انضم إلينا
اغلاق
العسكري ضد التاجر.. هذه الأسباب التي فجرت الخلاف بين ترامب وماتيس

العسكري ضد التاجر.. هذه الأسباب التي فجرت الخلاف بين ترامب وماتيس

The Atlantic

مجلة أميركية
  • ض
  • ض

استقال وزير الدفاع جيمس ماتيس، أعلى مسؤول في الإدارة الأميركية، من منصبه بسبب خلافات مبدئية مع الرئيس دونالد ترامب بخصوص أمور متعلقة بالسياسة الأميركية في الخارج.  في رسالة الاستقالة، أشار ماتيس إلى مجموعة من الخلافات التي جمعته وترامب، موضحا أن الرئيس يستحق أن يكون لديه وزير دفاع ينسجم مع رؤيته. وأشار ماتيس إلى أهمية التحالفات والشراكات الدولية، وضرورة تقييد نفوذ روسيا، والحفاظ على الوجود العسكري الأميركي في الخارج. وعلى خلاف رسائل الاستقالة التقليدية التي تتضمن عادة عبارات تملق للرئيس وتتجنب المواجهة المباشرة، حوت رسالة ماتيس توبيخا لاذعا لترامب.

 

وكتب ماتيس في رسالته: "يجب علينا أن نتحلى بالحزم والوضوح في سياستنا تجاه البلدان التي تتعارض مصالحها الإستراتيجية مع مصالحنا. من الواضح أن الصين وروسيا مثلا ترغبان في صنع عالم يتناغم مع نموذجهما الاستبدادي؛ عالم يكتسبان فيه الحق المطلق في تقرير الشؤون الاقتصادية والدبلوماسية والأمنية للدول الأخرى وفق مصالحهما على حساب جيرانهما، وعلى حساب أميركا وحلفائنا".

 

جاء خبر الاستقالة بعد يوم واحد من تصريح ترامب بأن القوات الأميركية ستغادر سوريا، على الرغم من معرفته بأن البنتاغون يعارض مثل هذه الخطوة. أعلن الرئيس خبر استقالة ماتيس في تغريدة له، قال فيها: "سيتقاعد الجنرال جيم ماتيس في نهاية شهر (فبراير/شباط)، بعد أن خدم في إدارتي وزيرا للدفاع خلال العامين الماضيين"، وكتب ترامب موضحا: "سيتم تعيين وزير دفاع جديد في وقت قريب. وبهذه المناسبة أتوجه بالشكر الجزيل إلى جيم على الخدمات التي قدمها لإدارتي!".

 

     

أصبح السؤال الذي يواجه الآن كلًّا من القادة الأميركيين والأجانب جليًّا، من سيكبح جماح ترامب الآن؟ كان ماتيس من بين المسؤولين القلائل المتبقين الذين كان بوسعهم -على ما يبدو- ليّ ذراع الرئيس، لمنعه من اتخاذ قرارات متهورة تفتقر إلى الهدوء والحكمة. قال مسؤول أمني أميركي كبير يوم الخميس، اشترط عدم الكشف عن هويته من أجل التحدث بحرية: "ماتس هو آخر كابح كان يقيد حركة الرئيس الذي اعتاد اتخاذ قرارات مصيرية، بناء على مزاجه، دون قراءة أو مناقشة أو تفكير في تبعات مخاطر قراراته. لعله من ألطاف القدر أن هذا الرئيس لم يواجه حتى الآن أزمة كبيرة تهدد الأمن القومي، لكن الأمر مسألة وقت ليس إلا، وعندما يحدث ذلك، سندفع ثمنا باهظا".

 

رغم التغييرات الكبيرة التي شهدتها إدارة ترامب، لم نشهد سوى عدد قليل من الاستقالات مبني على أسباب مبدئية، رغم ابتعاد ترامب المتكرر عن الأعراف المعمول بها في تسيير الحكم، ونادرا جدا أيضا أن استقال مسؤولون كبار في أي إدارة أميركية تعبيرا عن احتجاجهم. وشاعت تكهنات متزايدة تفيد بأن ماتيس قد يغادر البنتاغون احتجاجا على بعض تصرفات ترامب السابقة، وكان المستشار الاقتصادي غاري كوهن قد استقال بسبب خلافاته مع ترامب حول التعريفات الجمركية.

 

تضع استقالة ماتيس نهاية لأغرب مسؤول في محيط ترامب الضيق. كان ماتيس جسما غريبا دائما، فمن الناحية الجغرافية، ينتمي ماتيس إلى الساحل الغربي، خلاف باقي أعضاء الفريق الذين ينحدر معظمهم من الساحل الشرقي، وهو من قدامى المحاربين مقابل أغلبية من المدنيين، وزاهد بين مسرفين، ورجل يؤمن بنظام المؤسسات وسط عدميين، وهو موظف حكومي تسلق الدرجات على مدار حياته المهنية، عكس أفراد الفريق الآخرين من المتسلقين السياسيين ورجال الأعمال، وأخيرا رجل حكيم يخدم رئيسا ثرثارا.

 

ومع ذلك، كانت فترة تولي ماتيس لمنصبه هي الأكثر نجاحا واستقرارا من بين كل مسؤولي إدارة ترامب الآخرين، وتمكّن إلى حد بعيد من البقاء دون أن يتلوث سجله بفعل الخلل الوظيفي الذي تميزت به الإدارة، والذي تسبب في تشويه سمعة العديد من المساعدين. قد يكون ماتيس هو المسؤول الكبير الوحيد الذي نال سمعة جيدة. ومع ذلك، فإن الفوضى العارمة التي تميزت بها إدارة ترامب، وخلافه في الرأي مع الرئيس، كانا السبب في حصر إنجازات ماتيس في حماية الوضع الراهن، وقد قضى فترة ولايته على رأس وزارة الدفاع في موقف دفاعي.

 

    

تقاعد ماتيس من حياته المهنية في صفوف المشاة البحرية (المارينز) بعد وصوله إلى أعلى الرتب المرموقة –وتُوّجت مسيرته بتعيينه على رأس القيادة المركزية- في عام 2013، لكن تم استدعاؤه من تقاعده للانضمام إلى إدارة ترامب في أواخر عام 2016. بعد رفض العديد من مرشحي الحكومة التقليديين عروض الرئيس المنتخب، تحوّل ترامب باتجاه القادة العسكريين السابقين والحاليين، بمن فيهم ماتيس وجون كيلي ومايكل فلين، ودعوتهم للانضمام إلى فريقه. بالنسبة لحالة ماتيس، طلب ترامب تنازلا من الكونغرس ليتولى مسؤولية البنتاغون نظرا لعدم إكماله فترة التقاعد المحددة بسبع سنوات حدا أدنى.

 

كان ترامب منجذبا إلى ماتيس، والذي كان سجله زاخرا بكثير الاقتباسات المتنوعة والمثيرة من قبيل: "لقد جئت في سلام. لم أحضر معي المدفعية. لكني أتوسل إليكم والدموع تملأ عيني، إن عبثتم معي، فسأقتلكم جميعا". وكان يحمل لقبا متميزا هو "Mad Dog" أي الكلب المجنون، استعمله ترامب طيلة شهور قبل أن يوضح له ماتيس بأنه يمقت ذلك اللقب.

 

ومن بين الألقاب الأخرى لماتيس "The Warrior Monk" (الراهب المحارب)، وفي إدارة ترامب، كان ماتيس الراهب هو المسيطر، وليس ماتيس العسكري. وكانت المواجهة بين البنتاغون والبيت الأبيض أمرا لا مفر منه في تلك الحالة. وبحسب ما أوردته بعض المصادر، فقد تمسك ماتيس بوظيفته بدافع الشعور بالواجب على أمل أن يجنّب وجوده وقوع كارثة ونشوب حرب.

 

شكّلت مسألة الناتو أبرز مثال على هذا التوتر. رغم مسيرة ماتيس العسكرية الطويلة، فإنه كان يتميز بإيمان راسخ بالنهج الدبلوماسي، فقد صرح أمام الكونغرس في عام 2013 قائلا: "إذا لم تموّلوا وزارة الخارجية تمويلا كاملا، سأكون في حاجة إلى شراء المزيد من الذخيرة في نهاية المطاف". لكن ترامب لم يتمتع سوى بفهم قليل تجاه هذا الحلف وفوائده. ووفقا لما ورد في كتاب بوب وودورد بعنوان "Fear"، انضم ماتيس إلى العديد من المستشارين الآخرين في فبراير/شباط 2017 لإقناع الرئيس بأهمية هذا التحالف.

 

    

قال ماتيس وفقا لوودورد: "لو لم يكن لدينا حلف شمال الأطلسي، لوجب علينا اختراعه. لا يمكن لروسيا أن تكسب الحرب لو غامَرَت بمواجهة الناتو". و يبدو أن ترامب اقتنع بالأمر بحسب وودورد. عندها توّجه إلى ماتيس قائلا: "يمكنك الحصول على الناتو. سوف تدعم الإدارة هذا التحالف، لكنك ستصبح في هذه الحالة مُحصِّل الإيجار".

 

أصبح ماتيس بالفعل بمنزلة سفير إلى دول أوروبا مع قيامه مرارا وتكرارا بدور المطمئن للحلفاء على ثبات أميركا ووفائها بالتزاماتها، وهذا إلى جانب سعيه لتنظيف آثار العلاقة الحميمية بين ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وفي أماكن أخرى من العالم، مارس ماتيس تأثيرا كابحا مماثلا على ترامب. وعمل مع رفقة مساعدين آخرين في محاولتهم لإقناع ترامب بعدم إنهاء اتفاقية التجارة الحرة مع كوريا الجنوبية، وعمل على إقناع ترامب بأن توجيه ضربة عسكرية ضد كوريا الشمالية خطوة غير حكيمة، وعارض بقوة خطة الانسحاب الأميركي من شبه الجزيرة الكورية.

 

اتبع ماتيس إستراتيجية مماثلة فيما يخص سوريا، عنوانها: لا انسحاب ولا تصعيد. وفقا لرواية وودورد، دعا ترامب ماتيس في أبريل/نيسان 2017، في أعقاب هجوم كيماوي شنّه النظام السوري، وطالب بأن يشن الجيش الأميركي هجوما لقتل بشار الأسد. ويذكر وودورد أن ماتيس أخبر أحد المساعدين بقوله: "لن نفعل ذلك، بل سيكون ردنا أكثر توازنا". في النهاية، لم يوجه ترامب سوى غارات جوية محدودة فقط. وبعد مرور عام، عندما أعلن الرئيس عن اعتزامه الانسحاب الكامل للقوات الأميركية من سوريا، انتقده المستشارون العسكريون أيضا بشأن هذه الخطوة المرتقبة.

 

أما بالنسبة لأفغانستان، تمكّن ماتيس بالفعل من إقناع ترامب بإرسال المزيد من القوات، لكن لم ينجح وزير الدفاع دائما في فرض آرائه. ورغم كونه من أشد المنتقدين العلنيين للنظام الإيراني، فإنه توصل إلى اعتقاد مُكره، بأن الاتفاق النووي الذي تم التفاوض عليه في عهد الرئيس السابق باراك أوباما يستحق المحافظة عليه. وساهم ماتيس -إلى جانب وزير الخارجية آنذاك، ريكس تيلرسون وآخرين- في إقناع ترامب بألا يلغي صفقة إيران، لكن لم يسعفه الحظ في ربيع عام 2018، عندما مزق الرئيس الاتفاقية مع إيران.

 

     

اختلفت نظرة ماتيس وترامب أيضا فيما يتعلق بالأمور محليا. اندلعت موجة من الاحتكاكات، في أعقاب السماح للأعضاء المتحولين جنسيا بالخدمة في صفوف القوات المسلحة. أيّد ماتيس قرارا اعتُمد في حقبة أوباما، يقضي بفتح الفروع داخل الجيش للأعضاء المتحولين جنسيا، بينما عارض ترامب ذلك، وبينما كان ماتيس في إجازة، قال ترامب في إحدى تغريداته إنه سيمنعهم من الخدمة. ونظرا لعدم تشاور ترامب مع هيئة الموظفين في الإدارة، والغياب التام إلى التحديد في إعلاناته، تمكّن البنتاغون من تأجيل الأمر لشهور، لينتهي الموضوع في الأخير إلى نتيجة، تقضي بالحد من خدمة الأميركيين المتحولين جنسيا، لكنها تمنح ماتيس فسحة لتنفيذ القواعد وفق ما يراه مناسبا.

 

بعد زيارته لفرنسا إحياء لِذكرى يوم الباستيل في 2017، أصبح ترامب مفتونا بفكرة عرض عسكري ضخم عبر شوارع واشنطن. سعى البنتاغون بقيادة ماتيس، المرتاب من هذه الفكرة، إلى إبطاء تنفيذها. في صيف 2018، سرب مصدر خبر تكلفة العرض العسكري، بما يُقدّر بنحو 92 مليون دولار، رغم نفي ماتيس ذلك علانية، وفي نهاية المطاف قرر ترامب تأجيل الحدث حتى عام 2019 على الأقل.

 

السؤال المطروح، كيف استطاع ماتيس البقاء في هذه الإدارة كل هذه الفترة طويلة رغم خلافاته مع ترامب؟ في إجابته عن ذلك اقترح وودورد هذه الصيغة: "تجنب المواجهة، إظهار الاحترام والإذعان، والعمل بذكاء أثناء تنفيذ المهام، والسفر قدر الإمكان والبقاء خارج البلدة، والنأي بالنفس عن المشاكل". استفاد ماتيس من ميول ترامب إلى رؤية الجيش كحلٍّ لجميع المشاكل، مما منح البنتاغون فرصا سهلة للتألق. كما كان ماتيس يتمتع أيضا بشعبية كبيرة -وسط القادة العسكريين، وأعضاء الكونغرس، وطبقة النخبة والمثقفين- التي منحته بعض الحماية، ولم يكن متهافتا على أضواء الصحافة إلى حد ما، الأمر الذي قللّ من خطر سرقة الأضواء من الرئيس ومن ثم عزله.

 

وقد نجح هذا الأسلوب لفترة طويلة، إلى أن أصبح الأمر غير ممكن. بحلول صيف 2018، أفادت بعض التقارير بتهميش ماتيس بشكل متزايد من مناقشات سياسة البيت الأبيض. وفي النهاية أُقيل تيلرسون، حليف ماتيس، في مارس/آذار، لينسج ترامب عقب ذلك علاقة أفضل مع بديله وخليفته، مايك بومبيو، مع بدء وزارة الخارجية تصدر المشهد لتُلقي بالبنتاغون إلى الخلف.

 

 

ثم صدر كتاب وودورد الذي لم يصوِّر ماتيس كشخصية تبطئ تنفيذ توجيهات الرئيس فحسب، بل على أنه أيضا رافض ومحتقر له، معتبرا أن له فهما بمستوى فهم الأطفال من الصف الخامس أو السادس. نفى ماتيس هذه الأقوال المنسوبة إليه في الكتاب، لكن معروف عن وودوارد تمتعه بسمعة من حيث الدقة، فضلا عن تماشي روايته مع التوتر الواضح والقائم بين وزير الدفاع والرئيس.

 

في منتصف أكتوبر/تشرين الأول، ظهر ترامب في مقابلة أجراها مع الصحافية ليزلي ستال في برنامج 60 دقيقة، وقال لها إنه على الرغم من "أنني أحب الجنرال ماتيس" فإنه يعتقد أنه يعرف عن الناتو أكثر مما يعرفه وزير دفاعه. كما أشار ترامب إلى انسحاب ماتيس الوشيك من الإدارة أيضا. وأضاف ترامب: "أعتقد أنه ديموقراطي بشكل ما، إذا كنت تريد معرفة الحقيقة، لكن الجنرال ماتيس رجل صالح. نتفاهم بشكل جيد للغاية. قد يغادر الإدارة. ما أعنيه، هو أنه في وقت ما، الجميع يغادر. الجميع. يرحل الناس. هذه واشنطن".

 

ومع ذلك، تمكّن ماتيس من الصمود والبقاء في إدارة ترامب بعد مغادرة وزير الخارجية، ومستشارَيْ الأمن القومي، واثنين من رؤساء رئيس هيئة موظفي البيت الأبيض، وزير الصحة والخدمات الإنسانية ووزير الداخلية وشؤون المحاربين القدامى؛ ورؤساء وكالة المخابرات المركزية ووكالة حماية البيئة من جملة مسؤولين آخرين. ويُعزى ذلك جزئيا إلى أن ماتيس بدا وكأنه يقضي الكثير من وقته في العمل لتقييد ترامب، وليس من الواضح بعدُ ما الإرث الذي سيتركه في البنتاغون.

 

سيؤدي رحيل ماتيس إلى ارتجاف كل من واشنطن والعواصم الأجنبية. ومن الواضح أن الرئيس سيواجه صعوبة في العثور على خليفة له، يكون قادرا على زرع الثقة في الكونغرس وصفوف الجيش، مع الحفاظ في الوقت ذاته على علاقة فعالة مع البيت الأبيض. في هذه الأثناء، تسببت استقالة ماتيس في مزيد من التوتر في العلاقات مع الحلفاء الأميركيين، الذين كانوا ينظرون إليه كشخصية ذات نفوذ وتأثير هادئ يعمل على تفكيك التوترات، وكثيرا ما عمل معهم كقناة مباشرة.

 

     

في النهاية، أثبت ماتيس أنه الدبلوماسي الأكثر فعالية في إدارة ترامب، سواء في مجال التفاوض في المعارك الداخلية المشحونة في الإدارة أو التحدث إلى القادة الأجانب. لا شك أن الاحتكاك بين ماتيس وترامب قد خلّف أثرا على الرئيس ووزيره على حد سواء. ووفق ما أورده وودورد، أخبر ماتيس أصدقاءه ذات مرة بأن "وزراء الدفاع لا يختارون دائما الرئيس الذي يعملون لصالحه". ومع ذلك، فإن استقالة ماتيس تدل على أنه أدرك -في نهاية المطاف- أنه يستطيع اختيار ألّا يعمل مع ترامب.

-----------------------------------------------------------

ترجمة (فريق الترجمة)

هذا التقرير مترجم عن: The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار