انضم إلينا
اغلاق
تاريخ من الصراع والدماء.. هكذا تشكلت الطائفية في لبنان

تاريخ من الصراع والدماء.. هكذا تشكلت الطائفية في لبنان

E-International Relations

موقع أكاديمي سياسي
  • ض
  • ض

في عام 1975، دشن لبنان حرب تدمير ذاتي؛ تشير التقديرات إلى أن 120.000 قتيل قد تم الإبلاغ عنهم نتيجة للحرب الأهلية وفقاً لكتاب حقائق العالم (نسخة عام 2016) الصادر عن وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، إضافة إلى الأعداد التي تسببت بها الحملات العسكرية الإسرائيلية في الثمانينات ضد "الأعمال الإرهابية" [حسب ادعاء قوات الاحتلال الإسرائيلي] التي ارتكبتها منظمة حزب الله. كان الانقسام الطائفي عائقاً رئيسياً في البلاد، مما أدى إلى حرب أهلية دامت 15 عاماً. يعرّف ماكس فايس الطائفية بأنها ممارسة مستمرة من "العادات الاجتماعية والثقافية والسياسية والفكرية" التي تُفرَض أنشطتها إما لشمل أو استبعاد مجموعة معينة أو طائفة معينة من السكان، في كثير من الأحيان عن طريق التمييز العنصري العنيف والتخاصم على الموارد داخل إقليم معين.

    

   

كيف تصاعد التقسيم إلى نزاع عنيف خلال الفترة ما بين 1975-1990؟

 تم تقسيم لبنان تاريخياً إلى عدة طوائف دينية، بما في ذلك الموارنة والكنيسة الأرثوذكسية اليونانية والروم الكاثوليك والدروز والمسلمون السنة والشيعة. أُسنِد إلى مختلف الطوائف حقوق وصلاحيات دستورية مختلفة داخل الهيئات التي تديرها الدولة منذ عام 1926، عندما منحت فرنسا الاستقلال لانتدابها اللبناني. على سبيل المثال، الرئيس هو مسيحي ماروني، ورئيس الوزراء مسلم سني حتى اليوم، على الرغم من تغيير التركيبة السكانية التي قد تسببت في التحول في عدد السكان في كل مجموعة دينية.

  

 لم يتم تناول هذه التركيبة السكانية المتغيرة بالشكل المناسب في لبنان، حيث يحتفظ لبنان بدستوره في الوقت الحاضر مما يغذي الطائفية. تُظهر مقالة لكمال صليبي كيف أن المسيحيين -على سبيل المثال- كانوا خائفين من الإشارة إلى هذا التغيير في التركيبة السكانية، حيث يمكن أن يقوّض ذلك شرعيتهم في حكم الدولة.

  

قد يجادل بعض الباحثين بأن هذا يرجع إلى الطبيعة "البدائية" للهوية والانتماء العرقي المتأصلة تاريخياً في المجتمع، [ويُقصد في البدائية الحجة التي تدّعي أن الأمم هي ظواهر قديمة وطبيعية]، في حين يرى آخرون أن الطائفية التي يحركها الانتماء العرقي هي عنصر أكثر حداثة.

 

في تعريف ما تعنيه هذه النُهج، أؤيد [كاتب المقال بيتروس بتريكوس] مزيجا من خصائص الذرائعية* وما بعد الثقافية، مجادلاً أن الهوية ليست عميقة الجذور؛ بل إنها عنصر متغير آخذ في التطور في السياسة، حيث يجري تشكيلها وإعادة بنائها باستمرار. إذاً، فإن السياسات الأولية والهوية في الواقع مضللة وتغذي الطائفية في لبنان ما بعد الحرب. ولتوضيح ذلك بفعالية، سأقوم أولاً بفحص النقاش النظري حول العرقية داخل الطائفية. هذا سوف يساعد في تناول الصراع في لبنان من خلال نطاق نظري. ثم سيتم دراسة الحرب الأهلية والتي تبين كيف ساعدت الجهات الأجنبية والعقبات الاستعمارية في إحداث تغيير في الهوية وإثارة الصراع. وأخيراً، سأختتم بمعاينة ما إذا كان يمكن التغلب على الانقسام الطائفي بالتركيز على تقوية وتشكيل الهوية الوطنية اللبنانية والوحدة الوطنية.

    

   

النقاش النظري

 في حين أن "الانتماء العرقي" أو "العرقية" كمصطلح مشتق أصلاً من الكلمة الإغريقية ethnos (الأمة أو العرق)، قد ارتبط مع أولئك الذين يتشاركون في الخصائص الثقافية أو البيولوجية المشتركة و "يعيشون ويعملون معاً بانسجام وعلى نحو متضافر" حسب تعريف جون هاتشينسون وأنثوني سميث. يستخدم ماكس فيبر مصطلح "المجموعات العرقية" للإشارة لأولئك الذين يتشاركون في تراث مشترك حيث لديهم نفس التجارب التاريخية في المجتمع لكن لا يشترط تشاركهم رابطة الدم؛ أما أولئك الذين يشتركون في "عضوية عرقية" فإنهم الذين يشاركون في "تكوين المجموعة" وظهور مجتمع عرقي قائم على أساس سياسي وليس قائماً على أيديولوجية ما، على عكس المجموعة الأولى.

 

ومع أخذ ذلك في الاعتبار، دار النقاش الأكاديمي حول هذه المسألة العرقية ذاتها: هل هي جزء لا يتجزأ من هويتنا أم أنها مقوم اجتماعي لأغراض سياسية؟ يرى ميلتون إسمان أن جوهر التقارير البدائية متجذّر في الافتراض بأن الانتماء العرقي بشكل عام -بما في ذلك الهوية العرقية والصراع والتضامن- عبارة عن عناصر تاريخية متأصلة في مجتمع أو مجموعة ولا يمكن تغييرها أو فصلها عن الطبيعة البشرية نفسها. في الوقت ذاته، يمكن توظيف العرقية كأداة وطنية لتوحيد وقيادة الناس في مجتمع أكبر، إلى جانب الهوية المشتركة واللغة والدين والتقاليد والقيم التي قد تشكل في كثير من الأحيان عقبات في تعزيز التطور والتحول الاجتماعي عند مواجهة الأقليات العرقية ضمن سكان البلد وهو ما أشار له كليفورد غيرتز.

 

من خلال استخدام الهند كمثال، يصف غيرتز هذا الأمر بأنه عائق أساسي أمام الدول الحديثة، حيث لا يمكن كسر الروابط البدائية بسهولة إذ تلجأ الجماعات في كثير من الأحيان إلى العنف للحفاظ على تلك العلاقات. حتى النُهج الأكثر سلمية في تناول العرقية -مثل "التضامن العرقي" الذي يهدف إلى الحفاظ على الوحدة- يمكن تسييسها وبالتالي المساهمة في الصراع حيث يتم الحصول على الوحدة على حساب أولئك الذين لا يمكن أن يكونوا جزءاً من هذا التضامن. تجادل المدرسة البدائية بأنه طالما تم الحفاظ على العلاقات التاريخية، لا يمكن التغلب على الصراع. كما يشير جيرتز إلى أن العناصر البدائية تتم ملاحظتها في المناطق التي لا توجد بها أي اختلافات لغوية، كما هو الحال في لبنان.

  

من ناحية أخرى، تشير النُهج الحداثية إلى نمط من التغيير في طبيعة العرقية وصلتها بالطائفية. توضح لين همبل أن الذرائعية تُستمَد من مفهوم المنهج البنائي للعلاقات الدولية** حيث يمكن أن تخضع العرقية -والهوية لهذه المسألة- للتغيير باستمرار: العرقية -مثلها مثل الهوية- هي أيضاً بناء اجتماعي يتشكل استجابة للظروف المتغيرة. ويصور ألكسندر فيندت هذا في مثاله في الصراع العربي-الإسرائيلي، حيث تم تحديد أن الهوية هي عنصر قوي لن يسمح لأي من الطرفين بالتراجع، حتى لو رغبوا بذلك؛ فهناك رغبة قوية للحفاظ على هذه الهوية.

   

   

توضح إيف بانيت أن النهج ما بعد الثقافي للحداثة قد قدّم مساهمة فوكوية*** ناقدة للجانب الحداثي في آن واحد. "ما بعد الثقافية" هو نموذج سلوكي يدل على التشابه في المجتمع مصحوباً بأنماط التكرار والتغيير حيث لا يمكن تكرار أي نشاط على الفور في أي منطقة معينة. وفقاً لهذا الإطار، لا يؤدي الفهم البدائي إلا إلى تأجيج التوتر والتعمد حتى في مهاجمة الكيانات التي قد تعمل كوسطاء محايدين؛ إنه واضح بشكل خاص في لبنان حيث ينقسم المجتمع اللبناني إلى طوائف مختلفة، مما يجعل الأمر أكثر صعوبة على المواطنين تغيير وضعهم الحالي مقابل نظام طائفي سياسي واقتصادي قائم على أيديولوجيات والذي يقوم بتقسيم الهوية الوطنية وتجزئتها. ومع ذلك، فإن العناصر المستمدة من هذا النهج تركز بشكل صارم على الهوية تماماً كما تفعل الذرائعية. من أجل فهم الكيفية التي ترتبط بها الطائفية والعرقية بطبيعتها، يجب استخدام كل من النهجين ضد الافتراضات المحدودة للبدائية.

  

الصراع خلال 1975-1978

تُعرِّف ميلاني كاميت الحرب الأهلية على أنها نتيجة انفجار تراكُم القيود الاستعمارية والحكم غير المباشر الذي شدد على بعض الهويات السياسية والدينية على غيرها. كما ذكرنا سابقاً، قام الحكام الاستعماريون الفرنسيون بصياغة دستور يؤيد طوائف مختلفة على الأخرى، مع طموحات إنشاء "لبنان الكبير" في بلاد الشام -والتي تضمنت أراضي من سوريا، حيث كان الفرنسيون يتمتعون بنفوذ هناك أيضاً- مع غالبية مسيحية. ومن شأن هذه المحسوبية أن تضمن استمرار نفوذ ومصالح الأوروبيين -فرنسا على وجه الخصوص- من حيث النفوذ التجاري والسياسي والدولي، وذلك بسبب حقيقة أن المجتمع الأكثر تجزؤاً هو أكثر عرضة للتدخل. كان المنتج النهائي "طائفية بين الطوائف" أنفسهم كما وصفها فايس.

  

ومن الجدير بالذكر أنه على الرغم من هذه المحسوبية، لم يتم وضع ديانة للدولة في الدستور على عكس الدول العربية الأخرى؛ هذه الطائفية المفروضة لا تدور حول الدين فقط. في حالة لبنان، يمكن أن تصل الطائفية إلى مستويات سياسية وقانونية وثقافية، كما هو واضح في تنوع لبنان ما بعد الاستعمار وضعفها من حيث الهوية الوطنية، ببساطة بسبب تضامن مجتمعي قوي في بعض الطوائف مقابل عدم الالتزام تجاه "الدولة القومية". ومن المهم إدراك ذلك لأن هذا التركيز على طائفة دينية واحدة قد تخطى ذلك إلى أشكال طائفية أخرى متطورة، مما يساعدنا على تحديد جذور الحرب الأهلية.

  

بالإضافة إلى ذلك، من المهم فهم الجهات الفاعلة قبل الحرب وخلالها. عند تشكيل الجمهورية العربية المتحدة (وهو الاسم الرسمي للوحدة بين مصر وسوريا) في عام 1958، أرادت العناصر الدرزية والسنية الانضمام إلى الجمهورية سعياً وراء الطموحات القومية العربية التي وضعها جمال عبد الناصر، بينما عارض المسيحيون والرئيس كميل شمعون ذلك وتلقوا المساعدة من سلاح مشاة البحرية الأمريكية لإعادة الوضع القائم. سرعان ما جرَّت مشاركة الجهات الأجنبية في لبنان  المُجزَأ إلى صراع مع الاحتلال الاسرائيلي. مرة أخرى، سيؤيّد السنة والدروز منظمة التحرير الفلسطينية من خلال فصيلها اللبناني "الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين" ضد الاحتلال الاسرائيلي، لكن قوبل ذلك بمعارضة من قبل المسيحيين والشيعة. ونتيجة لذلك، استخدم المسيحيون الموارنة التنظيم شبه العسكري المعروف باسم حزب الكتائب اللبنانية (Phalange) والذي ساعد في اندلاع الحرب الأهلية في عام 1975 من خلال هجمات ضد فصيل منظمة التحرير الفلسطينية، وقد رعت هذه الهجمات وكالة المخابرات المركزية (CIA) بعد أن سلمت الأسلحة إلى حزب الكتائب اللبنانية في أوائل السبعينيات من القرن العشرين. كانت رسالة حزب الكتائب اللبنانية المتناقضة هي استبعاد النفوذ العربي والسوري في لبنان، لكنها قبلت التدخل السوري في عام 1976. وفي الوقت نفسه، هاجم حزب الكتائب اللبنانية ميليشيات مسيحية أخرى -مثل طوني فرنجية وهو سياسي بارز أسس "مليشيا المردة"- مما يدل على أن الصراع كان خارج القضايا الدينية والذي يدعم مفهوم أن الطائفية لها أشكال مختلفة.

    

   

ومع ذلك، فعلى الرغم من أن حزب الكتائب اللبنانية سمح لسوريا بالتدخل في عام 1976، فقد دعمت عملية "الليطاني" الإسرائيلية [أو حرب جنوب لبنان 1978 وهو اسم الحملة العسكرية التي قام بها جيش الاحتلال الإسرائيلي على جنوب لبنان واحتلّ خلالها الأراضي اللبنانية حتى نهر الليطاني] بهدف القضاء على عناصر منظمة التحرير. يؤكد هذا الأمر شيئين: أولاً وقبل كل شيء، تم الحفاظ على الطائفية بسبب افتراضات "الجذور التاريخية"، ومع ذلك لم يكن الأمر مجرد تقسيم ديني لأن مشاركة الجهات الفاعلة المتعددة تظهر أن البراغماتية [والتي تقوم على أن الأثر العملي هو المُحدِّد الأساسي في صدق المعرفة وصحة الاعتقاد بالحياة الاجتماعية للناس] غالباً ما تسود لتحقيق مكاسب سياسية إضافية؛ وثانياً، تُظهر هوية وسلوك الجهات الفاعلة المحلية انقسام المجتمع اللبناني، إضافة إلى نمط التغيير الآخذ في التطور والتغيّر، حيث تتشكل مصالح الجهات الفاعلة باستمرار. يؤكد هذا مدى ضعف الدولة اللبنانية، وكذلك يوضح أن التقارير البدائية أقل شأناً من التحليلات الذرائعية وما بعد الثقافية.

  

الصراع خلال 1978-1982

مع غزو الاحتلال الاسرائيلي، تم نشر قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل/UNIFIL) لضمان إجلاء قوات الاحتلال الاسرائيلي الغازية واستعادة السلام والأمن في المنطقة، ولكن بحلول عام 1980، تمكن فصيل منظمة التحرير الفلسطينية من تأكيد وجوده والتسلل إلى المناطق التي تسيطر عليها اليونيفيل. وفي الوقت نفسه، قصفت القوات السورية ومنظمة التحرير الفلسطينية حزب الكتائب اللبنانية وكتائب الاحتلال الاسرائيلي، مع تصاعد التوتر بحلول عام 1982. كانت تحركات سورية مدعومة من قبل الطائفة الشيعية في لبنان، في محاولة للتخلص من "التهميش السياسي والثقافي".

 

أدت هذه الأحداث المستمرة -بالإضافة إلى محاولة اغتيال سفير إسرائيل في لندن من قبل منظمة أبو نضال الفلسطينية- إلى غزو إسرائيلي ثانٍ. ونتيجة لذلك، دخل لبنان حالة حرب في الفترة 1983-1990، حيث قادت القوات الخارجية المشهد. أطلقت الولايات المتحدة خطتها الخاصة بالمنطقة "خطة ريغان" -أو كما يطلق عليها " مبادرة سلام أمريكية لشعوب الشرق الأوسط"- ودعت الخطة "إسرائيل" إلى وقف بناء المستوطنات في الضفة الغربية، وكذلك طالبت بالاعتراف العربي بـ "دولة إسرائيل". أدى التهميش السياسي المستمر والإقصاء الاقتصادي للمجتمع الشيعي إلى تغذية المتطرفين من الشيعة وأدى إلى ظهور عناصر جديدة وهي منظمة حزب الله المؤيدة لإيران وهو ما ذكره العديد من المؤرخين والمحللين بما فيهم جون لافين وماكس فايس وباسل صلوخ. وقد تم ضمان موقفها المؤيد لإيران بسبب الدعم المقدم من طهران، لكن لم يكن بوسع الدولة السيطرة على جميع جوانب المنظمة. ولذلك، فإن تورط القوى الفاعلة من غير الدول وزيادة صلاحيتها تؤكد أنها ميراث للطائفية الاستعمارية  متحولة عن الصراع التقليدي بين الدول.

  

أدى التدخل الخارجي المستمر، وكذلك التحديات الداخلية من عام 1983 فصاعداً إلى تحويل الدولة اللبنانية. مع وجود العديد من الكيانات التي انخرطت في الحرب الأهلية، فقدت الدولة احتكار الدولة للعنف المشروع. بحلول عام 1984، كان الجيش الذي تسيطر عليه الحكومة عاجزاً، في حين تم قتل الرئيس المنتخب ودمر حزب الله السفارة الأمريكية في بيروت عام 1983، فشلت الانتخابات في انتخاب رئيس دولة في عام 1988، وأدت إلى حدوث تنافس سياسي في مناطق أخرى. كان الرد على عدم الاستقرار هو "اتفاق الطائف" لعام 1989، الذي دخل حيز التنفيذ في عام 1990. كانت هذه الوثيقة أكثر من مجرد استجابة للتنافس السياسي؛ فقد دعت إلى إعادة هيكلة الطائفية في لبنان بمشاركة دولية. تم الإبقاء على الرئيس الماروني  لكنه خضع لحق نقض "فيتو" سُنِّي، وكان على مجلس النواب أن ينقسم بالتساوي بين المسلمين والمسيحيين. كانت هذه محاولة للتأكيد على هوية عربية موحدة، لكن كل ما حققته بالفعل هو ضمان الهيمنة الأجنبية في لبنان. على سبيل المثال، تم إعطاء سوريا "علاقة خاصة" مع لبنان وتم السماح لها بالتدخل في مسائل الأمن القومي.

   

   

لبنان بعد الحرب: الانقسام الطائفي

بعد انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية في عام 1990، احتفظت قوات الاحتلال الاسرائيلي بتواجدها في "منطقة أمنية" في جنوب لبنان في حجة ضمان عدم وجود المزيد من العدوان من منظمة التحرير الفلسطينية، في حين أن سوريا -في الوقت ذاته- دافعت عن وجود عسكري إضافي بسبب الإسرائيليين. وفي آن معاً رفض مسؤولو حزب الله الاعتراف بالاتفاق بسبب العدوان الإسرائيلي المحتمل.

 

علاوة على ذلك تم خرق الاتفاقية وقت قصير من التوصل إلى وقف إطلاق النار، حيث انتهك الماروني ميشال عون وقف إطلاق النار بحثاً عن اللجوء في السفارة الفرنسية في أكتوبر. وقد أظهر ذلك أنه يجب قمع العناصر المتطرفة من أجل دعم اتفاق الطائف الجديد. كان لابد من بذل كل المحاولات لضمان بعض الاستقرار؛ كان اتفاق الطائف محاولة للقضاء على هذه العناصر من الفكر البدائي وخلق هوية وطنية موحدة. مع ذلك فإن المجتمع اللبناني منقسم حتى يومنا هذا بسبب الطائفية. لمدة سنتين ونصف، بقي اللبنانيون بدون رئيس دولة ، حتى تشرين الأول/أكتوبر 2016، عندما صوّت البرلمان على ميشال عون. هذه العودة لعون جلبت معها الشكوك: الجنرال السابق المنفي أصبح رئيس لبنان. ومع ذلك، يدل هذا فقط على الهويات المتغيرة باستمرار.

 

قدمت هذه الورقة نقاشاً ضد البدائية رابطة بين المحسوبية الطائفية بالاستعمار. تميل الجماعات إلى عدم القدرة على تجاوز مجتمعها المنقسم  إلى جانب سياسة الهوية التي تشجع الانقسام الطائفي بسبب الإيمان بالأصول البدائية والروابط التاريخية. ومع ذلك، فإن الرواية التاريخية المقدمة تبين أنه في العديد من الحالات، تجاوزت الطائفية مجرد العناصر الدينية وتغذت في الواقع على سياسات الهوية. هناك حاجة إلى هوية موحدة في لبنان لضمان استمرار الاستقرار. يضع كل من الفكر الذرائعي والفكر ما بعد الثقافي اللوم على الهوية الوطنية، مقابل فشل التقارير البدائية في إدراك ذلك. ربما لم يكن اتفاق الطائف مثالياً، ولكنه كان بمثابة نقطة انطلاق لمواصلة تعزيز البقايا الاستعمارية التي تغذي الطائفية في لبنان. إذن على صانعي السياسات التركيز على الحفاظ على الهوية اللبنانية القوية من خلال التغلب على سياسة الهوية خطوة بخطوة.

--------------------------------------------------------------

هوامش

*الذرائعية (Instrumentalism): مذهب مثالي ذاتي للفيلسوف الأمريكي جون ديوي وأتباعه، وهو نوع من الذرائعية البراغماتية، وملخصه أن المعرفة أداة للعمل ووسيلة للتجربة.

** المنهج البنائي (أو البنائية) في العلاقات الدولية: هي الادعاء بأن جوانب هامة من العلاقات الدولية مبنية تاريخياً واجتماعياً، بدلا من كونها عواقب لا مفر منها للطبيعة البشرية أو الخصائص الأساسية الأخرى للسياسة العالمية.

*** فوكوية: نسبة إلى الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو الذي تأثر بالبنيويين وابتكر مصطلح "أركيولوجية المعرفة". تُوصف أعمال فوكو من قبل النقاد بأنها تنتمي إلى "ما بعد الحداثة" أو "ما بعد البنيوية".

--------------------------------------------------------------

ترجمة (آلاء أبو رميلة)

هذا التقرير مترجم عن: E-International Relations ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان

تقارير متصدرة


آخر الأخبار