هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
صعود "آبي أحمد".. رجل النهضة الإثيوبية وعرابها القادم

صعود "آبي أحمد".. رجل النهضة الإثيوبية وعرابها القادم

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
   
تقديم

مجتمع مفكك على وشك الدخول في حرب أهلية، ونظام سياسي قمعي، وشبكات خاصة من المحسوبية، وأجهزة أمنية واسعة النفوذ، واقتصاد نام باضطراد لكنه يعاني بشدة بفعل الديون وسوء توزيع الدخل، وصراع جيوسياسي وعسكري حول طرق التجارة والممرات المائية، وظلال ثقيلة لحروب بالوكالة آتية من الشرق الأوسط، وتزاحم للقوى الأجنبية الساعية لموطئ قدم، ورجل واحد يدعى "آبي أحمد"، لا يمتلك عصى سحرية وطُلب منه تغيير كل ذلك، فهل يستطيع؟

  

تأخذنا المادة في عالم إثيوبيا، العملاق الإفريقي الصاعد، والذي شهد مؤخرًا ربيعه الثوري الخاص جدًا، وتحاول إجابة تساؤلات السياسة والجغرافيا والمجتمع لدولة شديدة الأهمية في إفريقيا والشرق الأوسط، لم تنل حظها من التحليل الصحافي، لتتحول حاليًا وبتسارع للاعب رئيس في القارة والشرق الأوسط.

     

     

نص المادة

لم يكن الثالث والعشرون من يونيو/حزيران الماضي يوما عاديا بحال حتى وإن بدا ظاهره كذلك، فمنذ الساعات الأولى للصباح، تدفق آلاف الإثيوبيون لميدان "ميسكل" الشهير بوسط العاصمة "أديس أبابا" مغلقين بأجسادهم مداخله الست الشهيرة ومعطلين حركة مرور السيارات تماما. كانت تلك المرة الأولى التي يحتشد فيها هذا العدد في شوارع العاصمة الإثيوبية منذ فترة طويلة بوجوه مطمئنة نسبيا ودون خوف من مواجهة آلة القمع الأمنية، وإن كان ذلك لم يمنع دوي صيحات الحماس من التردد في جنبات الميدان بتزايد مضطرد مع صعود رئيس الوزراء على المسرح الزجاجي، قبل أن تخفت الأصوات تدريجيا ويصمت الجميع في ترقب لحديث السياسي الشاب.

  

بالنسبة إلى "أبي أحمد"، كانت ثمانين يوما فقط قضاها في السلطة فترة أكثر من كافية لكسب تأييد الغالبية العظمى من شعبه الممزق بخطاب آسر غير مسبوق حول الوحدة والتسامح، خطاب نجح في لمس الجراح الحقيقية لمجتمع عانى طويلا من الصراعات العرقية، وبوعود صادقة حقيقية بالمصالحة والتغيير، لكن كلمات "أبي" وخطاباته الرنانة لم تكن وحدها ما يميزه عن غيره من الساسة، ولم تكن كافية بمفردها لتعيد لشعبه إيمانه بنفسه، لكن الفترة القصيرة نفسها التي قضاها في منصبه كانت كافية للجميع ليلمسوا أن التغيير قد بدأ بالفعل.

  

يؤمن "أبي" أن التغيير الحقيقي يبدأ من السياسيين أنفسهم، وأنه يجب أن يطال كل شيء حتى تلك التفاصيل الدقيقة، من هيئته وملبسه للغة خطابه وحضوره، ففي ذلك اليوم اختار "أبي" أن يلقي شعبه في أديس أبابا مرتديا سترة صيفية خضراء، ونظارة شمسية أنيقة وقبعة رأس شبابية جعلت هيئته أِشبه بمغنٍ للروك يعزف في حفل موسيقي أكثر من سياسي كلاسيكي يلقي كلمة رسمية، قبل أن يشرع في خطابه الذي استمر 20 دقيقة كاملة قاطعتها صيحات الهتاف في أكثر من مناسبة، ولكن المشهد الكرنفالي في قلب العاصمة المضطربة لم يكد يكتمل(1)، ففي اللحظة التي أنهي فيها رئيس الوزراء كان دوي قنبلة يدوية بدائية قد أثار الذعر في جنبات التجمع الضخم، مسفرا في النهاية عن مقتل شخص واحد وإصابة عدد قليل من المتجمهرين.

  

لم يحتج الأمر لكثير من الدلائل ليدرك الجميع أن "أبي" نفسه كان هو المستهدف من ذلك الهجوم قليل التنظيم ومحدود التأثير بشكل ملحوظ كما يبدو، ولكنه كان كافيا في نفس الوقت لتسليط الضوء على الآثار الجانبية غير المتوقعة للتغييرات السريعة التي يحدثها رئيس الوزراء الشاب في بلاده، والتي حطمت أسسا ظلت راسخة في سياسة البلاد الداخلية والخارجية على مدار أكثر من عقدين، بداية من الإفراج عن النشطاء المحبوسين، إلى التواصل مع المعارضة السياسية في المنفى، وصولا لجهوده الواضحة في تفكيك مراكز القوى التقليدية عبر استبدال قادة الأجهزة الأمنية، وشروعه في خصخصة الشركات الحكومية التي استخدمت كقواعد لبناء شبكات المحسوبية والولاء، وانتهاء بتجاوز العداء التاريخي السابق وباتخاذ خطوات للتقارب مع إريتريا بعد قطيعة دامت لقرابة عقدين. كانت تلك الخطوات ومثيلاتها أكثر من كافية لاستنفار جهود الدولة الموازية في إثيوبيا لوضع العراقيل في مواجهة رئيس الوزراء الجديد، الذي يبدو أنه نجح في خلق أعدائه بنفس السرعة والكفاءة التي نجح بها في حشد أنصاره ومحبيه.

     

الرئيس الإثيوبي أبي أحمد (رويترز)

     

لكن "أبي أحمد" يعلم يقينا أن طريقه في السلطة لن يكون مفروشا بالورود على كل حال، فرغم انتمائه لقومية "الأورومو" التي تشكل أكثرية سكان إثيوبيا، فإن تلك الأكثرية ظلت مهمشة في نظام سياسي فريد منح جميع الامتيازات السياسية للأقلية الحاكمة من قومية "التيغري" الذين سيطروا على المناصب السياسية والأمنية، رغم أن المنظمة الديمقراطية لشعوب الأورومو، الحزب السياسي الذي ينتمي إليه "أبي"، ظلت جزءً من الائتلاف الحاكم الذي صممه "التيغري" كورقة توت لمنح الشرعية لنظام أوتوقراطي تمييزي قائم على العرق.

  

غير أن ذلك النظام بدأ في الانهيار والتففك تدريجيا مع وفاة رئيس الوزراء الأسبق "ميليس زيناوي" في عام 2012 ، الذي حكم البلاد كرئيس ثم كرئيس للوزراء على مدار أكثر من عقدين، فمع وفاة "زيناوي" بدأت(2) الانقسامات العرقية تدب في جسد الائتلاف الحاكم، المعروف بـ "الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية"، ولم تنجح جهود خلفه "هايلي ميريام ديسالين" في احتواء السخط الشعبي عن طريق القمع، لتندلع موجة كبرى من الاحتجاجات المتجددة منذ عام 2016 اضطر على إثرها "ديسالين" لتقديم استقالته في فبراير/شباط الماضي، سامحا للائتلاف الحاكم بانتخاب أول رئيس وزراء ينتمي لـ "الأورومو" في محاولة لاحتواء الغضب الشعبي.

 

صعد "أبي" للسلطة في لحظة حاسمة من تاريخ بلاده إذن ليجد في مواجهته إرث ثقيل(3) متراكم: مجتمع مفكك متعدد الأعراق على وشك الدخول في حرب أهلية، ونظام سياسي قمعي تسيطر عليه أقلية عرقية عبر شبكة خاصة من المحسوبية، وأجهزة أمنية متوسعة النفوذ، واقتصاد نام باضطراد لكنه يعاني بشدة بفعل الديون وسوء توزيع الدخل، وصراع جيوسياسي وعسكري حول طرق التجارة والممرات المائية، وظلال ثقيلة للحروب بالوكالة القادمة من الشرق الأوسط، وتزاحم للقوى الأجنبية الساعية لموطئ قدم في دول الجوار بداية من جيبوتي مرورا بالصومال ووصولا للسودان، مع سؤال يحتاج لجواب فوري حول ما إذا كانت إثيوبيا ستكتفي بالانزواء لمواجهة مشاكلها الداخلية، أم أنها ستسعى لممارسة دور قيادي سعيا لاستعادة مجدها المفقود، يوم أن كانت الإمبراطورية الأثيوبية لاعبا مؤثرا في شرق إفريقيا حال دون انفراد أي قوة أجنبية بالسيطرة الكاملة على المنطقة شديدة الحيوية لفترة ممتدة من الزمان.

 

الحكم العسكري

مع نشأة الحضارة فيها قبل عشرة قرون من ميلاد المسيح على أقل تقدير، كانت إثيوبيا أرضا منتخبة جيوسياسيا على ما يبدو، فمن ناحية تستضيف البلاد منابع نهر النيل، المصدر الحيوي للمياه العذبة في المنطقة حيث تستطيع أديس أبابا، نظريا على الأقل، التحكم من جانب واحد في تدفق المياه عبر نهر النيل، محددة بذلك مصير دول مفتاحية مثل السودان ومصر، كما أن البلاد تقع على مقربة من البحر الأحمر وخليج عدن، ورغم كونها اليوم دولة غير ساحلية (منذ انفصال إريتريا مطلع التسعينيات)، فإنها تتمتع بميزة الوصول لهذه الممرات المائية من خلال موانئ البلدان المجاورة بحكم كونها أكبر اقتصادات المنطقة، فيما تتحكم هذه الممرات المائية في طرق التجارة الرئيسة ليس فقط إلى شرق إفريقيا، ولكن لجنوب آسيا والبحر الأبيض المتوسط، ناهيك عن أهميتها الخاصة كممر لعبور النفط الخليجي إلى الغرب.

    

  

على الجانب الديموغرافي، كانت إثيوبيا أقل حظا(4) فيما يبدو، فرغم أن الحواجز الديموغرافية منحتها حصانة تاريخية من التعرض لغزو أو استعمار، فإنها جعلتها في نفس الوقت أكثر انعزالا وأقل قدرة على ممارسة النفوذ في محيطها، حيث أسهمت الحواجز الجغرافية الطبيعية المحيطة بها في ازدهار المسيحية في البلاد رغم المد الإسلامي خلال القرنين السابع والثامن والصعود المتنامي للإمبراطوريات الإسلامية المتعاقبة، ما حول إثيوبيا في النهاية لقوة مسيحية منعزلة وسط محيط شاسع هيمن عليه الإسلام تاريخيًا.

 

وكإمعان في النكاية الديموغرافية، قسمت الطوبوغرافيا الأراضي الأثيوبية قطريا عبر المرتفعات والجبال، ليخلق ذلك الصدع الجغرافي ارتفاعات مختلفة ومناخات متباينة في مختلف البقاع الجغرافية، ولدت معها أعراقا مختلفة ومتبايبة، وبموجب هذا التقسيم الطبيعي، استوطنت قوميتا الأمهرة والتيغري مرتفعات إثيوبيا الشمالية والوسطى، المركز التاريخي للقوة وللديانة المسيحية في البلاد، فيما تمركز الأورومو، أكبر المجموعات العرقية في إثيوبيا على الطرف الجنوبي من البلاد، قبل أن تدفعهم الهجرة للتوسع للمناطق الوسطى والغربية من إثيوبيا.

  

وقد تسبب توسع الأورمو في نشوب صراعات مع الأمهرة ومع الصوماليين على وجه الخصوص، ونتيجة لذلك اندلعت الاشتباكات في إقليم "أوغادين" بين الأورومو والصوماليين نتيجة التنافس على التربة الخصبة والموارد، وورغم كونهم أكبر الأعراق الأثيوبية فإنهم كانوا آخر الأعراق انضماما للإمبراطورية الإثيوبية، وقد أسهم ذلك، بالإضافة لتركيبة دينية مختلطة بين الإسلام والمسيحية والوثنية، في رؤية الأورومو لأنفسهم كضحايا قمع طويل الأمد للإمبراطورية الإثيوبية.

  

بخلاف ذلك، عدت المنطقة الصومالية في إثيوبيا دولة شبه مستقلة ومنفصلة عن بقية البلاد بفعل الحواجز الجغرافية، وهي تتشارك المناخ الصحراوي والدين الإسلامي مع جيرانها في الصومال، ما جعل سكانها أكثر تعلقا بالصومال من ارتباطهم بإثيوبيا، وهو ما أدى في النهاية لإثارة الريبة وعدم الثقة المتبادلة بين الصوماليين وبقية البلاد ودفع الشعب الصومالي بعيداً نسبياً عن السياسة الإثيوبية، حتى إنه مع استقلال الصومال عن بريطانيا في الستينات، كان الشعب الصومالي يعتقد أن جزءً من أراضيه قد أُعطيت خطأً لإثيوبيا من قبل البريطانيين، وقد أدى ذلك الوضع الفريد لنشوب صراعات متعددة بين البلدين حول المنطقة أبرزها حرب أوغادين في السبعينيات، حين تدخل السوفييت والكوبيون لدعم الحكومة الإثيوبية الشيوعية ووقف انتصارات الجيش الصومالي.

    

    

حافظ ذلك التقسيم العرقي(5) المعقد وغير المتجانس في إثيوبيا على ثباته على الرغم من تغير الحدود مرارا عبر القرون، ما جعل البلاد إحدى أكثر دول إفريقيا عرضة للاضطرابات العرقية جيلا بعد جيل، حتى إنه خلال حكم الإمبراطوريات غالبا ما كان الملك يحافظ على سيطرته على رعاياه عبر تقسيم جيشه لمجموعات صغيرة وتخصيص كل مجموعة لمنطقة جغرافية محددة.

  

بيد أنه، وعلى الرغم من التعقيدات المرتبطة بالعرق، فإن الإمبراطورية الأثيوبية وبخلاف سائر ممالك أفريقيا نجت بغرابة من الخضوع للاحتلال الأوروبي، باستثناء فترة قصيرة من الاستعمار الإيطالي في الثلاينيات انتهت مع نهاية الحرب العالمية الثانية، ورغم ذلك، فإن تلك الحقبة الاستعمارية القصيرة نجحت في تأجيج التوترات العرقية ضد الحكم الإمبراطوري الذي هيمنت عليه قومية الأمهرة، وجاء ذلك تزامنا مع توسع المد الشيوعي الماركسي السوفيني، والضغوط السياسية التي فرضها جمال عبد الناصر وقوميته العربية التي امتدت أصداؤها لإفريقيا من ناحية أخرى، والأزمات الاقتصادية التي ولدها الارتفاع المفاجئ في أسعار النفط، ولم يستطع النظام الإمبراطوري الصمود، حيث أطاح المجلس العسكري الماركسي الليني بالإمبرطور "هيلاسيلاسي" عام 1974 ليبدأ حكم الدرج العسكري للبلاد.

  

وفي حين قرر النظام العسكري تحويل إثيوبيا لدولة اشتراكية ذات نظام ماركسي لينيني، واتبع نظاما أوتوقراطيا عسكرياً، فقد حافظ في نفس الوقت على هيمنة القومية الأمهرية على النظام السياسي الجديد مما أدي لتزايد المعارضة من القوميات الأخرى مثل الأوررمو والتيغري وحتى الأريتريين، الذين نجحوا مجتمعين في الإطاحة بالدرج العسكري مطلع التسعينات، قبل أن تدب الخلافات فيما بينهم مسفرة عن استقلال إريتريا، المنفذ للوحيد لإثيوبيا إلى البحر عام 1993، ومن ثم تأسيس نظام سياسي جديد في إثيوبيا الجديدة الحبيسة.

  

صعود "أبي"

في ذلك التوقيت، عرفت إثيوبيا لأول مرة نمطا من الحكم الفيدرالي القائم على أساس إثني، حيث تم إقرار دستور جديد قسمت بموجبه البلاد لتسع مناطق ومدينتين تتمتعان بالحكم الذاتي استنادا للتركيبة العرقية واللغوية للسكان المحليين، وكان الاعتقاد الشائع آنذاك أن منح المجموعات العرقية المختلفة قدرا أكبر من الحكم الذاتي سيجعل من السهل على الحكومة المركزية إدارة اختلافات البلاد مع الحفاظ على وحدتها.

    

   

وبموجب النظام السياسي الجديد الناشئ، آلت السلطة في إثيوبيا لتحالف رجال القبائل الذين قاتلوا ضد الدرج العسكري، والذين نظموا أنفسهم ضمن ما صار يعرف بـالجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي، وهو تحالف حاكم تم تشكيله عبر ائتلاف معقد من الفصائل الأربعة الرئيسة في البلاد: "المنظمة الديمقراطية لشعوب الأورومو"، و "حركة الأمهرة الديمقراطية الوطنية"، و "الجبهة الديمقراطية لشعوب جنوب إثيوبيا" و "جبهة تحرير شعوب التيغري".

  

ولكن ذلك الائتلاف الحاكم في حقيقة الأمر لم يكن سوى واجهة للحكم الأوتوقراطي لأصغر أعضائه حجما وتمثيلا شعبيا وهي جبهة تحرير شعوب التيغري، فعلى الرغم من كون قومية التيغري يشكلون فقط حوالي 6% من سكان إثيوبيا، إلا أنهم انقلبوا على رفاقهم السابقين مستبدلين بهيمنة الأمهرة نظاما سياسيا جديدا سيطر عليه التيغري على مدار ثلاثة عقود كاملة، نظام فرض نفسه في نهاية المطاف بحكم هيمنة المقاتلين التيغري على التشكيلات العصابية التي قاتلت ضد الدرج العسكري، تلك الهيمنة التي تحولت إلى أغلبية واضحة في صفوف الأجهزة الأمنية المتشابكة وواسعة السلطة في البلاد، لتدفع باقي القوميات وفي مقدمتهم الأورومو وحتى الأمهرة إلى هامش النظام السياسي.

  

في ذلك التوقيت، لم يكن "أبي أحمد"، المولود في بلدة "بيشاشا" الواقعة في إقليم "أرومو" جنوب غرب إثيوبيا يبلغ من العمر سوى 14 عاما فقط، ولكنه كان منخرطا(6) في السياسة منذ زمن ليس بقليل، ففي مطلع التسعينيات كان "أبي" واحدا من 200 مقاتل فقط من ذوي الأصول الأورومية الذين شاركوا في القوات العسكرية التي حاربت ضد الدرج العسكري، والتي بلغ عددها نحو 100 ألف معظمهم من التيغري، حيث وصل إلى رتبة مقدم، قبل أن يخدم لاحقا في وحدة الاستخبارات السيبرانية، ولكنه اتخذ قرارا بترك السلك العسكري بعد عقدين من الزمان وهو في منتصف الثلاثينات من عمره ليصبح مدنيا من جديد، وبدأ في ترسيخ نفسه داخل المكتب السياسي للمنظمة الديمقراطية لشعوب الأورمو واللجنة المركزية للائتلاف الحاكم، قبل أن يصبح عضوا في البرلمان في وقت لاحق، ثم وزيرا لفترة قصيرة في حكومة رئيس الوزراء ديسالين.

 

ورغم ذلك التاريخ السياسي الحافل، ظل انتماء "أبي" العرقي إلى الأورومو كفيلا وحده كي ينظر إليه باعتباره دخيلا سياسيا، حتى تلك اللحظة التي تم اختياره فيها لقيادة الحكومة من قبل اللجنة التنفيذية للجبهة الديمقراطية الثورية الشعبية الإثيوبية، حيث احتاج الائتلاف الحاكم لـ 6 أسابيع كاملة بعد استقالة سلفه من أجل الوصول لتأشيرة الحكم بـ 108 صوتا من إجمالي 169 في المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية الثورية، فيما لم يحصل "أبي" على أي صوت من بين 45 عضواً من أعضاء جبهة تحرير شعب تيغري المهيمن على الائتلاف، وجاء ترجيح كفته بأصوات الأمهريين، وأصوات الشعوب الجنوبية في المناطق الصومالية الذين أجبرتهم الاحتجاجات الشعبية المتنامية في البلاد على السعي للخروج من هيمنة التيغري.

   

     

بدأت الموجة الأخيرة والأكبر من تلك الاحتجاجات خلال عامي 2015 و2016 في مناطق الأورومو كرد فعل(7) على خطط التنمية الحكومية للمناطق ذات الأغلبية الأورومية، وهي خطة رأى الأورومو أنها تهدف في المقام الأول للإخلال بالتركيبة السكانية للبلاد عبر مصادرة الأراضي التي يسيطرون عليها لصالح التيغري، مستندين إلى سوابق قامت فيها الحكومة بانتزاع أراضي الأوروميين وتوزيعها على كبار المستثمرين تحت ستار التنمية، خطة عززت شعور الاضطهاد المزمن لدي الأورومو، مع تزايد نسبة الفقر، وحرمانهم من استخدام لغتهم المحلية في المدارس والجامعات على الرغم من أنهم يمثلون أغلبية عدد السكان، ولاحقا توسعت مطالب المحتجين لتشمل المطالبة بمزيد من التمثيل في الحكومة الفيدرالية التي يسيطر عليها التيغري، ومع تواصل الاحتجاجات سرعان ما انضمت الجماعات العرقية الأخرى في جميع أنحاء البلاد، بما في ذلك الأمهريين، معرضين(8) النظام الفيدرالي الإثيوبي لقدر غير مسبوق من الضغط، إلى درجة أن بعض الجماعات العرقية بدأت تنادي بالانفصال عن إثيوبيا وتشكيل دويلاتها الخاصة.

  

شكلت تلك الأجواء الحربية سياسات "أبي" منذ اللحظة الأولى لظهوره، دافعة إياه لتبني خطاب عابر للقومية يركز على المصالحة بين الأعراق، وإصلاح النظام السياسي الفيدرالي لجعله أكثر تمثيلية، وتخفيف القمع واحتضان المعارضة السياسية، واستعادة الحرية النسبية لوسائل الإعلام. أما على الصعيد الاقتصادي، يرى "أبي" أن أولوية حكومته هي الحفاظ على معدلات النمو القوية والتغلب على آثار الاضطرابات الداخلية الأخيرة التي أدت لإغلاق المصانع بشكل مؤقت وتراجع في ثقة المستثمرين.

 

ومن أجل تحقيق ذلك، تركز الحكومة الجديدة على ضمان توزيع الفوائد الاقتصادية بشكل عادل، إَضافة لمواجهة مشاكل تناقص السيولة وتراجع العملة والاعتماد الشديد على الواردات وتزايد الدين، من خلال تبني سياسية خصخصة(9) كاملة أو جزئية للشركات الكبرى، مثل شركة الاتصالات إثيو تليكوم والخطوط الجوية الإثيوبية، والشركة  الإثيوبية للطاقة الكهربائية، والشركة الإثيوبية لخدمات الشحن والخدمات اللوجستية، بالإضافة إلى صناعات السكر ومشاريع السكك الحديدية والمجمعات الصناعية، مع خطط لتطوير شراكات بين شركات القطاع الخاص المحلية، وزيادة الصادرات لتحفيز النمو وتحقيق المزيد من النقد الأجنبي. أما على المستوى الإقليمي، فإن الحكومة تسعى لبناء وضع إقليمي متميز، وتجنب هيمنة القوى الأجنبية على المنطقة من خلال سياسة تصفير المشاكل المزمنة مع جيرانها التاريخيين، وفي مقدمتهم إريتريا والصومال، ولعب دور الوساطة لإنهاء الحروب في البلدان المجاورة كما في جنوب السودان، وتحسين العلاقات مع القوى الإقليمية وفي مقدمتها مصر والإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية.

   

في مواجهة الصقور

لا يخلو تطبيق سياسات طموحة كتلك في بلد معقد مثل إثيوبيا من معوقات كبرى، وفي حين اختار رئيس الوزراء أن يبدأ طريقه بسن مجموعة من الإصلاحات الأساسية، بدأت برفع حالة الطوارئ التي تم فرضها في فبراير/شباط تزامنا مع استقالة رئيس الوزراء الأسبق، إَضافة للإفراج عن آلاف السجناء، ومنح المزيد من الحرية لوسائل الإعلام واحتضان المعارضة، ظل التحدي الأكثر جوهرية أمام "أبي" هو تثبيت أركان حكمه عبر إحكام السيطرة على الأجهزة الأمنية.

  

تمثل الأجهزة الأمنية الإثيوبية معاقل القوى التقليدية الموالية لقومية التيغري، من بنوها على مدار قرابة ثلاثين عاما، وقد خلص تحليل لتركيبة الجيش الإثيوبي قبل عدة سنوات إلى أن 57 من أصل 61 جنرالا في المناصب الحرجة كانوا ينتمون عرقيا إلى "التيغري"، كما قُدر أن ثلثي طبقة الضباط الأوسع والأقل رتبًا كانت من التيغري أيضا، الذين نجحوا في ترويج سردية وطنية حول البسالة الأسطورية لمقاتليهم الذين هزموا قوات الدرج مطلع التسعينات، وهم ذاتهم قدامى المقاتلين الذين سيطروا على مواقع الأمن والاستخبارات.

    

    

ومع قضائه لعقدين من عمره في قلب تلك المؤسسات الأمنية نفسها، بدا أن أبي يمتلك(10) ما يكفي من القدرة على فهم البيروقراطية العسكرية وطريقة عملها، لذا فقد شرع في إجراء تغييراته وفق القواعد البيروقراطية ذاتها، فقام بتقييد يد رئيس الأركان واسع النفوذ الجنرال "سامورا يونس" عبر ترقية ثلاثة من الجنرالات من قوميات مختلفة إلى مناصب تم إنشاؤها حديثا تحت قيادته، قبل أن يقوم بالإطاحة به بعد عدة أسابيع وتعيين الجنرال "سيري ميكونين" بدلا منه، في نفس الوقت الذي أطاح فيه برئيس المخابرات واسع النفوذ "غيتاتشو أسافا"، الأخطبوط الذي حكم جهاز المخابرات الإثيوبي قرابة ثلاثين عامًا لدرجة أن نفوذه كان يُشبّه بنفوذ "إدغار هوفر" الزعيم التاريخي لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي، ليضع قائد القوات الجوية "آدم محمد" بدلا منه، كما قام بإبعاد "تيكليبران فولدريغاي" مدير جهاز أمن المعلومات سيء السمعة، ما دفعه للخروج للإذاعة مهاجما الحكومة الجديدة بوصفها «تهديدا للنظام الفيدرالي» على حد زعمه.

  

لم تكن تلك الإقالات سوى جزء من جهد أوسع(11) لإعادة تشكيل تركيبة الأجهزة العسكرية وتقليص هيمنة جنرلات التيغري على الأجهزة الأمنية، جهد شمل الإطاحة بأسماء مرموقة هيمنت على تلك المؤسسات مثل "وتيدروس هاغوس"، و "غاتاشو أمباي" و "جيرما بيرو"، كما شمل محاولة لتفكيك مراكز القوى الاقتصادية المرتبطة بتلك الشبكات الأمنية، سواء بتخليصها من مديريها العسكريين لصالح مدنيين كما فعل مع شبكة المعادن والهندسة الضخمة التي يديرها الجيش، أو عبر إعلان استعداده لطرح بعض الشركات الكبرى التي استخدمتها شبكات المحسوبية للخصخصة الجزئية وأبرزها شركتي الاتصالات والطيران والمملوكتين للدولة.

 

ولكن أبي يعلم مع تلك الجهود أنه لن يكون قادرا على التخلص من 90% من ضباط الجيش المنتمين للتيغري، وأنه سيكون عليه العمل على استقطابهم في نهاية المطاف، ويبدو أن رئيس الوزراء نجح بالفعل في استقطاب بعض المعتدلين من التيغري في الحزب الحاكم الذين ستحدث بعضهم عن إصلاحاته علنا، ولكن أبي يسعى في الوقت نفسه لرفع تكلفة أي تحرك عسكري ضده من قبل المتشددين في الأجهزة الأمنية من خلال إقامة علاقات جيدة مع منظمات المعارضة المسلحة التي تم رفعها من قوائم الإرهاب، وهي "جبهة تحرير "أورومو" و "الجبهة الوطنية لتحرير أوغادين" (صوماليين)، إضافة إلى جماعة "جينبوت 7" (أمهريين)، وتمثل كلًا من المنظمات الثلاث المعارضة الرئيسة داخل التركيبات العرقية الأكثر هيمنة داخل البلاد.

   

وفي الوقت نفسه، سعي "أبي" لتأمين نفوذه بين الأقاليم والأعراق المختلفة في البلاد، وفي مقدمتها الأقاليم المهمشة مثل إقليم الصومال الذي عانى من اضطرابات راجعة لسوء الحكم في زمن الحكومة السابقة، وصولا لقرى الأورومو التي قادت الاحتجاجات والاشتباكات مع القوات الأمنية منذ عام 2015، ووجه دعوته للقادة المحليين في المناطق التي تعاني من الصراعات مجبرا رئيس الحركة الديمقراطية لشعب جنوب إثيوبيا، الحزب الحاكم في المناطق الجنوبية من البلاد، على الاستقالة بعد فشله في السيطرة على اشتباكات عرقية في المنطقة.

  

من خلال هذه الجهود المكثفة في تأمين المصالحة العرقية والمجتمعية، يسعى رئيس الوزراء لبناء شعور بالوحدة والهوية المشتركة يحل محل الانتماءات العرقية سعيا لدفع البلاد للعب دور بارز في السياسة الإقليمية، فعلى الرغم من تركيبتها الديممغرافية الفريدة والمتنافرة، فقد أظهرت البلاد في أوقات سابقة قدرا كبيرا من القوة سمح لها بتوجيه مسار الأحداث، وعلى الأخص في زمن الإمبراطوريتين الإثيوبيتين التي سبقتا دولة إثيوبيا الحديثة، وهما إمبراطورية أكسوم، أو الحبشة، بين عامي 100 و 940، والإمبراطورية الإثيوبية التي امتدت بين عامي 1270 إلى عام 1974، واللتين منحتا إثيوبيا نفوذا سياسيا في مواجهة القوى الأجنبية التي طالما سعت للهيمنة على القرن الإفريقي.

   

    

ولكن إثيوبيا الحديثة لم تعان فقط من الصراعات العرقية الداخلية، ولكنها عانت أيضا في مواجهة الصراعات الحدودية مع جيرانها التي التهمت مواردها المالية والعسكرية، ومنعتها من القيام بدور قيادي في بيئتها الإقليمية مع خوض البلاد صراعات متعددة مع الصومال وإريتريا بسبب الخلافات الحدودية، ومع الحروب الأهلية التي اندلعت في الصومال وجنوب السودان ووصلت أصداؤها للأراضي الإثيوبية، سواء عبر اضطرابات سياسية أو من خلال جحافل ضخمة من المهاجرين.

  

لكن الحكومة الجديدة، ضمن رؤيتها لاستعادة زمام المبادرة الإقليمية، تسعى اليوم لتصفير مشاكلها مع جيرانها وتصفية هذه الصراعات التاريخية على ما يبدو، وفي يونيو/حزيران الماضي، أعلنت إثيوبيا إنها ستنفذ اتفاق الجزائر الموقع عام 2000 لإنهاء الحرب طويلة الأمد مع إريتريا دون أي شروط مسبقة، وهو اتفاق امتنعت "أديس أبابا" عبر قرابة عقدين عن تنفيذ مقرراته بما في ذلك تسليم بلدة "بادمي" الحدودية لإريتريا، ومنذ ذلك الإعلان تبادل البلدان الزيارات الدبلوماسية، قبل أن يوقعا اتفاقا لإنهاء الحرب تم بموجبه تبادل السفراء لأول مرة منذ انفصال إريتريا في التسعينيات.

  

كان حكم التيغري أحد الأسباب الرئيسة لتزايد التوترات مع أسمرة في الماضي، نظرا لأن قومية التيغري كانت من بين أكثر الجماعات عدائية تجاه إريتريا، لذا لم يكن من المفاجئ أن تعارض جبهة تحرير شعوب التيغري جهود المصالحة مع إريتريا لتصبح آخر المجموعات السياسية الرئيسة التي تدعم الحكومة بشأن هذه المسألة.

  

ولدى إثيوبيا ماض معقد مماثل مع الصومال، حيث اندلع القتال بين البلدين خمس مرات منذ أوائل القرن العشرين، لكن العلاقات كانت أكثر ودية في الآونة الأخيرة، حيث أعرب قادة البلدين عن اهتمامهما القوي بالتكامل الاقتصادي واتفقا على تعزيز التعاون الأمني، كما لعبت القوات الإثيوبية دوراً رئيسياً في مهمات مكافحة الإرهاب في الصومال، وإضافة لذلك أعلنت إثيوبيا في يونيو/حزيران الماضي أنها ستبدأ أول اختباراتها لإنتاج النفط الخام في منطقة أوغادين، على الحدود مع الصومال، مع خطط لبناء خط أنابيب لتصدير الهيدروكربونات من المنطقة، وهو مشروع من شأنه –بخلاف تحقيق الأرباح-  أن يساعد في  بناء الأمن على طول الحدود الإثيوبية الصومالية.

  

أما في جنوب السودان، فقد لعبت أديس أبابا دورا حاسما(12) في التوصل لاتفاق لوقف إطلاق النار في حرب أهلية بدأت منذ عام 2013، وأسهمت في تدفق اللاجئين والمصابين عبر الحدود. ووفقاً للتقديرات، يوجد اليوم حوالي نصف مليون لاجئ من جنوب السودان على المنطقة الحدودية بين البلدين، وبالتالي فإن إثيوبيا لديها مصلحة كبرى في ضمان أن يتحول وقف إطلاق النار لسلام دائم، ورغم ذلك، لم تكن الشواغل الأمنية هي الدافع الوحيد للوساطة الأثيوبية، حيث يبدو أن أديس أبابا تتطلع أيضا للوصول لنفط جنوب السودان، حيث أعربت عن رغبتها في شراء النفط، والمساعدة في بناء البنية التحتية اللازمة لنقله لخارج البلاد.

   

   

في الوقت نفسه تسعى(13) "أديس أبابا" لترميم علاقاتها مع دول الخليج، وهي علاقات غلب عليها التوتر خلال زمن الحرب الباردة وخلال التسعينيات، حيث اعتبر القادة الإثيوبيون أن دول الخليج دعمت جيرانهم في مصر وإريتريا والسودان والصومال ضدهم، ولكن مع تزايد المصالح الخليجية في دول القرن الإفريقي بدأت العلاقات تتعزز ببطء، وإن ظلت جامدة في أفضل الأحوال، حيث ظلت أديس أبابا تنظر للعاصمتين الخليجيتين "الرياض وأبي ظبي" كداعمين رئيسين لخصومها الإقليميين وعلى الأخص القاهرة.

  

ولكن الأمور بدأت في التغير كثيرا في عام 2015 مع قيام حرب اليمن واندفاع الإمارات والسعودية العسكري إلى المنطقة، حيث تلاقت بشكل تدريجي مصالح أبوظبي وأديس أبابا وطموحاتهما في الوصول لموانئ القرن الإفريقي، وعمل البلدان معا بشكل جيد في جيبوتي وأرض الصومال، رغم قلق إثيوبيا من التواجد العسكري الإماراتي في إريتريا، لكن ومع قدوم "أبي أحمد" إلى السلطة مع أجندة تصالحية مع خصومه، فإنه رغب(14) في الاستفادة من علاقته مع أبي ظبي لتسهيل التوصل لاتفاق مع إريتريا، إضافة لتحصيل حقيبة استثمارية بقيمة ثلاثة مليارات دولار.

  

في الوقت نفسه، لعبت(15) الاستثمارات الإماراتية في إثيوبيا دورا آخر في تسهيل العلاقة بين أديس أبابا والقاهرة في ملف سد النهضة شديد التعقيد، حيث سعى ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد لإقناع "أبي" بتقديم تنازلات للقاهرة في ملف سد النهضة خاصة فيما يتعلق بالفترة اللازمة لملء خزان السد، النقطة الأكثر حساسية وخطورة بالنسبة للعاصمة المصرية، وعلى الرغم من أنه لم يتم الإفصاح بوضوح عن نتائج هذه التفاهمات، فإن زيارة "أبي أحمد" إلى القاهرة في يونيو/حزيران الماضي خلفت ارتياحا ملحوظا في العاصمة، مع تفاؤل أن تكون الحكومة الإثيوبية الجديدة أكثر مرونة في مفاوضات المياه عن سابقتها.

  

التهام الموانئ

على الرغم من كل الجهود التي تبذلها أديس أبابا لجسر الخلاف مع جيرانها، فإن استراتيجيتها لممارسة النفوذ الإقليمي اليوم تصطدم بحقيقة جيوسياسية قاسية، وهي أن البلاد اليوم وبعكس وضعها التاريخي أصبحت دولة حبيسة بلا  وصول مباشر إلى البحر، ميزة فقدتها أديس أبابا مع نيل إريتريا استقلالها، ومثلت ضربة قوية لمكانة إثيوبيا الاستراتيجية والجغرافية في المنطقة، حيث أصبحت فجأة أكثر اعتمادا على الدول المجاورة لإرسال صادراتها للأسواق العالمية، ومع فقدانها للحدود الساحلية، فإن أديس أبابا فقدت بالتبعية أي نفوذ عسكري لها في البحر، لذا فإنها اتخذت آنذاك خطوة منطقية بتفكيك أسطولها.

  

ورغم ذلك ظلت إثيوبيا معتمدة على البحر في توصيل نسبة تفوق 90% من صادراتها يمر معظمها عبر جيبوتي، التي يوجد بها واحد من الموانئ القليلة في إفريقيا التي يمكنها استقبال حاويات المياه العميقة، ويمثل اعتماد إثيوبيا على هذا البلد الصغير في جميع صادراتها ضعفا هائلا مع شعور أديس أبابا بقلق متزايد إزاء تزاحم القوات البحرية الأجنبية نحو جيبوتي، خاصة مع امتلاك الولايات المتحدة والصين واليابان وفرنسا قواعد عسكرية هناك، فعلى الرغم من أن البلدان يرتبطان بعلاقة قوية في الوقت الراهن، تخشى أديس أبابا من أن أي تغير في هذا الدينامية سوف يشكل تهديدا مباشرا لمصالحها.

     

   

ومن أجل التغلب على تلك الثغرة، تخوض(16) أديس أبابا صراعا مع الزمن لاكتساب وصول ثابت ومقنن لميناء ديوراليه في جيبوتي، وفي إبريل/نيسان الماضي دخلت إثيوبيا في مفاوضات مع جيبوتي لتطوير الميناء وتشغيله بشكل مشترك، وشملت المفاوضات إمكانية حصول أديس أبابا على حصة في الميناء مقابل حصول جيبوتي على أسهم في الشركات الإثيوبية المملوكة للدولة ضمن خطة الخصخصة الجزئية لأديس أبابا، في الوقت الذي قامت فيها أديس أبابا بربط نفسها بجارتها الصغيرة عبر خط سكة حديد جديد يبلغ طوله 472 كيلومتراً تم افتتاحه العام الماضي.

 

ولكن تقليص ذلك الاعتماد الحصري على ميناء جيبوتي كان منذ فترة طويلة أولوية حاسمة(17) للسياسة الإثيوبية، ولذا فإن أديس أبابا حاولت على مدار أكثر من عقد من الزمان العثور على شريك دولي لتطوير ميناء "بربرة" في أرض الصومال لمرفق قادر على التعامل مع كميات كبيرة من البضائع، وبالتالي تقليل الاعتماد على جيبوتي. وفي عام 2015، وقعت إثيوبيا اتفاقية مع أرض الصومال لتطوير ميناء بربرة، قبل عدة أسابيع من توقيع مجموعة "مواني دبي" العالمية على اتفاقية بقيمة 442 مليون دولار مع الحكومة في "هرغيسيا"، لتحصل أديس أبابا في وقت لاحق على حصة 19% من الميناء، وتنفق 80 مليون دولار على تطوير البنية التحتية التي تربط بين إثيوبيا وأرض الصومال، وعلى رأسها طريق بطول 500 ميل تقريبا بين الميناء وبين مدينة "توجوشال" الحدودية الإثيوبية.

  

ومع إطار سعيها الدؤوب والمستحدث لالتهام الموانئ، ولت أديس أبابا وجهها شطر كينيا، وفي مايو/أيار الماضي، توصل الطرفان لاتفاق حصلت بموجبه إثيوبيا على حصة من الأراضي في جزيرة "لامو" كجزء من مشروع لامو بورت (ميناء لامو)، جنوب السودان – إثيوبيا للنقل، المعروف اختصارا باسم "لابسيت"، وهو مشروع نقل وبنية تحتية بتكلفة 24 مليار دولار تم التوقيع عليها في عام 2012، ولكن تم تأجيلها بسبب التأخير في التمويل ومشاكل الأمن في كلا البلدين، ناهيك عن خطط المصالحة مع إريتريا التي تتطلع أديس أبابا بموجبها لتواجد بحري في "عصب" و "مصوع" ولو بعد حين.

  

على السطح، يمكن النظر لكل هذه التحركات على أنها مدفوعة بالرغبة في تنمية الاقتصاد أكثر من طموحات الهيمنة الإقليمية، ولكن بالنظر للوجود المتزايد للقوات الأجنبية في القرن الأفريقي، ومقاومة إثيوبيا التاريخية لتدخل القوى الأجنبية في المنطقة، يبدو الاقتصاد وحده غير كاف لتفسير تلك التحركات، وكان رئيس الوزراء "أبي أحمد" نفسه أكثر صراحة(18) في التعبير عن تطلعات بلاده، حين خرج على التلفاز الحكومي معلنا أن بلاده تتطلع لإعادة بناء قواتها البحرية في المستقبل القريب، وفي الوقت الراهن لا تمتلك إثيوبيا سفنا بحرية عسكرية، في حين تتمركز سفنها التجارية الإحدى عشر الكبرى في جيبوتي، حيث تبحر لموانئ الخليج وشبه القارة الهندية والصين وكوريا واليابان وسنغافورة وجنوب إفريقيا.

    

    

ويمكن للقوات البحرية الإثيوبية المنتظرة أن تساعد في حماية السفن التجارية الإثيوبية في ظل بيئة بحرية متقلبة، ولكن المخاوف الأمنية الاستراتيجية ودوافع الجغرافية السياسية تبقى الحافز الأكبر(19) وراء الخطط البحرية الإثيوبية التي ربما تمتد لإنشاء قاعدة بحرية في الموانئ التي تسعى لاختراقها، سواء في كينيا أو أرض الصومال وربما جيبوتي، وفي حين تتطلع طموحات إثيوبيا لتوحيد القرن الافريقي كتكتل اقتصادي، فإن سلاح البحرية يعد جزءً حيويًا من هذا المشروع.

 

ومع ذلك، فإن بناء أسطول بحري من الألف إلى الياء أمر شديد الاختلاف ويتطلب استثمارات مالية ضخمة وكثير من الوقت لتدريب القوات، فضلا عن الآثار العكسية التي يمكن أن تجلبها هذه الخطة على جهود إثيوبيا للتصالح مع جيرانها وخاصة مع إريتريا، ولكن مجرد التلويح بتلك الخطة هو أمر منسجم مع تطلعات القيادة الإثيوبية الجديدة لتأكيد سلطتها الإقليمية والتنافس مع القوى الخارجية، في نفس الوقت الذي تحارب فيه في مواجهة تحديات داخلية متزايدة، ومع كون رؤية طموحة كتلك ربما تستغرق عدة سنوات أو حتى عقود لتحقيقها، إذا تم تحقيقها بالأساس، إلا أن الحقيقة الأكيدة التي تراها أديس أبابا هي أن المنطقة تعاني من فراغ في القيادة، وأن هناك مساحة لقوة إقليمية للعب دور قيادي ومنع القوات الأجنبية من احتكار النفوذ، وقد أثبتت إثيوبيا في الماضي أنها قادرة على فعل ذلك ويبدو أنها تتطلع اليوم لفعله مجددا.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار