انضم إلينا
اغلاق
بين فرنسا وإيطاليا.. من يقضم كعكة ليبيا؟

بين فرنسا وإيطاليا.. من يقضم كعكة ليبيا؟

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض

على بُعد كيلومترات قليلة من مركز العاصمة الفرنسية باريس، وتحديدا في بلدية "سان كلو" بضاحيتها الغربية، يبرز بناء مهيب(1) يخطف الأنظار يعرفه الفرنسيون جيدا بمبانيه ذات الطراز الكلاسيكي وحدائقه الواسعة، وقبل ذلك بتاريخه الملحمي، حيث كان قصر "لاسيل سان كلو" شاهدا على بعض الحوادث التاريخية الأكثر أهمية في تاريخ فرنسا، ثم أضافت الأعوام التالية للقصر أهمية سياسية كبيرة بجانب مكانته القديمة، محتضنا الكثير من اللقاءات المهمة والاتفاقيات والمعاهدات التاريخية، ولم يكن لقاء السحاب الليبي العام الماضي استثناء.

 

كانت أجواء القصر تسيطر على الأرجح على مخيلة الرئيس الفرنسي الشاب "إيمانويل ماكرون" في ذلك اليوم من شهر يوليو/تموز من العام الماضي وهو يخطو(2) في باحات "لاسيل سان كلو" مستقبلا أهم شخصين على الساحة الليبية على الأرجح: "فايز السراج"، رئيس مجلس الرئاسة ورئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية الليبية المعترف بها من قِبل الأمم المتحدة، وغريمه "خليفة حفتر"، أمير الحرب الأقوى هناك وقائد ما يُعرف بـ "الجيش الوطني الليبي"، والمنافس بالقوة على السلطة عبر سيطرته العسكرية على مساحات شاسعة من الشرق الليبي.

 

كان "ماكرون" راغبا فيما يبدو في استخدام القوة الرمزية للقصر الفرنسي في تأمين اتفاق تاريخي لحل أزمة طويلة الأمد، وفي الوقت نفسه استخدام هذا الاتفاق لرفع أسهمه داخليا وكذا إصلاح صورة بلاده عالميا وتأمين مصالحها الأمنية والاقتصادية، فمنذ أن قادت فرنسا تدخلا دوليا للإطاحة بالعقيد المخلوع "معمر القذافي" عام 2011، دخلت ليبيا في حالة طويلة الأمد من عدم الاستقرار تفاقمت إلى حرب أهلية عام 2014 قسمت البلاد بموجبها إلى حكومتين، ولم يفلح اتفاق "الصخيرات" برعاية مجلس الأمن الدولي عام 2015 وحكومة فايز السراج الناجمة عنه في إنهاء حالة الانقسام الليبية، حيث ظل الصراع على السلطة قائما بين الحكومة المعترف بها وبين "حفتر" الذي رفض الاعتراف بحكومة "الوفاق".

    

حفتر (يمين) ماكرون والسراج  (الأوروبية)

   

لكن في نهاية المطاف لم تفلح كاريزما "ماكرون" ولا رمزية القصر في التغلب على الحقائق الموضوعية للصراع الليبي، ولم تتجاوز تعهدات وقف إطلاق النار والمصالحة والانتخابات التي اتُّفق على إجرائها في ذلك اللقاء حدود الحبر الذي كُتبت به، وبدلا من ذلك فإن اللقاء والتعهدات أثارا للمفارقة صراعا آخر في أوروبا هذه المرة، بين فرنسا نفسها، وبين إيطاليا الراعي الاستعماري طويل الأمد لليبيا، والذي رأى في مبادرة ماكرون حيلة لتجاوزه وتجاوز أوروبا بأكملها في هذه العملية.

 

تسبب اجتماع "سان كلو" في انفجار التوترات المكتوبة بين روما وباريس، وعلى مدار الأشهر التالية كانت رائحة الخلاف المختمر بين العاصمتين قد بدأت في الخروج للعلن، ويبدو أن محاولة "ماكرون" لجمع الفرقاء الليبيين في الإليزيه بمعزل عن روما في مايو/أيار الماضي قد استنفدت حدود الصبر الإيطالي، فلم تكد حكومة "جوزيبي كونتي" اليمينية الجديدة تستقر فوق مقاعدها حتى صعّدت روما نبرة انتقاداتها لباريس إلى حدودها القصوى وعلى لسان المسؤولين الأربعة الأبرز في الدولة: "جوزيبي كونتي" نفسه الذي انتقد(3) مساعي فرنسا لعقد انتخابات في ليبيا قبل نهاية العام الحالي، ووزيرة دفاعه "إليزابيتا ترينتا" التي عزت(4) الأزمة في ليبيا بأكملها إلى "تدخل فرنسا العسكري -عام 2011- وقرار باريس تقديم مصالحها الخاصة على مصالح الشعب الليبي بل وأوروبا نفسها"، إضافة إلى وزير الداخلية اليميني المتطرف "ماتيو سالفيني" الذي اتهم(5) فرنسا بـ "زعزعة استقرار شمال أفريقيا لخدمة مصالحها الخاصة"، وأخيرا رئيس البرلمان الإيطالي "روبرتو فيكو" الذي وصف الوضع في ليبيا بأنه "مشكلة خطيرة صنعتها فرنسا لبلاده".

 

لم تكن تلك مجرد تصريحات عفوية، بل هي أقرب لحالة إجماع تشكّلت في روما على حتمية خوض مواجهة مفتوحة مع باريس على الجانب الآخر من المتوسط، في ليبيا التي دفعتها أقدارها السيئة على ما يبدو لأتون جولة جديدة من التنافس الاستعماري بين متنافسين من الرتبة الثانية في ميزان القوى اليوم، بعد سبعة عقود كاملة من حصول البلد العربي على استقلاله لأول مرة مطلع الخمسينيات، وبعد أكثر من سبعة أعوام على خروج المتظاهرين مطالبين برحيل "القذافي"، وهو أتون جولة تنافسية ليس لدى طرفيها الأوروبيين على الأرجح أي مانع من تجاهل الحدود، كل الحدود.

 

كعكة ليبيا التاريخية

 

تعود المنافسة بين إيطاليا وفرنسا في شمال أفريقيا إلى القرن التاسع عشر، وعلى عكس بريطانيا وفرنسا، جاء بروز إيطاليا كقوة استعمارية في وقت متأخر، ولم تغز روما سوى القارة الأفريقية، بعد توحيد البلاد عام 1871، ومع بدء اندفاعها نحو أفريقيا، بدأت روما في النظر إلى الأراضي التي كانت في ذلك الوقت تابعة للدولة العثمانية على الضفة المقابلة من المتوسط في طرابلس وما حولها كجزء من مجالها الطبيعي للنفوذ والتأثير.

 

وللاستيلاء على تلك المناطق، التي ستُعرف بعد ذلك باسم "الشاطئ الرابع" لإيطاليا وفقا للتسمية التي أطلقها زعيم إيطاليا الشهير آنذاك "بينيتو موسوليني"، وقعت روما في البداية سلسلة من المعاهدات بين عامي 1900 و1902، اعترفت بموجبها بالسيطرة الفرنسية على المغرب، في مقابل تعهد باريس بأنها لن تحاول الاستيلاء على الأراضي الليبية، ما مهّد الطريق في نهاية المطاف أمام إيطاليا لغزو ليبيا.

 

وقع الغزو(6) بشكل فعلي عام 1911 حين حشد الاستعمار الإيطالي قواته للسيطرة على طرابلس وبرقة اللتين كانتا واقعتين تحت السيطرة العثمانية، ورغم مقاومة الليبيين للغزو بشدة، أُجبرت الدولة العثمانية على تسليم ليبيا لإيطاليا بموجب معاهدة لوزان في العام التالي، ولكن كان على روما أن تنتظر حتى عام 1934 لدمج طرابلس وبرقة في إقليم استعماري واحد تحت اسم مستعمرة ليبيا.

   

بحلول نهاية عام 1951 حصلت ليبيا على استقلالها الرسمي بتنصيب أمير برقة المنفي إدريس السنوسي ملكا للبلاد.

مواقع التواصل
   

سيطرت إيطاليا على شاطئها الرابع المزعوم حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، ولكن مع اقتراب الحرب من نهايتها بهزيمة الإيطاليين وحلفائهم، قسمت(7) الدول المنتصرة "ليبيا" إلى ثلاث مناطق للنفوذ، حيث وقعت كل من طرابلس وبرقة تحت سيطرة بريطانيا، بينما احتل الفرنسيون منطقة فزان الجنوبية، وبحلول نهاية عام 1951 حصلت ليبيا على استقلالها الرسمي بتنصيب أمير برقة المنفي إدريس السنوسي ملكا للبلاد.

 

أدّت موجات التمرد ضد الاستعمار في الخمسينيات والستينيات إلى تقليص نفوذ بريطانيا وفرنسا في مستعمراتهما السابقة، لكن باريس احتفظت بعلاقات عميقة مع مستعمراتها السابقة خاصة في غرب أفريقيا، وحرصت على استخدام هذا النفوذ كبوابة للتأثير في المجال الليبي من الجنوب، أما روما فقد كانت حريصة على بناء علاقات جديدة مع ليبيا المستقلة خاصة في قطاعات البناء، ما عزز الترابط النسبي بين البلدين، خاصة مع وجود أكثر من 20 ألف إيطالي يعيشون في ليبيا في ذلك التوقيت. ولكن مبادرات إيطاليا الخجولة لم تكن كافية لمحو إرث عقود من الاستعمار، إرث عاد إلى الواجهة من جديد مع الانقلاب الذي قاده العقيد "معمر القذافي" عام 1969، من حرص على تعريف سياسته مبكرا تجاه إيطاليا بالاستيلاء على أصول الجاليات الإيطالية وطردهم من البلاد، ولم يكن الأمر أفضل حالا بالنسبة إلى باريس التي لم تنج من السياسات الخطابية العدائية للنظام الجديد في ليبيا.

 

ولكن العلاقات بين ليبيا وأوروبا بدأت في التحسن مع نهاية الستينيات، وكانت البداية مع فرنسا بعد قرار(8) باريس خفض الحظر على تصدير الأسلحة لدول الشرق الأوسط التي لا تنتمي إلى خط المواجهة مع إسرائيل، وهو قرار مهّد الطريق أمام فرنسا لبيع طائرات ميراج 5 لنظام القذافي، قبل أن يوقع البلدان اتفاقية في عام 1974 قامت ليبيا بموجبها بتوريد النفط لفرنسا مقابل المساعدة التقنية والتعاون المالي. بالتزامن مع ذلك، بدا وأن إيطاليا بدأت تستشعر القلق من التقارب الليبي الفرنسي فاندفعت هي الأخرى لمغازلة القذافي، مغازلة تُوجت مطلع السبعينيات بتوقيع عدة اتفاقات تجارية في قطاعات الطاقة والأسلحة، لكن علاقات ليبيا مع اللاهثين الأوروبيين سرعان ما شهدت تراجعا جديدا بسبب الميول القومية لنظام القذافي وانتقاداته لدول أوروبا بسبب بيعها الأسلحة لإسرائيل، فضلا عن عدم رضا القذافي عن التدخل الفرنسي في الصحراء المغربية وتشاد وزائير (الكونغو الديمقراطية حاليا)، وهي بلاد طالما اعتبرها القذافي عمقا أفريقيًّا لبلاده.

   

 

ومع مطلع الثمانينيات، كان النزاع بين طرابلس وباريس قد بلغ أشده بفعل الحرب الأهلية في تشاد، حيث وجدت(9) الدولتان نفسيهما على طرفي نقيض في تلك الحرب، ولم يكن الحال مختلفا في إيطالياا وباقي أوروبا، حيث تسبب دعم القذافي للحركات الانفصالية في أوروبا، مثل منظمة "إيتا في إقليمم الباسك والجيش الجمهوري الأيرلندي، في إثارة ذعر أوروبي واسع النطاق، ومع اندلاع النزاع بين ليبيا والولايات المتحدة بسبب خليج "سرت" وإقدام واشنطن على قصف نظام القذافي بدا أن علاقات ليبيا مع الغرب بلغت مستوى غير مسبوق من التدهور، تدهور تفاقم لاحقا مع اتهام القذافي بالتورط في إسقاط طائرة ركاب أميركية فوق قرية "لوكربي" الاسكتلندية عام 1988، في إحدى أشهر حوادث القرن الماضي، ثم تفاقم أكثر مع اتهام فرنسا للعقيد بالتورط في إسقاط طائرة فرنسية فوق النيجر عام 1989.

 

وقعت ليبيا تحت طائلة عقوبات غربية صارمة طوال التسعينيات، وتم تضمين القذافي في قائمة الأنظمة المتمردة على سلطة الغرب حتى عام 2003، حين تم تطبيق سياسة إعادة التأهيل في عهد الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن -مع حاجة واشنطن إلى النفط الليبي- لتستأنف ليبيا من جديد علاقاتها مع أوروبا، ما سمح لرئيس الوزراء الإيطالي آنذاك "سلفيو برلسكوني" بمغازلة ليبيا من جديد، متعهدا بالاستثمار بشكل مكثف في البنية التحتية ومرافق الطاقة. وفي غضون عامين، كانت روما قد افتتحت خط أنابيب الغاز الطبيعي الإستراتيجي "الدفق الأخضر" أو "جرين ستريم" لنقل الغاز الطبيعي الليبي لإيطاليا.

 

وفي عام 2008، تُوجت جهود التقارب بين "برلسكوني" و"القذافي" بتوقيع صفقة تاريخية تعهدت فيها إيطاليا بدفع 5 مليارات دولار كتعويضات لليبيا عن الحوادث التي وقعت خلال الحكم الاستعماري، في مقابل تعهد "القذافي" بالمساعدة في عرقلة تدفق المهاجرين الأفارقة الساعين إلى الوصول إلى إيطاليا عبر بلاده، ومن وجهة نظر الطرفين كانت تلك صفقة رابحة بكل المقاييس، فمن ناحية فإنها أثبتت نجاح سياسة القذافي في ابتزاز أوروبا للحصول على الدعم المالي والسياسي مقابل التحكم في تدفق المهاجرين، وهي لعبة أدارها القذافي ببراعة تامة خلال العقد الأخير من حكمه، ومن ناحية أخرى لم تكن 5 مليارات دولار مبلغا كبيرا بالنسبة لبيرلسكوني وإيطاليا مقابل فتح طريق روما من جديد في مستعمرتها السابقة، وبدا أن إيطاليا حققت نصرا كبيرا في هذه الجولة، وأن ليبيا في طريقها للوقوع في فلك النفوذ الإيطالي من جديد.

  

 

"إيني".. الاستعمار الإيطالي الجديد

بالنسبة لإيطاليا، مثلت ليبيا دوما طموحا إستراتيجيا وصداعا ديموغرافيا في الوقت نفسه، فمن ناحية الجغرافيا، تُعد إيطاليا أقرب بلد أوروبي لليبيا، حيث تقع الدولة الأفريقية على بُعد مئات الأميال فقط من جزيرة صقلية، وعلى بعد 140 ميلا فقط من جزيرة "لامبيدوسا" الوجهة المفضلة للمهاجرين الفارين من الاضطرابات في أفريقيا، ما يفرض على إيطاليا التعامل مع مجموعة من المشكلات الشائكة المرتبطة بليبيا وعلى رأسها الهجرة وتهريب الأسلحة والمخدرات وحتى المقاتلين.

 

فمنذ أوائل تسعينيات القرن العشرين، برزت غرب ليبيا كواحدة من نقاط الإطلاق الرئيسة لمغادرة القوارب للمهاجرين واللاجئين من بلدان جنوب الصحراء الكبرى الأفريقية إلى أوروبا، وقد عمل القذافي لفترة طويلة بحكم الواقع الجغرافي كحارس لحدود أوروبا، ولم يتردد أبدا في الاستفادة من هذا الدور من أجل الحصول على تنازلات سياسية واقتصادية أكبر من نظرائه على الجانب الآخر من المتوسط.

 

ولكن مصالح إيطاليا في ليبيا لم تقف عند حدود التحكم في الهجرة فحسب، فعلى مدار عقود طويلة، وعلى الرغم من موجات الشد والجذب في العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين، رسخت إيطاليا من نفوذها الاقتصادي في ليبيا بشكل ملحوظ خاصة في مجال الطاقة، وكانت شركة إيني الإيطالية إحدى أولى شركات النفط التي عملت في ليبيا منذ عام 1959، ولم تغادر البلاد حتى حين نبذ الغرب القذافي بسبب ارتباطه بالإرهاب، وقد أعطى ذلك الوضع روما أفضلية نسبية في التفاوض على عقود الطاقة والأسلحة المربحة بعد إعادة تأهيل نظام القذافي.

  

   

في إيطاليا، لا تُعد(10) إيني مجرد شركة تجارية، فالعملاق النفطي -الذي تمتلك الحكومة الإيطالية حصة ذهبية تُقدّر بـ 30% من أسهمه- لطالما عُدّ جزءا من السياسة الخارجية والاستخباراتية للدولة الإيطالية، وكثيرا ما يُنظر إلى إيني على أنها رأس الحربة المفضل لتعزيز المصالح الإيطالية في العالم. لذا، لم يكن من المستغرب أنه وبحلول عام 2011 كانت ليبيا تستأثر بـ 15% من نشاط إنتاج الهيدروكربونات للشركة الإيطالية، التي امتلكت في ذلك التوقيت عددا من أصول الطاقة الرئيسة في ليبيا، بدءا من خط أنابيب "جرين ستريم" في الغرب الليبي والذي يزود إيطاليا بنحو 15% من وارداتها من الغاز الطبيعي، إضافة إلى حصص مربحة في عدد من الامتيازات النفطية مثل حقل "البوري"، وهو أكبر حقل بحري ليبي في البحر الأبيض المتوسط ويقع مباشرة قبالة سواحل طرابلس، وأيضا حقول الوفاء والفيل النفطية في غرب وجنوب غرب ليبيا.

 

ولكن الأمر لم يقتصر(11) على مصالح النفط والطاقة فحسب، فقد كانت إيطاليا أيضا واحدة من أكبر موردي الأسلحة للقذافي منذ رفع الحظر على توريد الأسلحة لليبيا أوروبيًّا عام 2004، وهي خطوة ضغطت إيطاليا نفسها من أجلها أوروبيًّا بقوة، ومنذ ذلك التوقيت وحتى مطلع عام 2011، قدمت إيطاليا ما قيمته نصف مليار دولار من الأسلحة للنظام الليبي، وكانت في صدد التفاوض على عقود عسكرية بقيمة مليار دولار آخر تقريبا قبل بدء التظاهرات، عقود شملت توريد نظام كامل للأمن والتحكم على الحدود مع شركة "فينميكانيما" مقابل 300 مليون دولار، وعقد آخر بقيمة 600 مليون دولار للحصول على سفن من إنتاج شركة "إنتر مارين سبا".

 

بخلاف ذلك، استثمر صندوق الثروة السيادية الليبي في عدد من المؤسسات المالية والصناعية الإيطالية بما في ذلك شركة إيني نفسها وشركة "فينميكانيما" وبنك "يوني كريدت" أكبر البنوك الإيطالية، ونتج عن تلك الاستثمارات شبكة علاقات ضخمة ومتنامية حوّلت إيطاليا إلى أكبر شريك(12) تجاري لطرابلس والسوق الرئيس للصادرات الليبية، حيث كانت روما تشتري ما يقرب من 40٪ من صادرات ليبيا، بينما جاءت ألمانيا في المركز الثاني بحصة 10% فقط، وباعت روما لليبيا نحو 19% من إجمالي وارداتها، ومع مرور الوقت كانت القيمة الإستراتيجية للعلاقة مع ليبيا تزداد ثقلا بالنسبة للإيطاليين، وكان من المتفهم أن اندلاع ثورة ضد القذافي في ليبيا في ذلك التوقيت سوف يضع إيطاليا في موقف مربك تماما.

 

لُعبة فرنسا
القذافي (يمين)  وساركوزي  (رويترز)

   

جاءت التظاهرات التي اندلعت ضد حكم القذافي لتقلب الأمور رأسا على عقب، رغم أنه في الوقت الذي بدا فيه أن إيطاليا كانت تمتلك اليد العليا بوضوح في ليبيا في ذلك التوقيت، لم تكن فرنسا غائبة عن المشهد كليا، حيث امتلكت زمام المبادرة في مجال التسليح على وجه الخصوص، وكانت صاحبة أول صفقة أسلحة بين طرابلس وبلد غربي بعد رفع العقوبات تماما عام 2007، كما تمتع(13) الرئيس الفرنسي الأسبق "نيكولا ساركوزي" بعلاقات جيدة مع طرابلس استخدمها للتوسط لتأمين الإفراج عن خمس ممرضات بلغاريات جرى احتجازهن هناك في العام نفسه.

  

ولكن باريس لم تكن أبدا راضية بالوقوف خلف روما في المركز الثاني في الداخل الليبي، ويبدو أنها وجدت في التظاهرات التي اندلعت ضد القذافي عام 2011 فرصة سانحة(14) لاستعادة القيادة السياسة الأوروبية فيما يتعلق بليبيا، ما دفعها إلى قيادة تدخل حلف "الناتو" الذي أطاح بالقذافي، ورغم أن روما لم تكن راضية عن التدخل فإنها اضطرت للمشاركة في نهاية المطاف سعيا لتأمين نفوذها لدى أي حكومة جديدة في البلاد، لكن ذلك لم يمنعها من إظهار استيائها من استيلاء فرنسا على نفوذها الطبيعي في ليبيا.

 

من جانبه، كان لـ "ساركوزي" أسبابه الخاصة للمغامرة العسكرية، وهي أسباب تتنوع بين الداخلي والخارجي، ففي الشق الداخلي، كان حزب "ساركوزي" -"الاتحاد من أجل الحركة الشعبية"- قد مني بهزيمة كبيرة في الانتخابات المحلية التي جرت قبل أشهر وقتها، بخلاف الانتكاسة القاسية التي منيت بها سياسته الخارجية في تونس أعقاب فشل رهانه على نظام "بن علي" للبقاء، حيث كان التدخل في ليبيا من هذا المنظور شكلا من أشكال التعويض عن آثار معالجة أوروبا الأولية الكارثية للهبة الديمقراطية التي ضربت العالم العربي.

  

  

بالإضافة إلى ذلك، كان "ساركوزي" طامحا لاستغلال زخم الربيع العربي من أجل زيادة حصة بلاده في الكعكة الليبية، فرغم أن فرنسا كانت المصدر الأول للسلاح لنظام القذافي، وعلى الرغم من أن شركات الطاقة الفرنسية الكبرى وعلى رأسها عملاق الطاقة "توتال" كانت حاضرة(15) بقوة في ليبيا القذافي، وسيطرت على 14% من سوق النفط والغاز ما وضعها في المركز الثاني خلف "إيني" الإيطالية، كان "ساركوزي" يراهن أن نظاما جديدا تساعد فرنسا في تثبيته سوف يكون مدينا لباريس بنصيب أكبر من العقود الاقتصادية المربحة وبقدر أكبر من الولاء السياسي.

 

أما على المستوى الخارجي، كان ساركوزي يرغب في قيادة إنجاز خارجي يُعيد لفرنسا شخصيتها القيادية الدولية ويؤكد دورها كقوة أوروبية فاعلة عسكريا، خاصة في ظل الاضطرابات الاقتصادية وأزمة الديون السيادية التي ضربت منطقة اليورو وأبرزت ألمانيا كقوة مستقلة اقتصاديا شرعت في توظيف قوتها المالية لإعادة تشكيل مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وهي المؤسسات نفسها التي صممتها(16) فرنسا خلال حقبة الحرب الباردة وبعدها وهدفت إلى تكريس التفوق الفرنسي في أوروبا، حيث بدا أن فرنسا صارت مضطرة أن تبلع مرارتها وتقبل القيادة الألمانية الجديدة لأوروبا كأمر واقع.

  

كانت فرنسا تتعرض لاختبار لقوتها إذن، ليس خارج نطاق تأثيرها الجغرافي فحسب ولكن في جوارها الأوروبي نفسه، وجاء ذلك متزامنا مع صعود(17) طبقة جديدة من الصقور الفرنسيين للحكم أنهوا حقبة من السياسات غير التدخلية للرئيس الفرنسي "جاك شيراك"، وفي مقدمة هؤلاء كان "ساركوزي" نفسه ووزير دفاعه "جان إيف لودريان"، وكان هؤلاء الصقور أكثر ميلا لتعزيز التدخلات العسكرية في الخارج لحماية المصالح الاقتصادية والأمنية الفرنسية.

  

 واصل لودريان وماكرون تقديم الدعم لـ"حفتر" وميليشياته حتى بعد تمرده على حكومة الوفاق الوطني التي تم تشكيلها برعاية الأمم المتحدة نهاية عام 2015

رويترز
  

لم يكن التدخل في ليبيا بالنسبة للصقور الفرنسيين الجدد أكثر من مغامرة أولى، حيث شهدت الأعوام التالية تدخلات عسكرية لفرنسا في مالي ودول الساحل ووسط أفريقيا، كما ألقت باريس بثقلها خلف العديد من الأنظمة القمعية مثل حكومة "إدريس ديبي" في تشاد وحكومة "ساسو نغيسو" في الكونغو، وطورت علاقات أمنية مع بوركينا فاسو وتشاد ومصر والأردن ومالي وموريتانيا والنيجر، وشاركت بنشاط في التحالف الدولي ضد "تنظيم الدولة الإسلامية"، ووسعت من سياستها لبيع الأسلحة لدول الشرق الأوسط وأفريقيا، غاضة طرفها عن طنطنات أوروبا التقليدية حول الديمقراطية وحقوق الإنسان.

 

سقط القذافي في نهاية المطاف بفعل التدخل الفرنسي-الغربي، وانقسمت ليبيا إلى إدارتين متنافستين عام 2014، واحدة في الغرب في طرابلس، والأخرى في الشرق في طبرق، وكان من الواضح أن باريس قد زرعت معظم أصولها في الشرق والجنوب الليبي منذ الأيام الأولى للانتفاضة الثورية الليبية، تاركة الغرب الذي ظل واقعا تحت سيطرة القذافي والموالين له لفترة طويلة والمكدس بمواقع النفوذ الإيطالية، وقد ظل هذا التقسيم الجغرافي حاكما للتنافس الفرنسي الإيطالي منذ سقوط القذافي وإلى الآن، حيث دعمت باريس حكومة الشرق في طبرق الواقعة تحت هيمنة رجل الميليشيات القوي "خليفة حفتر"، في مواجهة حكومة الغرب في طرابلس كما ذكرنا.

 

واصلت باريس الاستثمار في السياسة ذاتها مع صعود الرئيس الشاب "ماكرون" للسلطة في أبريل/نيسان عام 2016، وإبقائه على مهندس السياسة الليبية "جان إيف لودريان" ولكن هذه المرة في منصب وزير الخارجية، حيث واصل لودريان وماكرون تقديم الدعم لـ "حفتر" وميليشياته حتى بعد تمرده على حكومة الوفاق الوطني التي تم تشكيلها برعاية الأمم المتحدة نهاية عام 2015 ولاقت اعتراف المجتمع الدولي.

 

 

وفي حين تصر باريس علنا على تمسكها باتفاق "الصخيرات" السياسي الذي تشكلت بموجبه حكومة الوفاق وتوصي فقط بتعديله ليصبح أكثر شمولا، فإن سلوكها على الأرض يشير إلى اتجاه معاكس تماما، حيث تواصل احتضان "حفتر" في الوقت الذي تتجاهل فيه الفصائل السياسية في طرابلس ومصراتة، في وقت لا يبدو فيه أن "ماكرون" يمارس فيه أي ضغوط على "حفتر" حين يستقبله كرجل دولة على قدم المساواة مع رئيس الحكومة "فايز السراج" في مناسبتين على الأقل العام الماضي في "لاسيل سان كلو"، ثم في مايو/أيار من العام الحالي في قصر الإليزيه ضمن المؤتمر الدولي حول ليبيا الذي استضافته باريس هذا العام.

 

تستثمر فرنسا في حفتر إذن، وتواصل منحه الشرعية السياسية وتشجع حملته العسكرية المستمرة على الحكومة المعترف بها منذ 40 شهرا، وتستبعد خصومه السياسيين، بل وتقدم له المساعدة العسكرية، فعلى مدار السنوات الثلاث الماضية دعمت فرنسا حفتر بنشر مستشارين وقوات خاصة فرنسية في شرق ليبيا، وقد اعترفت فرنسا علنا بدعمها العسكري في يوليو/تموز 2016 بعد مقتل ثلاثة جنود فرنسيين من القوات الخاصة في تحطم مروحية بالقرب من بنغازي وكشف الأمر من قِبل الصحافة الفرنسية.

 

يأتي هذا التوجه الفرنسي امتدادا لمخاوف باريس الأمنية وتطلعاتها الاقتصادية، ففي الشق الأمني ترى(18) باريس أن الأمن وليس الهجرة هو مشكلة ليبيا الأكثر إلحاحا التي حوّلت البلاد إلى قنطرة للتهريب وأنشطة المسلحين التي تهدد نفوذ فرنسا في ساحل غرب أفريقيا، وتقوي التنظيمات المسلحة في الصحراء الكبرى، وتهدد بانتشار تهديدات أمنية في دول حليفة لفرنسا في الغرب في تونس أو في الجنوب في تشاد والنيجر، وفي هذا الصدد يمكن لجيش يقوده قائد قوي مثل "حفتر" حسب مفهوم باريس أن يخدم مصالحها بشكل أفضل، وعبر الضغط من أجل إجراء الانتخابات في وقت عاجل، وليس آجلا، تراهن باريس على أن زخم انتصارات حفتر الأخيرة ربما تعزز حظوظه في القيادة حال أُجريت الانتخابات سريعا.

  

   

بالإضافة إلى ذلك، تأمل باريس أنه حال نجح حفتر في توحيد ليبيا تحت قيادته، فإن ذلك سيمنح باريس مزايا تفضيلية في عقود التسليح والطاقة المربحة هناك، حيث تسعى فرنسا بنشاط لتحقيق مكاسب تجارية في البلاد، وكان آخر مثال على ذلك حين رفعت "توتال" وجودها بشكل كبير في سوق الطاقة الليبي في فبراير/شباط الماضي بشراء حصة قدرها 16.5% تقريبا في امتياز "الواحة" النفطي من شركة "ماراثون أويل" الأميركية مقابل 450 مليون دولار.

 

على الجانب الآخر، ترفض إيطاليا "حفتر" في إستراتيجيتها الليبية، مع إدراكها علاقته الوثيقة مع فرنسا، وبالمجمل فإن روما بدت أكثر إحجاما في التدخل مقارنة بفرنسا خلال العامين الأولين لعصر ما بعد القذافي، مكتفية برعاية مصالحها بهدوء عبر إقامة علاقات جيدة مع الحكومات المتعاقبة، بداية من الحكومة الانتقالية بقيادة "عبد الرحيم الكيب"، مرورا بحكومات "علي زيدان" و"عبد الله الثني" بهدف إحياء معاهدة 2008 التي أُبرمت مع القذافي، لكن صعود الحكومة اليسارية بقيادة "ماتيو رينزي" عام 2014 دفع روما نحو سياسة أكثر تدخلا للدفاع عن مصالحها الأعمق، وفي مقدمتها إدارة تدفقات الهجرة ودعم شركة إيني للحفاظ على مكانتها في البلاد، وقد حافظت روما على المعالم الرئيسة لتلك السياسة رغم تعاقب حكومتين جديدتين بعد رحيل حكومة "رينزي".

 

ومن أجل تحقيق هذه الأهداف، نوعت(19) روما من أشكال وجودها في ليبيا، بداية من بعثتها الطبية العسكرية في مصراتة، مرورا بنشاط القوات الخاصة التي عملت في طرابلس بشكل منتظم، ووصولا إلى نشاط وكالة الاستخبارات والأمن الإيطالية الخارجية التي جنّدت بهدوء شبكة واسعة من العملاء والمستفيدين في جميع أنحاء البلاد، وعلى خلاف فرنسا ركزت إيطاليا أنشطتها بشكل واضح في شمال وغرب ليبيا، حيث رأت روما أن أهدافها هي أولويات تتطلب علاقات أوثق مع الغرب الليبي.

 

ونتيجة لذلك، انخرطت روما بشكل ملحوظ في الغرب، فأعادت فتح سفارتها في طرابلس مطلع العام الماضي، ووقع رئيس وزرائها السابق "باولو جينتليوني" مذكرة تفاهم مع حكومة الوفاق تتعلق بأمن الحدود ووقف تدفقات الهجرة غير الشرعية، وتعهدت(20) بتقديم الدعم التقني والفني لشرطة الحدودد الليبية وقوات خفر السواحل، غير أن إستراتيجية إيطاليا لم تكتف باحتضان حكومة الوفاق المعترف بهاا دوليًّا فقط، ولكنها اعترفت أيضا بالميليشيات المسلحة والفصائل القبلية والبلديات كشركاء ومحاورين شرعيين في إدارة أزمة الهجرة.

 

     

   

وكمثال على ذلك، توسطت الاستخبارات الإيطالية في اتفاق للسيطرة على تدفقات الهجرة مع ميليشيات "أنس دباشي" المعروفة باسم "العمو"، وميليشيات اللواء "48"، وهما من أقوى الميليشيات الموالية لحكومة "السراج" في مدينة صبراتة، مقابل مبالغ غير محددة من المال، ولم تجد(21) روما غضاضة في الاعتراف بالدور السياسي للقبائل حين دعت 60 من زعمائهم للقاء في روما في أبريل/نيسان العام الماضي، زعماء كان من بينهم ممثلون عن قبائل "الطوارق" في الجنوب الغربي، وقبائل "التوبو" في الجنوب الشرقي، وعشائر "أولاد سليمان" في "فزان"، كما استضافت وزارة الداخلية الإيطالية عشرة من رؤساء البلديات، حيث تم توقيع اتفاقية لتسوية النزاعات ومحاولة خفض الهجرة غير الشرعية في فبراير/شباط من العام نفسه أيضا.

 

ومن الناحية الاقتصادية، تتركز(22) معظم علاقات إيطاليا الاقتصادية في الغرب "طرابلس ومصراتة" رغم أن مصالحها الطاقوية تنتشر في جميع أنحاء البلاد، وعلى رأسها خط أنابيب "الدفق الأخضر"، ومجمع ميليتا للنفط والغاز في مدينة "صبراتة"، وهي مصالح ترى روما أنها مهددة من قِبل حفتر وحلفائه الذين يسعون إلى إضعاف شركة النفط الوطنية التي تتخذ من طرابلس مقرا لها، وإنشاء شركة نفط خاصة بهم من المرجح أن تكون على صلات أوثق بالشركات الفرنسية والروسية.

 

ومع تركز كل مصالح إيطاليا في الغرب الليبي، لا يبدو أن روما تملك خيارا آخر غير الحفاظ على روابط مع ميليشيات طرابلس ومصراتة والرهان على حكومة فايز السراج المعترف بها دوليا، والتعامل بحذر مع حفتر، وفي ضوء ذلك فإن الانتخابات المبكرة التي تدعو لها فرنسا من أجل تمكين حفتر تهدد بتقويض نفوذ روما في الغرب، والأخطر من ذلك أنها يمكن أن تدفع(23) الغرب الليبي بالكامل إلى تمرد عنيف بإمكانه أن يقوض جميع مصالح إيطاليا.

 

في ضوء ذلك، يبدو الصراع بين إيطاليا وفرنسا حول ليبيا مرشحا للاستمرار إلى جولات جديدة، في ضوء حرب جيوسياسية مستعرة بين القوتين الأوروبيتين، حيث ستواصل فرنسا دعمها لحفتر ودفع أجندتها الخاصة للانتخابات المبكرة في ليبيا في غياب أي دستور أو مؤسسات ديمقراطية، فيما ستواصل إيطاليا استماتتها في الدفاع عن أصولها الاقتصادية ودعم حلفائها في الغرب الليبي، خاصة وأن أولئك الحلفاء ليس لديهم ما يربحونه في السيناريو الفرنسي، فيما سيستمر الليبيون في صراعاتهم ومعاناتهم في وقت تصبح فيه بلادهم أبعد عن الوحدة والاستقرار من أي وقت مضى، وأقرب ما تكون لساحة صراع استعماري لا ينتهي.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار