انضم إلينا
اغلاق
مفهوم "الإرهاب".. كيف تلاعبت به أميركا تاريخيا ليوائم مصالحها؟

مفهوم "الإرهاب".. كيف تلاعبت به أميركا تاريخيا ليوائم مصالحها؟

E-International Relations

موقع أكاديمي سياسي
  • ض
  • ض

في يونيو/حزيران 2011، كرّست مجلة التاريخ الأميركي عددا خاصا حول "الإرهاب والتجربة الأميركية". في خضم تعليقها على حال الأبحاث الأكاديمية حول هذا الموضوع. لاحظت بيفرلي غيج، خاصة عندما يتعلق الأمر بالعقد الأخير من الحرب الباردة، أن عددا من الأسئلة المهمة تبقى دون إجابة، مثل: أولا، "كيف قامت الحكومة الأميركية بتحديد المجموعات التي قد يتم تصنيفها كمنظمات إرهابية؟"، وثانيا، "كيف حاولت أميركا تجنب تطبيق مثل هذه الصفات على عملائها الذين يخوضون حروبها بالوكالة؟".

     

في أواخر نوفمبر/تشرين الثاني، أعلن الرئيس دونالد ترامب عن إعادة كوريا الشمالية إلى قائمة وزارة الخارجية "للدول الراعية للإرهاب". كانت كوريا الشمالية قد وُضعت على تلك القائمة لأول مرة في عام 1988، قبل أن يتم إسقاطها منها في عام 2008.

   

يقارن التحليل التالي الطريقة التي تحدث بها الرئيس ريغان، عندما قام بمخاطبة الجمهور الأميركي، بالطريقة التي تحدث بها ممثلو الولايات المتحدة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، عن الدور الذي لعبته كوريا الشمالية ودول أخرى في تغذية ما يسمى بـ "الإرهاب الدولي". تطرح هذه المقارنة العديد من الإجابات المثيرة على أسئلة غيج وتسلّط الضوء على الدور الذي لعبه المسؤولون المنتخبون، والصحافة، و"خبراء الإرهاب" الأميركيون في تشكيل السردية الأميركية حول "الإرهاب"، كما تطرح مسائل أخرى يجب أن يقوم الباحثون المهتمون بمفهوم "الإرهاب" بدراستها.

   

الرئيس الامريكي ريغان 
   
الثمانينيات وولادة الخطاب الأميركي حول "الإرهاب"

كان رونالد ريغان أول رئيس أميركي يضع الحرب ضد "الإرهاب الدولي" في قلب سياسته الخارجية. فكلما كان يقوم بمخاطبة الشعب الأميركي، أي في سياق كان يسيطر فيه بالكامل على خطابه، كان ريغان يستخدم مصطلح "الإرهاب" للإشارة إلى مجموعة واسعة للغاية من الأعمال (الهجمات ضد المدنيين ولكن حتى ضد الأهداف العسكرية) ومن الجهات الفاعلة (الدول وغير الدول على حد سواء). ركّز ريغان اهتمامه الخطابي فقط على العنف (و"الإرهاب") الذي يرتكبه أعداء الولايات المتحدة، بينما ظل صامتا حول العنف (و"الإرهاب") الذي كان يرتكبه حلفاؤه. في الواقع، إن الجزء المركزي من الخطاب الأميركي حول "الإرهاب" كما تم صياغته في الثمانينيات هو أن "الإرهاب" شكل من أشكال العنف السياسي غير الأخلاقي الذي لا يمارسه سوى "الآخرين". كما أصر أنصار هذه السردية الجديدة في الولايات المتحدة (وفي أماكن أخرى، وعلى الأخص إسرائيل) ولا يزالون يصرّون اليوم، فإن "الإرهاب" بنظرهم يشكل تهديدا يهدد "العالم الغربي المتحضر" فقط، ويمثل على وجه التحديد ما يفصله عن "البرابرة" أو "الهمجيين" الآخرين.

   

ريغان وكوريا الشمالية و"إرهاب الدولة"
منذ البداية، كان الدور المزعوم الذي تلعبه الدول في دعم "الإرهاب" جزءا أساسيا من خطاب ريغان العام. فمن اللحظة التي دخل فيها إلى البيت الأبيض، زعم الرئيس في عدد لا يحصى من المناسبات وجود "شبكة إرهابية دولية" تسيطر عليها موسك، وعلى مر السنين، أدلى وزير الخارجية الأول في إدارته ألكساندر هيج، ثم خليفته جورج شولتز، مرارا وتكرارا بتصريحات علنية مماثلة.

   

في 9 أكتوبر/تشرين الأول 1983، أدت قنابل كانت قد خُبّئت في سقف ضريح الشهيد في رانغون، عاصمة بورما (ميانمار)، إلى مقتل 21 شخصا، لكن الهدف الرئيسي لها كان رئيس كوريا الجنوبية تشون دو هوان الذي نجا من الهجوم. بعد بضعة أسابيع، كشف تحقيق أجرته الشرطة البورمية أن الجناة كانوا ضباطا في الجيش الكوري الشمالي، وأنهم قد تصرفوا بناء على أوامر من حكومتهم، حيث أتت المتفجرات التي استخدموها من سفارة كوريا الشمالية في بورما.

     

في الأسابيع التي أعقبت تفجير رانغون، أدان الرئيس ريغان الهجوم مرارا كعمل "إرهابي". كما استعملت وزارة الخارجية الأميركية اللغة نفسها، فوصفت التفجير في تقريرها السنوي عن "أنماط الإرهاب العالمي" بأنه "أشرس هجوم إرهابي في قارة آسيا في عام 1983"، ووُصِف الجناة بأنهم من "إرهابيي حكومة كوريا الشمالية".

   

   

في 23 أكتوبر/تشرين الأول 1983، دمّرت شاحنات مفخخة عددا من المباني التابعة لمشاة البحرية الأميركية والمظليين الفرنسيين المتمركزين في بيروت، فقُتِل 241 جنديا أميركيا، بالإضافة إلى 58 جنديا فرنسيا في الهجوم. وفي تقريرها عن التفجير، أشارت وزارة الدفاع الأميركية إلى أنه "توجد دلائل على توّرط سوري وإيراني غير مباشر على أقل تقدير في هذا الحادث"، ونصحت بأنه "يجب توسيع تعريف وزارة الدفاع للإرهاب ليشمل الدول التي تستخدم الإرهاب إما مباشرة وإما عن طريق الوكلاء".

    

زعم ريغان بأن هذا الهجوم أظهر أن الولايات المتحدة "غير مجهزة بشكل كاف للتعامل مع الظاهرة الجديدة للإرهاب المدعوم من الدول"، وبذلك أصبح أول رئيس أميركي يستخدم تعبير "الإرهاب المدعوم من دولة" أو "الإرهاب الذي ترعاه دولة". كما أصر على أن مشكلة "الإرهاب" ليست "فريدة" وحصرية للبنان، مشيرا على وجه التحديد إلى "التفجير الإرهابي في رانغون"، ودعا "البلدان المتحضرة" إلى العمل معا لمحاسبة "تلك الدول التي ترعى الإرهاب و النشاط الإرهابي".

    

مع بداية ولاية ريغان الثانية، اكتملت جميع العناصر الرئيسية للسردية حول "الإرهاب" التي سوف تظهر مجدّدا وبقوة بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001. ففي خطاب شهير في شهر يوليو/تموز 1985، على سبيل المثال، شجب الرئيس ريغان الأخطار التي تمثّلها ما سمّاه "كونفدرالية الدول الإرهابية" (مثل إيران وليبيا وكوريا الشمالية وكوبا ونيكاراغوا)، واصفا إياها بـ "شركة قتل دولية... توحّدها ظاهرة إجرامية بسيطة واحدة وهي كراهيتها المتعصبة للولايات المتحدة، وشعبنا، وطريقتنا في الحياة، ومكانتنا الدولية". هذه الدول "الإرهابية"، تابع ريغان، "شاركت في أعمال حرب ضد حكومة وشعب الولايات المتحدة"، قائلا إن هذا التهديد يبرر استخدام القوة العسكرية من قِبَل الولايات المتحدة "بموجب القانون الدولي، إذ إن أي دولة تجد نفسها ضحية لأعمال الحرب لديها الحق في الدفاع عن نفسها".

    

في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 1987، أدى تفجير في الجو إلى مقتل 115 راكبا على متن طائرة للخطوط الجوية الكورية في رحلة رقم 858، وبعد بضعة أيام، اُعتُقل رجل وامرأة في البحرين بعد الاشتباه بتورطهما في الهجوم. في 14 يناير/كانون الثاني، اعترفت المرأة بأنها عميلة كورية شمالية وأقرّت بدورها في التفجير.

    

وفقا لوزارة الخارجية الأميركية، شكّل هذا الهجوم "عودة كوريا الشمالية إلى إرهاب الدولة للمرة الأولى منذ أن فجّرت نصب الشهيد في رانغون قبل أربع سنوات". تم وضع كوريا الشمالية على الفور على القائمة الأميركية لـ "الدول الراعية للإرهاب"، حيث انضمت إلى سوريا وليبيا وكوبا وإيران وجمهورية اليمن الجنوبي.

 

     

الجواب الأول عن سؤال غيج

إن تحليلا شاملا لخطابات الرئيس (بالإضافة إلى تصريحات وزيري الخارجية هايغ وشولتز) حول "الإرهاب" يؤدّي إلى إجابة واحدة لا ثاني لها عن أسئلة بيفرلي غيج المذكورة أعلاه. فلقد استطاع ريغان أن ينتقي الجهات التي يمكن تصنيفها على أنها "إرهابية" مع غض النظر عن الأعمال (العسكرية) السرية الأميركية وعدم شملها في تعريف الإرهاب، تماما لأنه، عند مخاطبة الجمهور الأميركي، كان يتحكم بشكل كامل في سرديته. أي إن ريغان، في خطاباته العامة، لم يكن مضطرا لأن يحدد بوضوح ما كان يعنيه بـ "الإرهاب". بدلا من ذلك، قام ريغان بتوجيه اتهامات ضد أعداء أميركا استنادا إلى تعريف (ضمني) واسع وفضفاض جدا "للإرهاب"، بينما ظل صامتا ببساطة بشأن "احتمال" أن تكون الأساليب المستخدمة من قِبَل الولايات المتحدة وحلفائها ذات طبيعة "إرهابية".

   

والأهم من ذلك، فإن قدرة ريغان على التلاعب في خطابه كانت نتيجة مباشرة لفشل الصحافة في مطالبة الرئيس بتعريف هذا "الإرهاب" أو جعله يشرح قراره باستخدام المصطلح للإشارة إلى جهات ومجموعات معيّنة دون أخرى. بعبارة أخرى، فإن السياق الذي عبّر فيه ريغان عن نفسه لم يكن بالضرورة سياقا سهلا أو غير تخاصمي بحدّ ذاته (أي إنه كان يمكن للكثيرين تحدّي مزاعم الرئيس حول الإرهاب)، بل ما حدث هو أن مختلف الجهات الفاعلة والمؤثرة وأبرزها الصحافة أخفقت بشكل منهجي في طرح أي نوع من التحدي ضد استخدام الرئيس لمصطلح "الإرهاب" بهذا الشكل.

   

الجمعية العامة للأمم المتحدة تناقش "الإرهاب"
يمكن استخلاص الإجابة الثانية ذات الصلة بأسئلة غيج من خلال تحليل الطرق التي تحدث بها ممثلو الحكومة الأميركية عن "الإرهاب" في سياق مختلف للغاية، وأكثر تخاصمية، أي سياق الجمعية العامة للأمم المتحدة.

   

نوقشت مسألة "الإرهاب الدولي" لأول مرة في الجمعية العامة في أواخر عام 1972. وكما اتضح على الفور، اختلفت الدول الأعضاء حول الطريقة الصحيحة لفهم وتعريف هذا المفهوم، وبالتالي، حول أي من الجهات والمجموعات حول العالم تستحق أو لا تستحق تسمية "الإرهابيين" وأن تدان على هذا النحو من قِبَل المجتمع الدولي. وبمجرد بدء المناقشات، جادلت البُلدان بأن الممارسات الأميركية في فيتنام تشكّل "إرهابا من قِبَل دولة"، وأصرت على أن أي تعريف لـ "الإرهاب" (وبالتالي أي إدانة لـ "الإرهاب" في القرارات التي تتخذها الجمعية العامة) قد يركز فقط على عنف الجماعات الصغيرة أو الأفراد في حين أنه يتجاهل العنف واسع النطاق من قِبَل الدول سيكون غير مقبول.

    

     

بالنسبة إلى الولايات المتحدة، ازدادت الجمعية العامة تخاصمية خلال سنوات ريغان، أي على وجه التحديد السنوات التي شهدت ولادة السردية الأميركية حول "الإرهاب". في الواقع، خلال الثمانينيات كانت الولايات المتحدة تدعم أنظمة عديدة قائمة حول العالم (من أجل "احتواء" الاتحاد السوفيتي)، ولكن أيضا، وللمرة الأولى منذ بداية الحرب الباردة، كانت تدعم أيضا العديد من الأطراف غير الحكومية لإسقاط الحكومات الموالية للسوفييت (من أجل "دحر الشيوعية").

    

وبالفعل، اتهم عدد كبير من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة الولايات المتحدة بارتكاب "إرهاب الدولة" في الثمانينيات بسبب أفعالها في نيكاراغوا (دعم عصابات الكونترا أو زرع الألغام في موانئ البلاد من قِبَل وكالة المخابرات المركزية)، وأفغانستان (دعم المجاهدين هناك)، وكوبا (العمليات التي نفذها المناهضون لكاسترو المنفيين الذين يعيشون في ولاية فلوريدا والذين ربطتهم علاقات مزعومة مع وكالة المخابرات المركزية)، وكذلك الاستخدام المباشر للقوة العسكرية (ضد ليبيا في عام 1986)، أو دعم أميركا لبلدان مثل جنوب أفريقيا وإسرائيل (اللتين اتهمتهما أغلبية الأعضاء مرارا بالتورط في "إرهاب الدولة").

   

في هذا السياق، طوّر ممثلو الولايات المتحدة سردية تتعارض جوهريا مع تلك التي طوّرها الرئيس ريغان في خطاباته العامة في ذلك الوقت.

    

ممثلو الولايات المتحدة في الأمم المتحدة: إذا كانت دولة متورطة فذلك ليس "إرهابا"! 
خلال نقاشات عام 1983 على سبيل المثال، أدانت معظم الدول الأعضاء بشكل صريح التفجيرات في بورما كعمل "إرهابي"، وأصرت على أن مثل هذا الهجوم يشكّل انتهاكا واضحا للقانون الدولي ويثبت الحاجة إلى أن يركز المجتمع الدولي على الدور الذي تلعبه الدول في "الإرهاب الدولي".

    

ومع ذلك، فإن دولتين خالفتا هذا التوافق بشكل كامل، الدولة الأولى كانت كوريا الشمالية، التي أنكر ممثلها أي تورط في تفجيرات رانغون، واتهم عدوها إلى الجنوب بالتورط في حملة "إرهابية" ضد بلاده بدلا من ذلك.

   

   

والدولة الثانية كانت الولايات المتحدة، التي كان ممثلها يومها الممثل الوحيد الذي قال بأن المناقشات حول "الإرهاب الدولي" لم تكن في الواقع المحفل المناسب لمناقشة تفجير رانغون، لأن هذا الهجوم -كما زعم- وقفت خلفه دولة، وهذا يعني أن انتهاكه للقانون الدولي لم يكن موضع شك، وبالتالي فإن تفسيره على أنه فعل "إرهابي" لم يكن صحيحا!

   

فلقد ذكر ممثل الولايات المتحدة في حينه روبرت روزنستوك أن تركيز مناقشات الجمعية العامة "كان على العمل الإرهابي الذي يرتكبه الأفراد أو الجماعات، فيما تناولت بنود أخرى في جدول الأعمال سلوك الدول واستخدام القوة من جانب الدول". تطرّق بعدها إلى الظروف المحددة المحيطة بهجمات رانغون، قائلا:

   

"في ٩ أكتوبر/تشرين اﻷول ١٩٨٣، شهد العالم تفجير رانغون الذي قتل مواطنين بورميين ومسؤولين في حكومة كوريا الجنوبية، ما بدا للوهلة اﻷولى بأنه هجوم شائن من النوع الذي كان من المفترض أن تهتم به اللجنة في إطار البند ١٢٣. لكن المذهل هنا هو أنه قد تبين أن الفعل الدنيء ذلك لم يكن مجرد عمل ارتكبه أفراد أو جماعات مجرمة، بل [...] مثال مروع لجريمة دولة من قِبَل كوريا الشمالية".

    

بالنسبة إلى روزنستوك، فإن تورط عملاء لدولة، عوضا عن عملاء من غير الدول، لم يعن بالضرورة أنه يجب أن تركز الجمعية العامة اهتمامها على الدور الذي تلعبه الدول في "الإرهاب الدولي". قال روزنستوك:

    

"إن أعمال القتل التي يرتكبها نظام حكم تهدد السلام أكثر من الأعمال الإرهابية التي يرتكبها أفراد أو جماعات. يتساءل المرء ما الذي يمكن أن يكون النظام في كوريا الشمالية يسعى إلى تحقيقه: هل يمكن لأي نظام أن يعتقد أن مثل هذا السلوك هو طريقه للاعتراف الدولي؟ وعلى أي حال، فإن تفجير رانغون كان عملا من أعمال القوة المستهجنة من جانب دولة مما يجعله، على هذا النحو، خارجا عن نطاق بند جدول الأعمال قيد المناقشة".

   

لقد قدّم ممثلو الولايات المتحدة في الجمعية العامة حججا مماثلة في الأعوام 1985 و1987 و1989 و1991. وفي الحقيقة، فإن رفضهم لمفهوم "إرهاب الدولة" كان في كثير من الأحيان يذهب أبعد من مجرد الادعاء، كما في عام 1983، بأن الأعمال التي يرتكبها عملاء الدولة كانت أفعال دولة، وبالتالي ليست أعمالا "إرهابية". ففي سياق أصرّت فيه الدول الأعضاء الأخرى على أن الدعم الأميركي لجماعات مثل الـ "كونترا"، والمجاهدين الأفغان أو منظمة "يونيتا" (الأنغولية) تشكّل نوعا من "إرهاب الدولة"، حاجج ممثلو الولايات المتحدة مرارا وتكرارا بأن الأعمال التي يرتكبها أفراد أو مجموعات تدعمها دولة، هي نفسها، أفعال الدولة، وبالتالي لا ينبغي اعتبارها أعمالا "إرهابية".

      

منظمة "يونيتا" (الأنغولية)

    

وهكذا، في عام 1991، زعم ممثل الولايات المتحدة مايكل شارف أنه "من غير الضروري وسم سلوك الدولة كإرهاب من أجل إثبات عدم شرعيته، حيث توجد بالفعل مجموعة قوية من القوانين" تنطبق على هذا النوع من الأفعال. لم يكن بإمكان الممثل الأميركي تصور أي تصرف من جانب الدولة يمكن تسميته بشكل معقول "إرهابا"، بحيث لم يشكّل بالفعل انتهاكا للقانون (أي دون الحاجة إلى إعادة تعريفه). وأضاف أن دعم الدول للأفعال الإرهابية من قِبَل الأفراد والجماعات كان انتهاكا واضحا للفقرة 4 من المادة 2 من الميثاق. كانت هذه بالنسبة إليه أعمال دولة، ونتيجة لذلك، كانت أعمالا خارج نطاق مناقشات الجمعية العامة. إن مصطلح "الإرهاب"، كما قال شارف، "هو ذو فائدة جمّة عند تطبيقه على أعمال عنف ذات طبيعة شنيعة، يرتكبها أفراد أو جماعات، بحيث تكون أكبر من جرائم عادية لتحقيق مكاسب شخصية ولكن أصغر من أن تكون أعمال دولة".    

كانت الولايات المتحدة الدولة العضو الوحيدة التي دافعت عن مثل هذا الموقف.

   

ما هو لافت أن هذا عنى أن الولايات المتحدة دافعت، طوال سنوات الرئيس ريغان، عن موقف يتناقض بشكل أساسي مع موقف إسرائيل، التي أصر ممثلوها مرارا، منذ بداية هذه المناقشات، على أن أي مناقشات حول "الإرهاب الدولي" يجب أن تركز على الدور المركزي الذي تلعبه دول مثل سوريا وليبيا ولبنان والعراق وإيران في تغذية هذه الآفة.

    

الإجابة الثانية عن سؤال غيج

استطاع الرئيس ريغان (وغيره من كبار أعضاء إدارته، ولا سيما وزراء خارجيته)، عند مخاطبته الرأي العام الأميركي، أن يسيطر على سرديته بشكل كامل دون تحدٍّ، وعلى وجه التحديد، على شجب "إرهاب" أعداء أميركا دون الحاجة إلى تعريفه أبدا، في حين التزم الصمت حول الطبيعة "الإرهابية" المحتملة لبعض الأساليب التي يستخدمها مختلف حلفاء الولايات المتحدة.

   

لكن فيما شكّل تناقضا صارخا مع سردية رئيسهم، تحدّث ممثلو الولايات المتحدة في الأمم المتحدة عن الموضوع في سياق حيث كانت مسألة كيفية تعريف "الإرهاب" تثار طوال الوقت، وحيث كان تعريف "الإرهاب" له عواقب فورية. ففي الجمعية العامة، كان الدفاع عن تعريف واسع مثل ذلك الذي تبنّته خطابات ريغان العامة يعني أيضا فتح الباب لاتهامات لا حصر لها بأن استخدامات معينة للقوة من قِبَل الولايات المتحدة وحلفائها قد تكون من قبيل أعمال "الإرهاب". وبالفعل أشار عدد من الدول الأعضاء بوضوح إلى الخطب التي اتهم فيها ريغان أعداءه بـ "الإرهاب المدعوم من الدولة" من أجل القول بأن دعم الولايات المتحدة للكونترا أو المجاهدين الأفغان، أو الإجراءات السرية المختلفة التي قامت بها السي آي إيه، كانت أيضا بمنزلة "إرهاب". 

     

    

في سياق تخاصمي كهذا، تخلى ممثلو الولايات المتحدة تماما عن سردية ريغان وطالبوا بتعريف ضيق للغاية للإرهاب يستبعد أي عمل مرتبط بدولة، أي تعريف يستثني ما قام الرئيس ريغان ووزارة الدفاع ووزارة الخارجية (وقائمة "الدول الراعية للإرهاب") وكذلك هيغ وشولتز (في تصريحات عامة خاصة بهم) بإدانته بشكل متكرر على أنه إرهاب "ترعاه الدولة" أو "الإرهاب المدعوم من الدولة".

   

وبالفعل، فإن قراءة نصوص الأمم المتحدة تكاد أن تكون تجربة سريالية، حيث إنه لم يشر ممثلو الولايات المتحدة أبدا إلى أعمال تورطت فيها دول، ولم يتهموا قط دولا مثل ليبيا أو سوريا أو إيران أو كوبا أو نيكاراغوا أو كوريا الشمالية أو الاتحاد السوفيتي بالانخراط في أو دعم "الإرهاب"، ولم يدافعوا أبدا عن المبدأ الذي يزعم أن الدول لديها المبرر في استخدام القوة العسكرية في الدفاع عن النفس ضد الدول التي دعمت أو رعت "الإرهاب". بعبارة أخرى، عبّر هؤلاء الممثلون عن أنفسهم وكأن السردية حول "الإرهاب" التي تبناها الرئيس الأميركي في الوقت نفسه لم تكن موجودة على الإطلاق.

   

وبالتالي، فإن الإجابة الثانية عن استفسار غيج هي أنه في السياقات التخاصمية مثل سياق الأمم المتحدة، فإن ممثلي إدارة ريغان تأكدوا من أن التصرفات السرية الأميركية لن يتم تعريفها على أنها "إرهابية" من خلال الدفاع عن تعريف "للإرهاب" يتناقض بشكل أساسي مع سردية الرئيس التي استعملها عندما عبّر عن نفسه في سياقات آمنة (أي سياقات لا يتحداه أحد فيها).

   

الصحافة و"خبراء الإرهاب" وبناء سردية "الإرهاب"

مرة أخرى، لعبت الصحافة دورا مهما في بناء مفهوم "الإرهاب" من خلال فشلها المنهجي في الكشف عن وجود هذه السرديات المتعددة، والتناقض الواضح بينها. ونتيجة لذلك، ظلت هذه السرديات منفصلة عن بعضها البعض مما سمح بإبقاء تناقضاتها وأوجه التضاربات فيها خافية تماما عن الأعين.

   

على سبيل المثال، في تغطيتها لنقاشات الجمعية العامة الأولى حول "الإرهاب الدولي" في عام 1972، أساءت النيويورك تايمز بشكل عميق تمثيل طبيعة الخلافات المحيطة بتعريف "الإرهاب"، بين المواقف التي دافعت عنها دول عدم الانحياز ودول الكتلة السوفيتية، والموقف الذي دافع عنه الممثلون الأميركيون أنفسهم. فبعد عام 1972، بالكاد قامت صحيفة نيويورك تايمز بتغطية مناقشات الجمعية العامة، وعندما فعلت ذلك، أساءت بشكل كامل تمثيل طبيعة الخلافات حول التعريف، مع التزام الصمت التام حول الموقف الذي دافع عنه ممثلو الولايات المتحدة هناك.

   

    

ونتيجة لذلك، لم يتم إعلام الشعب الأميركي مطلقا أن عددا لا يحصى من الدول حول العالم كانت قد اعتبرت (وأدانت) أفعالا أميركية مختلفة على أنها قد تمثل أعمال "إرهاب"، ولم يتم إعلامه بالحجج المحددة التي طُرحت عند توجيه مثل هذه الاتهامات. والأكثر إثارة للقلق، هو أن الشعب الأميركي لم يتم إخباره أبدا عن الحجج التي قدّمها ممثلوهم عندما واجهوا مثل هذه الاتهامات. في الواقع، لم تذكر الصحافة الأميركية قط أن الولايات المتحدة كانت الدولة العضو الوحيدة، طوال الثمانينيات، التي دفعت بالقول بأن المناقشات حول "الإرهاب الدولي" يجب أن تركز فقط على الأفعال التي ترتكبها الجماعات والأفراد دون أي توّرط للدول.

    

وبالمثل، أظهر "خبراء الإرهاب" اهتماما ضئيلا بمناقشات الأمم المتحدة هذه، وفي الحالات النادرة التي أظهروا فيها بعض الاهتمام، لم تستند تحليلاتهم إلى نصوص المناقشات (أي المصادر الأصلية)، بل إلى رواية وسائل الإعلام غير الدقيقة.

   

كما فشلت الصحافة الأميركية في تغطية المناقشات حول "الإرهاب" في سياقات تخاصمية أخرى مثل الكونغرس الأميركي. نتيجة لذلك، لم يتم إخبار قُرّاء الصحف الأميركية الكبرى أبدا أن الديمقراطيين والجمهوريين كانوا، طوال الثمانينيات، على خلاف تام حول كيفية تعريف "الإرهاب" وتحديد هوية "الإرهابيين" في النزاعات مثل نيكاراغوا، السلفادور، وجنوب أفريقيا.

    

كما كانت هذه المناقشات في الكونغرس غائبة تماما عن كتابات الخبراء حول "الإرهاب"، كما هو الحال مع الوثائق السرية التي لا تعد ولا تحصى (الوثائق التي رفعت عنها السرية الآن) والتي توضح كيف أن المحللين من وزارة الخارجية أو السي آي إيه أشاروا مرارا، منذ الستينيات على الأقل، إلى القوات المتحالفة مع الولايات المتحدة في مختلف بلدان أميركا الوسطى وأميركا الجنوبية على أنها "إرهابية". هذا التجاهل مقلق بشكل خاص لأن هؤلاء "الخبراء الإرهابيين" يميلون، كمجموعة، إلى قبول الادعاء المبتذل بأن الولايات المتحدة تقف "ضد كل أنواع الإرهاب" وبأنها تشارك في حرب عالمية ضد "الإرهاب الدولي".

    

     

    

في الحقيقة، فإن الطرق التي بدأ من خلالها السياسيون الأميركيون والشعب الأميركي بالتفكير والتحدث عن "الإرهاب" في الثمانينيات، واستمروا في التفكير والتحدث بها حول هذه القضية منذ ذلك الحين، هي نتيجة عملية سياسية وأيديولوجية في الأساس.

    

فمع مرور الوقت، تمكّنت سلسلة من الجهات المؤّثرة، من السياسيين إلى "خبراء الإرهاب" إلى وسائل الإعلام، من إعطاء معنى أو حتى بناء مصطلح "الإرهاب" من الصفر، في حين أنهم تصرفوا كما لو أن المناقشات التي جرت في الأمم المتحدة أو في الكونغرس الأميركي، أي النقاشات في المنتديات (التخاصمية) كانت "غير شرعية" إلى حد ما، ولا ينبغي لها أن تؤّثر على المناقشات العامة حول الموضوع. في الوقت نفسه، أبرزت هذه الجهات سردية الرئيس ريغان التي طورها مع غيره من المسؤولين الأقوياء في سياقات آمنة وغير تخاصمية، وسوّقوها على أنها سردية واضحة ووصفية وغير أيديولوجية. نظم حرّاس الهيكل هؤلاء، من سياسيين إلى خبراء وإعلاميين، شروط المناقشة العامة حول الإرهاب من خلال انتقاء الأصوات ووجهات نظر معيّنة في حين استبعدوا غيرها، فوضعوا حدودا واضحة لا يسمح للسردية أن تتخطاها، وبالتالي لعبوا دورا محوريا في "بناء" مفهوم الإرهاب كما نعرفه اليوم.

   

إن السردية حول "الإرهاب" اليوم، كما كانت دائما، مليئة بالتناقضات والتهافتات. إن ادعاءها المعياري المركزي بأننا "نحن" (وحلفاؤنا) نعارض بشكل أساسي "الإرهاب"، ولا نشارك أبدا فيه، لا يزال غير مقبول اليوم كما كان في ثمانينيات القرن الماضي. في هذه الأثناء، فإنه يتم استخدامه مرارا وتكرارا لتجريد "الآخر" من إنسانيته وشرعيته بينما يُضفي الشرعية على استخدامنا للعنف ضده.

   

ختاما، يرى كاتب هذه السطور أن المزيد من التحقيق النقدي حول بناء مفهوم "الإرهاب" يمكن أن يستفيد بشكل كبير من تطوير إطار نظري ومنهجي من شأنه توثيق وتحليل تاريخ السرديات الأميركية المتعددة حول "الإرهاب" فيما يتعلق بالسياقات المختلفة -أكانت هذه آمنة أو تخاصمية، أو عامة أو سرية، أو سياسية أو إعلامية- التي أُنتجت فيها هذه السرديات.  

--------------------------------------

ترجمة (كريم طرابلسي)

(الرابط الأصلي)

تقارير متصدرة


آخر الأخبار