انضم إلينا
اغلاق
دبلوماسية الشيكات.. هل يعاقب ترامب كندا عبر السعودية؟

دبلوماسية الشيكات.. هل يعاقب ترامب كندا عبر السعودية؟

أسامة الصياد

محرر سياسة
  • ض
  • ض

«أنقذوني، أنقذوني، أنا أتعرض للقمع»، لم يتخيل أحد أن هذه العبارة ستخرج من الأراضي الكندية عبر فضاء التواصل الاجتماعي "تويتر" على لسان سجين سياسي افتراضي يدعى "جوردان بيترسون"، رجل ادعت المملكة العربية السعودية أنه سجين رأي في كندا محتجز حد تعبير الرياض في «ظروف مروعة» داخل مقار الاحتجاز الكندية، وهي مقار زعم الإعلام السعودي أن 75% من المحتجزين بها يموتون قبل الوصول إلى المحاكمة، ورغم غرابة الادعاء غير المسبوق، إلا أن الزعم السعودي كان هدفه ببساطة توضيح أن كندا هي دولة تمارس أقصى درجات القمع السياسي بحق المعارضين..[1].

   

   

بعد قليل، وللمفارقة الساخرة سيتضح أن "بيترسون" سجين الرأي الكندي عند الإعلام السعودي تماهى بشكل ما مع الزعم كاتبًا تلك التغريدة بشكل ساخر، بعد أن حاول السعوديون استغلال تحفظات الرجل على نظام العدالة الكندي لمساواته بنشطاء المجتمع المدني المعتقلين في السعودية، إلا أن الواقع يقول أن السجين الكندي الافتراضي بزغ نجمه في كندا حينما وجه الانتقادات إلى قانون "أونتاريو" الخاص بالتعبير عن الجندرية (الهوية الجنسية)، لكنَّ الأستاذ الجامعي لم يتعرض بحال للاعتقال كما لو كان سعوديًا، بل أصبح أحد أشهر المؤلفين وأثراهم بعد تأليفه لواحدٍ من أكثر الكتب مبيعًا في كندا بل في أمريكا الشمالية بأسرها.

  

لم يكن هذا الادعاء السعودي بسجن بيترسون سوى مقدمة لسيل من الشائعات الغريبة المتوالية في إعلام الدولة المحلي، وبدأ مغردون سعوديون في وصف دولة بدت وكأنها لا تمت بصلة لما يعرفه العالم عن كندا، كإحدى أكثر دول العالم رخاءً ومساواة معيشية، واصفين شوارع الدولة بأنها مليئة بالمشردين، وبأن كندا واحدة من أسوأ البلاد المضطهدة للنساء في العالم، كما أن سكانها الأصليين يعانون -بحسب الحملة السعودية- مثل "الروهينغا" بميانمار، فضلًا عن تواجد العنصرية في أزهى عصورها تحت ظل ورقة القيقب، العلامة المميزة للعلم الكندي، وصولًا لقول أنها دولة «داعمة للإرهاب الدولي»، وأن سكان مقاطعة "كيبك" الكندية الكبرى هم أقلية مقموعة تتطلع للاستقلال عبر حملة قادها السعوديون على تويتر.

  

بدأ الحفل من تغريدتين، من وزيرة الخارجية الكندية وحساب السفارة الكندية بالرياض، عن «نشطاء مجتمع مدني» تم إيقافهم بالمملكة، وعلى رأسهم "سمر" أخت المدون السعودي المعتقل "رائف بدوي"، حاثين السلطات السعودية للإفراج الفوري عنهم في موقف شبه روتيني تتخذه غالبية المنظمات الدولية والبلاد الداعمة لها في الغرب، إلا أن الكنديين لم يتخيلوا على الأرجح أن الأمر سيكون بمثابة فتح بوابة لحرب افتراضية وإعلامية مستعرة على هذه الشاكلة لم تتوقف للآن، وفي فجر الإثنين 6 أغسطس/آب الحالي، استدعت الرياض سفيرها في أوتاوا، معتبرة سفير الأخيرة لديهم «شخصًا غير مرغوب فيه»؛ على خلفية ما اعتبرته الرياض «تدخلًا صريحًا وسافرًا في الشؤون الداخلية للبلاد».

   

   

لم تكتف الرياض بحرب إعلامية شعواء وإن بدت غير منطقية بحال، وإنما ظهر السلاح الاقتصادي الأثير ممثلًا في تجميد كافة التعاملات التجارية والاستثمارية الجديدة بينها وبين حكومة أوتاوا كما تم الإعلان رسميًا، ثم واصلت التصعيد آمرة قرابة 15 ألف طالب مبتعث هناك إما بالعودة الفورية للمملكة أو استكمال دراستهم في جزء آخر من العالم، مع إلغاء جميع الرحلات المباشرة لكندا عبر شركة الطيران التابعة للدولة، كذا طالت العقوبات المرضى السعوديين أيضًا بعدما أوقفت المملكة جميع برامج العلاج الطبي في كندا، وبدأت تنسيق نقل جميع مرضاها الذين يتلقون حاليًا الرعاية في المستشفيات الكندية إلى خارج البلاد.[2]

  

إلا أن التصعيد بلغ ذروته حين شرعت الرياض ببيع استثماراتها في كندا بشكل شبه كامل، وبحسب صحيفة "فايننشال تايمز"، فإنه توجب على مؤسسة النقد العربي السعودي المعروفة باسم "ساما"، والتي تشمل البنك المركزي وصندوق المعاشات السعوديين، تنفيذ الأوامر الملكية، فأعطت المؤسسة بدورها الدور الأخضر لمدراء الأصول السعودية في الخارج للتخارج من جميع استثمارات السعودية في الأسهم والسندات الكندية، وحتى سحب السيولة النقدية المودعة بالبنوك هناك رغم صغر قيمتها. [3]

  

كانت الإجراءات السعودية في مجملها ترقى لتلك التي تسبق شن الحروب بين دولتين أو على الأقل إجراءات دولتين بينهما حالة قطيعة كاملة، وبدا التصعيد للجميع تقريبًا مبالغًا فيه بالنسبة للدولة الخليجية المعتادة على الأرجح على مثل تلك الانتقادات لسجلها الحقوقي من كل مكان حتى واشنطن نفسها، إلا أن التصعيد كان يحمل رسائله الظاهرة والخفية في الوقت ذاته من جانب الرياض، وعلى الأرجح فإن حالة الفوران المباغت كان لها أهداف أخرى لولي العهد الشاب الذي قرر تجربة الفوران الدبلوماسي خارج الشرق الأوسط تجاه دولة غربية قد لا تكلفه عداوتها كثيرًا، ولكنها بالتأكيد عداوة تكسبه أهدافًا أكثر أهمية لصالح نظام آخر، مختلف تمامًا.[4]

   

 

دبلوماسية ابن سلمان

اتسمت السياسة الخارجية لولي العهد الشاب "محمد بن سلمان" دومًا بالاندفاع بنفس قوة صعوده الصاروخي على مسرح السياسة السعودية، ويمكن وصف تصعيده مع كندا بأنه متسق تمامًا مع أسلوبه الدبلوماسي الذي بدأه بحرب غير مدروسة في اليمن لم تستطع المملكة و"تحالفها" التخفف منها حتى الآن، مرورًا باحتجازه لرئيس الوزراء اللبناني للضغط على "حزب الله" في لبنان في سابقة سياسية فريدة من نوعها، وصولًا لحصاره قطر لتحجيمها تحت العباءة السعودية بشكل نهائي، وليس انتهاءً بكندا التي بدا وكأنها تتجرع من نفس كأس اندفاع الأمير الشاب..[5]

 

ورغم أن التجربة الكندية لابن سلمان قد تمت سابقًا وعلى نطاق أصغر بالفعل مع دولتين أوربيتين هما السويد وألمانيا، في 2015 و2017 على الترتيب، عندما انتقدتا الأخيرتين وضع حقوق الإنسان في المملكة، فاستدعت الرياض سفيريها لدى البلدين بشكلٍ مؤقت، وعلَّقت بعض الصفقات التجارية ما عنى فقدان مئات الملايين من الدولارات للجانبين، إلا أن التصعيد الكندي بدا أكثر حدة وشراسة قياسًا على ما سبق.

  

علمت كندا بنية السعودية في الاستمرار بلا توقف، فذهبت دبلوماسيتها للبوابة الإماراتية كإحدى أبرز حلفاء ولي العهد السعودي، وكذلك طلبت وساطة بريطانية لنزع فتيل الأزمة حسب مصادر خاصة لرويترز[6]، ولم تقف المساعي الكندية فقط عند هذا الحد بل آثرت الاستفادة من تجارب الصدام السابقة مع المملكة في ملف حقوق الإنسان، فأتت المصادر من أوتاوا مؤكدة أن الحكومة الكندية تعمل عبر قنوات خلفية للحصول على مساعدة دول أوروبية في الأزمة[7]، من بينهم ألمانيا والسويد بطبيعة الحال.

   

 

إلا أن الاتحاد الأوروبي آثر عدم تقديم الدعم لكندا رغم خطته بإصدار بيان داعم، إلا أن تلك الخطة واجهت الإلغاء عندما التقى وزير الخارجية السعودي عادل الجبير وفدًا من سفراء أوروبا، وقدم مذكرة رسمية دبلوماسية تحمل مبادرة سياسية تناولت أيضًا سجل المملكة بشأن حقوق الإنسان وحقوق المرأة من أجل حل الأزمة أيضًا[8]، خاصة بعد أن أوضح الجبير وبشكل مباشر أن الأزمة «قضية أمن قومي»، ما عنى أن الصدام السعودي يمكن مده لأي دولة قد تتخذ الصف الكندي بأي حال.

 

كان سلاح دبلوماسية الشيكات فعالًا إلى حد كبير في الأزمة، ونجح في عزل كندا عن المحيط الغربي المهتم بالملف الحقوقي، ولم تبتعد التكتيكات السعودية مع أوروبا وبريطانيا عما حدث مع كندا اقتصاديًا بالعقوبات المفروضة والتي وصلت لامتناع الرياض، عبر المؤسسة العامة للحبوب، عن شراء القمح والشعير الكنديين في مناقصاتها العالمية بعد أن تلقى التجار إخطارًا رسميًا بذلك من المؤسسة، وهو ما يعني أن الحكومة الكندية ستضطر لإيقاف قرابة 66 ألف طن قمح هي إجمالي مبيعات القمح الكندي للسعودية 2017.

  

إلا أن وكعادة أوراق الواقع استثنى "الغضب السعودي" النفط، حيث تعلم السعودية أنها ثاني أكبر مورد نفطي لكندا بنسبة 15% بعد أمريكا بنسبة (53%)، وبينما يخرج جميع المسؤولين السعوديين لمهاجمة كندا، كان وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية السعودي خالد بن عبد العزيز الفالح هو الاستثناء الوحيد، مؤكدًا أن السياسة النفطية للسعودية تقضي بعدم تعريض الإمدادات النفطية التي توفرها المملكة لدول العالم لأي اعتبارات سياسية، بينما السبب الحقيقي أن الرياض لا تريد بحال خسارة مليارات النفط الكندية[9]، والتي بلغت 20.9 مليار دولار على مدى السنوات العشر الماضية بين عامي 2007 و 2017، وهو  مبلغ مساو لما تنفقه كندا عسكريًا في العام الواحد.

   

 

لكن كل ذلك لا يفسر ما حدث بكامله، وكعادة هذه الأمور فإن للصورة جوانب أخرى، جوانب لا تتعلق باندفاع الأمير الشاب، أو استخدام دبلوماسية الشيكات لمجرد استخدامها فحسب، أو بملف حقوقي لطالما نال انتقادات أسوأ بشدة من الانتقادات الكندية المخففة، وإنما تتعلق تلك الجوانب بحليف الرياض المفضل، والقاطن الذي يفاجئ العالم كل يوم من بيته الأبيض.

  

فتش عن ترامب

في الوقت الذي صبَّ المسؤولون السعوديون جام غضبهم على كندا، التزمت الولايات المتحدة الصمتَ الكامل، في إشارة واضحة لعدم وجود أي رغبة أمريكية للتدخل المباشر لفض النزاع عبر النبرة المعتادة في مثل تلك المواقف خاصة مع جارتها الأهم، وهو موقف يمكن قراءته بوضوح في تصريحات "هيذر ناورت"، الناطقة باسم وزارة الخارجية الأميركية خلال الأسبوع الماضي، حين صرحت أن «الأمر يرجع لحكومة المملكة العربية السعودية والكنديين، في التوصل لحلٍّ للأزمة». مضيفة: «على الطرفين حل المسألة بالطرق الدبلوماسية معًا. لا يمكننا فعل ذلك بالنيابة عنهم».

  

كانت تلك اللهجة المحايدة واللامبالية تشبه ما حدث تمامًا في بدايات حصار محور "السعودية والإمارات" لقطر، حين اتخذت إدارة ترامب موقفًا باهتًا من الأزمة، ليظهر بعد ذلك تورط "جاريد كوشنر" صهر ترامب في خطوات حصار الدوحة، وبالقياس يمكن قراءة الصمت الأمريكي أمام التوترات الكندية بنفس الصورة، أي أن ثمة ضوء أخضر أمريكي على الأرجح لإطلاق ابن سلمان العنان لدبلوماسيته كاملة، وربما دفعه لذلك أيضًا.

 

لم تكن العلاقات الكندية الأميركية بعد تولّي ترامب مقاليد السلطة بوقت قصير على ما يُرام بحال، وبات من الواضح أن تلك العلاقة الاستراتيجية على وشك التحول، خاصة بعد مسألة إعادة المفاوضات المقتضبة لاتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (نافتا)، وآلاف طالبي اللجوء الذين يعبرون الحدود المشتركة بين البلدين عكس رغبة ترامب وسياساته المعادية للمهاجرين في كلا الطريقين، وحملة السياسات الحمائية لإدارته أيضًا.

 

  

على أي حال، فإن كندا تعي تمامًا أن البلد الذي تتشارك معه أطول حدود غير محميَّة في العالم وأحد حلفائها الكلاسيكيين في العادة، سيظل صامتًا تحت إدارة ترامب إزاء هذه الأزمة إن لم يكن محركًا لها، فرجل البيت الأبيض الأول حاليًا لم يكن أبدًا من المعجبين برئيس الوزراء الكندي الشهير "جاستن ترودو"، واصفًا إياه ذات مرة في إحدى تغريداته المعتادة على تويتر بـ «الـضعيف»، وكذلك من المؤكد أن ترامب غير معجب بالسياسة الخارجية التي ينتهجها الشاب الكندي، خاصة وأن إدارة الرئيس الأميركي قد منحت بصورة ثابتة الأولوية للطبيعة الاستراتيجية لعلاقتها مع الرياض على حساب المخاوف المتعلقة بحقوق الإنسان أو العلاقات الخارجية الأخرى في الشرق الأوسط تحديدًا، كون الرياض هي أحد أكبر مدخلي المال للخزانة الأميركية في العديد من المجالات وعلى رأسها السلاح.[10]

 

تشير خلفية العلاقات الأميركية الكندية منذ صعود ترامب إلى انزلاق في شكل العلاقة بين الطرفين كاد يصل إلى حد القطيعة الدبلوماسية، خاصة بعدما هاجم مستشارون في البيت الأبيض ترودو تزامنًا مع هجوم ترامب عليه، فضلًا عن أن ترامب قد فرض رسومًا على البضائع الكندية المستوردة أمريكيًا، وتحديدًا الأخشاب ومنتجات الألبان وواردات الصلب والألومنيوم، أمر تلاه تصعيد في تصريحات الطرفين تجاه بعضهما مع رفع وتيرة التهديدات المتبادلة.

 

في هذا السياق، يمكن قراءة الموقف الأميركي الصامت كإنفاذ وموافقة على الإجراءات السعودية ضد كندا التي ترفض الخضوع لرؤى ترامب التجارية، وكذا يمكن أن نخلص إلى أن القضايا الكامنة في هذه المواجهة أكثر من مجرد عدم اهتمام واشنطن بحقوق الإنسان، لكنها تحمل في طياتها صورة لاهتمامات إدارة ترامب واستخدامها لنفط الخليج كعصى تأديب عالمية، كما حدث مع روسيا وإيران في السابق، والآن يحدث مع أقرب حلفاء الولايات المتحدة في أمريكا الشمالية، وهنا يعرف ابن سلمان أن لديه حليف أميركي لا يهتم بشكل خاص بمسائل حقوق الإنسان[11]، وإنما يهتم أكثر بالنزاع مع إيران، وأكثر بالمال السعودي.[12]

تقارير متصدرة


آخر الأخبار