انضم إلينا
اغلاق
الحكم بالوكلاء.. مستقبل الشرق الأوسط الجديد

الحكم بالوكلاء.. مستقبل الشرق الأوسط الجديد

Foreign Affairs

مجلة سياسية
  • ض
  • ض

في عام 2011 خرج الملايين من المواطنين في أنحاء العالم العربي إلى الشوارع. وتعهدت الانتفاضات الشعبية من تونس إلى القاهرة بإسقاط الأنظمة الاستبدادية والتبشير بإصلاحات ديمقراطية. وللحظةٍ بدا وكأن النظام الشرق أوسطي القديم قد حانت منيته ليحل مكانه نظامٌ جديدٌ وأفضل. لكن سرعان ما تداعت الأوضاع؛ حين انهارت بعض البلاد تحت الضغوط وانخرطت في الحروب الأهلية، بينما استطاعت بعض البلاد الأخرى إيجاد حلولٍ لاستعادة زمام الأمور وإحكام قبضتها على مجتمعاتها. وبعد مرور ثمانية أعوام، اتضح أن تلك الآمال المبكرة في إحداث تحولٍ جوهريٍ وإيجابيٍ في السياسة بالشرق الأوسط كانت في غير محلها بالمرة.

     

مظاهرات في تونس (رويترز)

   

لكن هذا الاضطراب أدى بالفعل إلى إنشاء نظامٍ عربيٍ جديدٍ، لكنه بعيد الشبه بما كان يتوقعه الناس. فرغم أن الانتفاضات العربية لم تسفر عن ديمقراطياتٍ جديدةٍ ناجحةٍ، إلا أنها أعادت تشكيل العلاقات الإقليمية؛ فتبدو القوى العظمى القديمة (مصر وسوريا والعراق) صامدةً حاليًا بالكاد؛ أما بلاد الخليج الثرية (قطر والسعودية والإمارات) فمزدهرة. أدى ازدياد الدول العاجزة والضعيفة إلى خلق فرصٍ جديدةٍ للتنافس والتدخل المتمثل في تفضيل ممثلين وكفاءاتٍ جددٍ. لم تعد للتحالفات الرسمية والنزاعات التقليدية دورٌ في تحديد القوى المحركة إقليميًا. وبدلًا من ذلك تُفرض السلطة من خلال بسط النفوذ والحرب بالوكالة.

  

في كل الدول العربية تقريبًا، يحرّك السياسة الخارجية حاليًا مزيجٌ متجانسٌ من التهديدات الملحوظة والفرص المحتملة. وتمثل المخاوف من تجدد الانتفاضات المحلية والنفوذ الإيراني وانسحاب الولايات المتحدة، إلى جانب التطلعات للاستفادة من الدول العاجزة والتخبط الدولي، عواملًا محرّكةً تجذب القوى الإقليمية لحروبٍ تدميريةٍ تدار بالوكالة، والتي تبث الفوضى في جميع أنحاء المنطقة. وتعدّ أي رؤيةٍ للمنطقة بميزان قوىً متعادلٍ هي محض سرابٍ؛ فالنظام العربي الجديد قائمُ على أساسٍ واحدٍ، ألا وهو الفوضى.

  

من الصعب استيعاب اليأس والمعاناة في الشرق الأوسط اليوم، بعد أن باتت الحرب السورية واحدةً من أعظم الكوارث الإنسانية في التاريخ، التي قُتل فيها ما لا يقل عن نصف مليون مدنيٍ وشُرّد أكثر من عشرة ملايين سوري. بينما قام العراق بتحقيق تقدمٍ ملحوظٍ في القضاء على تنظيم الدولة (داعش)، لكن جاء هذا الإنجاز على حساب خسارةٍ فادحةٍ لمن يعيشون في المناطق المحرّرَة. كما تسببت الحرب الأهلية في اليمن في أكبر تفشٍ للكوليرا في تاريخ البشرية، تاركةً 8.4 مليون شخصٍ على شفا المجاعة. وأخيرًا، تظل ليبيا منهارةً بشكلٍ كارثيٍ.

 

حتى الدول التي نجت من الانهيار لازالت تكافح؛ فلا زالت مصر تعاني من تبعات الانقلاب العسكري عام 2013، مع قمعٍ خانقٍ يعيق الحراك السياسي ويضعف السياحة ويُنمي التمرد ويزيد من الاستياء الشعبي. أما البحرين فلا زالت مضطربةً بعد الحملة الطائفية الدموية عام 2011 مع عدم وجود أي حلول معروضة لتجاوز قمع المعارضة السياسية. أما الدول الناجحة نسبيًا، كالأردن والمغرب وتونس، فتتصارع مع المشاكل الاقتصادية العارمة والشباب الساخط وعدم استقرار دول الجوار. في كل البلدان العربية تقريبًا، صارت المشاكل الاقتصادية والسياسية التي دفعت بالمنطقة للانتفاضة الشعبية عام 2011 أكثر حدةً مما كانت عليه منذ سبع سنوات.

    

     

في الوقت نفسه، تعاني المنطقة من العديد من نقاط التوتر؛ أولها انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية النووية مع إيران، الذي أعاد فتح آفاق ضربةٍ عسكريةٍ أمريكيةٍ أو إسرائيليةٍ تقود إلى حربٍ شاملةٍ. ثانيًا أدت مقاطعة قطر بقيادة السعودية والإمارات إلى انقسام مجلس التعاون الخليجي، الذي كان يعتبر أنجح منظمةٍ دوليةٍ عربيةٍ.أما في سوريا، كانت الضربات الجوية الإسرائيلية المتكررة بشكلٍ متزايد والعمليات التركية على الحدود بجانب الوجود الإيراني الراسخ كلها عواملٌ تدفع بالحرب الأهلية السورية باتجاهاتٍ جديدةٍ مع تلاشي المعارضة المسلحة لنظام الأسد.

 

أما الحرب اليمنية المتأزمة فتأبى الاحتواء؛ ولا تزال مشتعلةً بين الصواريخ التي يطلقها المتمردون الحوثيون باتجاه السعودية، والغارات الجوية السعودية التي تتسبب في مقتل المزيد من المدنيين على نطاقٍ واسعٍ، وإنشاء دولة الإمارات لقواعدٍ بحريةٍ عند القرن الإفريقي؛ للمساعدة في فرض الحصار الذي تقوده السعودية وحماية تواجدها الحديث بجنوبي البلاد. وفي هذه الأثناء، يهدد العنف المتكرر في غزة ودوامة حل الدولتين المميتة بإعادة القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام الدولي.

   

وسط كلّ هذا، اصطفت الولايات المتّحدة بحماسةٍ مع محورٍ من دولٍ تشاطرها الرأي: مصر وإسرائيل والسعوديّة والإمارات العربيّة المتّحدة. لكنّ تبقى هذه المحاولة لاستعادة شيءٍ يمثّل نظام ما قبل 2011 محاولةً مهزوزةً أكثر مما تبدو عليه. فتنامي الدول الفاشلة في الشرق الأوسط اليوم مع أزمات الحوكمة التي لا تُحَلّ، وخطوط متقاطعة بينهم من التنافس - كلّ هذا يقوّض أي ممارسةٍ للسلطة. حين تحاول الدول إحكام سيطرتها داخليًّا أو التأثير خارجيًّا، فلا تعدو فقط أنْ تفاقِمَ مِن شعورها بعدم الأمن. ولن ينتج قرارَ إدارة ترامب بزيادة دعمها للأنظمة الاستبدادية، فيما تتجاهل التغييرات البنيويّة العميقة التي تقف في طريق استعادة النظام القديم، أي استقرارٍ أو تقدّمٍ في المصالح الأميركيّة.

  

التوازن المتغيّر

ليست السياسات العابرة للحدود في الشرق الأوسط بالأمر بالجديد، لكنّ بِنية وديناميكيّة المنطقة اليوم مختلفة كثيرًا عمّا كانت عليه في حقب سابقة. كان عقدَي الخمسينيّات والستينيّات من القرن العشرين متميّزَين بما يدعوه مالكوم كيرّ ”الحرب الباردة العربيّة“. فتحت قيادة جمال عبد الناصر، كانت مصر تتنافس مع الأنظمة المدعومة غربيًّا والقوى المحافظة في المملكة العربيّة السعوديّة في صراعاتٍ تراوحَت ما بين التدخّل العسكريّ المباشر في اليمن، إلى صراعاتٍ بالوكالة على سياسات داخليّة في الأردن ولبنان وسورية. في تلك الأثناء، وضعت القومية العربية الداعمة لمبدأ الإيمان بأمةٍ عربيةٍ موحدةٍ شروط التعاون والمنافسة بين قادة المنطقة، على أساس مناهضة الاستعمار، والوحدة العربية، والعداء تجاه إسرائيل.

    

جمال عبدالناصر، الرئيس المصري السابق  (مواقع التواصل الاجتماعي)

 

ترى القراءات التقليديّة لتاريخ الشرق الأوسط فترةَ السبعينيّات من القرن الماضي كحقبة نهاية تلك الحروب الأيديولوجيّة العابرة للحدود. ومع وفاة عبد الناصر والظهور المفاجئ للثروة النفطيّة الضخمة، أصبحت الدول أكثر اهتمامًا ببقاء النظام منها بالقضايا الأيديولوجيّة الكبرى. خلال هذه الفترة، أنشأت تلك الدول أجهزة أمنيّة وطنيّة قويّة كانت حاجزًا أمام أيّ انتفاضات محليّة. وبينما أصبحت الدول أمنةً داخليًّا بشكلٍ أكبر، قلل هذا من فرص تدخلات الوكلاء الإستعماريين. (كان لبنان، لسوء حظّه الأزليّ، هو الاستثناء من تلك القاعدة؛ فكانت حربه الأهليّة التي امتّدت من عام 1975 حتّى 1990 هي الساحة الأساسيّة لصراعات الوكلاء). وحتّى الثورة الإيرانيّة التي اندلعت عام 1979، والتي أدخلت شكلًا جديدًا من أشكال الحشد الشعبيّ العابر للحدود بين الإسلاميّين، الذين ألهمهم نجاح عمليّة إسقاط مستبدّ مدعوم مِن قبل الولايات المتّحدة؛ حتّى هذه الثورة فشلت في بعث نفس ديناميكيّات حروب الوكالة تلك. عِوضًا عن هذا اتّحدت الأنظمة العربيّة ضدّ عدوٍّ مشتركٍ وضاعفت من قمعها في الداخل للإسلاميّين الساعين إلى التغيير.

  

ولكن على النقيض من الرواية المعهودة، فإنّ عهد الدول الصلبة قد بدأ يضمحّل لوقتٍ ما قبل بركان 2011. في تسعينيّات القرن المنصرم، كانت العولمة قد بدأت في إدخال تحدّيات جوهريّة للنظام التلقليديّ القائم في منطقة الشرق الأوسط. كما دفعت مذاهبٌ اقتصاديةٌ دوليةٌ جديدةٌ بالدول للاقتطاع من نفقات التأمين الإجتماعي والتوظيف الحكومي. وشهدت معظم الدول العربيّة حالاتٍ من تنامي الفقر وتدهور البنية التحتيّة. وحتّى الدول النفطيّة الغنيّة وجدت نفسها تحت رحمة قوى الاقتصاد العالمي، كالأزمة الماليّة العالميّة عام 2008 والتقلّبات في أسعار النفط. في ذات الوقت، عملت الفضائيات والهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من التقنيات الحديثة على تقويض الأنظمة التي صارت معتمدة على التحكّم في التدفق المعلوماتي والتعبير عن الرأي. وبعد 2001، كانت الحرب العالميّة على الإرهاب والمارد الذي انطلق بعد الاحتلال الأميركيّ للعراق وانهيار عمليّة السلام بين الإسرائيليّين والفلسطينيّين سببًا في تقويض أسس التعاون الإقليميّ. وبحلول عام 2010 لم يكن هناك مبرِّر متبقيٌ أمام النظام العربيّ سوى احتواء إيران وخنق التغيير الديمقراطيّ.

  

لم تأتِ الانتفاضات العربيّة عام 2011 مِن فراغ؛ فقد كانت ذروة التغيرات الهيكلية الآخذة في التطور على المدى الطويل. ظل الإحباط الشعبيّ من الركود الاقتصاديّ في تلك الدول، يتزايد مصاحبًا لانعدام الحريّات السياسيّة على مدار عقدٍ من الزمن على الأقل. وتوحدت المساحة السياسية للمنطقة عبر الفضائيّات والإنترنت والشبكات الأخرى العابرة للحدود، والتي سمحت للاحتجاجات بالانتشار سريعًا من تونُس إلى مصر ومن ثَمّ عبر المنطقة بأكملها. كشفت هذه الانتفاضات المتزامنة عن قدرٍ كبيرٍ من القوة الداخلية للدول العربية: فبعضها تكيّف بسهولة، والبعض الآخر اجتاز الأمر بالكاد، بينما انهارت البقية.

  

رغم أنّ تأثير الانتفاضات على السياسات الداخليّة كان جليًّا، إلّا أنّ المراقبين لم يعيروا اهتمامًا يذكر إلى شكل التغيير الجذريّ الذي أحدثته تلك التداعيات في التوزانات الإقليميّة في القوة. كانت القوى التقليديّة، كمصر وسوريا، قد استُنزِفت في صراعات داخليّة تركتها غير قادرة على بسط نفوذها خارجيًّا. على الجانب الآخر، كانت دول الخليج الغنيّة ملائمةً بصورةٍ مثاليّةٍ للواقع البنيويّ الجديد للمنطقة؛ إذ ساعد توافر المال والإمبراطوريات الإعلاميّة وموقع مركزيّ في شبكات نشطة عابرة للقوميّة كالإخوان المسلمين (قطر) أو الأعمال الدوليّة (الإمارات العربيّة المتّحدة) - ساعَدَ تلك الدول على ممارسة القوة الناعمة.

    

الأمير القطري الوالد حمد بن خليفة آل ثاني مع رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل (رويترز)

   

بالرغم من حجمهم الصغير، لدى تلك الدول جيوش مجهّزة ومدرّبة بصورة جيّدة للغاية، مُلحَقة بمرتزقة مكافَئة جيّدًا. وقد ساعدهم هذا على استعراض المزيد من القوّة الصلبة في ساحات مثل ليبيا واليمن أكثر مما كانت لِتستطيعَه القوى العربيّة التقليديّة. الأهم من هذا، أنّ هذه الأنظمة تمارس تحكّمًا شبهَ تامٍّ في سكّان بلادهم، مما يعني أنّ بإمكانهم تجاهل التدخّل الخارجيّ بطرق لا تستطيعها الدول الأكبر والأفقر والأقل قمعًا. ويَصدُق هذا حتّى حين ينقلبوا على بعضهم البعض. إنّ المساعي السعوديّة-الإماراتيّة الممتدة منذ عام لزعزعة استقرار قطر، عبر قطع العلاقات الدبلوماسيّة وبثّ المعلومات المضلّلة وفرض حصار اقتصاديّ قد فشَلَت لأن قطر لديها الموارِد الماليّة والقدرة القمعيّة على تسكين أيّ تحدّيات محليّة محتملة.

 

السلطة للوكلاء

في هذا النظام الإقليمي الجديد، تعمل السلطة نفسها بطريقة مختلفة. خلقت الانتفاضات مخاوف جديدة حول بقاء النظام، حتى بين اللاعبين الأكثر نجاحًا. في ذات الوقت، قدّمت الدول الفاشلة والحروب الأهلية فرصًا جديدة لدول أخرى لتوسيع نفوذها. إن توحيد الفضاء السياسي العربي من خلال تجربة مكثّفة من الثورات جعل الدول تنظر إلى كل حدث في المنطقة كمؤشر للقوة وكتهديد محتمل: لا يمكن لأي دولة أن تختار الانسحاب. سواء تعلّق الأمر برغبة في توسيع السلطة أو مصلحة دفاعية بمنع المنافسين من فعل الشيء نفسه، فقد وجد تقريبًا كلُّ نظام نفسَه منساقًا إلى حروب أهلية ومناورات على السلطة.

   

بينما أظهرت تونس ومصر مخاطر الانتفاضات الشعبية بالنسبة للقادة الذين كانوا واثقين من قدرتهم على منع التحديات التي تواجه حكمهم، فقد قدمت ليبيا النموذج الأول للاستفادة من هذه الاضطرابات. عندما وصلت الانتفاضات العربية إلى ليبيا، قفزت ثلاث دول خليجية هي قطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة إلى جانب تركيا، لانتهاز فرصة التحرك ضد الزعيم الليبي البغيض معمر القذافي. استخدمت دول الخليج إمبراطورياتها الإعلامية لجذب الانتباه إلى الفظائع الليبية (مع تجاهل العنف المتزامن في البحرين). وقد أصدروا قرارًا من جامعة الدول العربية للمساعدة في دفع الولايات المتحدة والأمم المتحدة إلى دعم التدخل الإنساني. كما قاموا بتوجيه كميات هائلة من الأسلحة والمال إلى الميليشيات المحلية التي تقاتل النظام.

  

هذه التدخلات غير المباشرة كانت لها تأثيرات سلبية طويلة الأمد. دعمت كل من قطر والإمارات العربية المتحدة معارضة القذافي، لكنهما دعمتا وكلاء محليين مختلفين. بعد سقوط النظام، احتفظت تلك القوات بسلاحها ورعاتها الخارجيين، مما أعاق توطيد الدولة الليبية وأمكَنَ من وقوعها في حرب أهلية. وحتى اليوم، فإن الدعم العسكري المصري والإماراتي لـ"عملية الكرامة" بقيادة اللواء خليفة حفتر، والذي تسيطر قواته على جزء كبير من شرق ليبيا، يزيد من سرعة وشدة القتال.

  

لكن التداعيات المُدمِّرة للتدخل الخارجيّ لم تظهر على الفور. في أيام 2011 العاتية، نظرت دول الخليج وتركيا (مثل الولايات المتحدة) إلى تدخلها في ليبيا على أنه قصة نجاح؛ فقد أدركوا فوائد دعم الوكلاء المحليين، وعلموا أنهم يستطيعون تأمين الدعم الأمريكي والأوروبي والأممي للتدخلات ضد منافسيهم. ومع بقاء أعينهم مفتوحة على إمكانيات جديدة، نظروا إلى الانتفاضة الشعبية ضد الرئيس السوري بشار الأسد كفرصة لإبعاد سورية عن إيران ومراجعة توازن القوى الإقليمي بشكل حاسم لصالحهم. عندما أصبح واضحًا في أوائل عام 2012 أنه لا يمكنهم تكرار نجاحهم في ليبيا من خلال الحصول على دعم مجلس الأمن الدولي للتدخل ضد الأسد، تحركت دول الخليج وتركيا لتسليح التمرد السوري. وحتى إذا لم ينجح ذلك في إسقاط الأسد، فقد رأوا فيه فرصة لإيقاع حليف إيراني ونقل المعركة إلى أرض منافس رئيسي.

    

   

أدى هذا الدعم الخارجي للمتمردين السوريين إلى نتائج كارثية، مما زاد من وطئة العنف دون تقديم أي طريق معقول للتسوية. على الرغم من أن نظام الأسد يتحمل أكبر قدر من المسؤولية عن الفظائع والوحشية الممنهجة في الصراع، إلا أن الداعمين الخارجيين للتمرد قد ساعدوا في تكثيف الحرب على الرغم مما ينطوي عليه هذا من تكاليف. هيكل السياسة الجديدة في المنطقة فرض فشل التمرّد. في كل مرة يقوم فيها المتمردون بهجوم، يتدخل اللاعبون الخارجيون المنافسون -إيران وحزب الله وروسيا- إلى جانب الأسد. كل خطوة تولِّد خطوة مضادة، وهو ما لا طائل منه سوى مفاقمة مستوى المعاناة الإنسانية. في واحدة من أكثر الأمثلة القاطعة لهذه الديناميكية، في عام 2015، بعد أن حصلت جماعات المتمردين المتطرّفة المدعومة من الخارج على الأرض في شمال سورية، تدخلت روسيا بوحشية في حلب.

   

لم تكن القوى المتنافسة في سورية متساوية في مهارات الحرب بالوكالة. القوى التي تدعم الأسد ركزت بشدة على دعم النظام. الإيرانيون، على وجه الخصوص، أتقنوا فن رعاية الميليشيات المحلية، وغالبًا مع التوجيه والدعم المباشر من فيلق الحرس الثوري الإسلامي. ومن ناحية أخرى، تنظر كل من قطر والسعودية وتركيا إلى بعضهم البعض كمتنافسين بقدر ما يرون بعضهم كحلفاء، كما أن جهودهم التنافسية غير المنسّقة كانت لها نتائج عكسية باستمرار. (تراجَع دور الإمارات العربية المتحدة في سورية).

  

وعلى الرغم من أنّ الولايات المتحدة حاولت فرض التعاون بين الفصائل المدعومة من قطر والسعودية وتركيا، إلّا أنّها فشلت في التغلّب على الاقتتال الداخلي بين رعاتها أو فرض استراتيجية متماسكة. وقد تضخمت هذه المشكلات بسبب خصخصة تدفق الأسلحة والمال للجماعات المتمردة في الأيام الحاسمة من أواخر عام 2012 وأوائل 2013، إذ قامت الشبكات السلفية في الخليج بصب الأموال إلى حركات التمرد. أدّى هذا إلى مزيد من التوتر وسحب مركز الثقل في التمرد نحو الطرف الجهادي. ومع اندلاع الحرب، حوّلت دول الخليج وتركيا دعمها إلى تحالفات إسلامية متشدّدة على نحو متزايد، بحثًا عن مقاتلين فعّالين. خرجت داعش من هذه البيئة، ولكن ليس كوكيلة لأي دولة، بل كقوة متمردة تكيفت بشكل جيد مع ما أصبحت عليه سورية.

   

بعد سنوات من محاولة تسليح المعارضة وضبطها وتشكيلها، في آنٍ واحد عن بُعد، تدخّلت الولايات المتحدة في نهاية المطاف في سورية لمحاربة داعش لا الأسد. نجح هذا التدخل بشروطه الخاصة، حيث دمّر كيانَ داعش في كل من العراق وسورية. وفي الوقت نفسه، منع النطاق المحدود والتفويض المحدود للحملة الولاياتِ المتحدةَ من الدخول في صراع أوسع مع الأسد وروسيا. لكن تعقيدات إدارة هذا التدخل المحدود ضد داعش أثبتت أنها شاقّة وولَّدَت التزاماتٍ جديدة غير مقصودة. تميزت السنوات العديدة الأخيرة بجهود أمريكيّة وروسيّة لإدارة التنافس في سورية. في هذه الأثناء، استعاد النظام المدعوم من إيران وروسيا الاستيلاءَ على الأراضي دون هوادة من حركة التمرد المدعومة من الخارج والتي أصبحت تتراجع بشدّة.

    

    

لكن حتى انهيار داعش ومكاسب نظام الأسد المهمة في استعادة الأراضي لم تؤدِّ إلى تقريب الصراع من نهايته. تستمر سورية المنهارة في جذب دول أخرى في المنطقة. فعلى سبيل المثال، أدَّت الحملة ضد داعش في النهاية إلى مشاركة تركيّة أكبر. وفي عام 2015، ومع حاجتها الماسة إلى وكلاء محليين لمحاربة داعش، استقرّت الولايات المتحدة على وحدات حماية الشعب التي يهيمن عليها الأكراد، تلك التي سلحتها جنبًا إلى جنب مع الميليشيات الأخرى، تحت لواء قوات سورية الديمقراطية. أثار نجاح هذه القوات المخاوفَ التركية من النزعة الانفصالية الكردية، والتي قادت تركيا في عام 2017 إلى القيام بتدخلاتها العسكرية المتصاعدة في العديد من المناطق الرئيسية في شمال سورية. في الوقت نفسه، بدأت إسرائيل في زيادة ضرباتها الجوية ضد أهداف إيران وحزب الله عبر سورية. يبدو أن معارضة النظام والحملة ضد داعش بدأت في الانحسار، لكن الحرب السورية أصبحت أكثر تدويلًا من أي وقت مضى.

  

على الرغم من أن سورية هي الحالة الأكثر كارثية، إلّا أنّ القوى الإقليمية قد خلقت أضرارًا بشرية وسياسية هائلة في أماكن أخرى أيضًا، أثناء سعيها وراء النفوذ والمكانة. وقد أدَّت جهودها إلى زعزعة استقرار البلدان التي لم تنخرط في حروب أهلية. وأسوأ مثال على ذلك هو مصر. في عام 2013، دعمت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة الانقلابَ العسكري بقيادة الجنرال عبد الفتاح السيسي، الذي أطاح بمحمد مرسي، الرئيس المنتخب ديمقراطيًا والذي كان عضوًا في جماعة الإخوان المسلمين ومدعومًا من قطر. وعلى الرغم من عشرات المليارات من الدولارات التي حصل عليها كمساعدات خليجية، فقد فشل نظام السيسي القمعي الوحشي في استعادة الأوضاع الطبيعية أو الاستقرار في مصر. وحتى في تونس، التي حققت نجاحًا نسبيًا، فإن المنافسة بين القوى الإقليمية أدى إلى عدم الاستقرار. إن ضخ الأموال الأجنبية والدعم السياسي للحلفاء المحليين على نطاق واسع قد ألحق الضرر بالسياسات الديمقراطية الوليدة في البلاد.

    

معضلات أمنية في كل مكان

هذه الديناميكيات الإقليمية المضطربة هي نتاج "معضلات أمنية" كلاسيكية، فعندما تحاول الدول زيادة أمنها، يؤدي ذلك إلى حدوث تدابير مضادة تجعلها أقل أمانًا مما كانت عليه من قبل. يعيش كل نظام عربي اليوم في ظل حالة عميقة من انعدام الأمن. ورغم تظاهرهم بالشجاعة، فإنهم يشعرون بالرعب من إندلاع موجة أخرى من الاحتجاجات الشعبية. أدّى الإنتشار السريع للاحتجاجات في عام 2011 إلى إقناع الدول بأن الانتفاضة في أي مكان في المنطقة يمكن أن تشعل إنتفاضة أيضًا في الداخل. عندما هزت الاحتجاجات الاقتصادية الأردن في مايو/أيار الماضي، قامت قطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة على الفور بتجديد المساعدة الاقتصادية إلى عمان من أجل وقف الاضطرابات.

  

لكن عندما تحاول الدول قمع المحتجين المحتملين من خلال ممارسة سيطرة أكبر على مجتمعاتهم، فإنها عادة ما تجعل الوضع أكثر سوءًا. وكلما زاد عنف القمع، إزداد الغضب والاستياء الذي يولّدونه، وقلّت احتمالات حل الوضع بالديمقراطية. يمكن رؤية هذه الديناميكية بشكل أوضح في مصر، حيث وسع السيسي حملته ضد الإسلاميين لتشمل النشطاء العلمانيين والصحفيين والأكاديميين. ونتيجة لذلك، قام بتنفير قطاعات كبيرة متزايدة من الائتلاف الذي دعم الانقلاب.

    

قمع متظاهرين في مصر (رويترز)

   

هذه المعضلات الأمنية الداخلية تفسر قرارات السياسة الخارجية التي لا يمكن تفسيرها. تأمّل وليّ العهد السعودي الجديد، محمد بن سلمان. بعد السيطرة على السلطة بسرعة، قام ولي العهد، المعروف أيضًا باسم MBS (إختصار محمد بن سلمان)، بتحولات جذرية في السياسة المحلية. أدخل الإصلاحات الاجتماعية، مثل السماح للنساء بقيادة وفتح دور السينما. وفي الوقت نفسه، قام بقمع النشطاء في مجال حقوق المرأة، واعتقال وترهيب عدد ضخم من النخب في البلاد، كما قام بتهميش أجزاء رئيسية من المؤسسة الدينية. لكن لا يمكن النظر إلى توطيد القوة الناجح بشكل ملحوظ لمحمد بن سلمان في الداخل بمعزل عن تدخلاته الكارثية والمتجاوزة في الخارج.

  

حتى قبل انتزاع السلطة المحلية، كان قد قرّر التدخّل في الحرب الأهلية في اليمن، مفترضًا أن الفوز السريع هناك سيحشد الدعم في الداخل. بدلاً من ذلك، أصبحت القوات السعودية محاصرة في مستنقع مدمر. وبالمثل، كان من المتوقع أن يؤدي حصار ومقاطعة قطر عام 2017 إلى هيمنة السعودية على مجلس التعاون الخليجي، وتقويض أي تحدٍ محلي من جماعة الإخوان المسلمين. بدلاً من ذلك، كانت النتيجة عكسية: أثبتت قطر قدرًا أكبر من المرونة مما توقعه معظم الناس. كما قوّض الحصار العلاقات مع واشنطن، وألحق أضرارًا بمحاولات إحتواء إيران، وأضعف مجلس التعاون الخليجي، ربما بشكل قاتل. في كل من اليمن وقطر، وجدت المملكة العربية السعودية نفسها عالقة، غير قادرة على التصعيد بما فيه الكفاية للفوز، ولكن أيضًا غير قادرة على التراجع خوفًا من العواقب السياسية الداخلية.

  

تُقدّم المنافسة بين الدول العربية وإيران مثالاً واضحًا آخر على المعضلات الأمنية. على الرغم من أن مخاوف العرب من التوسع الإيراني ترتكز على الواقع، إلا أن هذه المخاوف كانت دائمًا بعيدة كل البعد عن القوة الإيرانية الفعلية. ومع ذلك، كلما زاد ما تفعله الدول العربية لمواجهة إيران، كلما أصبحت إيران أقوى. في اليمن، حوّلت الحملة الإماراتية والسعودية ما كان في الأصل موطئ قدم إيراني ثانوي إلى قوة تحالف استراتيجي مع المتمردين الحوثيين، وأدت إلى اختراق أكبر من قبل وكلاء مدعومين من إيران. في سورية، أعطى التمرد المدعوم من دول الخليج وتركيا لإيران دورا قياديًا أكبر بكثير في البلاد. وفي لبنان، أثار المشهد الغريب لحكومة السعودية التي احتجزت رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري رهينة في الرياض لعدة أسابيع، أزمة سياسية داخلية أضعفت في النهاية الائتلاف السني الموالي للسعودية في البرلمان اللبناني.

  

لكن هذه الديناميكيات الجديدة ليست مجرد نتيجة منافسة بين الدول، بل هي أيضًا نتاج للدول الضعيفة والهشة، التي تولد معضلاتها الأمنية بنفسها من خلال خلق فراغات في السلطة. وحتى إذا لم تنظر قوة إقليمية على الفور إلى فراغ السلطة كفرصة جيدة لتوسيع نفوذها، فإنها تخشى أن يقوم منافسيها بذلك. وحالما تتدخل دولة ما، فإنها تعتقد أن تخفيض الدعم لوكالاتها المحلية لن يؤدي إلا إلى تعزيز وكلاء منافسيها الإقليميين. هذا الخوف يجعل من الصعب تهدئة التوتر في الحروب الأهلية في ليبيا وسورية واليمن. حتى لو أدركت الجهات الفاعلة أن تدخلاتها قد فشلت، فإنهم محاصرون داخل المنطق التنافسي لمعضلة الأمن - غير قادرين على الفوز ولكن غير قادرين كذلك على المغادرة.

   

      

المعيار الجديد

في منطقة مشبعة بالأزمات الأمنية، لا يمكن أن يكون أي قدر من الطمأنينة من الولايات المتحدة كافيًا على الإطلاق. إن الحجم غير المسبوق لمبيعات الأسلحة الأمريكية إلى السعودية والإمارات العربية المتحدة خلال السنوات الخمس الماضية (التي وافقت عليها إدارة أوباما لحشد الدعم للصفقة النووية الإيرانية) لم يجعل أيًا من تلك الدولتين آمنًا. حتى مع تخلي واشنطن عن أي حديث عن تطبيق الديمقراطية أو الامتثال لحقوق الإنسان، لم يكن لدى الأنظمة الأوتوقراطية وقت أسهل لحل تحدياتها الداخلية.

  

لم يؤد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني إلا إلى زيادة المخاوف بين دول الخليج العربي من إيران ذات القوة المتزايدة. لقد أدى دعم واشنطن الأحادي الجانب لإسرائيل وسط العنف في غزة إلى تعميق العزلة الدولية لهذا البلد وسرّع باحتمالية نشوب صراع آخر. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة أقنعت دول الخليج السنية بانفتاح متزايد مع إسرائيل، إلا أن هذا الجهد أضعفته المواجهة الإماراتية والسعودية مع قطر.

  

حتى مع وجود رئيس أمريكي يتخذ موقفًا متشددًا تجاه إيران، ويبدو وكأن ليس لديه مشكلة في الحكم الاستبدادي، فإن الأنظمة العربية لم تعد ترى الولايات المتحدة كضامن موثوق لبقاء النظام أو لمصالح سياستها الخارجية. في هذه البيئة الجديدة، من المنطقي أن يقوم حتى حلفاء الولايات المتحدة المقربون ببناء علاقات مع الصين وروسيا والاتحاد الأوروبي - كما تفعل مصر والسعودية وتركيا والإمارات العربية المتحدة وحتى الأردن.

  

مثل هذه الجهود هي تحوّط عقلاني ضد صعوبة التنبؤ بموقف الولايات المتحدة، ولكن يمكن لهذه الجهود بسهولة أن تتصاعد إلى شيء آخر من خلال نفس ديناميكيات الأزمات الأمنية التي هزّت جميع الأبعاد الأخرى للسياسة الإقليمية.

    

الرئيس الأمريكي دونالد ترمب (رويترز)

 

كافحت إدارة ترامب لإدارة هذه الحقائق الجديدة. إن التغييرات المفاجئة في سياسة ترامب والمراسلة الغير مترابطة للغاية التي تأتي من أجزاء مختلفة من الحكومة الأمريكية تربك الحلفاء والخصوم على حد سواء. قد تفضل السعودية والإمارات العربية المتحدة موقف ترامب المتشدد تجاه إيران ودعمه للحرب في اليمن، لكن سياسات أخرى، مثل ضغوط واشنطن عليهم لإنهاء حصار قطر ومطالبها لهم لزيادة إنتاج النفط، و الإشارات علي عزمها بالانسحاب من سورية، ولّدت إحباطات جديدة.

  

ومع ذلك، لا يجب على إدارة ترامب الفوضوية أن تتشت عن الحقائق البنيوية الأعمق، والتي كانت ستشكّل تحديًا لأي رئيس أمريكي. لم تعد الولايات المتحدة تملك القوة أو الموقف لفرض نظام إقليمي وفق شروطها الخاصة.

  

في جميع الاحتمالات، لن يتم استعادة الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط لأن المنطقة تغيرت بشكل جذري. إن تجاوز الحروب والفشل السياسي الذي أعقب الانتفاضات العربية لن يكون سهلاً. الضرر عميق جدًا.

-----------------------------------------------------

ترجمة (فريق الترجمة)

(الرابط الأصلي)

تقارير متصدرة


آخر الأخبار