انضم إلينا
اغلاق
مياه مولر البيضاء.. هكذا أسقطت التحقيقات رؤساء أميركا في مستنقع الأزمات

مياه مولر البيضاء.. هكذا أسقطت التحقيقات رؤساء أميركا في مستنقع الأزمات

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

حتى وفاته قبل أربعة أعوام فقط بسبب فشل القلب الاحتقاني، كان "جون أندرو دوير" لا يزال يُعرف كأحد آباء مهنة المحاماة في نيويورك بفضل نشاط المكتب الذي أسسه مع رفاقه الثلاثة الآخرين تحت اسم "دوير، ريك، كيلي آند ماك"، وقبل ذلك بفضل سمعته منتصف الستينيات كأحد أبرز المدافعين عن نشطاء حركة الحقوق المدنية خاصة قضية الطالب جيمس ميريديث، أول أميركي من أصول أفريقية يلتحق بجامعة ميسيسبي، والذي اضطر الرئيس الأميركي جون كيندي وقتها لإرسال(1) نخبة مارشالات الجيش بصحبة 30 ألف جندي لضمان سلامته خلال اليوم الأول للدراسة.

 

في ذلك التوقيت، كان دوير يشغل(2) منصب نائب مساعد المدعي العام لشؤون الحقوق المدنية قبل أن يغادر الحكومة عام 1967 للالتحاق بالقطاع الخاص، ليعود إلى المواقع الحكومية مجددا عام 1974 كمستشار خاص للجنة القضائية في مجلس النواب الأميركي، وهي لجنة كانت تتولى التحقيق في فضيحة قيام الرئيس "ريتشارد نيكسون" بالتنصت على أحاديث خصومه الديمقراطيين في مبنى ووترغيت، وكانت مسؤولة عن تحديد إذا ما كان نيكسون مذنبا بالشكل الذي يستدعي الإطاحة به من منصبه أو حتى مقاضاته بشكل جنائي.

   

وفي خضم سعيه لتكوين رؤية متماسكة حول المدى الذي ينبغي الذهاب إليه في إدانة نيكسون، كان "دوير" منشغلا بشكل خاص بتحديد حجم الجُرم الذي ارتكبه نيكسون مقارنة بالسياق التاريخي لأسلافه من الرؤساء الأميركيين، وبعبارة أخرى، كان دوير يعلم أن إبعاد رئيس أميركي عن مقعده سيكون حدثا غير عادي في تاريخ البلاد، وكان يرغب في التأكد بشكل يقيني إذا ما كانت فضيحة نيكسون هي الأسوأ مقارنة بسابقيه من شاغلي البيت الأبيض، أم أن الأمر لا يعدو كونه أحد الأحداث المعتادة في كواليس المسرحيات السياسية.

    

جون دوير (مواقع التواصل)

   

ومن أجل الحصول على إجابات شافية لتساؤلاته، استعان "دوير" بخدمات المؤرخ الشهير وابن جامعة "ييل" المرموقة، كومر فان وودوارد(3)، حيث استدعاه إلى مكتبه في مايو/أيار عام 1974، وطلب منه البحث في القضايا المرتبطة بسوء تصرف الرؤساء الأميركيين في الماضي سواء كانت أخلاقية أم مالية أم سياسية، مهمة استغرقت من المؤرخ المرموق شهرين كاملين من العمل الدؤوب، واستعان فيها بخدمات 14 من زملائه، قبل أن يخلص إلى استنتاجاته التي كانت حاسمة بشكل ما في إدانة "نيكسون"، ودفعه إلى الاستقالة في نهاية المطاف.

 

ووفقا لاستنتاجات وودوارد، فلم يثبت(4) قبل نيكسون أن أي رئيس أميركي كان متورطا بشكل فاضح في تنسيق جريمة سياسية متعمّدة، أو الاستفادة منها بشكل واضح، أو الانخراط في محاولات للتستر عليها وطمس الأدلة المتوافرة، أو استخدام الوكالات الحكومية لتشويه سمعة معارضيه وعرقلة العدالة أو حرمان المواطنين من حقوقهم، لكن ما وجده وودوارد كان مثيرا للانتباه بحق، وهو أنه بخلاف الرئيس الأميركي التاسع وليام هنري هاريسون الذي توفي بعد شهر واحد (32 يوما بالضبط) من توليه منصبه، فإن جميع الرؤساء الأميركيين منذ الرئيس الأميركي الأول جورج واشنطن، وحتى الرئيس السادس والثلاثين وسلف نيكسون، "ليندون جونسون"، قد اتهموا جميعا بشكل من أشكال سوء التصرف الرئاسي، وتراوحت التهم بين اتهامات بسيطة مثل الضعف السياسي أو الفشل في حماية المصالح الأميركية، إلى اتهامات كبرى مثل المحسوبية أو الكسب غير المشروع.

 

على سبيل المثال، كان "جيمس مونرو"، الرئيس الخامس للولايات المتحدة، موضوعا لتحقيقين من قِبل الكونغرس بسبب تجديد أثاث البيت الأبيض، ولاحقا أثار الرئيس الأميركي السابع "أندرو جاكسون" لغطا كبيرا بعد قبوله أسدا كهدية من ملك المغرب قبل أن يبيعه ويتبرع بثمنه للأعمال الخيرية، فيما اتُّهم الرئيس الخامس عشر، الديمقراطي "جيمس بيوكانان"، بمساعدة الديمقراطيين للتلاعب بنتائج الانتخابات في عامي 1856 و1858؛ لذا فإن الجمهوريين الذين سيطروا على مجلس النواب عام 1860 سارعوا إلى فتح تحقيق حول الأمر وسربوا نتائجه إلى الصحافة، في حين رد "بيوكانان" بوصف منتقديه بـ "الطفيليات" واتهامهم بترويج الأكاذيب، محتجا بأن موقعه كرئيس لا يسمح له بالدفاع عن نفسه، وإفشاء أسرار المحادثات خاصة مع مسؤوليه.

   

جيمس مونرو، الرئيس الخامس للولايات المتحدة (مواقع التواصل)

   

لاحقا، اتخذت الأمور منحى أكثر خطورة مع الرئيس التاسع والعشرين "وارين هاردينغ"، حيث ذهب ثلاثة من موظفيه إلى السجن، وكان محاميه العام ومدير حملته الانتخابية السابق "هاري دوغارتي" على وشك أن تتم إدانته، وصولا إلى نيكسون، الرئيس السابع والثلاثين، وهو الرئيس الوحيد في تاريخ الولايات المتحدة الذي أجبرته الفضائح على الاستقالة.

 

غير أن استقالة نيكسون، مع كونها علامة فارقة، لم تكن آخر التحقيقات الفيدرالية أو التشريعية بحق الرؤساء الأميركيين، ولذلك فإن الرئيس الحالي "دونالد ترامب"، الذي يواجه ورموز إدارته تداعيات تحقيقات التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية التي يقودها المحقق الخاص "روبرت مولر"، ربما يشعر بالارتياح مع علمه بحقيقة أن "باراك أوباما" كان الرئيس الوحيد(5) منذ عهد نيكسون الذي لم يخضع لشكل من أشكال التحقيقات الرئاسية، بما يعني أن لجنة مولر، من الناحية الشكلية على الأقل، لا تعدو كونها أحد مظاهر الصخب التقليدية التي صاحبت حكم الرؤساء الأميركيين منذ استقلال أميركا بشكل عام، ومنذ قام فريق من خمسة أشخاص تابعين لـ "بيت نيكسون الأبيض" باقتحام مقر اللجنة القومية للحزب الديمقراطي في مبنى ووترغيت عام 1971 بشكل خاص، صخب قد يستمر بالوتيرة التقليدية نفسها مع ترامب، أو يتصاعد تماما.

 

فضيحة ووترغيت الكبرى

قبل أن يصبح رئيسا، كان نيكسون قائدا سابقا في سلاح البحرية الأميركية خلال الحرب العالمية الثانية، ثم عضوا في الكونغرس وسيناتورا لولاية كاليفورنيا، ثم نائبا للرئيس "دوايت أيزنهاور" لمدة ثماني سنوات حتى عام 1960 عندما قرر خوض الانتخابات الرئاسية ضد المرشح الديمقراطي الشاب "جون إف كيندي"، وهي الانتخابات التي خسرها نيكسون في واحدة من أكثر السباقات تنافسية في تاريخ الرئاسيات الأميركية.

 

وفيما يبدو، فقد تسببت خسارة الانتخابات في استياء عميق لنيكسون الذي ألقى باللوم على وسائل الإعلام التي منحت تغطية تفضيلية لخصمه، استياء يبدو أن نيكسون ظل يحمله على مدار ثمانية أعوام كاملة حتى موعد انتخابه لمقعد البيت الأبيض عام 1968، خاصة أنه عانى خلال سنوات إدارته الأولى من اهتزاز في شعبيته بسبب تزايد الاستياء حول حرب فيتنام، التي يبدو أنها لم تكن الحرب الوحيدة التي كان نيكسون يخوضها بشكل فعلي.

     

ريتشارد نيكسون، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية السابع والثلاثون (مواقع التواصل)

   

في واقع الأمر، وخلال فترة حكمه التي دامت خمسة أعوام ونصف، كان نيكسون يخوض عدة معارك متداخلة سواء مع الحركات المناهضة لحرب فيتنام، أو مع وسائل الإعلام وخصومه الديمقراطيين، وحتى مع النظام القضائي الأميركي، لذا فإن نيكسون سعى منذ الأيام الأولى لرئاسته لتقويض أي شخص يراه عدوا محتملا، بداية من "دانييال إلسبرغ"، المحلل العسكري في مؤسسة "راند" الذي قام بتسريب(6) دراسة فائقة السرية من أوراق "البنتاغون" تُدين عملية صناعة القرار الحكومية المتعلقة بحرب فيتنام، قبل أن يقوم موظفو نيكسون المقربون باقتحام غرفة طبيبه النفسي وسرقة(7) ملفاته الصحية من أجل القدح في أهليته.

 

كان هؤلاء الموظفون أعضاء في فريق تم تشكيله(8) بمعرفة المستشارين المقربين من نيكسون وعُرف لاحقا باسم "فريق إصلاح البيت الأبيض"، وهي مجموعة تم إنشاؤها وكُلّفت بالأساس بمنع تسريب المعلومات المهمة إلى وسائل الإعلام، وكان من أهم أعضائها ضابط وكالة الاستخبارات المركزية الأسبق "هوارد هانت"، وضابط مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق "جوردون ليدي"، قبل أن تتوسع صلاحيات الفريق لاحقا وينخرط في مجموعة من الأنشطة السرية وغير المشروعة بهدف تقويض خصوم نيكسون السياسيين، وفي مقدمتهم المرشح الديمقراطي للرئاسة "إدوارد موسكي" الذي خسر بطاقة ترشيحه بفضل رسالة مزورة سُرّبت إلى الصحف قبل أسبوعين من موعد الانتخابات التمهيدية في نيوهامبشاير عام 1972، وأظهرت موسكي بمظهر المتحيز ضد الأميركيين من أصول فرنسية وكندية، وتسببت في انهيار حملته الانتخابية في نهاية المطاف.

 

لكن أكبر أعمال فريق نيكسون السري وأكثرها خطورة كان إقدام خمسة من أفراده على اقتحام مقر اللجنة الوطنية للحزب الديمقراطي في مبنى ووترغيت، على بُعد ميل واحد فقط من البيت الأبيض، حيث تم القبض عليهم هناك بعد اكتشاف أحد موظفي أمن المبنى لواقعة الاقتحام، وقد تمكّنت التحقيقات الأولية التي قام بها مكتب التحقيقات الفيدرالي من إقامة صلة بين أحد المقتحمين وبين ضابط الاستخبارات السابق "إدوارد هانت"، الذي كشف لاحقا عن علاقته بمستشار الرئيس تشالز كولسون وبمجرد ظهور هذا الرابط وتسريبه إلى وسائل الإعلام، بدأ الحجم الحقيقي للفضيحة يتكشّف بوضوح.

   

 تشالز كولسون مستشار الرئيس الأمريكي  ريتشارد نيكسون (مواقع التواصل)

  

ورغم ذلك، فإن أحدا لم يستطع في أي وقت أن يُثبت أن نيكسون هو من أمر بشكل مباشر باختراق مجمع ووترغيت، لكن خطيئته الأساسية كانت في الخطوات التي اتخذها لإبعاد المسؤولية السياسية عن إدارته، وبدا أنه نجح في ذلك للوهلة الأولى بعد فوزه بحملة إعادة انتخابه عام 1972 بأحد أكبر النسب في التاريخ، حيث نجح في التفوق على منافسه الديمقراطي جورج ماكجفرن في جميع الولايات الأميركية تقريبا.

 

غير أن أيام نيكسون المشرقة كانت على وشك نهايتها بفضل عمل صحفيي واشنطن بوست "بوب وودوارد" و"كارل بيرنشتاين" اللذين كان جهدهما حاسما في إثبات تورط نيكسون شخصيا والمؤسسات الأميركية التي يتحكم فيها في التغطية على فضيحة ووتر جيت، وكان المصدر الرئيس للقصص التي كتبها كل من وودوارد وبيرنشتاين هو شخص عُرف آنذاك باسم "الصوت العميق"، وتبين لاحقا أنه الرجل الثاني في مكتب التحقيقات الفيدرالي كارل فيلت.

 

ويبدو أن نيكسون كان محقا منذ البداية في ارتيابه تجاه مكتب التحقيقات الفيدرالي، إلى درجة أنه سعى للإطاحة بأخطبوط المكتب الفيدرالي إدغار هوفر، الذي ظل في منصبه لمدة 48 عاما وعاشر 8 رؤساء مختلفين قبل أن تعاجله الوفاة عام 1972 ليحل محله باتريك غراي، الذي تسبب بدوره في إحراج غير مسبوق لنيكسون بعد أن أكد في شهاداته في الكونغرس أن البيت الأبيض كان يطلب منه إحاطات يومية حول تحقيقات ووترغيت، وأن محامي نيكسون "جون دين" كذب على المحققين.

 

في ذلك التوقيت قرر مجلس الشيوخ تعيين "أرشيبالد كوكس" كمستشار خاص مستقل لمباشرة التحقيقات، وتم تشكيل هيئة محلفين كبرى، وسرعان ما نجح(9) كوكس في تضييق الخناق حول محامي نيكسون "جون دين"، وحول "باتريك جراي" نفسه الذي اضطر للاستقالة بعد أن ظهر تورطه في تدمير ملفات متعلقة بالفضيحة، لتتوالى الاستقالات داخل الإدارة بعده، لكن المفاجأة الكبرى التي غيّرت مسار القضية كانت إفصاح سكرتير نيكسون "ألكسندر باترفيلد" بأن جميع المحادثات والمكالمات الهاتفية في مكتب نيكسون منذ عام 1971 قد تم تسجيلها، وهو ما دفع "كوكس" إلى إصدار مذكرة رسمية طالب فيها البيت الأبيض بتسليم الأشرطة، وهو ما رفضه نيكسون ودفعه لإصدار أمر بإقالة "كوكس" ما تسبب في استقالة المدعي العام إليوت ريتشاردسون ونائبه وليام ركلسهاوس احتجاجا على تدخل الرئيس في مسار التحقيقات.

   

أرشيبالد كوكس، عضو سابق بالحزب الديمقراطي الأمريكي  (مواقع التواصل)

   

لم تضع إقالة "كوكس" نهاية للفضيحة على كل حال، حيث أصدرت هيئة المحلفين في مارس/آذار من عام 1974 اتهامات إلى سبعة مسؤولين في الإدارة الأميركية بتهم التستر على الفضيحة وحُكم على بعضهم لاحقا بالسجن، في حين استمرت المعركة على مصادرة أشرطة تسجيل المكتب البيضاوي، لتصل إلى المحكمة العليا التي قضت بالإجماع بإلزام الرئيس بالإفراج عن الأشرطة، لتنقل محادثات عامة بينه وبين محاميه جون دين انتقدا خلالها تحقيقات ووترغيت، لكن رصاصة الرحمة التي أُطلقت على نيكسون بالفعل جاءت عبر شريط صوتي غير معروف، تم تسريبه في أغسطس/آب من العام نفسه، ووثق خطة صاغها نيكسون بنفسه لإيقاف التحقيقات، من خلال مطالبة وكالة المخابرات المركزية الأميركية بالكذب على مكتب التحقيقات الفيدرالي وزعم أن اختراق مكتب الديمقراطيين كان لدواعٍ تتعلق بالأمن القومي، وكان هذا الشريط دليلا دامغا على أن نيكسون تورط في الكذب على الشعب الأميركي وأعاق سير العدالة على مدار أكثر من عامين، وهو ما دفع الرئيس إلى المسارعة لتقديم استقالته مستبقا إجراءات في الكونغرس هدفت لعزله من منصبه.

 

أساطين الاستخبارات الأميركية

في ضوء التشابهات الكبيرة بين تفاصيل الواقعتين، يبدو من الصعب مقاومة ذلك الإغراء الواضح للمقارنة بين قضية "ووترغيت نيكسون" وبين تحقيقات التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية عام 2016، والتي تطول اليوم الرئيس الأميركي "ترامب" ومجموعة من كبار موظفيه، تشابهات تبدأ من هوس كلا الرئيسين "نيكسون وترامب" بوسائل الإعلام والخصوم السياسيين، وتمر بالمعارك الداخلية للرئاسة مع مديري مكتب التحقيقات الفيدرالي سواء هوفر وغراي في حالة نيكسون، أو "جيمس كومي" مدير المكتب الفيدرالي الذي أقاله(10) ترامب في مايو/أيار لعام 2017، وليس انتهاء بوضع التحقيقات في يد مستشار خاص لتفادي تضارب المصالح، سواء كان هذا المستشار هو "أرشيبالد كوكس" في حالة نيكسون أو "روبرت مولر الثالث" في حالة ترامب، وختامنا بمساعي كلا الرئيسين لعرقلة التحقيقات من خلال إقالة المستشار الخاص وممارسة الضغوط على كل مدّعٍ عام.

 

غير أن هذه التشابهات الشكلية لا تعني أن تحقيق ترامب سيصل بالضرورة إلى نتائج مماثلة لتحقيق نيكسون، أو أن ترامب سيلقى مصيرا مماثلا في نهاية المطاف، ويعد هذا هو الخطأ الشائع الذي غالبا ما تقع فيه وسائل الإعلام التقليدية، والتي تتعامل مع كل تطور جديد في مسار التحقيقات مثل قنبلة متفجرة، وتخلط -عن عمد أو سهو- بين إجراءات التحقيق الروتينية وبين الكشوف التي يمكن أن يكون لها تداعيات قانونية حقيقية، وقبل ذلك تتجاهل العديد من المسارات التاريخية التي تخبرنا أن العديد من الرؤساء الأميركيين خضعوا لتحقيقات مماثلة وحافظوا على مناصبهم في نهاية المطاف.

 

    

حتى إن فضيحة ووترغيت نفسها لم تنته(11) مع استقالة نيكسون، حيث ظل الكثيرون -بمن في ذلك مسؤولو مكتب التحقيقات الفيدرالي- يتساءلون إذا ما كان نائب نيكسون وخليفته "جيرالد فورد" متواطئا في القضية بشكل من الأشكال، وقد أسهم "فورد" نفسه في تعزيز هذه التكهنات مع قيامه بإصدار عفو عام قام بموجبه بتحصين نيكسون وعائلته من الملاحقة الجنائية، ما أثار تكهنات حول احتمالية وجود اتفاق من نوع ما بين نيكسون وفورد خلف الأبواب المغلقة، وأسهم هذا اللغط في انخفاض شعبية فورد من أكثر من 70% في بداية ولايته إلى نحو 49% في غضون عدة أشهر فقط.

 

كانت ثقة الأميركيين في الإدارات الحكومية منعدمة تقريبا بعد فضيحة ووترغيت، خاصة بعد تسريب تقارير حول قيام الاستخبارات الأميركية (CIA) بتنفيذ سلسلة من الأنشطة غير القانونية بما في ذلك إجراء تجارب على المواطنين الأميركيين في الستينيات، وهو ما دفع "فورد" إلى تشكيل لجنة برئاسة نائبه "نيلسون روكفلر" للتحقيق في أنشطة وكالة المخابرات المركزية وغيرها من وكالات الاستخبارات الأميركية، وتقديم معلومات شفافة عنها للجمهور، لكن المفاجأة كانت في قيام إدارة "فورد" بفرض رقابة كبيرة على تقرير "روكفلر" قبل صدوره، حيث قام ديك تشيني، كبير موظفي البيت الأبيض آنذاك، بحذف 86 صفحة كاملة من التقرير متعلقة بعمليات اغتيال نفذتها المخابرات الأميركية، ورغم تدشين تحقيق رسمي للنظر في مخالفات لجنة "روكفلر"، فإنه لم يسفر عن إدانة أحد على الإطلاق حتى موعد الانتخابات البرلمانية وسيطرة الديمقراطيين على الكونغرس.

 

ومع الضغوط التي مارسها المعارضون الجدد على الرئيس، اضطر "فورد" لاستكمال التحقيقات عبر تشكيل لجنة جديدة برئاسة سيناتور ولاية إيداهو، "فرانك تشارش"، من أجل التحقيق في أنشطة وكالة الاستخبارات المركزية ووكالة الأمن القومي ومكتب التحقيقات الفيدرالي ودائرة الإيرادات الداخلية، وكانت النتائج التي توصلت إليها لجنة "تشارش" مثيرة لرعب الأميركيين على أقل تقدير، مع كشف(12) اللجنة عن امتلاك كل جهاز من أجهزة الاستخبارات الأميركية لبرنامج تجسس شامل ومستقل، حيث أدار مكتب التحقيقات الفيدرالي برنامجا للتجسس يُدعى "سوينتيلبرو" تم وضع لبناته الأساسية في عهد إدغار هوفر، في حين كانت وكالة الأمن القومي تُدير برنامجها الخاص للمراقبة الذي يُدعى "شامروك"، والذي جمعت الوكالة بموجبه معلومات عن 75 ألف مواطن أميركي حينها، ووظفت خلاله شركات التلغراف الثلاث الكبرى في البلاد، فضلا عن قيام الاستخبارات الأميركية بتشغيل برنامجها الخاص للمراقبة غير القانونية المعروف باسم "العملية تشاوس".

  

جيرالد فورد الرئيس الثامن والثلاثون للولايات المتحدة الأمريكية (مواقع التواصل)

   

ونتيجة لهذه الكشوف مجتمعة، سارع الكونغرس نهاية السبعينيات لإصدار قانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية، الذي منع وكالات الاستخبارات من التجسس على أي شخص في الولايات المتحدة، ما لم يكن لديهم سبب محتمل للاعتقاد بأن الشخص يعمل لصالح قوة أجنبية، وقبلها تم استحداث لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ للإشراف على عمل مجتمع الاستخبارات كاملا.

 

هدأت الأمور نسبيا مع اطمئنان المجتمع الأميركي إلى نتائج لجنة "تشارش" ورحيل "فورد" وقدوم "جيمي كارتر" إلى البيت الأبيض، ولكن الوافد الجديد سرعان ما واجه صعوبات جديدة من نوع خاص بعد أن اتُّهم باستخدام نفوذه لتسهيل قروض لتمويل أعمال عائلته في مجال زراعة وتجارة الفول السوداني، وساءت الأمور أكثر بظهور مزاعم بأن كارتر استخدم بعض أموال هذه القروض لتمويل حملته الرئاسية عام 1976.

 

تم تعيين(13) المستشار الخاص "بول كيوران" للتحقيق في الواقعة، وقام بذلك على مدار سبعة أشهر بمشاركة هيئة محلفين فيدرالية كبرى، ولكنه لم يعثر على أي دليل على تورط "كارتر" وبرّأه في تقريره النهائي من أي نشاط إجرامي، ورغم ذلك فإن "كارتر" قرر التخلي عن مزرعته في نهاية المطاف، لتُبحر سفينة رئاسته هادئة حتى قدوم "رونالد ريغان" للبيت الأبيض مطلع الثمانينيات مثيرا عاصفة سوء استغلال السلطة مرة أخرى.

 

 

بين "كونترا ريغان" و"عراق بوش"

صعد ريغان إلى السلطة بعد فوز مريح نسبيا على غريمه الديمقراطي "كارتر"، لكن رئاسته منيت بفضيحة كبرى في وقت مبكر حين ثبت تورط حملته في سرقة بعض الملاحظات التمهيدية لـ "كارتر" ونقلها لفريق ريغان قبل مناظرة تلفازية مهمة، ما ساعد الأخير على تحقيق انتصار ساحق في المناظرة مهّد طريقه للفوز في الانتخابات، وقد استدعت الفضيحة المعروفة باسم فضيحة المناظرة(14) أو "ديبيت جيت" تحقيقا من قِبل وزارة العدل استمر لمدة ثمانية أشهر، لكنه لم يجد دليلا على تورط ريغان نفسه، فيما تم رفض دعوات الديمقراطيين ووسائل الإعلام الموالية لهم لتعيين مستشار خاص للتحقيق في القضية.

   

   

لم تغب أصوات الصخب عن بيت "ريغان" الأبيض طويلا، فمع انطلاق ولاية ريغان الثانية تفجرت فضيحة كبرى عُرفت باسم "إيران كونترا"، كاشفة قيام إدارة ريغان بإبرام صفقة غير قانونية لتجارة الأسلحة مع إيران مقابل إطلاق سراح الرهائن الأميركيين المحتجزين لدى نظام الملالي، في مخالفة لوعود حملة ريغان الانتخابية بـ "عدم التفاوض مع الإرهابيين" على حد وصفه، وقد حازت القضية زخما أكبر مع اكتشاف قيام الإدارة بتحويل الأموال المكتسبة من هذه الصفقات إلى مسلحي "الكونترا" الذين يقاتلون ضد النظام الشيوعي (الاتحاد السوفيتي بالوكالة) في نيكاراغوا.

 

ويُعتقد أن الاتفاق مع إيران تم إبرامه بمعرفة جورج بوش الأب حين كان نائبا لريغان، وذلك في اجتماع جمعه مع رئيس الوزراء الإيراني وقتها "أبو الحسن بني صدر" في باريس، بحضور مندوب عن جهاز المخابرات الإسرائيلي "الموساد" الذي تولى مهمة نقل الأسلحة إلى إيران عبر إسرائيل، بما في ذلك ما يقرب من 100 صاروخ من نظام تاو، وقد تسببت القضية في هزة سياسية كبرى لإدارة ريغان، ما دعا إلى تعيين المستشار المستقل "لورانس والش" للتحقيق في القضية، تحقيق استمر ثمانية أعوام كاملة حتى رحيل ريغان عن السلطة، غير أنه لم ينجح قط في إيجاد دليل رسمي يربط ريغان بقضية الكونترا، وفي نهاية المطاف تم اتهام 14 شخصا بارتكاب جرائم تنفيذية أو التستر عليها، ولكن معظم المدانين حصلوا على عفو من الرئيس الجديد "جورج بوش" الأب.

 

وخلال الأيام الأولى من حكم إدارة بوش، اندلعت فضيحة أخرى بدأت بشكل فعلي في عهد ريغان، حيث كانت الإدارة الأميركية قد شرعت في تغيير سياستها تجاه العراق بدافع من الرغبة في معارضة "إيران الثورية" في المقام الأول، ونتيجة لذلك فقد طبّعت الولايات المتحدة علاقاتها مع النظام العراقي، وبدأت في تقديم الدعم المالي لبغداد لمساعدتها في تحمل نفقات الحرب الإيرانية العراقية المكلفة، وفي عام 1983 تمت إضافة العراق إلى برنامج مؤسسة الائتمان السلعي الذي يمنح الحكومات الأجنبية قروضا لشراء المنتجات الزراعية الأميركية.

 

ولكن هذه السياسة الودية تجاه العراق لم تصمد(15) طويلا أمام مشاغبات الكونغرس، خاصة بعد تورط نظام صدام في مجزرة ضد الأكراد الإيرانيين في "حلبجة"، باستخدام الأسلحة الكيماوية، عام 1988 خلال الأيام الأخيرة من الحرب العراقية الإيرانية، وتم طرح فرض عقوبات على العراق، ورغم ذلك واصل ريغان، وبوش لاحقا، إقامة علاقات ودية مع "صدام" خلف الأبواب المغلقة، حتى اللحظة التي أقدم فيها صدام على غزو الكويت عام 1990 محفزا اندلاع حرب الخليج الثانية.

 

     

تم تسليط الضوء على هذه السياسات الودية غير الرسمية تجاه العراق بعد بحث تم إجراؤه نهاية عام 1989 حول بنك إيطالي يُدعى "بي إن إل"، يمتلك فرعا في مدينة أتلانتا عاصمة ولاية جورجيا الأميركية، حيث اتُّهم البنك بإقراض العراق مبلغ 4 مليارات دولار تم استخدامها بشكل غير قانوني في استيراد الأسلحة، وقد تم ربط هذه الأموال بمعونات برنامج الائتمان السلعي، ما أثار تكهنات أن العراق كان يشتري السلع الزراعية الأميركية بقيمة أقل بكثير من القروض التي حصل عليها، في حين تستخدم بغداد فائض تلك الأموال لشراء الأسلحة.

 

وصفت وسائل الإعلام القضية باسم "عراق جيت" في استدعاء لذاكرة فضيحة ووترغيت، ونتيجة لهذا الاهتمام الإعلامي أطلق الكونغرس والفرع التنفيذي العديد من التحقيقات الداخلية التي تناولت الممارسات المصرفية وتفاصيل برنامج الائتمان السلعي، فيما قام مجلس الشيوخ بتعيين القاضي السابق "فريدريك لاسي" كمستشار خاص للتحقيق في القضية، حيث خلص أن بوش لم يرتكب أي جريمة فيدرالية، وأنه لا يوجد أدلة على أنه تورط أو تآمر أو تستر بشكل مباشر على الفضيحة العراقية.

 

استمرت سلسلة الفضائح والتحقيقات الرئاسية الأميركية مع رحيل جورج بوش الأب، حيث يبدو أن الوافد الجديد للبيت الأبيض، "بيل كلينتون"، قد جاء مع حمولته الخاصة من القضايا المثيرة للجدل، والتي يبدو أن بعضها بدأ قبل فترة طويلة من رئاسته، حيث تعود تسمية الفضيحة، التي يُشار إليها عادة باسم "وايت ووتر"، إلى مشروع تجاري فاشل لـ "بيل" وزوجته "هيلاري كلينتون" يُدعى مؤسسة وايت ووتر للتنمية، اتُّهم كلينتون بسببه باستغلال نفوذه كحاكم لولاية "أركنساس" في الضغط على البنوك لمنح قروض لصالح جيم مادوغال، شريكه في مؤسسة وايت ووتر، كما ظهرت مزاعم أن بعض هذه الأموال استُخدمت لتسديد بعض الديون المتعلقة بحملة كلينتون لمنصب المحافظ.

 

لم تقف تحقيقات وايت ووتر عند هذا الحد، حيث توسع(16) التحقيق الذي أجراه المحامي المستقل الشهير "كينيث ستار" إلى نقاط أكثر حساسية شملت التحقيق في مزاعم علاقات جنسية للرئيس كلينتون أهمها علاقته مع متدربة البيت الأبيض الشابة مونيكا لونيسكي، ورغم أن تحقيقات ستار برّأت كلينتون من أي تهم تتعلق بالاحتيال في قضية وايت ووتر، خلص المحامي المستقل أواخر عام 1998 أن كلينتون ارتكب مخالفتي الحنث باليمين وإعاقة العدالة حين أنكر علاقته الجنسية مع متدربة البيت الأبيض، وأنه يستحق توجيه الاتهام إليه، وتم إصدار لوائح الاتهام وبدأت إجراءات الإدانة في مجلس الشيوخ، الذي كان موقفه محسوما بكون الاتهامات المطروحة لا تستحق المخاطرة بعزل الرئيس المنتخب، لذا فإن جميع الأعضاء الديمقراطيين و10 من الجمهوريين صوّتوا ضد إدانة كلينتون في الشيوخ، ليستمر الرئيس في منصبه حتى نهاية ولايته الثانية مطلع عام 2001.

   

المحامي الأمريكي "كينيث ستار" (رويترز)

   

في العام نفسه وصل جورج بوش الابن إلى السلطة، ولم يمض سوى عامين قبل أن يكون الرئيس وإدارته موضوعا لتحقيق(17) في تسريب غير قانوني لهوية عميلة الاستخبارات الأميركية "فاليري بليم" إلى الصحافة، فيما اعتُقد أنه شكل من أشكال الانتقام من زوجها "جوزيف ويلسون" الذي وجه انتقادات لرواية إدارة بوش المزعومة حول حصول "صدام حسين" على كميات كبيرة من اليورانيوم من أفريقيا، وقد تم قيادة التحقيقات في القضية من قِبل المحامي الخاص "باتريك فيتزجيرالد" الذي برأ مسؤولي إدارة بوش من تهمة التسريب، ولكنه أدان مساعده "سكوتر ليبي" بالكذب على المحققين، إلا أن بوش تدخل لتخفيف العقوبة عن ليبي من السجن إلى المراقبة والغرامة، قبل أن يصدر عفو عام عنه من قِبل الرئيس الحالي "ترامب" في أبريل/نيسان للعام 2018.

 

لعبة مولر-ترامب

إذن على ما يبدو، فإن الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما كان الناجي الوحيد من مقصلة التحقيقات الرئاسية الأميركية التي عادت للظهور من جديد مع "ترامب"، الذي بدأ التحقيق في صلات حملته الانتخابية مع روسيا من قِبل مكتب التحقيقات الفيدرالي في صيف عام 2016، رغم أن أحدا لم يكن على علم بذلك في هذا التوقيت، بيد أن التحقيق اتخذ منعطفا جديدا أكثر علنية مع تأكيد مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق "جيمس كومي" في مارس/آذار 2017 بأن المكتب يحقق في صلات مقربين من ترامب بروسيا، وهو ما استحدث سلسلة من الأحداث أفضت في النهاية إلى إقالة كومي، ما اضطر نائب المدعي العام "رود روزنشتاين" لتعيين "روبرت سوان مولر الثالث" كمستشار خاص للتحقيق في القضية في مايو/أيار من العام نفسه.

 

لا يعد(18) مولر، أو "بوبي ثري ستيكس" كما يُعرف باسمه المستعار، شخصا مجهولا بحال في الدوائر الأميركية، فهو المدير السادس لمكتب التحقيقات الفيدرالي، حيث شغل المنصب لمدة 12 عاما في عهد الرئيسين جورج بوش الابن وباراك أوباما، وقبل ذلك عمل مولر مدّعيا عاما ومساعدا ونائبا عاما لوزير العدل، وقد أعطى خطاب التكليف "مولر" صلاحية التحقيق في جميع أشكال الروابط والتنسيق بين الحكومة الروسية والأفراد المرتبطين بحملة ترامب، بالإضافة إلى "أي أمور تنشأ أو قد تنشأ مباشرة من التحقيق".

 

    

وعلى الرغم من مرور أكثر من 18 شهرا من عمر لجنة مولر، لا يمكن لأحد أن يتوقع الموعد التقريبي الذي يمكن أن تنهي فيه اللجنة عملها أو حقيقة النتائج التي يمكن أن تخرج بها في نهاية المطاف. فعلى مدى العقود الأربعة الماضية، انتهت العديد من التحقيقات دون توجيه اتهامات ضد أي شخص، وعلاوة على ذلك، في التحقيقات التي أنتجت تهما جنائية، غالبا ما كانت التهم تخرج ببطء(19) على مر السنين، فعلى سبيل المثال تم توجيه أول اتهام في فضيحة إيران - كونترا في أبريل/نيسان 1987، بعد أربعة أشهر فقط من بدء التحقيق، لكن لوائح الاتهام لم تكتمل إلا على مدار السنوات الخمس التالية، حيث تم توجيه الاتهام إلى 13 مسؤولا حكوميا آخر، على رأسهم وزير الدفاع "كاسبار واينبرغر" الذي كان قد ترك منصبه بشكل فعلي، فضلا عن كون التحقيقات فشلت في نهاية المطاف في إيجاد روابط إدانة مباشرة متصلة بالرئيس ريغان.

 

وترجع هذه الإطالة المحتملة في زمن عمل لجان التحقيقات الرئاسية إلى أن المستشارين الخاصين غالبا ما يصطدمون بمعلومات أخرى وقضايا فرعية عديدة، حين يتابعون قضاياهم الأساسية تماما كما حدث مع المستشار كينيث ستار، من بدأ تحقيقه حول بيل وهيلاري كلينتون في قضية وايت ووتر، قبل أن يمتد التحقيق ليشمل فضائح الرئيس الجنسية وقضية مونيكا لونيسكي الذي وجد الرئيس مذنبا فيها وتسببت في تدشين إجراءات فاشلة لمحاولة عزله من منصبه، وهو احتمال وارد الحدوث مع تحقيقات مولر أيضا التي بدأت بالتدخل الروسي، وتوسعت لتشمل الروابط المالية لترامب وأسرته بالحكومات الأجنبية، مع تكهنات(20) حول توسع التحقيقات بشكل فعلي لتشمل النفوذ الذي مارسته دول الخليج الثرية، وتحديدا الإمارات والسعودية، وربما إسرائيل أيضا على الإدارة الأميركية.

 

إذن من المحتمل أن يكون عام 2019 حاسما في مسار تحقيقات مولر، ومن المرجح أن يتحدد مصير المستشار الخاص بشكل نهائي خلال هذا العام، وسيتبيّن إن ما كان "وليام بار" وزير العدل الجديد الذي عيّنه ترامب (ينتظر تصديق مجلس الشيوخ النهائي) والمعروف بعدائه لتحقيق مولر، سوف يقوم بالاستجابة لترامب وإنهاء عمل لجنة مولر في نهاية المطاف كما هو مرجح أم لا، وكيف سيكون رد فعل الكونغرس وخاصة مجلس النواب الديمقراطي الجديد على مثل هذه الخطوة حال حدوثها، وفي حال استكمال اللجنة لعملها فمن المرجح أن يشهد العام صراعا مكتوما بين خصوم ترامب وبين الإدارة التي ستسعى لتقويض عمل اللجنة والطعن في مصداقيتها، أما على مستوى نشاط اللجنة نفسه فمن المنتظر أن يسعى مولر لتشديد الخناق على عدد أكبر من مساعدي ترامب المشتبهين ودفعهم للتعاون مع التحقيقات وتوسيع نطاق التحقيقات ليُشكّل مساحة أوسع من علاقة ترامب مع روسيا، لكن قدرة مولر على التوصل إلى رابط مباشر لإدانة ترامب نفسه تبقى غير معلومة(21)، وعلى كل حال، من غير المرجح أن يكون لتطورات التحقيق في العام المقبل -أيا كانت- تداعيات مباشرة على ولاية ترامب الحالية، بقدر ما ستكون تلك النتائج حاسمة بالنسبة لمسار المنافسة بين ترامب وخصومه حول معركة إعادة انتخاب الرئيس الأميركي المصيرية في 2020.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار