هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟

انضم إلينا
اغلاق
من البصرة لبغداد.. هل يرضخ النظام لاحتجاجات الجماهير العراقية؟

من البصرة لبغداد.. هل يرضخ النظام لاحتجاجات الجماهير العراقية؟

لقاء مكي

باحث عراقي
  • ض
  • ض
مقدمة

تُجسِّد الاحتجاجات العنيفة في بغداد وجنوب العراق تراكمًا مضنيًا من الشعور الجمعي بإهمال الدولة وفساد المؤسسات وعقم الصمت على الفشل في توفير الحاجات الإنسانية الأساسية من الخدمات. ولم يكن بدء الاحتجاجات في البصرة في أقصى الجنوب العراقي مجرد صدفة، فهذه المدينة تتعرض لنمط صادم من الإهمال رغم أهميتها الاقتصادية الحاسمة للعراق بأكمله، كما أن الانتشار السريع للاحتجاجات إلى بغداد وسائر محافظات الوسط والجنوب ذي الأغلبية الشيعية، كان بدوره أكثر من مشاركة وجدانية للبصريين، فمدن هذه المحافظات وسكانها يعانون نفس الشكاوى ويشتركون في نفس هواجس الرؤية للدولة والمؤسسات الحكومية والطبقة السياسية.

   

والقضية الحاسمة هنا لم تكن خروج الاحتجاجات بحد ذاتها، ولكن الطريقة التي عبَّر بها السكان عن غضبهم، والهجوم على أهداف متماثلة في جميع المدن ومن غير تنسيق مسبق، كانت مؤشرًا على هوية (العدو) في المخيال الشعبي. حدث ذلك بشكل خاص ضد مقرات الأحزاب الشيعية، والميليشيات التي تمثِّل أقوى أطراف الحشد الشعبي، وبيوت مسؤولين ورجال دين ومقرات الحكومات المحلية وبعض المؤسسات التي أشيع عنها الكثير من أوجه الفساد الذي تتشاركه الأحزاب النافذة.

      

   

احتجاجات البصرة ليست الأولى من نوعها، ففي صيف عام 2015 خرجت مظاهرات مماثلة، تطالب بالخدمات، وقبل تلك الاحتجاجات وبعدها خرجت مظاهرات عديدة في بغداد ومناطق جنوب البلاد، كانت تنتهي في كل مرة، بوعود وأمنيات، لا يتحقق منها الكثير. لكن ما يميز المظاهرات الأخيرة أنها تعدت سقوفًا وحواجز نفسية ونمطية كانت تقيد هذه الفئات السكانية، وتحولت سريعًا من المطالبة بالخدمات إلى حراك سياسي قد يكون له أثر مهم في المستقبل.

  

البصرة: مدينة غنية وسكان فقراء

اقتصاديًّا، تعتبر البصرة أهم المحافظات العراقية قاطبة من حيث توفير الواردات والأموال للخزينة العامة؛ حيث تنتج معظم ما يصدِّره العراق من النفط، وتوفر أكثر من 90% من إجمالي الصادرات الكلية، والجزء الأكبر بالتالي من ميزانية العراق الذي يعتمد على النفط بشكل شبه كامل(1).

  

وبرغم وجود حقول واحتياطيات نفطية في مدن عراقية أخرى، مثل: ميسان وكركوك وديالى ونينوى وأربيل، واحتمال توافر احتياطيات في مناطق أخرى، إلا أن حقول البصرة هي الأعلى إنتاجًا في الوقت الحاضر ولسنوات قادمة، ولن يُقدَّر لأية بقعة عراقية أن توازيها في الأهمية الاقتصادية أو ما توفره من موارد للعراق.

  

وبطبيعة الحال، فإن هذا الغنى النفطي، لم يكن بلا ثمن يدفعه السكان، فالإنتاج النفطي يتسبب بأضرار كبيرة للبيئة، ومشكلات صحية، كان السكان يتجاهلونها أو يعتبرونها نتائج عرضية مقبولة، حينما كانوا يستفيدون من هذه الميزة، في فرص العمل الكثيفة في المنشآت النفطية، لكن هذه الفائدة الجوهرية تلاشت حينما بدأ العراق منذ صيف العام 2009 بإبرام عقود امتياز لشركات نفط أجنبية بموجب ما يسمى "جولات تراخيص" بلغت خمسًا حتى الآن، وشملت حقول النفط في مختلف أنحاء العراق ولاسيما البصرة، وقد كان من بين بنود هذه العقود المثيرة للجدل، قيام الشركات باستقدام أجانب للعمل في الصناعة النفطية؛ الأمر الذي حرم سكان البصرة من أحد أبرز موارد الرزق وفرص العمل لديهم، وعدا النفط، فإن البصرة هي منفذ العراق الوحيد على البحر، ويوفر ميناؤها موارد قُدِّرت في شهر واحد خلال يناير/كانون الثاني 2018 بنحو 18 مليار دينار عراقي (أكثر من 15 مليون دولار)(2).

  

غير أن هذه الوفرة المالية المفترضة في البصرة، تقابلها حقيقة أن الأحزاب والميليشيات المتنفذة تتقاسم المصالح الاقتصادية المهمة في المحافظة. وحسب دراسة تناولت سيطرة بعض القوى الحزبية على موارد أساسية في البصرة(3)، فإن تيار الحكمة (عمار الحكيم) يسيطر على حقول الرميلة الشمالية، والشركات العراقية الخدمية للعقود الفرعية بضمنها المجهزة لشركات النفط الاستثمارية الأجنبية وميناء المعقل، وبالإضافة إلى معبر سفوان الحدودي مع الكويت، كذلك حصته في منصب المحافظ، ووزيري النقل والنفط، أما حزب الدعوة -جناح نوري المالكي- فيسيطر على ميناء أم قصر بنسبة 60%، وحقول الرميلة النفطية الجنوبية، وحقول منطقة البرجسيَّة، بالإضافة إلى مطار البصرة الدولي ومعمل البتروكيمياويات وحقول الغاز في البرجسية.

     

     

ويسيطر تحالف الفتح وتحديدًا منظمة بدر وحركة عصائب أهل الحق، على حقول غرب القرنة، وميناء أبوفلوس (والذي يعد خارج سيطرة الدولة منذ العام 2014، ويُستخدم للتهريب بدرجة أساسية)، وسكك الحديد وكلية باب الزبير، بالإضافة لشركات السيطرة النوعية في معبر الشلامجة الحدودي مع إيران.

  

أما التيار الصدري فيسيطر على المدينة الرياضية بضمنها ملعب البصرة الدولي، ومواقع وزارة الكهرباء، والمستشفى الجمهوري، ومعبر الشلامجة الحدودي مع إيران، ويسيطر حزب الفضيلة على معامل شمال البصرة الحكومية، وعلى معمل الأسمدة في قضاء أبي الخصيب ويمتلك نفوذًا أمنيًّا وسياسيًّا فاعلًا في البصرة، وتتواجد تشكيلات الحساوية (طائفة شيعية ترجع بأصولها إلى الأحساء)، بقوة في مركز مدينة البصرة ولها تشكيلات سياسية وعسكرية وحضور في مواقع وزارة الري والتجارة في المحافظة. 

  

وإذا كانت هذه حال مصادر ثروة الدولة في البصرة، فإن الانهيار شمل أيضًا ما كان يمكن أن تتخطاه الأحزاب المتنفذة أو أن تستبقيه للناس، وأبرز ما في ذلك الزراعة، فالبصرة محافظة زراعية أساسية، لكن هذا القطاع الإنتاجي والتشغيلي الضخم الذي كان سببًا حيويًّا للدورة الاقتصادية في المحافظة وفي العراق، ومصدرًا لدخل مئات الألوف من السكان، يواجه منذ سنوات معالم انهيار منتظم، بدأ أولًا بسبب وجود البصرة وسط دائرة حروب متواصلة منذ عام 1980، أحرقت بشكل كامل ونهائي الملايين من أشجار النخيل، وحوَّلت مساحات شاسعة إلى أراض غير صالحة لا للعيش ولا للزراعة لأسباب تتعدى الآثار المباشرة للحرب إلى إهمال الدولة، ومن بين ذلك استمرار وجود نحو 25 مليون لغم أرضي ما زالت مزروعة في أنحاء مختلفة من العراق، غالبيتها العظمى في البصرة، لاسيما في مناطق الشريط الحدودي مع إيران والكويت، وقد تسببت هذه الألغام بإرغام السكان على هجر هذه الأراضي الزراعية الغنية(4).

  

لكن ذلك ليس آخر أزمات الزراعة ومئات آلاف المزارعين في البصرة؛ ذلك أن ندرة المياه الصالحة للسقي أو للشرب أصبحت سببًا رئيسيًّا لانهيار كل من الزراعة والثروة الحيوانية ومعاناة السكان في جنوب العراق بشكل عام، لكنها في حالة البصرة تأخذ أبعادًا كارثية؛ حيث تصاعدت نسبة الملوحة في مياه هذه المحافظة الثالثة في العراق من حيث عدد السكان بعد بغداد ونينوى بشكل خطير.

  

ويعتبر شط العرب الذي يبدأ من شمال البصرة بعد التقاء نهري دجلة والفرات، المورد الأساسي للمياه تاريخيًّا؛ حيث يخترق المحافظة إلى جنوبها مارًّا بمدنها الكبرى قبل أن يصب في الخليج العربي، وعلى ضفتيه كانت تنتشر إلى غاية مطلع ثمانينات القرن الماضي أكبر بساتين النخيل في العالم، كما كان مجرى مائيًّا مناسبًا للسفن الكبيرة، وسببًا مباشرًا للتوازن البيئي في المدينة العريقة المطلة إلى الجنوب على الصحراء.

    

  

ولقد تعرضت مياه شط العرب إلى أضرار جسيمة بعد زيادة نسب الملوحة فيها بشكل يجعلها غير صالحة للاستهلاك الآدمي أو الحيواني، فضلًا عن عدم صلاحيتها لسقي المزروعات، لاسيما بعد انخفاض مناسيب نهري دجلة والفرات، وتسليط إيران لمياه مصارفها المالحة لتصب في شط العرب. وفي هذا الخصوص، قال بيان لوزارة الموارد المائية العراقية صدر في مطلع شهر يوليو/تموز 2018: إن "محافظة البصرة تعاني وضعًا مأساويًّا بسبب ارتفاع ملوحة شط العرب حيث وصلت إلى نسب عالية لا يمكن معها استمرار الاستخدامات المعتادة للمياه،... إن تراكيز الأملاح في منطقة سيحان، الموقع التاريخي لمصب نهر الكارون بشط العرب، وصلت إلى (25000) جزء بالمليون مقارنة بـ(2000) جزء بالمليون في منطقة كتيبان في أعالي شط العرب، وهذا يعود لسببين، أولهما: قذف مياه شديدة الملوحة في هذه الفترة من السنة من الجانب الإيراني كما حصل في السنوات السابقة، وكذلك المد العالي الذي يدفع تلك المياه باتجاه مركز مدينة البصرة"(5).

  

وإذا كان بيان الوزارة العراقية، يعتبر أن (أفضل) جزء من مياه شط العرب في شمال البصرة يحوي كمية ملوحة تساوي (2000) جزء بالمليون قبل أن يسوء ليصل إلى أكثر من عشرة أضعاف هذا الرقم، فإن الحقيقة المهمة بالمقابل هي أن الحد الأعلى لكمية الأملاح في المياه الصالحة للشرب، حسب منظمة الصحة العالمية، تبلغ 900 جزء بالمليون، وتصبح سيئة إذا تعدت ذلك، فيما تتحول إلى غير صالحة تمامًا إذا تجاوزت 1200 جزء بالمليون(6)، وهذا يعني أن مياه البصرة بالكامل غير صالحة للشرب الآدمي أو الحيواني ولا للزراعة.

  

ولم تكن مشكلة مياه الشرب في البصرة جديدة، فهي تعود لسنوات طويلة ماضية، وبلغت مستوى الأزمة أكثر من مرة، ومع كل أزمة كانت السلطات المحلية أو الاتحادية في بغداد تقدم وعودًا لا تُنفَّذ، بل إن البرلمان العراقي أقرَّ، في أبريل/نيسان 2017، قانونًا يعتبر البصرة عاصمة اقتصادية للعراق، على اعتبار أن ذلك سيمركز الأنشطة الاقتصادية والاستثمارية فيها، لكن ظهر أن القانون كان بلا قيمة عملية، ولم يحقق أية فائدة للمدينة، فتراكمت الوعود والإحباطات، وبدلًا من رؤية ثمار تصريحات وتعهدات بالتنمية وتلبية الحاجات الأساسية، كان البصريون يتابعون السطو المنظم على موارد مدينتهم الغنية، من نفط ومياه وحقول وموانئ من قبل أحزاب وميليشيات ومسؤولين محليين، ووقوع المدينة في قلب ظاهرة الفساد الإداري والمالي الضخم الذي طالما اعترفت حكومة رئيس الوزراء الحالي، حيدر العبادي، بانتشاره واسع النطاق في العراق.

  

وقد كان من بين آخر فضائح الفساد في البصرة، ما تكشَّف من أمر محافظها السابق، ماجد النصراوي، الذي ينتمي للمجلس الأعلى الإسلامي؛ حيث جرى اتهامه رسميًّا بتبديد وسرقة أموال ضخمة مخصصة لتنمية المحافظة، وصدر بحقه أمر اعتقال قضائي، لكنه تمكن من الهرب بصحبة عائلته إلى إيران في أغسطس/آب 2017، بالتواطؤ مع المسؤولين عن المنفذ الحدودي الرسمي، ومن إيران غادر النصراوي إلى أستراليا التي يحمل جنسيتها(7).

     

ماجد النصراوي، محافظ البصرة سابقا (مواقع التواصل الاجتماعي)

    

من سخط الخدمات إلى الحراك السياسي

حُشِرت البصرة وسكانها بين ثنائيتي غنى المدينة وكثرة مواردها من جهة، وفقر سكانها، وتراجع أوضاع مدينتهم حد فقدانها حتى القدرة على توفير مياه الشرب، ناهيك عن بقية المتطلبات الأساسية، من جهة أخرى، هذه المعادلة التي ظهرت كشعارات في احتجاجات البصرة الحالية أو السابقة قبل ثلاث سنوات، هي في واقع الحال مجرد الجزء الظاهر من جبل جليد متراكم من الشكاوى يبرز في البصرة بشكل فاقع، لكنه ينتشر كواقع حال من الإهمال وغياب الخدمات في سائر مدن العراق.

  

وتشترك مدن الوسط الجنوب (الشيعية) بشكل خاص بظاهرة سيطرة الأحزاب الدينية، وافتراض الولاء الطائفي، وافتقاد المنظومة الحزبية والحكومية إلى الذرائع التي تقدمها لتبرير انهيار منظومة الدولة والإخلال بواجباتها في المناطق الأخرى. فهذه المنظومة تستخدم ظاهرة (الإرهاب) لتبرير استمرار التهميش والقمع والخراب وغياب الخدمات في المدن (السنية)، لكنها في مناطق الأغلبية الشيعية لا تستطيع استخدام فزاعة الإرهاب سواء للتبرير أو للبطش، لذلك اعتمدت على آليات مختلفة، منها استخدام الوعود المتكررة لـ(تأجيل) توقعات السكان بالحد الأدنى من الخدمات، وفي المقابل تقوم بتكريس مقولة: إن (الهيمنة الشيعية) على السلطة، هي بحد ذاتها تحول تاريخي ومنجز يمكن (ويتوجب) التغاضي عن أية مطالب أو انتقادات مقابل استمراره.

   

كانت هذه الآلية تُطرح على الدوام كحرب نفسية موجهة للسكان الشيعة، حيث سيكون عليهم دومًا الاختيار ما بين (سلطة شيعية وإن كانت غير كفؤة أو فاسدة) وبين (حكم سني بعثي يضطهد الشيعة)، كما جرى استخدام التنظيمات المتطرفة (التي تكفِّر الشيعة) من أمثال القاعدة بتسمياتها المختلفة وتنظيم الدولة كمهددات توفر الفرصة لاستثارة الروح الطائفية ومشاعر الخوف المطلوبة لجعل أية مطالب عادلة مجرد ترف لا معنى له، بالقياس إلى ضرورات الأمن الذي تعهدت بتوفيره نفس الأحزاب والميليشيات والسلطات المتهمة بالفساد والنهب.

  

وربما تمكنت هذه المقاربة من وضع السكان الشيعة وسط دائرة مفرغة من القبول بالوضع القائم. وبرغم الاحتجاجات التي تكررت أكثر من مرة دون نتائج تُذكر ضد الفساد وسوء الإدارة، إلا أن سقف المطالب لم يرتفع ليصل إلى تغيير أو إسقاط النظام السياسي، أو تشكيل قوى سياسية بديلة عن الأحزاب المتنفذة، فقد كانت هناك آليات الهيمنة والتخويف، وكذلك طبيعة الظاهرة الانتخابية في العراق، التي تفرض قواعد معينة تضمن استمرار سيطرة نفس الأحزاب والقوى على مصادر القوة والمال، وهناك أيضًا الاستغلال واسع النطاق للمشاعر الطائفية ولطبيعة الثقافة السائدة المستندة بشكل كبير إلى الهيمنة الدينية، فضلًا بالطبع عن بناء شبكة علاقات ومصالح مع النظام العشائري القوي والمؤثر في جنوب العراق.

  

لكن هذه الآليات للسيطرة والاحتواء واجهت، خلال احتجاجات يوليو/تموز 2018، تحديات جدية، وفرصًا حقيقية لفشلها، حيث يشير مسار الاحتجاجات واستمرارها مدة طويلة نسبيًّا إلى أن تحولًا مهمًّا جرى في الوعي الجمعي الشيعي في العراق. لقد انطلقت المظاهرات من البصرة في الثامن من يوليو/تموز 2018 تحت عناوين تتعلق بتوفير خدمة الكهرباء والماء وفرص العمل، وانتشرت في محافظات مجاورة بسرعة، ثم ما لبثت أن تحولت إلى مطالب سياسية، وصارت عناوينها الرئيسية جزءًا من السياق السياسي الراهن المتخم بالانقسام والخلافات العميقة الحزبية والشخصية، وبدلًا من الاكتفاء بالمطالبة بالخدمات، صب الناس جام غضبهم على الطبقة السياسية العراقية التي اتهموها بالفشل في تحقيق أي اختراق على صعيد الخدمات العامة أو إدارة الدولة أو التنمية الاقتصادية والاجتماعية أو محاربة الفساد ناهيك عن محاسبة رموزه، ولذلك فقد كانت مهاجمة مقرات الأحزاب الإسلامية الشيعية والميليشيات في المدن الجنوبية، وكذلك بيوت مسؤولين ورجال دين، نمطًا جديدًا من الاحتجاجات أخرجها بسرعة من دائرة الشكوى إلى الرفض السياسي، وهو ما لم يحصل بهذا الشكل والحدة في مظاهرات العام 2015، التي كانت واسعة أيضًا لكن ليس بهذه الحدة أو القدر من خيبة الأمل والغضب أو الوعي.

     

    

وشهدت هذه الهجمات محاولات إحراق لهذه المقرات لكنها لم تتضمن نهبها، كما تعرض الأشرطة المتسربة من مناطق الاحتجاجات قيام المتظاهرين بحرق صور لآية الله الخميني، زعيم الثورة الإسلامية في إيران، وهي صور نشرتها في مدن العراق ومنها بغداد الميليشيات العراقية النافذة التابعة لإيران، واعتُبر ذلك إلى حد كبير نمطًا واضحًا من الرفض العفوي للنفوذ الإيراني وكذلك للقوى السياسية التابعة له، أكدته شعارات المتظاهرين، وهو أيضًا تطور في نمط الرفض لمراكز القوى المسيطرة على مصادر القوة والثروة والنفوذ في مدن جنوب العراق، والتي تتمثل خصوصًا بالميليشيات والأحزاب الدينية.

  

ويبدو أن الانتخابات البرلمانية التي أُجريت في 12 مايو/أيار 2018، قد أضافت سببًا آخر للمنحى السياسي للاحتجاجات الحالية، فنسبة المشاركة المتدنية(8) كانت تعبِّر عن قدر كبير من  الإحباط وفقدان الثقة بالعملية السياسية، كما كانت عمليات التزوير الواسعة التي اعترف بها كل من البرلمان والحكومة، سببًا آخر لخيبة الأمل، والإحساس بعدم الجدوى من الممارسة الانتخابية في تغيير الأوضاع العامة في البلاد أو إنتاج طبقة سياسية أكثر قدرة وكفاءة ونزاهة.

  

وبرغم أهمية التطور الذي حصل في الحراك الشعبي وسقف مطالبه، فإن إشكالية أخرى طفت على السطح، وهي بقاء الاحتجاجات بدون مرجعية أيديولوجية أو سياسية. لقد تدرجت بسرعة مضامين الشعارات والمواقف السياسية للمحتجين من المطالب الخدمية إلى مهاجمة الفساد إلى المواقف السياسية القوية، ودخلت في نطاق واسع من مهاجمة المسؤولين والأحزاب وقوى سياسية ودينية شيعية طالما اعتبرت جنوب العراق مجالها الحيوي وبيئتها الحاضنة الرئيسية، والمخزن البشري لها. لكن، ومع أهميتها، فإن هذه المواقف لم تطرح بديلًا سياسيًّا، ولم تحقق الاستثمار السياسي للحراك الجماهيري، وظلت القوى المحلية من خارج العملية السياسية لا تتعدى سلطة القبائل أو كيانات الناشطين غير المؤدلجين، أما الناشطون الفاعلون أو المؤثرون في بيئاتهم المحلية بجنوب العراق أو في بغداد، فقد تعرضوا خلال مراحل سابقة إلى الاغتيال أو الاعتقال أو التعذيب والإخفاء القسري(9)، مما قلَّص من فرص تنظيم بدائل حقيقية للعملية السياسية الحالية على المستوى الشيعي، وهو أمر يتكرر في سائر أنحاء العراق، ولكن بآليات وأساليب مختلفة تتناسب ومصادر القسر والإرغام وحدود القدرة لدى القوى السياسية المهيمنة.

  

ولعل سمة التظاهرات الحالية أنها بدأت في البصرة وفي سواها من مدن الجنوب وجزء من بغداد، لاسيما في أيامها الأولى، من خلال احتجاج شعبي عفوي، ساندته القبائل المحلية، ثم لحق به الناشطون والتيارات المدنية بعد ذلك، من دون أن تتزعمه أو تقوده. والمظاهرات الشعبية العفوية على قدر ما فيها من دلالات حقيقية على إرادة الناس وهواجسهم، فإنها لا تجد أمامها فرصًا كبيرة للاستمرار أو لطرح مطالب وشعارات تسهم في تحقيق تغيير سياسي جدي، حتى لو نجحت نسبيًّا في إجبار السلطة على اتخاذ قرارات محدودة ومرحلية.

    

    

وخلال أسبوعين من بدء الاحتجاجات، تمكنت (التنسيقيات) التي نشأت في المحافظات الوسطى والجنوبية وفي بغداد من بناء قدر من التنظيم والتواصل الفعال وتنظيم مظاهرات مهمة في بغداد، لكن هذا التواصل والتنسيق لم يكن كافيًا لتشكيل تنظيم أو كيان سياسي شعبي مؤثر، وربما سيحتاج ذلك إلى وقت ومناخ سياسي مناسب. ورغم صعوبة ذلك، إلا أنه ممكن لاسيما بعد أن كسرت الاحتجاجات أنماطًا نفسية أساسية كانت ضاغطة على الرؤية والقرار الشعبيين.

  

بين حراك المناطق الشيعية والسنية: حدود الفصل الطائفي

باستثناء العاصمة بغداد ذات الطبيعة المختلطة، لم تمتد الاحتجاجات خارج الديمغرافيا الشيعية حتى الآن، وتبدو المناطق السنية سواء في بغداد أو في المدن الأخرى بعيدة عن المشاركة الواسعة في مثل هذا الحراك، حتى مع دعوات لناشطين من الأنبار لمظاهرات مماثلة لما يحصل في الجنوب، ومع جود حالة من التضامن العاطفي مع الاحتجاجات يمكن رصده بوضوح في مواقع التواصل الاجتماعي بشكل خاص.

  

وتتشارك المناطق السنية في العراق بالكامل معاناة قريناتها في المناطق الشيعية فيما يخص سوء الخدمات والبطالة ومعدلات الفقر وحجم الفساد الإداري للحكومات المحلية، ويرى سكانها في السياسيين السنة نفس ما يراه السكان الشيعة في سياسييهم، لكن المناطق السنية تعاني فوق كل هذه الشواغل وأسباب الاحتجاج، من خراب المدن بسبب الحرب ومعاناة النزوح وعدم الإيفاء بوعود الإعمار، ورغم ذلك فإن المناطق السنية لم تشهد احتجاجات رديفة يمكن أن تنقل أحداث الجنوب إلى سياق وطني شامل.

  

ويجري تفسير هذا المشهد من قبل مثقفين وقيادات محلية وقبلية سنية على أنه نتيجة لعاملين، فمن ناحية كانت المحافظات ذات الغالبية السنية قد شهدت في نهاية العام 2012 احتجاجات واعتصامات كبيرة استمرت عامًا كاملًا، قبل أن يخمدها رئيس الوزراء السابق، نوري المالكي، بعنف دون تحقيق أي مطلب من مطالبها، ويتوقع السكان في هذه المناطق أن القوات الأمنية وقوات الحشد الشعبي (الشيعية) التي تنتشر بكثافة في المناطق السنية منذ طرد تنظيم "الدولة الإسلامية" منها، ستواجه أية احتجاجات بعنف وقسوة ولن يكون الشريك السني في النظام السياسي الموصوف بالضعف والانقسام والفساد، قادرًا أو مؤهلًا للدفاع عن الأهالي أو وقف حملات القمع ضدهم. ومن جانب آخر، تعتقد هذه القوى السنية أن أي احتجاجات شعبية ضد السلطات ستقوم عناصر تنظيم الدولة باستغلالها، وستقوم بالنفاذ من جديد إلى هذه المناطق، مما يعني عودة دورة العنف والنزوح من جديد(10).

 

وبغضِّ النظر عما في هذه المسوغات من منطق، فإن الأحداث التي جرت بعد العام 2003 وآليات السياسة الطائفية للنظام السياسي في العراق، وأحداث العنف الطائفي القاسي ضد السكان السنة لاسيما خلال العامين 2006 و2007، ووصولًا إلى محنة سيطرة تنظيم الدولة، وحرب إخراجه، وما بين ذلك من نزوح وتشرد، كل ذلك ضغط بقوة على المزاج العام ورؤية السكان السنة لأنفسهم وللآخر، ولمطاولتهم في صراع الهيمنة الطائفية الذي شهده العراق بعد الاحتلال وتدخل فيه الأميركيون بشكل قوي ومؤثر.

    

    

وعدا ذلك، فإن الانقسامات الواسعة داخل الكتل السكانية السنية ذاتها، قد أحدثت فراغًا كبيرًا في الثقة بالمرجعيات الممكنة والمقبولة لتمثيل هذا المكون الاجتماعي، سواء تعلق الأمر بالقوى القبلية أو بالطبقة السياسية، فكل من هاتين القوتين اللتين يفترض قدرتهما على تحشيد الناس، لم تعودا مقنعتين للجمهور العام(11)، بل ويواجه كثير من قادة هاتين الطبقتين تهمًا بالفساد والتواطؤ مع السلطة (الطائفية) ضد السكان السنة، وينسحب جزء من هذه الرؤية على بعض رجال الدين الذين ليس لهم أصلًا قدرة تأثير كلية على الحشود الشعبية كما هي الحال في المرجعيات الدينية الشيعية.

  

في مثل هذا الواقع، ومع الظروف العاصفة التي رافقت سيطرة تنظيم الدولة ومن ثم طرده، لم يعد لدى السنة في العراق رغبة أو قدرة على الدخول في اختبار قوة آخر، في وقت ما زالوا يعانون من آثار الحرب، ووسط اتهامات للقوى الحكومية والحشد الشعبي باختطاف الآلاف من أبنائهم، كما أنهم لم يعودوا يمتلكون أصلًا قيادات ميدانية تمتلك شرعية الشارع ويمكنها حشده لتنظيم احتجاجات رديفة ومناصرة لما يجري في الجنوب، فالمجتمع السني اليوم متزعزع القوة، وهو ليس في وارد إفراز مثل هذه القيادات.

  

مواجهة الاحتجاجات: العصا والجزرة

لم تكن المظاهرات الراهنة الأولى من نوعها، سواء على المستوى الجغرافي بجنوب العراق وأجزاء من بغداد، أو على مستوى التنظيم والمشاركة والفعالية الشعبية الشيعية، ومع حساب المتغيرات في الواقع الميداني داخل مناطق الأغلبية الشيعية سواء في بغداد أو في مدن الوسط والجنوب، فإن النظام السياسي والأمني عمد إلى تكرار نفس الأساليب والآليات التي استخدمها في موجات الاحتجاج السابقة المماثلة.

  

لقد عبَّر كل أقطاب النظام السياسي (الشيعة) والأحزاب والحكومات المحلية في المحافظات المنتفضة عن (تأييدهم) للاحتجاجات وشرعية مطالبها، وبدا هذا أمرًا غريبًا ومفارقة صارخة، بسبب اتهام هذه الأطراف ذاتها بالتسبب في المشكلات والسياسات التي خرجت الاحتجاجات ضدها.

 

مثل هذه المفارقة، تقدم تصورًا واضحًا لمدى قابلية الطبقة السياسية العراقية على التكيف، والتعامل مع أزمة الاحتجاجات بتقديم ما يبدو أنه استجابة لمطالبها من غير تقديم خسائر جدية من رصيد القوى السياسية أو شخوصها وممثليها من المسؤولين في حكومة بغداد أو المحافظات، وهذا أمر يحمل تناقضًا صارخًا؛ حيث يتولى المتهمون بالفساد وتبديد الثروات عملية الإصلاح ومعالجة المشكلات المتراكمة. ولا يبدو أن مثل هذه المحاولة تنجح حتى الآن؛ إذ تقف "أزمة الثقة مع الحكومة الحالية وكل الأحزاب"، كما يقول أحد شيوخ القبائل الناشطة في الاحتجاجات، حاجزًا أمام تصديق الوعود الحكومية التي يعرف الناس أنها "لن تنفذ"، ثم يخلص للقول: "بات الناس يشعرون أنهم في ورطة حقيقية مع هذه الحكومة، واليأس أصبح واضحا"، لكننا "لا نريد تغيير أو قلب نظام الحكم"(12).

    

   

هذه "الورطة"، كما وصفها الشيخ القبلي، هي نتيجة عدم القدرة أو ربما الرغبة بتغيير النظام السياسي، وفي نفس الوقت عدم الثقة به، واتهامه بالكذب والتدليس ناهيك عن القمع وقتل المدنيين العزل. هذه في واقع الحال إشكالية فرضها نمط النظام السياسي في العراق، الذي بُني منذ البداية على أساس توزيع طائفي وقدم كل من ممثلي المكونات أنفسهم على أنهم حماة للسكان في مناطقهم ضد العراقيين من المكونات الأخرى. لقد تم تحقيق انقسام اجتماعي أو تعميقه إن كانت له بذور من قبل، من أجل تسهيل مهمة السيطرة على الحكم وتخويف السكان من أن تغيير النظام سيتضمن تسليط المكونات الأخرى عليهم.

  

وبالتوازي مع محاولة تكريس النمط النفسي وسط السكان في جنوب العراق، فإن القوى السياسية الشيعية عمومًا، عملت على محاولة التماهي مع الاحتجاجات وإلقاء جميع تبعات الإخفاق في الخدمات على حكومة حيدر العبادي، ومن الواضح أن أطرافًا بارزة من هذه القوى سعت لاستثمار المظاهرات لممارسة مزيد من الضغط على العبادي وإنهاء فرصه بالحصول على ولاية ثانية، وهي فرص كانت ضعيفة أصلًا حتى قبل انطلاق الاحتجاجات.

  

ويسعى العبادي إلى امتصاص زخم الهجوم ضده من قبل خصومه السياسيين، بالانخراط بشكل واسع في العلاقة مع القيادات المحلية والعشائرية في المحافظات الوسطى والجنوبية المنتفضة، حيث استقبل العديد منهم، وأصدر قرارات وأطلق وعودًا كثيرة لتحسين الأوضاع في هذه المحافظات، لكن محاولاته لم تحظ حتى الآن بقناعة المحتجين، لاسيما أن تنفيذها لا يمكن أن يكون سهلًا ولا سريعًا، إن كان ممكنًا بالأساس، فضلًا عن أن حكومة العبادي نفسها لم يبق أمامها الكثير، ومن الوارد بقوة أن تتولى شخصية شيعية أخرى رئاسة الحكومة، وحينها لن تكون وعود العبادي أو قراراته ملزمة لها.

 

والإشكالية التي يواجهها العبادي أنه مقابل الوعود التي أطلقها، كان هناك خط متصاعد من القمع الأمني للاحتجاجات تسبب بمقتل 13 متظاهرًا في مختلف المحافظات حسب إحصاءات مفوضية حقوق الإنسان العراقية، وإصابة المئات بجروح، كما جرى شن حملة اعتقالات واسعة النطاق شملت المئات، وهو لم يتمكن من وقف الميليشيات التي أطلقت الرصاص الحي على المتظاهرين وتمارس من جانبها حملات اعتقال واسعة، وقد تسبب هذا التشرذم والفوضى في أجهزة القمع خارج الدولة، في اختفاء 41 شخصية من مدن النجف والبصرة وذي قار وبابل والمثنى، بينهم خمسة محامين من النجف وتنصل القوى الأمنية من مسؤولية معرفة مصيرهم(13). وعدا الحرج والاتهام بالقمع والدموية فضلًا عن عدم الكفاءة الذي تسببه للعبادي، فإن حملات الاعتقال والإخفاء القسري التي تمارسها القوات الأمنية والميليشيات، تتعدى عنصر التخويف والترهيب، إلى إفراغ الساحة الشيعية من قيادات ميدانية ناشطة لاسيما وسط التيار المدني، يمكن أن تقود حملة لاستمرار الاحتجاجات، أو جعلها عملًا منسَّقًا ومؤثرًا.

      

     

خلاصة

بغض النظر عن نتائج الاحتجاجات أو المدة الزمنية التي ستستغرقها، فإنها حققت نتائج مهمة، وإن كانت غير حاسمة، لاسيما على صعيد الأسباب التي قادت نحو هذا التدهور الكبير في منظومة الخدمات أو في الحركة العامة للدولة. وأبرز ما حققته الاحتجاجات أنها كسرت أنماط الولاء الشعبي التقليدي للأحزاب والقوى السياسية المهيمنة، ولم تكترث بالانصياع لعوامل السطوة الدينية التقليدية سواء على مستوى الأشخاص أو المؤسسات، وبالتالي فهي أصابت بضرر فادح أبرز عناصر السيطرة الاجتماعية. 

  

وإلى ذلك، فإن مشاركة القبائل وشيوخها في الاحتجاجات قد تشكِّل مقدمة لحالة من انفصام العرى التقليدي بين كل من المؤسسة الحزبية والدينية مع المؤسسة العشائرية. صحيح أن هذا الانفصام لن يكون كليًّا ولا شاملًا ولا فوريًّا، لكن مجرد تناقض المصالح بين هذه الأطراف، سيعني الكثير من الفرص المستقبلية للحراك الشعبي.

  

ولكن، أليس ممكنًا أن تستجيب المؤسسات الحزبية والحكومية لإرادة الناس وتتبنى إصلاحات حقيقية تنهي شكاوى السكان؟ نظريًّا، يمكن تحقيق ذلك بالتأكيد، وإن على مراحل بسبب الحجم الضخم للخراب، لكن المشكلة الدائمة تكمن في أن طبيعة النظام السياسي وآليات القوة والنفوذ في العراق لاسيما في محافظاته الشيعية، وشبكة المصالح والمستفيدين منها، وتحول الفساد من استثناء إجرامي إلى منظومة واقعية وعنصر جوهري لاستمرار القوة والنفوذ والسلطة للأحزاب للأشخاص، كل ذلك يجعل من فرص الاستجابة لمطالب السكان لا تتعدى الإصلاحات الترقيعية، لكن جوهر الأزمة في العراق سيبقى قائمًا ومستمرًّا، ببقاء أسبابه المرتبط مباشرة بالعملية السياسية وطبيعتها.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار