انضم إلينا
اغلاق
إنقاذ أوروبا من قبضة بوتين.. هذا ما يمكن أن تلعبه الدوحة في معركة الغاز

إنقاذ أوروبا من قبضة بوتين.. هذا ما يمكن أن تلعبه الدوحة في معركة الغاز

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

على ساحل بحر البلطيق في شمال ألمانيا، وتحديدا في بلدة جرايفسفالد الصغيرة على بُعد 250 كيلومترا من العاصمة برلين، والمعروفة بجامعتها الشهيرة التي تحمل الاسم نفسه، يرتفع أنبوبان لامعان مميزان فوق سطح البحر لأول مرة بعد قطع مسافة 740 ميلا تحت مياه البلطيق قادمين من فيبورغ في روسيا، ومع القليل من التدقيق يمكن تمييز هوية الأنبوبين كجزء من مشروع خط الأنابيب الروسي الألماني، أو خط أنابيب التيار الشمالي "نورد ستريم"، والذي يحمل الغاز الطبيعي الروسي مباشرة إلى ألمانيا عبر البحر، قاطعا المسافة الأكبر لأي خط أنابيب في العالم تحت الماء على الإطلاق.

    

يضم نورد ستريم خطين متوازيين من الأنابيب، تم تشغيل الخط الأول منهما بالفعل قبل نهاية عام 2011، وهو قادر على حمل 27.5 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي الروسي مباشرة إلى ألمانيا، ومنها إلى المرافق والمنازل والشركات المستهلكة للطاقة في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي، حمولة من المرجح أن تتضاعف وصولا إلى 55 مليار متر مكعب مع الاكتمال المتوقع للخط الثاني نهاية العام الحالي 2019، وهو ما بدا كفيلا بإثارة أزمة دبلوماسية لم تتردد أصداؤها داخل أوروبا وحسب، ولكنها عبرت إلى الضفة الأخرى من الأطلسي حيث الولايات المتحدة، الزعيمُ المتوجُ لـ "العالم الحر" كما تحب أن تموضع نفسها، وحامي النظام العالمي الراسخ منذ نهاية الحرب الباردة.

       

في يوليو الماضي لـ 2018، وعلى هامش لقاء مع الأمين العام لحلف "الناتو"، صعّد ترامب من نبرة هجومه على ألمانيا، حين وصفها بأنها "أسيرة لروسيا"

وكالة الأنباء الأوروبية
   

منذ اللحظة الأولى، لم تكن واشنطن راضية أبدا عن نزوع نظام برلين لفتح خط مستقل للحصول على الغاز الروسي بعيدا عن أوروبا الشرقية التي عملت تاريخيا كحلقة وصل بين روسيا ودول وسط وغرب أوروبا، حيث رأت واشنطن أن مثل هذه الخطوة ستزيد من ارتهان مصالح الطاقة لحلفائها الأوروبيين لتقلبات السياسة الروسية، وهو شعور يبدو أنه تطور إلى حالة من التململ العلني في عهد الرئيس الأميركي السابق "باراك أوباما"، والذي وصف نائبه "جو بايدن" المرحلة الثانية من خط "نورد ستريم" وقتها بأنها "صفقة سيئة لأوروبا بأكملها"، قبل أن يتم ترقية هذا التلاسن العلني إلى مستوى جديد مع صعود "دونالد ترامب" إلى البيت الأبيض مطلع عام 2017، وتصعيده لوتيرة الانتقادات العلنية لأوروبا حول عدد من ملفات الخلاف مثل تمويل حلف الناتو والتعريفات الجمركية، وخط الأنابيب الألماني الروسي بالطبع.

     

ففي يوليو/تموز الماضي لـ 2018، وعلى هامش لقاء مع الأمين العام لحلف الشمال الأطلسي "الناتو"، صعّد ترامب من نبرة هجومه على ألمانيا بشكل غير مسبوق، حين وصف العاصمة الفعلية للقارة العجوز بأنها "أسيرة لروسيا"، مدعيا أنها تحصل على نسبة 60-70% من احتياجاتها من الطاقة من روسيا، ومُنَوِّهًا أنه "من غير المناسب أن تدفع الولايات المتحدة مقابل الدفاع عن أوروبا في مواجهة روسيا، في حين أن ألمانيا، أكبر اقتصادات أوروبا، تنخرط في صفقات الغاز مع موسكو".

    

    

وفي وقت لاحق، واصل مسؤولون بارزون في إدارة "ترامب" العزف على الوتر نفسه، ففي أغسطس/آب المنصرم انتقد(1) مستشار الأمن القومي الأميركي "جون بولتون" خلال زيارة له إلى أوكرانيا في شرق أوروبا، انتقد مشروع "نورد ستريم 2" لنقل الغاز بين روسيا وألمانيا عبر بحر البلطيق من دون المرور بأوكرانيا، مركزا على البُعد "الإستراتيجي" لارتهان أوروبا للغاز الروسي ذاته، ومُنَوِّهًا إلى وجود مصادر بديلة للغاز، مثل حقول غاز المتوسط في (إسرائيل)، ولافتا النظر إلى قدرة الولايات المتحدة نفسها على سد الفجوة عبر تصدير الغاز المسال إلى أوروبا حال رغبت في ذلك.

    

ثم جاءت تصريحات(2) نائب وزير الطاقة الأميركي "دان بورليت" هذا الأسبوع لتكمل ملامح اللعبة الأميركية ذاتها، حيث أخبر المسؤول الأميركي وكالة رويترز أن الولايات المتحدة تتباحث مع الدوحة بشأن تزويد أوروبا بالغاز الطبيعي المسال، وأنها تريد من ألمانيا ودول أخرى استيراد الغاز الأميركي والقطري بدلا من الغاز الروسي، مؤكدا أنه ناقش الموضوع مع وزير الدولة القطري لشؤون الطاقة "سعد الكعبي"، الذي يشغل أيضا منصب الرئيس التنفيذي لشركة قطر للبترول، المسؤول الأول عن صناعة وإنتاج النفط والغاز في الدوحة.

  

لا يعد الأمر إذن مجرد عزف منفرد لـ "ترامب"، الذي اعتاد على ملاسنة خصومه وأعدائه صباح مساء، بقدر ما يبدو أشبه بنوتة موسيقية دقيقة كتب سطورها عازف الإيقاع السياسي الأميركي الذي قرر أن يُلقي بثقله كاملا في حروب الطاقة الدائرة حول العالم، وهي حروب لا تتعلق اليوم بالنفط وحده أو حتى بالطاقة النووية، ولكنها تمتد وتتوسع بالحجم نفسه إلى الغاز الطبيعي، وقود المستقبل القريب، والذي يبدو أن أسواقه ستصبح ساحة لحروب جيوسياسية كبرى لطالما كان الغاز غائبا عنها على مدار العقود الماضية.

 

ويبدو أن واشنطن قررت أن تدشن أولى جولات حروب الغاز تلك ضد(3) خصمها العتيد الروسي، أحد أبرز مصدري الغاز الطبيعي في العالم والمورد الأول إلى أوروبا، في وقت لم تعد فيه مصالح أميركا في سوق الطاقة تتعلق بالأبعاد الجيوسياسية فحسب، ولكن بالاقتصاد أيضا مع ارتقاء الولايات المتحدة السريع لتصدر صفوف الدول المنتجة والمصدرة للغاز الطبيعي، الوريث الشرعي والقادم قريبا لعرش الطاقة الذي تربع عليه النفط على مدار قرابة قرن كامل من الزمان.

   

استغلت روسيا فقر الطاقة لدى القارة الأوروبية وحاجتها إلى الغاز الروسي واستخدمته كسلاح ناعم لإدارة النفوذ السياسي في محيطها الجغرافي

رويترز
    
دبلوماسية الأنابيب

لا يوجد مكان يتجلى فيه النفوذ الروسي في مجال الغاز الطبيعي عالميا أكثر من أوروبا، حيث دأبت موسكو على استغلال فقر الطاقة لدى القارة وحاجتها إلى الغاز الروسي، ففي حين أن أوروبا كانت قادرة في وقت مبكر على تنويع محفظتها النفطية، فإن جهودها لتنويع مصادر الغاز الطبيعي كانت أقل كفاءة، ويرجع ذلك بالأساس إلى كون الغاز يُباع بعقود طويلة الأجل نظرا لأن ضخّه يتطلب بنية تحتية معقدة ومكلفة من خطوط الأنابيب المقيدة بقيود الجغرافيا بشكل كبير.

 

وقد سمحت هذه الحقيقة لروسيا باستخدام احتياطاتها الضخمة من الغاز الطبيعي كسلاح ناعم(4) لإدارة النفوذ السياسي في محيطها الجغرافي، وهي سياسة يعود تاريخ بدايتها إلى الفترة بين ستينيات وثمانينيات القرن الماضي، حين بنت روسيا السوفيتية أنابيب الغاز كوسيلة لربط أطراف الإمبرطورية السوفيتية بمركزها، وتقوية موقف موسكو في مواجهة المقاطعات السوفيتية، نفوذ حافظت عليه روسيا إبان الحرب الباردة وحتى بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، ومنحها رافعة قوية في علاقاتها مع محيطها الجغرافي، خاصة دولَ شرق أوروبا السوفيتية السابقة.

 

كانت المعادلة التي فرضتها موسكو ببساطة مفادها أنه إذا كانت هذه الدول غير راغبة في دفع الثمن المالي أو السياسي الذي يطلبه الكرملين مقابل الطاقة، فإن "غازبروم"، شركة الغاز الحكومية العملاقة التي يديرها "أليكسي ميلر" الصديق المقرب للرئيس الروسي "فلاديمير بوتين"، ويشغل عضوية مجلس إدارتها وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك، فإنها سوف تغلق صنابير الغاز بكل سهولة لتقطع الحياة عن المناطق المغضوب عليها روسيًّا، وعلى الفور.

 

شيئا فشيئا، ومع نمو القوة الصناعية لأوروبا والتزايد المطّرد لحاجتها إلى الطاقة وخاصة إلى مصادر الطاقة النظيفة، توسعت(5) مظلة النفوذ التي يوفرها الغاز الروسي لتتجاوز أوروبا الشرقية وصولا إلى وسط وغرب أوروبا حيث القلب الصناعي للقارة، بعد أن تحولت روسيا إلى أكبر مصدر للنفط والغاز للاتحاد الأوروبي بنسبة 40%، وهي كمية يتم توجيه نصفها إلى ألمانيا وإيطاليا، في حين يتم توزيع النسبة الباقية على سائر دول أوروبا، بما يشمل ألمانيا وإيطاليا أيضا، وبريطانيا وفرنسا والمجر وجمهورية التشيك وبولندا والنمسا وسلوفاكيا.

   

في مطلع عام 2009، كانت أوروبا على موعد جديد ذكّرها بوقوع مصالحها الطاقوية بقبضة النفوذ الروسي، حين قررت شركة "غازبروم" قطع إمداداتها للغاز إلى أوكرانيا مجددا

رويترز
   
يتم(6) توزيع هذا الغاز إلى أوروبا عبر أكثر من عشرة خطوط أنابيب، في مقدمتها خمسة خطوط تمر عبر الأراضي الأوكرانية ويضخ من خلالها نصف كمية الغاز الروسي المتجه لأوروبا، وتحصل أوكرانيا في مقابلِ ذلك على أسعار تفضيلية للغاز الذي يعد المحرك الرئيس لصناعة الصلب المزدهرة في البلاد، إضافة إلى رسوم للمرور تُمثّل العمود الفقري للموازنة العامة الأوكرانية، فيما تمر بقية كمية الغاز الروسي عبر ثمانية خطوط أنابيب أخرى، تمر عبر روسيا البيضاء إلى بولندا وليتوانيا، أو مباشرة إلى ألمانيا وفنلندا وأستونيا ولاتفيا، ليتم توزيعها إلى سائر أوروبا.
  
كان ذلك الاعتماد على الطاقة الروسية مصدرا دائما لقلق صُنّاع السياسة الأوروبيين، خاصة مع اندلاع الصدامات السياسية بين روسيا ودول شرق أوروبا، وخاصة أوكرانيا، في أعقاب الثورة البرتقالية التي أطاحت بالنظام الموالي لروسيا في كييف عام 2004 وتوابعها، حيث انتظرت موسكو بفارغ الصبر نهاية عقد الغاز مع كييف عام 2006، ثم ضغطت من أجل رفع الأسعار، في حين أمرت "غازبروم" بإيقاف دفق الغاز لعدة أيام مطولة، لحين استجابة كييف لشروطها.
  
وفي مطلع عام 2009، كانت أوروبا على موعد جديد ذكّرها بقسوة بالغة بالحقيقة العارية المتمثلة بوقوع مصالحها الطاقوية في قبضة النفوذ الروسي، حين قررت(7) شركة "غازبروم" قطع إمداداتها للغاز إلى أوكرانيا مجددا، وفي هذه المرة تم لمس أصداء الأزمة في أوروبا بأكملها التي فقدت بقرار واحد نصف إمدادات الغاز الروسي إليها، ما تسبب في قطع الكهرباء عن ملايين الأوروبيين ليعانوا من وطأة البرد في منتصف الشتاء الجليدي الأوروبي لمدة 20 يوما متصلة.

 

في عام 2014، دعم الغرب انتفاضة أطاحت بالنظام الأوكراني الموالي لروسيا، فردت عليها موسكو بالاستيلاء عسكريا على شبه جزيرة القرم

رويترز
   

كان التحرك الروسي وقتها يهدُف في جوهره لتحقيق هدفين(8) رئيسين، أولهما التفاوض على أسعار أعلى لبيع الغاز مجددا، وثانيهما، والأهم، زيادة الضغوط الشعبية على الرئيس الأوكراني الموالي للغرب "فيكتور يوشتشينكو" قبيل الانتخابات الرئاسية المقررة في العام التالي 2010، وحينها نجحت موسكو بالفعل في تحقيق كلا الهدفين، حيث اضطرت الحكومة الأوكرانية للموافقة على طلبات روسيا برفع الأسعار، فيما خسر "يوشتشينكو" الانتخابات الرئاسية لصالح المرشح المقرب من روسيا "فيكتور يانكوفيتش".

 

تكرر النمط نفسه في عام 2014، حين دعم الغرب انتفاضة أطاحت بالنظام الأوكراني الموالي لروسيا مجددا، انتفاضة ردت عليها موسكو بالاستيلاء عسكريا على شبه جزيرة القرم، وغلق خطوط الأنابيب للمرة الثالثة، وعلى الرغم من أن هذا الإغلاق لم يكن خلال فصل الشتاء، فإنه كان الأطول زمنا، وامتد من يونيو/حزيران إلى أكتوبر/تشرين الأول من ذلك العام، وتكرر مجددا في العام التالي 2015 لفترة أقصر، مما وضع أوروبا تحت ضغط كبير للتحرك لتحجيم اعتمادها على الغاز الروسي والبحث عن مصادر بديلة.

 

كانت أولى الخطوات(9) التي اتخذها الاتحاد الأوروبي في هذا الصدد هي تعزيز قواعده المناهضة للاحتكار لمنع شركة "غازبروم" من استخدام هيمنتها على الطاقة كسلاح شديد القوة، كما وضعت المفوضية الأوروبية إستراتيجية تسمى بـ "اتحاد الطاقة"، وهي خطة تهدُف لإنشاء سوق داخلي للطاقة بين دول أوروبا، يتجاوز الحدود، عن طريق تشييد بنية تحتية داخلية من خطوط الأنابيب تربط بين الدول الأوروبية وبعضها البعض وتسمح بتدفق الغاز من أي دولة إلى أخرى، كما دعمت تشييد محطات جديدة للغاز الطبيعي المسال في بولندا وليتوانيا، ومحطة أخرى مقترحة في كرواتيا، لتمكين القارة العجوز من الحصول على حصص من الدول المنتجة للغاز الطبيعي المسال من أجل تجاوز الغاز الروسي. وحتى حلف الناتو، غير المعني بمشكلات الطاقة إلى حد كبير، فإنه قد وجّه جزءا من اهتمامه للتصدي لمخاطر الاعتماد على الطاقة الروسية عبر إنشاء مركز لأمن الطاقة في ليتوانيا.

 

بخلاف ذلك، اتخذت دول أوروبا إجراءات لتقليل استهلاكها للطاقة وتخفيض الروتين الحكومي المرتبط باستيراد الغاز المسال وتعزيز الاعتماد على الطاقة المتجددة، ورغم أن هذه التدابير من الممكن أن تنجح في خفض واردات الغاز الروسية إلى أوروبا على المدى الطويل، فمن غير المرجح أن تستطيع القارة فطم نفسها عن الغاز الروسي في أي وقت قريب، فمن الناحية اللوجيستية فإن أوروبا لا تستطيع تقليل استهلاكها من الغاز بالتحديد، حيث يعد الغاز الطبيعي الوقود المفضل لإنتاج الكهرباء، خاصة مع التوجه لتقليص الاعتماد على الفحم والنفط والاعتماد بشكل أكبر على الطاقة النظيفة، في وقت لم تبلغ فيه الطاقة المتجددة من الناحية التقنية والإنتاجية أشدها بعد للاعتماد عليها، ومن الناحية الاقتصادية فإن الغاز القادم من روسيا عبر شبكة الأنابيب المعقدة أكثر جدوى اقتصادية من الحصول على الغاز المسال من النرويج وقطر وحتى الولايات المتحدة، حيث يتطلب الأمر تحمل مصاريف إضافيةٍ لأجل التسييل والنقل، فضلا عن المتاعب الأمنية المرتبطة بالاعتماد على الغاز المسال الذي يتم شحنه عبر نقاط الاختناق العالمية.

   

    

كانت هذه الأسباب مجتمعة هي ما دفعت أوروبا في نهاية المطاف لزيادة حصتها من الغاز الروسي إلى 194 مليار متر مكعب، رغم التدابير المكثفة التي اتخذها الاتحاد الأوروبي لتنويع محفظته الغازية، وهي الأسباب نفسها التي دفعت ألمانيا، الزعيم الفعلي للاتحاد والدولة الأقوى فيه، للمُضي قُدما في مشروع الخط الثاني لمشروع الأنابيب الروسي الألماني، المعروف باسم "نورد ستريم 2"، لمضاعفة حصتها من الغاز الروسي إلى 55 مليار متر مكعب، رغم اعتراض(10) بعض دول شرق أوروبا وفي مقدمتها سلوفاكيا وبولندا على المشروع بحجة أنه سيقوّض أمن الطاقة الكلي لأوروبا، وسيسمح لشركة "غازبروم" بتوصيل الغاز الطبيعي لألمانيا مباشرة وتجاوز دول شرق أوروبا والتي ستكون معرضة للضغوط الروسية، في الوقت الذي تجادل فيه ألمانيا بأن هناك روابط أخرى يمكن بناؤها عبر أوروبا لنقل الغاز من نقطة دخوله في ألمانيا إلى أوروبا الشرقية.

   

في الوقت نفسه، تجادل(11) روسيا و"غازبروم" بأن مشروع إدخال الغاز بشكل مباشر لألمانيا هو مشروع اقتصادي بحت، وأنه لا يهدُف إلى تجاوز أوروبا الشرقية، ولكنه ينسجم مع مشاريع الشركة الأحدث للغاز الطبيعي التي تقع في أقصى شمال روسيا، بخلاف الحقول التاريخية الواقعة في غرب سيبريا، مما يجعل من المنطقي جغرافيا بناء نقاط إدخال جديدة، لكن أيا من هذه المبررات لا يبدو مقنعا لواشنطن وإدارة ترامب التي تصدر شعورا بالهوس الجيوسياسي من هيمنة الغاز الروسي على أوروبا، في الوقت الذي تبطن فيه رغبتها في انتقال أوروبا من الغاز الروسي لصالح الغاز المسال الأميركي، في إطار الحملة التي يقودها ترامب لتعزيز الحضور العالمي للطاقة الأميركية في الأسواق العالمية.

   

الدوحة – واشنطن

ونتيجة لذلك، فإن مواجهة ترامب مع ألمانيا بشأن "نورد ستريم" لم تتوقف عند حدود الملاسنة اللفظية فقط بطبيعة الحال، ولكنها بلغت حد التهديد بفرض عقوبات على الشركات الألمانية المشاركة في المشروع، وهي تهديدات أثارت استهجان معارضي ترامب ومنتقديه في أوروبا، والذين يرون أن مخاوف ترامب الأمنية مجرد حيلة لتعزيز موقع الغاز الأميركي في خارطة الطاقة العالمية الجديدة، والحصول على حصة سوقية كبرى في أوروبا، حتى لو جاء ذلك على حساب تكبيد القارة العجوز فواتير باهظة لاستيراد الغاز الأميركي.

 

في الواقع، واتساقا مع حبه لدبلوماسية الصفقات التجارية، فإن ترامب يدفع(12) ليصبح الغاز الطبيعي المسال المصدّر من بلاده جزءا محوريا من أمن الطاقة في الاتحاد الأوروبي، لأهداف جيوسياسية واقتصادية خاصة، وهو ما دفع برلين لاتهام واشنطن بالتذرع بأمن الطاقة في أوروبا لإفادة منتجي الغاز الطبيعي المسال على سواحل الأطلسي الأميركية، ومحاولة ابتزاز أوروبا بفرض تعريفات على صناعة السيارات الأوروبية لإجبارها على تقديم تنازلات في هذا الملف.

   

تكمن المشكلة الرئيسة لأوروبا في هذا السيناريو في فارق الأسعار الكبير الذي سيكون على الدول الأوروبية دفعه لإحلال الغاز الأميركي محل الغاز الروسي، حيث ستتكلف(13) معظم الدول الأوروبية ثلاثة دولارات إِضافية على الأقل لكل مليون وحدة حرارية من الغاز المسال الأميركي، بالمقارنة مع ما يتم دفعه مقابل الكمية نفسها من الغاز الروسي، وهو ما يعني مئات الملايين من الدولارات الإضافية، فضلا عن ذلك، فإن تحدي هيمنة روسيا الجغرافية على أسواق الغاز الأوروبية ليس بالأمر السهل حتى بالنسبة للولايات المتحدة نفسها، في ظل معطيات جيوسياسية لا يمكن تغييرها.

 

فرغم أن ثورة التكسير الصخري وضعت واشنطن على رأس منتجي الغاز الطبيعي في العالم، فإن الجغرافيا تحول دون قدرة أميركا على ضخ الغاز إلى أوروبا بشكل مباشر عبر خطوط الأنابيب، مما يترك الغاز المسال الذي يتم نقله عبر البحر كخيار وحيد، ومن تلك الزاوية، فإن الولايات المتحدة كانت متأخرة في اللحاق بثورة الغاز المسال، وهي لا تمتلك حتى الآن سوى مصفاتين فقط لتسييل الغاز هما منشأة "كوكو فيليبس" في ألاسكا، ومرفق "تشينير" في لويزيانا، فيما لا تكفي صادرات أميركا من الغاز المسال في الوقت الراهن لتغطية الفجوة التي يمكن أن يخلّفها الاستغناء عن الغاز الروسي.

 

ورغم أن الولايات المتحدة تخطط لإضافة سبع محطات جديدة لتسييل الغاز قبل نهاية العقد الحالي، مع خطط لتعزيز حضورها بين مصدري الغاز المسال، فإن ذلك لا ينفي أن واشنطن ستكون بحاجة إلى حلفاء من منتجي الغاز الكبار في العالم إن كانت جادة في محاربة نفوذ الطاقة الروسي في أوروبا عبر زيادة تصدير الغاز المسال، وهو ما يفسر تصريحات نائب وزير الطاقة الأميركي حول رغبته في أن تشتري أوروبا الغاز المسال من الدوحة، فمن ناحية فإن الغاز القطري المسال أكثر اقتصادية نسبيا من الغاز الأميركي بسبب وجود البنية التحتية اللازمة وانخفاض تكاليف النقل، ومن ناحية أخرى فإن قطر، التي تتأرجح بين المرتبتين الأولى والثانية على قائمة مصدري الغاز المسال عالميا، والتي تمتلك خططا لرفع إنتاجها من الغاز من 77 إلى 110 مليون طن سنويا، لديها القدرة على تزويد أوروبا بنسبة معتبرة من احتياجاتها.

   

في الحقيقة، لم تكن الدعوة الأميركية جديدة أو مفاجئة أو حتى بعيدة عن طموحات قطر، ففي سبتمبر/أيلول الماضي كانت قطر للبترول تجري(14) محادثات مع شركتين ألمانيتين لاستثمار عشرة مليارات يورو (11.2 مليار دولار) في محطة للغاز الطبيعي المسال في ألمانيا، لتنضم بذلك إلى حصص الدوحة في محطات مماثلة في بريطانيا وإيطاليا وإسبانيا، في الوقت الذي تقوم فيه قطر بالفعل بتوريد الغاز المسال إلى فرنسا وهولندا. وعلى الجانب الآخر، يمكننا أن نرصد بسهولة الجهود المتسارعة مؤخرا للربط بين قطاعات الغاز الطبيعي في كل من الدوحة وواشنطن، بما يعني أن قطر والولايات المتحدة سوف تستفيدان بشكل متبادل من وصول الغاز القطري أو الأميركي إلى أوروبا في الوقت الراهن.

  

وكمثال على ذلك، فإن قطر للبترول تمتلك اليوم حصة أغلبية في مرفأ "جولدن باس" للغاز الطبيعي المسال، وهو إحدى أكبر منشآت الغاز المسال في العالم، ويمكنه استقبال ما يصل إلى 15.6 مليون طن متري من الغاز الطبيعي المسال سنويا، أو نحو ملياري قدم مكعب من الغاز الطبيعي يوميا، وفي الوقت نفسه فإن العملاق القطري يجري(15) محادثات مكثفة مع "إكسون موبيل"، المالك الأبرز لحقول الغاز الأميركية الشاسعة الممتدة من تكساس إلى شمال داكوتا، للاستثمار في مجموعة من الآبار بما في ذلك استثمار مبلغ عشرة مليارات دولار في شرق تكساس، وهي صفقات إن تمت ستضع الدوحة كشريك أصيل في ملكية الغاز الأميركي، فضلا عن إمكانية انخراط الطرفين في مشروعات مشتركة لتسويق الغاز المسال.

  

قطر قامت باستبدال أكثر من 86 مليار دولار من المعاملات، وأحلت محلها اليوان الصيني، ووقعت اتفاقيات أخرى مع الصين تشجع على زيادة التعاون الاقتصادي

رويترز
 
كعكة الغاز

على الأرجح، فإن قطر أدركت منذ اللحظة الأولى التي قررت فيها بناء اقتصادها على الغاز المسال، أن سياسات الطاقة النظيفة، وبطء التقدم في مجال الطاقة المتجددة، والتراجع النسبي لجاذبية النفط، وتقدم تكنولوجيا تسييل الغاز، سوف تجذب جميعها الكثير من الأنظار إلى كعكة الغاز وهو ما يعني قدوم عصر جديد من حروب الطاقة المتمحورة حوله، لذا فإن الدولة كانت حريصة على حجز موقع مبكر على الطاولة الجيوسياسية العالمية للغاز الطبيعي، عبر توصيل الغاز القطري إلى أوروبا.

   

بدأ(16) الأمر في عام 2009، حين سعت دولة قطر لإقناع الرئيس السوري "بشار الأسد" باستضافة خط أنابيب يمتد من حقل غاز الشمال النفطي في قطر، عبر محافظة حلب السورية، وصولا إلى تركيا ومنها إلى الاتحاد الأوروبي، لكن المشروع لم يكتب له النجاح بسبب علاقة الأسد الوثيقة مع اثنين من كبار منتجي الغاز العالميين "روسيا وإيران"، وفي المقابل، فإن موسكو رعت في عام 2011 مشروعا منافسا لتشييد خط أنابيب بطول 1500 كم يهدف إلى جلب الغاز الإيراني إلى أوروبا عبر الأراضي العراقية والسورية، ورغم أن كلا المشروعين، القطري والروسي، لم ير النور بسبب الثورة ثم الحرب الأهلية في سوريا، فإنهما قد وضعا قطر في منافسة كل من روسيا وإيران في حروب سوق الغاز الطبيعي.

   

لكن ومع تقدم الحرب في سوريا، وتوتر علاقات قطر مع جوارها الخليجي في أعقاب الربيع العربي، كانت سياسة الدوحة تأخذ نهجا آخرا، حيث دفعت سياسات دول الحصار القيادة القطرية للتفاوض مع إيران حول الاستغلال المشترك لحقل غاز الشمال، ومد خط أنابيب قطري إيراني مشترك عبر البحر المتوسط أو عبر تركيا لحمل الغاز القطري والإيراني إلى أوروبا، وهو تطور جيوسياسي كان كفيلا بتغيير خريطة الطاقة العالمية، وبدا هذا التطور أكثر احتمالا للحدوث مع تداعيات الحصار الذي فرضته السعودية والإمارات ضد قطر منتصف عام 2017 ودعمته الإدارة الأميركية في بدايته، والذي دفع الدوحة بشكل أقرب لطهران وحثها على تنويع محفظتها من التحالفات الجيوسياسية المفيدة.

   

تخطط قطر التي تهيمن على 30% من سوق الغاز الطبيعي المسال عالميا، لزيادة حصتها بنسبة تصل إلى 40% خلال الأعوام القادمة

الجزيرة
   

في الواقع، كانت قطر تخطو خطوات جادة في هذا الاتجاه منذ المقاطعة قصيرة الأجل التي فرضها جيران قطر الخليجيين عليها عام 2014، والتي دفعتها لتعزيز علاقاتها مع الصين وروسيا، ففي ذلك التوقيت اعترف بنك الشعب الصيني رسميا بقطر كأول مركز في الشرق الأوسط لتصفية المعاملات بالعملة الصينية، ما سمح للشركات القطرية بتسوية تجارتها مع الصين، بما في ذلك الغاز المسال، من خلال العملة الصينية، ونتيجة لذلك فإن قطر قامت باستبدال(17) أكثر من 86 مليار دولار من المعاملات، وأحلت محلها اليوان الصيني، ووقعت اتفاقيات أخرى مع الصين تشجع على زيادة التعاون الاقتصادي.

   

كان التزام قطر بالتوجه نحو آسيا، مع إمكانية تشكيل تحالف لمنتجي الغاز الطبيعي يضم روسيا وإيران وقطر مع حزمة من الزبائن الكبار مثل الصين وأوروبا، كان ذلك كله يمثل كارثة للولايات المتحدة التي كانت تدفع كبار منتجي الغاز العالميين إلى تحالف غير تقليدي وغير مسبوق نتيجة لحزمة من الحسابات السياسة المتهورة على أفضل الظنون، لكن واشنطن أدركت سريعا أنه في الوقت الذي تشن فيه حربا اقتصادية ضد روسيا وإيران، فإنها تحتاج إلى التنسيق مع قطر لضبط أسواق الغاز الطبيعي عالميا، كما أن الشركات الأميركية تحتاج إلى الاستثمارات القطرية من أجل رفع قدرات التسييل الأميركية.

   

لكن الطريق المستقبلي أمام تطور تحالف المصالح هذا إلى محور صلب للغاز الطبيعي، يضم واشنطن والدوحة، في مواجهة التحالف الافتراضي بين روسيا وإيران، لا يبدو طريقا مفروشا بالورود، ولا تقودنا التحليلات لاحتمالية تشكله، فمن جهة سيؤثر هذا التوسع القطري على الطموحات الأميركية للهيمنة على أسواق الغاز المسال من البلدين متنافسين بالطبيعة(18)، في الوقت الذي تخطط فيه قطر، التي تهيمن على 30% من سوق الغاز الطبيعي المسال عالميا، لزيادة حصتها بنسبة تصل إلى 40% خلال الأعوام القادمة، في حين تسعى الولايات المتحدة لزيادة حصتها السوقية والهيمنة على سوق الغاز المسال أيضا، بينما يتنافس البلدان على المستهلكين نفسهم(19) تقريبا، ومن جهة أخرى، حتى وإن كانت الدوحة مستعدة، وإن بنسب متفاوتة، لمشاركة واشنطن في حربها ضد الغاز الروسي في أوروبا، فإنها ستكون حذرة في الانخراط بعداء مباشر مع إيران بحكم الجغرافيا التي تفرض على البلدين التشارك في أكبر حقل للغاز في العالم، بالإضافة لحرصها على عدم مواجهة روسيا في ظل تزايد مصالحهما المتبادلة، سواء عبر الاستثمارات القطرية المباشرة في مجال الطاقة الروسي، أو عبر استثمارات الدوحة في مجالات حيوية متعددة مع الكرملين، وهو ما يعني أن "السيولة"، والمحاور غير المتمايزة، ستظل السمة المميزة لتحالفات الغاز الطبيعي المتقلبة، والتي ستبقى عرضة للتبدّل والتحول لسنوات طويلة قادمة.

تقارير متصدرة


اّخر الأخبار