انضم إلينا
اغلاق
بين قطب وعبد الناصر.. هل وقعت مصر رهينة شخصين؟

بين قطب وعبد الناصر.. هل وقعت مصر رهينة شخصين؟

Foreign Affairs

مجلة سياسية
  • ض
  • ض

بعد مرور سبعة أعوام على الأيام العنيفة في مطلع عام 2011، عندما أدّت الاحتجاجات الضخمة والمثيرة إلى إسقاط الدكتاتور المصري حسني مبارك، ساد المناخ السياسي في مصر جوٌّ من الكآبة. وفي عام 2013، أطاح الجنرال عبد الفتاح السيسي بالرئيس محمد مرسي، أحد قادة جماعة الإخوان المسلمين الذي فاز بفارق بسيط في أول انتخابات رئاسية حرة عُقدت في مصر في العام السابق. ومنذ الاستيلاء على السلطة، جرّد السيسي البلاد من أي سياسة حقيقية. وقام بحملة قمع وحشية ضد جماعة الإخوان المسلمين بشكل خاص: فقد سجن عشرات الآلاف من الإخوان، وأدرج الجماعة باعتبارها جماعة إرهابية. وعلى الصعيد الإقليمي، وجدت مصر نفسها تنحدر إلى مرتبة متدنية من الدرجة الثانية. وصارت الدولة التي كانت في يوم من الأيام مركز العالم العربي، تشبه اليوم شبحا لما كانت عليه في الماضي.

 

في ظل هذه الظروف، من السهل أن ننسى أن مصر كانت، خلال معظم القرن العشرين، ساحة المعركة الأكثر أهمية في النضال من أجل روح الدولة العربية الجديدة. في أعقاب تفكك الخلافة العثمانية بشكل رسمي، في عام 1924، تنافست الأيديولوجيات والمناهج الجديدة للحكم لملء الفراغ. فقد تنافس العلمانيون والاشتراكيون والإسلاميون في ثلاثينيات وأربعينيات القرن العشرين، خلال ما يسمى بالحقبة الليبرالية في مصر، على الشرعية في جو سياسي فوضوي ولكنه اتسم نسبيا بالحرية. بيد أن تلك الحرية لم تدم. ففي عام 1952، أطاحت مجموعة سرية من الضباط العسكريين الشباب بقيادة رجل يُدعى جمال عبد الناصر بالملكية المصرية، وقضت في نهاية المطاف على ما تبقى من العصر الليبرالي في مصر.

   

جمال عبدالناصر، الرئيس المصري السابق  (مواقع التواصل الاجتماعي)

  

مثّلت ثورة ناصر لحظة فاصلة في عصر مصر الحديث. عند بدايتها، كانت الأيديولوجيات المتصاعدة للإسلام السياسي والقومية العلمانية غير مستقرة ولا تزال في حالة تغير مستمر. لكنهم سرعان ما أصبحوا يعرّفون الصراع السياسي الذي يبدو مستعصيا على الحل ليس داخل مصر فحسب، بل عبر العالم العربي الأوسع. استمرت المنافسة جزئيا خلال حقبتي الخمسينيات والستينيات، عبر المنافسة المريرة بين اثنين من الشخصيات البارزة في تلك الفترة: وهما عبد الناصر، من جهة، ومُنظّر جماعة الإخوان المسلمين الشهير سيد قطب، من جهة أخرى.

  

تتبع فواز جرجس في كتاب "تشكيل العالم العربي: صراع ناصر وقطب الذي رسم ملامح الشرق الأوسط" السيرة الذاتية المتداخلة والمسارات الفكرية لهذين العملاقين في التاريخ المصري. وكانت النتيجة هي تاريخ منقح بشكل رائع، يمتاز بالبحث العميق، ذلك النوع من التاريخ الذي يُلقي الضوء على القوى التي لا تزال تكدح في مصر تحت الهدوء السطحي لحكم السيسي. واليوم، سيظل ناصر وقطب راسخين في الأذهان بوصفهما ممثلين للرؤى المتعارضة في مصر. غير أن جرجس يروي قصة أكثر إثارة للاهتمام وأكثر تعقيدا حول العلاقة بين الرجلين والحركات التي ساعدا في تشكيلها. فقد كان خلف المعتقدات والأيديولوجيات المتناحرة التي تبنّاها كلاهما أشخاص تشوبهم العيوب، لديهم دوافع معقدة ومتناقضة في بعض الأحيان. كما تُبيّن إعادة التنقيح التي قام بها جرجس لتلك الفترة الحاسمة من التاريخ المصري بشكل مفيد كيف أن كل الأيديولوجيات -حتى تلك التي تبدو أكثر ثباتا وصلابة- هي في الواقع مائعة ومتوقفة على الأحداث.

 

أرواح متآلفة - متشابهون في الميول والأفكار

وُلد ناصر لعائلة من الطبقة العاملة في الإسكندرية عام 1918. وأصبح ناشطا سياسيا عندما كان صغيرا، وتتبع جذور مشاعره الوطنية المصرية إلى مظاهرة تعرض لها بالمصادفة في الثانية عشرة من عمره. قادته ميوله السياسية في وقت لاحق إلى الالتحاق بمهنة في الجيش، وهي مؤسسة اعتبرها "رأس حربة يمكنها إيقاظ سكان مصر من اعتلالها وخنوعها للأجانب"، كما كتب جرجس.

  

كان ناصر دائما قوميا، لكنه كان، في الواقع، إسلاميا أيضا. فقد أصبح عضوا في جماعة الإخوان المسلمين في عام 1947، وهي منظمة إسلامية سنية تأسست في مصر من قِبل حسن البنا في عام 1928 وانتشرت في نهاية المطاف في جميع أنحاء الشرق الأوسط. سرعان ما أُصيب ناصر بالإحباط من الجماعة على المستوى الشخصي، لكنه استمر في التعاون الوثيق مع قيادتها لعدة سنوات أخرى. فقد كان ينظر عن حق إلى الجماعة بوصفها قوة اجتماعية وسياسية فعالة في مصر، وبالتالي تعتبر حليفا مهما.

  

حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين (مواقع التواصل الاجتماعي)

 

اشتدت انتقادات ناصر للحكومة المصرية خلال الفترة التي قضاها في الجيش، وفي النهاية توصل إلى الاعتقاد بأنه ينبغي الإطاحة بالنظام الملكي المدعوم من بريطانيا. وخلال حقبة الأربعينيات، قام بتجميع حشد من الضباط العسكريين الشباب ذوي التفكير المماثل، وأطلق عليهم رسميا "الضباط الأحرار" في عام 1949. وفي عام 1952، أطاح ناصر والضباط الأحرار بالملك فاروق، وفرضوا سيطرتهم على مصر. وقد كان الانقلاب، الذي دعمه جماعة الإخوان المسلمين، غير دموي ولم يُثر أي مقاومة تقريبا.

 

في الوقت نفسه، احتل قطب، وهو ناقد أدبي ومثقف عام، مكانة بارزة. ولد قطب عام 1906 في قرية موشا في صعيد مصر. ومثل ناصر، كان قارئا شرها ومنخرطا في السياسة منذ نعومة أظافره. عندما صار شابا، أصبح كاتبا غزير الإنتاج، لكنه استاء من حقيقة أنه لم يحقق أبدا المكانة أو الشهرة التي حققها بعض مرشديه. مثل العديد من الكُتّاب في ذلك الوقت، عمل أيضا موظفا حكوميا في وزارة التربية والتعليم. ودرس في الولايات المتحدة من عام 1948 إلى عام 1950، بما في ذلك كلية ولاية كولورادو للتعليم (الآن جامعة شمال كولورادو)، في مدينة غريلي، التي تقع في شمال ولاية كولورادو، حيث نما لديه نفور عميق من الثقافة الأميركية التي تُرجمت إلى نقد فكري للغرب طوال حياته.

 

بحلول ذلك الوقت، بدأ قطب بالفعل في الخوض في موضوعات إسلامية، ونشر كتابه المؤثر "العدالة الاجتماعية في الإسلام" في عام 1949. وعندما عاد إلى مصر، بدأ ينجذب إلى جماعة الإخوان المسلمين، على الرغم من أنه لم ينضم رسميا إلى الحركة حتى عام 1953. من الناحية السياسية، فقد شارك كراهية عبد الناصر للاستعمار والإحباط من النظام الملكي المصري وأيّد بشكل كامل الضباط الأحرار في سيطرتهم. في الأيام الأولى للثورة، تشاور الرجلان بشكل متكرر حول رؤيتهما لمصر بعد الملكية. حتى إن قطبا عمل لفترة وجيزة أمينا عاما لجبهة التحرير، وهي الذراع الحكومية للحشد والتعبئة الجماهيرية. لكن بعد فترة وجيزة من اندلاع الثورة، بدأ الصدع يتشكل، فقد أصيب قطب بخيبة الأمل من عبد الناصر حين تجاوز عن تعيينه في منصب وزاري. في هذه الأثناء، أدرك عبد الناصر أن الإخوان انتهازيون ومتعطشون للسلطة على حسابه. وفي عام 1954، بعد محاولة اغتيال فاشلة يعزوها جرجس لبعض أعضاء جماعة الإخوان المارقين، شن ناصر حملة عنيفة ضد الجماعة، وسجن الآلاف من الإخوان وحل المنظمة. وكان الهدف الأكثر أهمية هو قطب نفسه، الذي أُعدم في عام 1966.

 

جذور الخصومة

رأى عبد الناصر وقطب نفسَيهما وكأنهما شخصيات تاريخية فريدة، يعتمد عليها مصير مصر. يوضّح جرجس أنه بالنسبة للرجلين، غالبا ما تكون لأمور مثل أوهام العظمة، والإهانات الشخصية، وإغراءات السلطة الأسبقيةُ على الاعتبارات الأيديولوجية أو الدينية. استنادا إلى ثروة من المصادر الأساسية، بما في ذلك إلقاء الضوء على المقابلات التي أُجريت مع عدد قليل من المقرّبِين من الرجلَين الباقِين على قيد الحياة، يناقش جرجس بشكل مقنع أن هؤلاء الأصدقاء تحولوا إلى أعداء تتداخل شؤونهم على الصعيدين الشخصي والأيديولوجي أكثر مما هو مسلّمٌ به عموما.

   

سيد قطب، مفكر وأديب إسلامي مصري (مواقع التواصل الاجتماعي)

 

تضيف رواية جرجس بريقا كبيرا على قصة انخراط عبد الناصر مع جماعة الإخوان المسلمين، والتي لم تكن سرا، لكنها حظيت باهتمام قليل نسبيا مِن قِبَل المؤرخين. في مقابلة مع جرجس، روَى فريد عبد الخالق، أحد المساعدين المقرَّبين من حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، أن عبد الناصر "قام بتدريب شباب الإخوان على كيفية استخدام الأسلحة النارية، رأيتُ عبد الناصر بأمّ عيني". يستذكر خالد محيي الدين، أحد الضباط الأحرار وأحد أقرب المقربين لعبد الناصر، أن عبد الناصر كان "في غاية السعادة" بشأن الانضمام إلى الجناح السري شبه العسكري لجماعة الإخوان المسلمين، المعروف باسم "التنظيم الخاص". تساعد عضوية عبد الناصر وهو شاب بجماعة الإخوان في تفسير سر عداء الجماعة اللاحق له. يرى العديد من الشخصيات القيادية في جماعة الإخوان المسلمين، ومِنهم قطب، أنّ رفض عبد الناصر لتقاسم السلطة مع الإخوان، وعنفه تجاههم فيما بعد، كان أشد الأمور إثارة للاشمئزاز، لأنه كان خيانة شخصية لبيعته لحسن البنا.

 

من ناحيته، رأى عبدُ الناصر قطبا في بادئ الأمر باعتباره روحا طيبة، والتي تتجاوز التصنيفات السياسية أو الأيديولوجية النمطية في ذلك الوقت. لافتا الانتباه إلى موجة من المقالات الحماسية لكنها منسية إلى حد كبير، والتي كتبها قطب في عام 1952، يلاحظ جرجس أنه كان "واحدا من أوائل الكتاب الذين أضفوا الشرعية على الانقلاب الذي قاده عبد الناصر من خلال وصفه بأنه (ثورة)". كما أنه حرَّضَ على ديكتاتورية عسكرية (عادلة)، وفرض حظر الأحزاب السياسية، وتعليق النظام الدستوري الليبرالي. في إحدى هذه المقالات، عبّر قطب بشكل علني عن دعمه لعبد الناصر والضباط الأحرار، معلنا أنه "باسم الملايين، لن نسمح لك بالعودة إلى الثكنات العسكرية لأن مهمتك لم تنته بعد، وواجبك هو إكمالها".

  

يُمَّثل كلٌّ من عبد الناصر وقطب مثالين بارزين على هذا النوع من الاختلاط الأيديولوجي الذي قد يبدو مفاجئا بالنسبة لسياق مصر السياسي اليوم، لكنه كان شائعا يوما ما. حتى وقت شن عبد الناصر قمعه المشؤوم ضد الإخوان المسلمين، كانت هناك انسيابيّة خصبة في الحياة السياسية المصرية، والتي تحققت بفضل الانفتاح النسبي للحظة الليبراليّة في هذا الوقت. في أول عهد الجماعة، كان بعض أعضاء الإخوان أيضا أعضاء في حزب الوفد العلماني في الوقت نفسه. وكان محيي الدين صديق عبد الناصر عضوا، لفترة وجيزة، في التنظيم الخاص للإخوان وكذلك كان ماركسيا.

 

يفسّر جرجس هذه الانتماءات السائلة بأنها تعني أنه إذا ما أدَّت أحداث معيّنة دورا مختلفا بين عامي 1952 و1954، فإن الجيش والإخوان المسلمين، وبالتالي عبد الناصر وقطب، ربما ما كانوا ليصبحوا أبدا أعداء لَدودين. يحدد جرجس النقطة الفاصلة لانتهاء العلاقة بين عبد الناصر والإخوان بأنها في صراع الشخصيات والسلطة. نشأ كره بين عبد الناصر، المتهوّر في بعض الأحيان، وحسن الهضيبي المُحتجَز والذي يفتقر إلى الجاذبية الشخصية -المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين في هذا الوقت- في السنوات التي أعقبت الثورة مباشرة. افترض الهضيبي أن عبد الناصر سيكافئ الإخوان على دعمهم للثورة من خلال دور اجتماعي وسياسي بارز خلال الفترة الانتقالية. في تلك الأثناء، رأى عبد الناصر -وبشكل متزايد- أن جماعة الإخوان المسلمين -أكبر حركة جماهيرية في البلاد- هي التهديد الحقيقي الوحيد لسلطته وطموحه المتزايد.

     

حسن الهضيبي، المرشد الثاني لجماعة الإخوان المسلمين في مصر سابقا (مواقع التواصل الاجتماعي)

   

يقدم جرجس حقائق مُغايِرة محتملة. فيقول إنه لو كان الإخوان وعبد الناصر اختاروا مسارات أخرى، "لكانَ هيكلُ الدولة وهويتها اختلفوا اختلافا كبيرا؛ ربما كانوا أقل صرامة واستبدادية وعمقا". من المغري تخيُّل بعض السيناريوهات البديلة. ربما ما كان عبد الناصر أرسل الإخوان إلى السجون ومعسكرات العمل والمشانق. وإذا لم يشهد قطب التعذيبَ في زنازين عبد الناصر، ربما ما استطاع وضع وصياغة الفكر التكفيري -الممارسة المتمثّلة في إعلان أن بعض المسلمين الآخرين هم من الكفار- ذاك الفكر الذي ألهم جيلا من المتطرفين الدينيين. بعبارة أخرى، ما كان الصراع بين العلمانيين والإسلاميين -والذي شكّل التاريخ الحديث للشرق الأوسط الغارق في الدماء- ليكون أبدا أمرا حتميا.

 

بحسب علمي، لم يتوقّع أي أحد في عام 1952 أن عبد الناصر عمّا قريب سينقلب على جماعة الإخوان المسلمين وأنه سيصبح مهووسا بتدميرها. ولا يوجد أي أحد في عام 1950 تخيَّل أن قطبا سيتحوّل من كونه ناقدا أدبيا معتدلا، أو بالأحرى علمانيا، ليصبح واحدا من أهم المنظّرين الإسلاميين في القرن. في ذلك الوقت، لا بد أن التاريخ كان يبدو مفتوحا على مصراعيه بل ويحدو إلى الشعور بالتفاؤل.

 

مع ذلك، وبينما يمضي التاريخ، تصبح الخيارات مغلقة. يقول محيي الدين: "كان يمكن أن ينتهي الأمر بصديقي ناصر ليكون قوميا دينيا -مثل الإخوان- بدلا من كونه قوميا عربيا". كان بإمكان عبد الناصر وقطب اتخاذ قرارات مختلفة. لكن حقا ما مدى احتمالية بقائهم على الجانب نفسه لو حدث ذلك؟ لقد أيَّدَ قطب الديكتاتورية العسكرية، ولكن فقط لأنه اعتقد أن الجيش هو أفضل أداة لتحقيق التغيير الجذري، وأن جيش البلاد هو الفاعل الوحيد القادر على التخلص من النظام القديم وتمهيد الطريق لنظام إسلامي. ربما كان عبد الناصر جزءا من جماعة الإخوان، لكن هناك القليل من الأدلة على أنه كان لديه مشاعر قوية تجاه تطبيق الشريعة الإسلامية بطريقة أو بأخرى. فقط في وقت لاحق من حياته أصبح مرتابا من أن الإسلام يلعب دورا مركزيا في الحياة العامّة. دفع انعدام ثقة عبد الناصر المتزايد في زعماء الإخوان بعد الثورة إلى أن يصبح أكثر معاداة للإسلاميين، وأن يصبح قوميا أكثر صرامة مما كان يمكن أن يكون لولا انعدام الثقة ذلك. لكن تسلسل الأحداث هذا لا يجعل التزاماتِه -والتي تطورت في اتجاه علمانيّ واشتراكيّ- أقلَّ مشروعية أو إخلاصا. في نهاية المطاف، تعتمد الأيديولوجيّات على ما هي ليست عليه، تماما مثلما تعتمد على حقيقتها التي هي عليها.

 

الماضي لم يكن سوى تمهيد

بدأت "الإسلاموية" في مصر تتلاحم مع بعضها بعضا بعد ما استطاعت تحديد أعدائها. لم تنس جماعة الإخوان المسلمين، ولا سيما أعضاء حقبة الثمانينيات الذين تعرفوا على سيد قطب داخل أسوار السجن، حملة جمال عبد الناصر الوحشية تجاههم، وهي الفترة المعروفة داخل الجماعة بـ "المحنة". بعد عقود من المعاناة داخل سجون عبد الناصر تَوفر لأعضاء الجماعة القدامى مصدر رئيسي للشرعية، فأن تُعاني يعني أن تقود.

 

أثّرت المحنة في نهج جماعة الإخوان بشكل ملموس، ونهج الجماعة المعروف إلى يومنا هذا هو إعطاء الأولوية للجماعة فوق أي شيء آخر، ومع ذلك فشلت الجماعة على نحو مثير في تحقيق مثل هذا الهدف البسيط. وخلال الأشهر القليلة المتوترة التى انتهت بانقلاب عام 2013 وخلع مرسي من على كرسي الحكم، أخبرني أحد مسؤولي الجماعة أن الجماعة قد "عادت من جديد إلى عقلية المحنة".

     

   

ربما مكنت هذه العقلية الإخوان من النجاة تحت حكم ناصر ومن خَلَفه من الرؤساء، ولكن لم يخدم هذا النهج الجماعة خلال التجربة الديمقراطية القصيرة في مصر من عام 2011 إلى عام 2013 بعدما لجأت الجماعة إلى التشكيك والإقصاء. وخلال المقابلات التي أجريتها مع الأعضاء الراغبين في عمل إصلاحات داخل الجماعة، أشاروا إلى وجود جناح قطبي (ينتمي لأفكار سيد قطب) داخل التنظيم يعمل باستمرار على إعاقة الأفكار الجديدة ومقاومة الإصلاحات التنظيمية. وعلى سبيل المثال، كان محمد بديع، المرشد الحالي للجماعة والمسجون حاليا، عضوا بالحركة السرية لسيد قطب أثناء فترة دراسته الجامعية في ستينيات القرن الماضي.

 

ولكن هذه الطريقة لفهم نهج الإخوان اليوم لها حدودها الخاصة، إذ يُوصف كبار قادة الجماعة بالتحفظ والسرية إلى أبعد حد بالإضافة إلى التشكيك في من ليسوا من التنظيم، ولكنهم لا يزالون على خلاف مع نظرية سيد قطب للتغيير. وقد كانوا من المؤيدين بشدة لنهج التدرج والصبر في مواجهة الصعاب، والأكثر ميلا لإبرام صفقة مع الجيش. ومن جانبهم شعر شباب الجماعة، الشباب الذين لم يشهدوا فترة المحنة ولكن شهدوا ثورة عام 2011 التي نجحت في إسقاط مبارك، شعروا بالغضب إزاء ما يرونه سياسات مخجلة من كبار القادة بمكتب الإرشاد.

 

كانت أسماء شكر، صحفية ومسؤولة سابقة بجماعة الإخوان خلال فترة الثلاثينيات من عمرها، إحدى الشاهدات على أحداث الرابع عشر من شهر أغسطس/آب لعام 2013 المعروفة باسم "مذبحة رابعة العدوية"، والتى شهدت قتل قوات الجيش والشرطة المصرية لما يقرب من ألف مؤيد لجماعة الإخوان بعد اعتصامهم بميدان رابعة العدوية بالقاهرة. يومها، كما قالت لي، كانت تراقب أحد المتظاهرين وهو يحاول إشعال النار في سيارة قبل أن يقوم أحد كبار القادة بتوبيخه. تقول سارة: "لقد صُدمت. أطفالك يموتون أمامك وأنت مشغول بحرق سيارة؟".

   

ولم يكن سيد قطب مهتما بفكرة الاحتجاج السلمي، بل كان ثوريا مؤمنا بالسعي إلى التغيير من خلال عمل درامي، تقوم به طليعة الجماعة. طالما بقيت هذه الطليعة متمسكة بالقرآن والسنة، يؤمن قطب أنها ستنجح فيما فشلت فيه السياسات الجماهيرية والديمقراطية البرلمانية. أصبح نموذج الطليعة الخاص بسيد قطب مصدرا لإلهام المنظمات المتطرفة. لكن يشهد هذا النموذج تدهورا مؤقتا بسبب فشل تنظيم الدولة الإسلامية (المعروف إعلاميا بداعش) في الصمود على الأراضى العراقية والسورية. يصعب تقييم حالة جماعة الإخوان في ظل وجود عشرات الآلاف من أعضاء التنظيم داخل السجون أو خارج البلاد. قد تبدو الحركة الإسلامية (الإسلاموية) ضعيفة من الناحية التنظيمية، لكنها تظل مرنة من الناحية الأيدلوجية.

   

   

في عالم مثالي، يمكن الإطاحة بالأيدلوجيات بعد الوقائع، ويمكن تحرير السياسة في مصر مما قد بدأ كانقسام مصطنع وغامض بين الإسلاميين والقوميين. كل هذه الانقسامات التي تنشأ بشكل مصطنع، مثل الحدود والدولة القومية أو حتى الانقسام الطائفي بين الشيعة والسنة، يتم تعظيمها وتخليدها بمرور الزمن؛ قد تكون الأفكار التي صاغها كلٌّ من جمال عبد الناصر وسيد قطب موظفة لأغراض سلطوية، لكن هذا لا يقلل من تأثيرها على الناس حتى بعد مرور عقود عدة.

 

كان كلٌّ من عبد الناصر وسيد قطب مهووسا بالسلطة؛ لكن لم يؤمن أي منهما بالسلطة لمصلحته الشخصية، وإنما في توظيف هذه السلطة لإعادة تشكيل مصر. تدعم تجربتهما مسألتين قد تتعارضان أحيانا، أولاهما أن الأفكار تتشكل وتنساب في لحظات تاريخية محددة، وثانيهما أن هذه الأفكار تبقى بمرور الزمن، وهي مسألة مهمة، وقد تكون لهذه الأفكار تكاليف إنسانية هائلة.

  

تُعد التيارات الأيديولوجية التي شكّلها كلٌّ من عبد الناصر وقطب جزءا من نسيج الشرق الأوسط الحديث، فلا يزال الصراع بين إرثهما مستمرا، ومن غير المرجح أن يقصي أحد الطرفين الآخر بشكل قاطع، لكن ذلك لن يمنع الأحزاب والمذاهب والأيديولوجيين من الاستمرار في المحاولة. فالنظام المصري، على سبيل المثال، لا يزال مصمما على سحق جماعة الإخوان إيمانا منه بإمكانية تحقيق النجاح اليوم فيما فشلت به بالأمس، ولهذا السبب المؤسف فإن العالم العربي، وقصته المتعلقة برجلين متحمسين مخلصين متهورين، لا تكشف فقط سبب فشل ثورة مصر الماضية ولكنها بمنزلة تحذير بقادم أسوأ في الأفق، ليس فقط لمصر ولكن للعالم العربي أجمع.

 

------------------------------------------------------------

ترجمة (فريق الترجمة)

(الرابط الأصلي)

تقارير متصدرة


آخر الأخبار