُ إذنا للوصول إلى البيانات الشخصية للحساب كمعظم التطبيقات الأخرى، لكنه وبمجرد الحصول عليها فإنه يتمكن من السطو على المعلومات الشخصية التفصيلية لأصدقاء الحساب دون أي إشعار، ما يمنحه مجالا واسعا لتجميع البيانات شديدة الدقة بلا إذن من مستخدميه، وبمرور عامين على نشر التطبيق، وإقبال الأميركيين على استخدامه، تمكنت الشركة من بناء قاعدة بيانات موسعة لما يزيد عن 230 مليون بالغ في أنحاء الولايات المتحدة، ونحو 4000 نقطة بيانات لكل واحد منهم ([9]).

 

بكتلة بيانات بالغة الضخامة، ومخططات أكثر فعالية للتحليل النفسي، فرضت الشركة قنواتها وعروضها الخاصة داخل السوق الواعد، مستقطبة أول زبائنها في أغسطس/آب 2014 ممثلا بلجنة العمل السياسي المعروفة باسم "سوبر باك" والتي أسسها الجمهوري الأميركي "جون بولتون" -أحد المقربين من ميرسر- لدعم المرشحين الجمهوريين في الولايات الأميركية، وقد تمت الصفقة بينهما بقيمة 1.2 مليون دولار مقابل حصول الأخير على بحوث بيانية للناخبين الأميركيين.

    

 (جون بولتون يوضح هدف تأسيس لجنته، وهي دعم الجمهوريين)

  

في جلساته الخاصة مع موظفي كامبريدج، نقل بولتون رغبته بامتلاك تقنيات بإمكانها التنبؤ بالتوجهات النفسية للناخبين الأميركيين وفق ما يُعرف بخوارزمية "الرسم البياني النفسي"، والتي تستلزمُ بطبيعة الحال تحليل بيانات الناخبين الشخصية، وآراءهم المنشورة، وحركة نشاطهم على وسائل التواصل الاجتماعي، قبل أن يبدأ تقسيمهم بحسب توجهاتهم إلى قطاعات جغرافية يسهلُ التعامل معها، ليُتاح بعد ذلك بالاستتباع استهداف سلوكهم بشكل دقيق عبر رسائل إعلامية والتأثير على أصواتهم وتوجيهها بنسبة خطأ قليلة خلال الانتخابات الأميركية. وفيما كانت كامبريدج مشغولة بوضع اللمسات الأخيرة على تقنية "النمذجة النفسية" تمهيدا ليتسلمها بولتون، كان البروفيسور "دوغان" قد حصل على وقت كاف لزيارة روسيا عدة مرات لأسباب مجهولة، بحسب " كريستوفر ويلي" مدير أبحاث الشركة السابق، خلال شهادته أمام لجنة المشرعين البريطانيين في مارس/آذار الفائت ([10]).

 

عبر الصفقة الأولى، حصلت "سوبر باك" على إعلانات مُصممة باحترافية -وفق التقنية المذكورة- للمرشحين الجمهوريين المفضلين لدى بولتون لحكم الولايات، مانحة الفوز بفارق أصوات كبير لبعض منهم مثل الجمهوري "توم ليتس" في ولاية كارولينا الشمالية عام 2014، وهو فوز استقطب نظر جمهوري آخر واسمه "ستيف بانون" ليوطد علاقته معها، ويتدرج بدوره من زائر متكرر إلى مقرها في لندن، إلى عضو في مجلس إدارة الشركة، مُنتهيا كشريك بحصة تبلغُ نحو خمسة ملايين دولار، وذلك قبل أن يصير مدير موظفي حملة ترمب الانتخابية مطلع عام 2016، ثم كبير مستشاريه الإستراتيجيين كما عرفه العالم بعد فوز ترمب ([11]).

 

في يونيو/حزيران من العام نفسه المذكور، قام قراصنة مجهولون باختراق خوادم شركة "DNC" المتخصصة بحفظ بيانات حملة "كلينتون" وسَطوا على 20 ألف رسالة بريدية من البريد الإلكتروني الخاص بكلينتون والحزب الديمقراطي، وتم إيصالها إلى موقع ويكيليكس الذي رفض الإفصاح عن مصدرها، وبدوره قام بتسريبها في اليوم نفسه الذي أعلن فيه دونالد ترمب ترشحه رسميا للرئاسة، لكن القراصنة تركوا ثغرات خلفهم ما مكّن وكالة الاستخبارات الأميركية "سي آي إيه" من تتبع أثرهم واكتشاف وقوف روسيا خلف الاختراق، وهو أمر عنى بالتبعية أن المرشح الجمهوري ترامب هو الأكثر تفضيلا لدى موسكو ([12])، وعنى بالتبعية أن العالم ربما واجه أكبر عملية تزييف وعي انتخابي تاريخية حديثة من البداية للنهاية.

 

من لندن إلى أبوظبي

"مهما كان الفرد عقلانيا في اتخاذ قراراته، فإنه يفقدُ عقلانيته لدى ذوبانه بأي جماعة، وتصبحُ قراراته عاطفية لحظية"

(غوستاف لوبون، طبيب نفسي فرنسي ومؤلف الكتاب ذائع الصيت "سيكولوجيا الجماهير)

 

على منصة إنستغرام، منصة نشر الصور الأكثر تأثيرا عالميا والتي باتت ملكا "لمارك زوكربيرغ" مؤسس موقع فيسبوك، وقبل عام تحديدا من الانتخابات الأميركية الأخيرة، كان بالإمكان تمييز عملية ضخ كثيفة في حساب نشط يحمل اسم "woke blacks". تضمنت منشورات ذلك الحساب دعوة للأميركيين من أصول أفريقية لعدم انتخاب "هيلاري كلينتون" مرشحة الحزب الديمقراطي خليفة لأوباما ذي الأصول الأفريقية، وكان ذلك جزءا من حملة منظمة استهدفت تشويه سمعة كلينتون، واشتملت بالإضافة إلى ما سبق نشر آلاف المقالات والصوت والأخبار المُلفقة بتقنية مكّنت مهندسو النشر من إخفاء آثار تسللهم، مستخدمين معرّفات وهمية ومواقع إلكترونية مزيفة، بالتوازي مع ترويج منظم وضخم لسياسة ترمب وأهدافه، ترويج راح يغطي إمبراطوريات العالم الرقمي والتلفازي، ونجح بشكل غير مسبوق في مواجهة أكبر حملة إعلامية نخبوية شهدتها الولايات المتحدة تقريبا ضد مرشح رئاسي أو غير من قبل ([13]).

   

مناظرة تجمع هيلاري كلينتون ودونالد ترمب

    

حصل "براد بارسكيل" المدير الرقمي لحملة ترمب على مجموعة احترافية من الخدمات غير المعتادة، ممثلة بأكثر من عشرة آلاف إعلان مختلف -مُجهز في قوالب احترافية- صُممت لتصنع استجابة موحدة لدى قطاع عريض من الناخبين مقسمين لقطاعات بحسب توجهاتهم النفسية، قبل أن تبدأ الإعلانات بتغطية مساحات واسعة من شاشات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع العامة. وبالتوازي مع ذلك كانت جولات ترمب تتم على أماكن تجمعات محددة تنبأت خوارزميات النمذجة النفسية أنّها ستمنحه شعبية أفضل، مُحققة بذلك دعما تراكميا موسعا انتهى بفوز ترمب في الانتخابات بالفعل، وهو فوز مثّلَ عاملَ جذب لزبون آخر من خارج الحدود، قاده بحثه عمّن يحشو له دمية إعلامية لتخدمه في مسرح أغراضه السياسية إلى طاولة كامبريدج.

 

تروي شبكة "إن بي سي" الأميركية القصة ([14])، حرص الزبون -الذي ينتمي إلى أصول عربية- على عقد صفقته بسرية مستخدما الوسطاء لتبقيه بعيدا عن الأضواء، لكن لوجود قرار وزارة العدل الأميركية بإلزام الوكلاء الأجانب تسجيل إيداعاتهم المالية في خوادم الوزارة، قامت كامبريدج -انطلاقا من كونها مسجلة في الدوائر الحكومية الأميركية كمجموعة ضغط- بتسليم وثائق الإيداعات المقبوضة، ما استدعى بالتبعية الكشف عن عقود صفقاتها المالية، لينحلَّ عقد انكشاف لمجموعة واسعة من الصفقات، كانت إحداهنّ تحملُ ختمَ المجلس الوطني للإعلام في دولة الإمارات العربية، حيثُ تضمن العقد الذي بلغت قيمته 333 ألف دولار شنّ الجيوش السيبرانية لكامبريدج حملة إعلامية موسعة ضد قطر متهمة إياها بالإرهاب باستخدام أخبار ملفقة، بالتزامن مع اجتماع الأمم المتحدة المزمع عقده في سبتمبر/أيلول للعام الماضي 2017 بحسب الوثائق، لتكشف تلك الإيداعات أن الشبكة التي نسجتها الإمارات لعزل قطر وحصارها في يونيو/حزيران الفائت قادتها لتكون الزبون قبل الأخير على طاولة كامبريدج، بعد أن كان الأخيرُ هو أحد مراسلي القناة الرابعة مختبئا في شخصية سياسي آسيوي.

 

بدءا من المحلل السياسي المفضل لدى ترامب على فوكس نيوز، إلى زبون على طاولة كامبريدج لدعم الجمهوريين، توقف قطار جون بولتون أخيرا في محطة البيت الأبيض كمستشار لشؤون الأمن القومي في مارس/آذار 2018، مُجيبا عن كثير من تساؤلات الأميركيين حول آلية انتقاء موظفي البيت الأبيض، وجامعا لشمل العائلة ثانية، العائلة التي فقدت الشريك السابق في كامبريدج، ومهندس وصول ترمب إلى البيت الأبيض ستيف بانون، لتلفت الأنظار إلى أن مفتاح الكشف عن بقية صانعي الديمقراطية الرقمية يكمنُ في تتبع خلفية كل موظف محتمل لبيت الجمهوريين الأبيض إن جاز القول ([15]).

 

رفض مارك زوكربيرغ منذ أيام قليلة المثول أمام لجنة الثقافة في مجلس العموم البريطاني للإدلاء بشهادته حول فضيحة خرق كامبريدج لخصوصية خمسين مليون مستخدم لفيسبوك، وهو رفض جاء في خطاب رسمي للمجلس مع تكليفه لأحد نوابه بالطيران إلى لندن لمواجهة أسئلة اللجنة، قبل أن يمثل مارك نفسه أمام الكونغرس الأميركي استجابة لطلب مماثل من ثلاث لجان رسمية، كل ذلك يجري بالتزامن مع جهود قضائية بريطانية لوضع قاعدة بيانات كامبريدج تحت مجهر التحقيق، باحثة عن دورها المفصّل بالانتخابات الأميركية وعمليات أخرى، وسط شكوك متزايدة بإسهامها بالتدخل والتأثير الكامل على نتيجة استفتاء انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قبل عامين ([16]).

 

تخبرنا هذه العمليات المتطورة والمعقدة بحقيقة قاطعة وهي أن وسائل الإعلام المتطورة تؤثر في تشكيل وعينا وإدراكنا وتصوراتنا تجاه ما حولنا بشكل شبه كامل، ما يعني بالتبعية صناعة سلوكنا ومواقفنا، وفي وقت ظهرت فيه عبقرية اللوبيات المؤثرة في أميركا وقدرتُها على إقناع الشعب بالتصويت ضد أكثر مصالحه أهمية باستخدام قوالب الصور والأخبار دون حاجة إلى القمع والاضطهاد، يصبحُ من المهم التساؤل في ظل الصدمة التي يعيشها المجتمع الأميركي اليوم عن مدى نزاهة الأنظمة الديمقراطية التي تتلاعبُ بالحقائق، وتتعاملُ مع الإنسان على نحو استهلاكي وأداة لتحقيق الأغراض لا بوصفه إنسانا أُتيحَت مساحة الديمقراطية والمشاركة -كما هو مفترض نظريا- لتحقيق تطلعاته.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار