انضم إلينا
اغلاق
"تاريخ مملكة الرعب".. جذور احتقار الشعب لدى الشرطة المصرية

"تاريخ مملكة الرعب".. جذور احتقار الشعب لدى الشرطة المصرية

  • ض
  • ض

على كوبري قصر النيل، أقدم جسر أُنشئ في مصر والواقع في وسط القاهرة الإسماعيلية والمؤدي إلى ميدان "الإسماعيلية" الذي سيتغير اسمه بعد قيام دولة يوليو إلى ميدان التحرير، الميدان الذي شهد ولادة التظاهرات المليونية واعتصام التحرير الذي أدى إلى سقوط الرئيس المخلوع حسني مبارك، وفي وسط هذا الجسر المائي العريق، وقعت أشرس مواجهة عرفتها انتفاضة يناير 2011.

ففي يوم 28 يناير/كانون الثاني المعروف تاريخيا بـ "جمعة الغضب" حصل التصادم الأشرس بين جموع المتظاهرين والثوار وبين قوات الشرطة والأمن المركزي، وقد نقلت وسائل الإعلام العالمية مشاهد من تلك الملحمة، التي عمد فيها الأمن المركزي إلى استخدام كل الوسائل الممكنة لفض التظاهرات بمنتهى القسوة والعنف، ابتداء من خراطيم المياه في شتاء يناير/كانون الثاني البارد ثم قنابل الغاز وطلقات الخرطوش ثم محاولة مدرعات الشرطة دهس المتظاهرين.

 

كان الشهيد "مصطفى الصاوي" من منطقة العجوزة بالقاهرة من أبرز من سقطوا أمام عنف الشرطة المصرية في ذلك اليوم، حيث تلقّى طلقة مباشرة في صدره ورقبته، لكنه لم يكن الشهيد الوحيد، فحتى الآن لا يوجد إحصائية دقيقة بعدد من قتلتهم الشرطة في ذلك اليوم، ليس في القاهرة فقط، بل في جميع المحافظات المصرية.

واستمرت الاشتباكات حتى الساعة السادسة مساء، حين تقهقرت قوات الأمن واقتحمت الجموع القادمة من "كوبري قصر النيل" ميدان التحرير. كانت هذه اللحظة، لحظة انتصار المتظاهرين خاصة في معركة كوبري قصر النيل، هي اللحظة التي بدأ فيها انهيار أجهزة الأمن الداخلي مثل أحجار الدومينو، ومنذ اندحارها أمام الثوار على كوبري قصر النيل، لم يتوقف تراجعها، "وأبلغ الوزير حبيب العادلي الرئيس المخلوع مبارك أن قواته لم تعد قادرة على المواجهة، وطلب منه إصدار أمر بنزول القوات المسلحة إلى الشوارع. وفي الخامسة مساء، توجه الحرس الجمهوري لتطويق مبنى التلفزيون وحمايته، وصدر أمر من مبارك بحظر التجوال بين السادسة مساء والسابعة صباحا. (1)

كانت هزيمة الشرطة والأمن المركزي في ذلك اليوم نصرا كبيرا للمتظاهرين، ورغم أن تلك الهزيمة كانت قد تكررت من قبل عام 1977 أثناء انتفاضة الخبز، وعام 1986 أثناء تمرد قوات الأمن المركزي، فإن تلك المرة قد تميزت بـ "الثأر من الشرطة قبل كل شيء"، فبمجرد خروج المسيرات من مساجد القاهرة، حتى اشتبكت بعنف شديد مع القوات الأمنية التي لم تتردد في استخدام القوة المميتة، خاصة عندما هاجم سكان المناطق الشعبية أقسام الشرطة التي يُكنّون لها ضغائن وأحقادا متراكمة على مر سنوات من التجبر والعنف الممنهج والعشوائي والتعذيب والفجور عاشها الشعب المصري. (1)


وتُجمِع الشهادات على أن عشرات القتلى ومئات الجرحى سقطوا أثناء المواجهات مع الشرطة هناك، خاصة في منطقتي المطرية والسيدة زينب الشعبيتين، لكن مع غروب شمس ذلك اليوم، فر جنود وضباط الشرطة تاركين مدرعاتهم المحروقة وخوذاتهم وأسلحتهم وحتى ملابسهم السوداء، خوفا من غضب عارم اجتاح جميع المتظاهرين ودفعهم لمهاجمة جميع أقسام الشرطة، أوكار التعذيب والقتل، على مستوى القاهرة الكبرى والمحافظات. (1)

بعد ذلك اليوم، اختفت الشرطة المعروفة بقوات "الداخلية" من شوارع مصر تماما، وسيكون أول ظهور لها مرة أخرى خلال أحداث شارع محمد محمود ومجلس الوزراء والمجمع العلمي في نهاية عام 2011 وبداية عام 2012، عندما عادت لتنتقم مرة أخرى من الشباب مستغلة الانقسام الحاصل بين الإخوان والقوى السياسية الأخرى، حتى تم الأمر لها بالكامل في 30 يونيو/حزيران 2013 عائدة على أكتاف الشعب.

لتعود ريما لعادتها القديمة، منتقمة من كل من سوّلت لهم أنفسهم "التجرؤ على أسيادهم"، ليعود عصر القتل والعنف والتعذيب، مفتتحة العصر الجديد بمجزرة سيدي جابر في 5 يوليو/تموز 2013 بالإسكندرية التي قتلت خلالها نحو 18 متظاهرا نصفهم على الأقل برصاص حي في الرأس مباشرة، مستغلة دعم نشطاء اعتادوا الوقوف بجانبها ضد تظاهرات الإخوان مثل "علي الرجال" وغيره (2)، وبعدها ستتوالى المجازر طوال خمس سنوات، امتلأت خلالهم السجون بعشرات الآلاف من المعارضين وامتلأت القبور بمئات وآلاف القتلى من ضحايا عنف الشرطة المصرية.

كل تلك الأحداث تجعلنا نتساءل متجاوزين السؤال السياسي عن هزيمة الشرطة وعودتها لتسيّد الشارع المصري، لنسأل سؤالا اجتماعيا ونفسيا: لماذا تجرأ الشعب بذلك الشكل العنيف على الشرطة وكأنها معركة ثأر يجب أن ينتصروا فيها؟ وما السبب الكامن وراء ذلك العنف الكامن والممنهج والدائم في سلوك الشرطة المصرية؟ وهل هذا السلوك العنيف مجرد سلوك طارئ بسبب التظاهرات أم أنه بنيوي ودائم لدى مؤسسة الشرطة؟

 

لم تكن مناداة المتظاهرين بـ "الكرامة الإنسانية" مجرد رفاهية أو حشو نخبوي، بل مطلب مُلح، لا يمكن فهمه إلا بالنظر إلى وضع التعذيب والمهانة في عصر مبارك

مواقع التواصل
 
لا يوجد عيش ولا حرية.. فلنثأر لكرامتنا

"شوفوا تونس العفية، عملت ثورة مية مية، عملت ثورة ليها وليا، طردت أكبر فاسد فيها، وإحنا الظلم عليك وعليا"، هكذا هتف المتظاهرون الأوائل يوم 25 يناير/كانون الثاني 2011 يسيرون في شوارع القاهرة الكبرى والسويس والإسكندرية يشجعون الشعب على الانضمام، هاتفين: "ثورة في تونس بكرة في مصر، ثورة في كل شوارع مصر/ وإمتى يا شعب هتغضب مرة؟ لأجل ما نقبض عالحرامية/ والعصابة اللي بتحكمنا عايزة الحرق من غير دية/ وأزمة مصر في النظام مش في مشاكل واعتصام". (3)

لكن أهم هتاف جاء متوافقا مع مظلمة شعب كامل يتعرض للظلم والتعذيب والقتل والمهانة كان: "اللي مابينا وبينهم تار، مش مهادنة وانتظار"، ثم أتبعوه بـ: "غلوا السكر غلوا الزيت، حتى الفول والنور والماية.. خلوا حياتنا مرار في مرار، خلوا العيشة مولعة نار، شوفوا علاجنا شوفوا سكنا، حتى اللحمة والخضار". (3)

وهي الهتافات التي صيغت فيما بعد بـ "عيش.. حرية.. كرامة إنسانية.. عدالة اجتماعية"، فلم تكن مناداة المتظاهرين بـ "الكرامة الإنسانية" مجرد رفاهية أو حشو نخبوي، بل مطلب مُلح، لا يمكن فهمه إلا بالنظر إلى وضع التعذيب والمهانة في عصر مبارك وفي العصر الحالي تحت حكم الجنرال عبد الفتاح السيسي، حيث كتب موقع "human rights monitor" (4) بعد عامين فقط من حكم الجنرال السيسي: "انهيار الحريات وحقوق الإنسان وعودة إلى عصور الظلام، قتل وقمع وتعذيب للمعارضين السياسيين، تكميم لأفواه المواطنين كافة، وتضخم دولة الخوف والرأي الواحد، فضلا عن الوعود الكاذبة والمشاريع الوهمية، وحقبة سوداء في تاريخ منظومة العدالة المصرية.

جهاز شرطة ووزارة داخلية مليئة بالفساد، اقتصاد منهك ومؤسسات دولة مهترئة، نسف لمجال الحريات وحقوق الإنسان بالكامل وارتفاع معدلات التضخم والبطالة والجريمة والفقر، تدني الخدمات الأساسية "كهرباء، ومياه، ومستشفيات، ومواصلات"، وارتفاع معدلات القتلى والمصابين والمعتقلين، واستقطاب وانقسام مجتمعي غير مسبوق، وارتفاع معدلات البطالة، وإصدار قوانين تتيح إهدار المال العام، وغلاء جنوني في الأسعار، ورفع جزء كبير من الدعم".

تخطّت الدولة وأجهزتها الأمنية حدود ممارسة القمع بحق المعارضين، ليصبح الإذلال والتعذيب عرضا يوميا يختار ضحاياه بعشوائية

مواقع التواصل
 

ومثلما أرادت قوات الأمن بعد 3 يوليو/تموز 2013 أن تنتقم لهزيمتها في 2011 فراحت تبطش بكل من تراه في الشارع، لا تفرق بين قوى سياسية وأفراد عادية، ولا بين شاب وطفل، ولا بين رجل وامرأة، ولا بين شيخ وامرأة عجوز، كذلك كان شعور أفراد الشرطة في عشر السنوات الأخيرة من حكم مبارك حين شعروا بتصاعد تحدي الأفراد من غير القوى السياسية لسلطتها.

فتخطّت الدولة وأجهزتها الأمنية "حدود ممارسة القمع بحق المعارضين، ليصبح الإذلال والتعذيب عرضا يوميا يختار ضحاياه بعشوائية، وكأن تعذيب ضحايا عشوائيين يضمر رسالة للناس أن ليس من أحد بمنأى عنه"، ليتجاوز التعذيب والإذلال المنهجي إيلام الضحية، فيعمد إلى ترهيب غيرها وما يشابهها من عموم الناس.

وكان ما فعله الضابط الشاب إسلام عبد السلام نبيه الذي كان يحمل رتبة نقيب مثالا على ذلك، ففي عام 2006، وفي أثناء مروره بأحد مواقف النقل في حي بولاق الدكرور في الجيزة حيث تصطف "الميكروباصات"، ارتأى ذلك الضابط أن يمارس سطوته التي ترتفع عن أي قانون أو أخلاق أو شريعة على سائق شاب، كسلوك اعتيادي يمارسه أفراد المؤسسة الأمنية يوميا في مصر من توجيه الإهانة واستخدام العنف والضرب لكل من لا يقدم فروض الطاعة وينكس رأسه ذلا، وهو إجراء مهم في الثقافة الشرطية التي ليس لها أي علاقة بالقانون.

وهي إجراءات يوجهها ضباط الشرطة لأي شخص في الشارع، إلا أن هذا السائق قد أوقعه حظه العاثر ليكون "عينة" عشوائية يختارها الضابط ليرهب بها الجميع، فأمر إسلام مساعديه بإلقاء القبض على السائق عماد المعروف بين زملائه بلقب "عماد الكبير" واصطحابه للقسم ليتلقى ما يُعرف بـ "الحفلة"، وهي عبارة عن استقبال الضحية بالضرب على مؤخرة الرأس وضرب كامل جسده بالحزام الجلدي والشوم، وهي عصيان غليظة تُسبّب آلاما مبرحة، لكن ما حدث لعماد قد تخطى كل حدود التعذيب.

 

كانت "حفلات التعذيب" المصورة في ذلك الوقت قد بلغت حد الهواية الاعتيادية عند ضباط الشرطة، فكان الضباط يتنافسون فيما بينهم بتصوير جبروتهم وفجورهم ويتباهون بممارساتهم الوحشية، فانتشرت مقاطع فيديو مصورة، أبرزها لعدد من الضباط بدوا كأنهم في مباراة لصفع شاب بسرعة وعنف على وجهه، ومظهر آخر أظهر عملية جلد فتاة وتعليقها أثناء استنطاقها بجرم ما، وبين تلك الفيديوهات برز فيديو الضابط إسلام نبيه ليدل على مدى المهانة والإذلال الذي تذيقه مجموعة من المختلين نفسيا الشعب المصري. (5)

 

بعدما أمر النقيب بالقبض على عماد الكبير، اقتادته القوة إلى قسم بولاق الدكرور، وهناك أمر الضابط الجنود لديه بتكبيل المجني عليه وتقييد حركته وحسر سرواله عنه، ثم قام بجلده بسوط كان بحوزته وشاركه جندي تحت إمرته بركله بقدميه، ثم قام الضابط "المجرم" بإدخال عصا غليظة في دبر عماد الكبير، وقام ضابط آخر بتصوير هذا المشهد بكاميرا هاتفه المحمول، مرددا أثناء ذلك عبارات التهديد والوعيد لعماد ببث هذه المشاهد بين أهله وعشيرته بقصد إذلاله. (5)

 

وبالفعل، وإمعانا في الاضطهاد والإذلال، جرى تسريب الفيديو من أفراد القسم عمدا إلى سائقي حي بولاق، ومعه رسالة ضمنية تقول: "هذا هو عقاب من يجرؤ على رفع رأسه". كان هذا الفيديو المذل شرارة انطلاق حملة بين المدونين لفضح انتهاكات المؤسسة الأمنية داخل أقسام الشرطة ومقار الاحتجاز في طول البلاد وعرضها (5)، وعندما انتشر الأمر ولم يعد هناك مجال للتستر، اتخذ وزير الداخلية قرارا حاسما، لكن ليس بمعاقبة المجرمين المذنبين الذين ارتكبوا تلك الجريمة الشنعاء، بل اتخذ قرارا بمنع دخول الهواتف المحمولة إلى أقسام الشرطة! (6)

 

لكن محكمة القضاء الإداري قامت بإلغاء قرار الوزير لأنه يُمثّل اعتداء على حقوقهم الشخصية المنصوص عليها في الدستور، غير أن قرار الوزير وما يتبع المؤسسة الأمنية من دوائر قضائية وقانونية تسهل استباحة البشر وإذلالهم وإهانتهم وتعذيبهم حتى الموت من قضاة ووكلاء نيابة وأطباء مشرفين (6)، تغض الطرف بشكل كامل عن جرائم الشرطة وكأن لسان حالهم يقول: "افعلوا ما يحلوا لكم لكن دون فضائح".

 

وكان المثال الثاني الذي يرسم مشهد التعذيب والعنف الأمني في مصر من محافظة الإسكندرية، التي اعتُبرت "عاصمة التعذيب" في العالم العربي للعام الأخير من عهد مبارك 2010، بحسب التسمية التي أطلقها عليها مركز حقوقي قام برصد عمليات التعذيب التي جرت في ذلك العام، حيث رصد المركز وقوع ثلاث حالات قتل في قسم سيدي جابر وحده بوسط الإسكندرية، بجانب أكثر من عشرين قضية تعذيب، بجانب حالات القتل الممنهج والعشوائي خارج أقسام الشرطة، بجانب حالات التعذيب والقتل داخل سراديب أمن الدولة في الإسكندرية، والتي ستشهد بعد الانقلاب العسكري 2013 أعنف مواجهات ومجازر دموية في أغلب أحياء الإسكندرية بين المتظاهرين وقوات الجيش والشرطة. (7)

 

احتضنت المدينة الساحلية الكبيرة وعاصمة مصر الثانية في عام 2010 شعلة النار التي ستُشعل ثورة 25 يناير كلها، ففي إحدى الليالي الحالكة حصل شاب سكندري من وسط اجتماعي متوسط على فيديو لضباط قسم الشرطة القريب من بيته، وهو قسم سيدي جابر، يُظهرهم وهم يتواطؤون لتقاسم غنائم مخدرات وأموال صودرت من تاجر مخدرات. (7)

 

قام ذلك الشاب ببث الفيديو الذي حصل عليه على شبكة الإنترنت من داخل مقهى الإنترنت (السايبر) الذي يقع أسفل مسكنه، ويبدو أن أحدهم قد وشى به، فهرع أفراد المباحث الذين يدينهم الشريط إلى الانتقام من الشاب، فهاجمت مجموعة منهم المقهى وأمسكوا بالشاب، وقام اثنان من أفراد المجموعة بالاعتداء بعنف شديد عليه بغية تأديبه علانية، وقاموا برض رأسه في مسند السلم والباب الحديدي حتى حطموه وتركوه ينزف في باحة البناية، وولّوا تاركين الشاب يلفظ أنفاسه الأخير قبل أن يصل حتى للمشفى القريب. (7)

ظهرت بعد ذلك على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" مجموعة تحمل اسم ذلك الشاب، تحت اسم "كلنا خالد سعيد" التي انطلقت منها بعد بضعة أشهر شرارة الثورة في مصر. لكن قبل انطلاق الثورة وقعت حادثة أخرى حين تفاجأ أهل الإسكندرية بوقوع تفجير أمام كنيسة القديسين بمنطقة "سيدي بشر"، وقبل بدء أي تحقيق ذهب أفراد الشرطة وأحضروا شابا سلفيا يُسمى "سيد بلال" وألقوه في غياهب غرف التعذيب بأمن الدولة، ولم يطلع عليه الصبح إلا منقولا جثة هامدة مشوهة المعالم إلى المشرحة الأشهر في الإسكندرية، مشرحة "كوم الدكة".

 

وقد وثّق مركز النديم للعلاج والتأهيل النفسي في تلك المرحلة لضحايا العنف الأمني، فسجل المركز 51 حالة وفاة داخل المعتقلات ماتوا تحت التعذيب بين عامي 2003 و2006، كما وثّق المركز أسماء 272 ضابطا تورطوا في ممارسة التعذيب بحق مواطنين مصريين، بالإضافة إلى استخدام وسائل تعذيب مقيتة، منها التحرش الجنسي أو التهديد بالاغتصاب لاستنطاق المتهمين والانتقام من الضحايا، ومنها الصعق بالكهرباء والجلد والضرب المبرح والإخصاء، وخلال عام 2010 وثّق مركز النديم أيضا 763 حالة تعذيب فردية وجماعية، حملت كلها بشاعة الأساليب ذاتها. (7)

 

بعد الانقلاب العسكري أضافت الشرطة أساليب أخرى لانتهاك أجساد المعتقلين والمواطنين، منها إطلاق النار الحي بشكل عشوائي، واغتصاب الفتيات داخل مدرعات الشرطة

رويترز
 

أما بعد الانقلاب العسكري 2013 فقد وصل عدد المعتقلين السياسيين في مصر إلى 41 ألف معتقل حسب ما صرح المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في 2014 (8)، وفي العام نفسه وصل عدد الوفيات في مقار الاحتجاز في أقسام ومراكز الشرطة في القاهرة والجيزة فقط في الفترة من يناير/كانون الثاني وحتى 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2014 إلى 90 حالة.(9)

 

فيما أضافت الشرطة أساليب أخرى لانتهاك أجساد المعتقلين والمواطنين، منها إطلاق النار الحي بشكل عشوائي، واغتصاب الفتيات داخل مدرعات الشرطة، وتعرية المعتقلين بالكامل وتعرضهم للجلد المبرح والصعق بالكهرباء والاغتصاب والإخصاء أحيانا، وخطف السيدات والفتيات والتهديد باغتصابهم أمام أهلهم، ذلك بالإضافة إلى ارتكاب المجازر الجماعية والقتل العشوائي ليس فقط للمعارضين المسالمين بل لأي شخص في الشارع.

 

تظهر خلف كل تلك المشاهد ظلال الحيرة: كيف وصلت الشرطة لذلك الشكل القبيح من العنف والدموية؟ وهل لتلك السلوكيات سياق سياسي معين أم أن ذلك السلوك العنيف كامن وأصيل داخل المؤسسة؟ ربما علينا أن نعود للوراء قليلا كي نستكشف كيفية ظهور العنف داخل مؤسسة الشرطة المصرية وتحولها لثقافة أصيلة داخلها، ثم النظر في نفسية هؤلاء الأفراد الذين يرتكبون ذلك العنف والتساؤل حول نفسياتهم ومنبع سلوكهم.


 

تاريخ مملكة الرعب


"والكلب يصبح ديب .. جزار ويبقى طبيب

عسكر وحرامية .. ولا تار ولا ديَّه

وحاميها حراميها .. حراميها حاميها!

يا قط يا مكار .. حلال عليك الكَرَار"

(الشاعر نجيب سرور)

 

يعزو بعض المؤرخين (10) علاقة الرعب بين المواطن والشرطي والسلوك العنيف لأفراد الشرطة في مصر إلى التراث المملوكي، أو تراث الدفشرمة. والدفشرمة التي تعني ضريبة الدم هو نظام أنتج ما يُعرف تاريخيا بالانكشارية، وهم رقيق كان العثمانيون يأتون بهم من شرق أوروبا وهم أطفال صغار، ثم يربّونهم ويُخضعونهم لتدريبات عسكرية شاقة وتدريبات إدارية، ويُلحقونهم بالجيش أو المناصب الإدارية المهمة. وكان هؤلاء الجنود يعاملون المصريين بغلظة وقسوة وينظرون بتعالٍ إلى أبناء مصر. بل كان من العقوبات المألوفة في العهد العثماني: الجلد، وحلق اللحى، والضرب، وخرم الأنوف، وقطع الأيدي، وصلم الآذان، والتشهير، وكانت الشرطة تتولى تنفيذ العقوبات مباشرة حتى أحكام الإعدام.

 

وفي كتاب "الأطلال، أو تأملات في ثورات الإمبراطوريات"، الذي أصدره الكونت كونستانتان دي فولني في 1791 بعد أن قضى أربع سنوات من الترحال في مصر والشام، جاء فيه أن "كل ما يقع في مصر تحت البصر أو السمع يدل على أن هذا البلد بلد الاستعباد والاستبداد. فإنك لا تسمع حديثا إلا وله صلة بفتنة أهلية أو فاقة عامة أو ابتزاز مال أو اغتصاب حق أو تعذيب بالضرب أو إزهاق لروح. فالأمن فيها على الأرواح والأموال مفقود، ودم الإنسان يُهدر كدم الحيوان. والقضاء نفسه يسفك الدم في غير صورة قضائية، وعسس الليل والشرطة يتوّلون في جولاتهم الليلية والنهارية المحافظة على الأمن والنظام، والفصل في الخصومات بين الناس، وينطقون بالأحكام على الفور وينفّذونها في أقل من لمح البصر، دون أن يكون للمحكوم عليه حق الاستئناف. وترى الجلادين لهذا السبب يطؤون مواقع الجنود ويرافقونهم أين يذهبون ويلازمونهم حيث يحلون، فما هي إلا إشارة من أحدهم حتى ترى رأس مظلوم وقد هوت إلى قاع كيس من الجلد". (10)

 

"وليت خطورة الذنب نفسه تسوغ تعريض المذنب لمثل تلك العقوبة، فإنك كثيرا ما تجد أن الباعث على السير بين الناس بمثل هذا التعسف شره في نفس عظيم من أرباب الشوكة والجاه أو وشاية من عدو بغيض، وهو ما ينجم عنه أن يُدعى الشخص المشتبه فيه بأن عنده مالا إلى المثول بين يدي البك (يقصد الحاكم المملوكي) فيطالبه بمبلغ معين. فإذا أنكر أن عنده مالا إلى المثول يفي بالمطلوب (1) طُرح أرضا وجُلد على قدميه مئتي جلدة أو ثلاثمئة، وكثيرا ما يُفضي هذا الضرب إلى موته، فتعسًا تعسًا لمن يُشتبه فيه أنه على شيء من اليسر والرخاء، إذ ما من أحد اتجهت إليه هذه الشبهة إلا وقد كانت العيون مبثوثة حوله للتجسس عليه، فلا يلبث أن يبلغ أمره إلى ذوي الشأن… وليس بميسور لأحد أن ينقذ نفسه من شر اعتداء الأقوياء على ماله إلا إذا تظاهر بالفقر المدقع ولبس للمسكنة والزراية لبوسها". (10)


ثم جاء حكم محمد علي باشا ليقرر ويعزز تلك العقوبات الجسدية المؤلمة، فقانون الفلاحة مثلا الذي وضعه محمد علي ليتناول الجرائم المتعلقة في الأغلب الأعم بتدمير الملكية العامة وزراعة الأرض وسلوك الموظفين العموميين، ينص في ست وعشرين مادة من مواده الخمسة والخمسين على استخدام الكرباج (11)، ويذهب المؤرخ المصري خالد فهمي إلى أن فكرة العقوبة الجسدية كانت تعتمد على إصابة جسم المذنب بالألم بالإضافة إلى إهانته علنا. "والأهم من ذلك أن العقوبات الجسدية كانت تُستخدم أيضا كرادعٍ للآخرين بتبيان المصير الذي ينتظر كل من يجرؤ على انتهاك حدود المسموح به بطريقة واضحة لا غموض فيها".

 

وكان القناصل الأوروبيون في القاهرة والإسكندرية مغرمين بتسجيل حالات العقوبات العلنية هذه. ومنها حالة وقعت عندما أدّى طول حصار الجيش المصري الوليد لعكا، التي كانت قد استعصت من قبل على نابليون، إلى انزعاج في القاهرة، وانتشار الشائعات بين السكان المدنيين. فهنا أمر محمد علي بضرب أعناق ثلاثة أشخاص وتعليق أجسادهم على أحد أبواب القاهرة القديمة، مع وضع لافتات على صدورهم تقول: "هذا جزاء كل من لا يمسكون ألسنتهم". (11)

 

ويشرح فهمي أن منطق العقوبات الجسدية القاسية اللا إنسانية تلك هو الانتقام وحده الذي ينفذه العاهل أو الحاكم الأوحد ضد الشخص الذي جرؤ على انتهاك رغباته، وقد ذكر الجبرتي أن محمد علي قد قال: "لقد سرى حكمي في الأقاليم البعيدة فضلا عن القريبة، وخافني العربان وقطاع الطرق وغيرهم خلاف سوقة مصر، فإنهم لا يرتدعون بما يفعله فيهم ولاة الحسبة من الإهانة والإيذاء، فلا بد لهم من شخص يقهرهم ولا يرحمهم ولا يمهلهم". (11)

 

يُعرف محمد علي تاريخيا بأنه مؤسس مصر الحديثة، فهو من أعاد تأسيس وترميم مؤسسات الدولة وبيروقراطيتها، وبنى الجيش والمصانع والأساطيل

مواقع التواصل
 

يعلق خالد فهمي قائلا: "إن هذا النص يحوي ما هو أبعد من مجرد الرغبة في إقامة حكم القانون والنظام، فنحن نرى هنا تلميحا مصورا للثأر.. فالباشا يقول إنه يأخذ هذه الجرائم بمنتهى الجدية لأنه يعتبرها هجوما على سيادته الشخصية. فما سينتقم له هنا هو سيادته التي جُرحت بشكل مؤقت، وكان العقاب العلني يعتبر طريقة لإعادة إنشاء هذه السيادة.. فعلاوة على الجريمة التي أودت باحترام صاحب السيادة، سوف تكون العقوبات العلنية أمام جميع الأعين قوة لا تُقهر، فهي لا تهدف إلى إعادة تأسيس توازن، بقدر ما تهدف في حدها الأقصى إلى انعدام التماثل بين التابع الذي جرؤ على انتهاك القانون والعاهل الجبار الذي يستعرض قوته". (11)

 

فكان جسد المصري الفلاح أو الجندي جسدا مهانا ومحتقرا قابلا للتدمير والمحو مقابل جسد الباشا ومن يُمثّله من رجال الأمن والشرطة وقادة الجيش، فيقول الرحالة البريطاني ريتشارد فرانسيس بيرتون، الذي زار مصر عام 1853: "إن المصري إذا تعامل مع ضابط شرطة أو دخل مركز الشرطة لأي أمر كان، فلا بدّ أن يضربه الضابط أو المسؤول عنه على قفاه حتى قبل أن تثبت عليه التهمة". ويقول بيرتون: "إنك تمر مع المتهمين الآخرين ليأخذ كل منهم (قفا)، فإذا جاء دورك أخذت الذي أخذوا. والقفا خاص بالمصري دون سواه.. فإذا كنت أجنبيا تحرزوا في إعطائك القفا وأحالوك إلى قنصلية بلادك".(12)

 

يُعرف محمد علي تاريخيا بأنه مؤسس مصر الحديثة، فهو من أعاد تأسيس وترميم مؤسسات الدولة وبيروقراطيتها، وبنى الجيش والمصانع والأساطيل، وأخرج القانون والفرمانات من حيز الحاكم الفرد لحيز "الدولة"، فهل غيّرت تلك القوانين من العقوبات الجسدية القاسية التي اشتهرت بها مصر في العهد العثماني والمملوكي وحتى بداية عصر محمد علي؟

 

كانت عمليات الشنق العلنية تجري في ميادين كبيرة، وأماكن تجمع مهمة في المراكز الحضرية

مواقع التواصل
 
عقاب القانون الذي لا يحمي الضعفاء والمغفلين وظهور السجون

مهما أمعن الباشا وممثلوه من رجال الشرطة وقادة الجيش في تعذيب جسد الضحية، فسيظل لذلك الجسد حدوده، وغالبا ما كان جسم الإنسان المصري لا يتحمل العقاب القاسي فيتحول لجثة هامدة، فتخسر الدولة الوليدة جنودها وعمالها وموظفيها، وقد لا يكون ذلك العقاب الجسدي رادعا فعالا للآخرين عن ارتكاب الجريمة نفسها، وفوق ذلك تتطلب فعالية هذا النوع من الردع أن يكون الاستعراض ضخما والحضور غفيرا.

 

ولذلك كانت عمليات الشنق العلنية تجري في ميادين كبيرة، وأماكن تجمع مهمة في المراكز الحضرية، ولكن هذا أيضا له حدوده، لأن عددا محدودا فقط من الناس يمكن أن يوجد في لحظة الاستعراض، وإذا كانت الطبيعة القاسية والساحرة لمشهد المشنقة تهدف إلى جعله جزءا من برنامج ممتد من القصص التي ينقلها المتفرجون إلى الغائبين، فإنه سرعان ما ستُكشف وسائل أكثر تجريدا، تنقل بطريقة أكثر كفاءة عدم إمكانية الإفلات من العقاب وعلاقة العقاب بالجريمة المرتكبة.(13)

 

فكان هذا هو الدور الأساسي الذي لعبه القانون، أي تمثيل صاحب السيادة في غيابه. حيث كانت دولة القانون والنظام التي ميزت حكم محمد علي هي قدرته على تجريد معنى "السيادة" داخل مصطلحات قانونية تنشر قوته وهيبته وتوزعها في كل مكان داخل مملكته، لتصير السلطة مخفية وفي الوقت نفسه مُهابة، يستطيع رجال الأمن أن يخرجوها من عباراتها إلى حيز التنفيذ ولا مجال للمراوغة أو الشفقة، فتحولت شعائر العقوبات العلنية إلى روتين القواعد القانونية. (13)

 

في أثناء حُكم سعيد باشا، كانت القوانين الجنائية لمحمد علي باشا نافذة، حيث أرسل شيخ لإحدى القرى شخصا مطلوبا للتجنيد لإخفائه، فأمر الوالي بشنقه على الملأ في مدينة طنطا

مواقع التواصل
 

وبعد أن كانت العقوبات تستهدف جسد المذنب وتُوقع به أشد الألم، أصبح الهدف هو عقول العامة وأجسادهم. "وفي هذا التبدي الأكثر خفاء للسلطة، يحقق إخضاع الأجسام من خلال السيطرة على الأفكار"، وتصبح القواعد القانونية إحدى أدوات السلطة الأكثر فاعلية بقيامها بتعريف الجرائم وتثبيت سلم العقوبات وتحديد المكلفين من الهرم البيروقراطي-القانوني بتنفيذ العقوبات. (13)

 

جاء التطور التالي في منتصف عام 1861 حين صدر أمر عالٍ من سعيد باشا، حاكم البلاد وقتئذ، إلى كل مديري المديريات ومأموري الضبطيات (أي رؤساء أقسام الشرطة) باستبدال عقوبة الضرب بالحبس، وصدرت بهذا الأمر لائحة عُرفت رسميا باسم "لائحة استبدال الضرب بالحبس". وقد جاء في هذه اللائحة أن من حيث "إن الجزاءات الجاري حصولها لبعض أرباب الجنايات بالضرب مقصود منها تأديب من يرتكب الأوزار والذنوب وعدم العودة لها، وردع الغير، وملاحظة التأثير مع منع الضرر، فقد اقتضت إرادتنا تبديل الجزاء الذي كان يجري بالضرب بإجراء الحبس". (14) ورغم ذلك ظل الشكل القاسي والمرعب للعقاب الجسدي حاضرا بشدة داخل مملكة الباشا.

فيحدثنا الرحّالة الأمير رودولف من الأسرة الحاكمة النمساوية المجرية "آل هابسبورغ"، الذي زار مصر في أواخر عهد الخديو إسماعيل، عن أن المصري يخاف خوفا مرعبا من الذين يلبسون ملابس رسمية، وقص قصة "خولي" أو رئيس أنفار دخل هاربا بين أعواد القصب بمجرد رؤية خادم ملكي يرتدي ملابس رسمية. ويدهش رودولف لذلك مع أنه أمير نمساوي، وكانت النمسا في ذلك الوقت مشهورة بالحكم القمعي العنيف ومعاملة الفلاحين معاملة سيئة. (15)

 

وفي عام 1856، في أثناء حُكم سعيد باشا، كانت القوانين الجنائية لمحمد علي باشا نافذة، حيث أرسل شيخ لإحدى القرى شخصا مطلوبا للتجنيد لإخفائه، فأمر الوالي بشنقه على الملأ في مدينة طنطا، رغم أن العقوبة المنصوص عليها هي الجلد حتى 500 جلدة. ونُفِّذَ حُكم الإعدام في شيخ البلد في منوف، لأنه كان يُرغم الأهالي على العمل، رغم أن العقوبة الأصلية لا تتعدى الحبس 45 يوما. (15) وظل توحش أفراد الأمن على ذلك الحال حتى أتى الاحتلال الإنجليزي، الذي ادّعى أنه سيُنقذ رعية مصر من ظُلم الحكام.

 

جاء الإنجليز إلى مصر ليجدوا كل شيء مهيأ لسيادتهم الجديدة، فعقول العامة وأجسادهم تخاف العقاب القاسي من الشرطة وتتجنبه

مواقع التواصل
 
شكرا لعائلة الباشا.. دع الإنجليز يستكملوا المهمة

كتب ضابط عسكري فرنسي في الجزائر في تقرير عن انتفاضة أخمدتها قواته عامي (1845-1846) يقول: "إن هناك طريقتين لتأسيس سلطة سياسية على سكان أقليم ما: طريقة القمع، وطريقة التربية، والأخيرة بعيدة المدى وتعمل على العقل، أما الأولى فتعمل على الجسم ولا بد أن تأتي أولا". "الشيء الجوهري هو أن نجعل منهم شيئا يمكن أن نُحكم قبضتنا عليه. وحين نملكهم بأيدينا، سيكون باستطاعتنا عندئذ أن نصنع العديد من الأشياء المستحيلة تماما بالنسبة لنا اليوم والتي ربما سمحت لنا بأن نأسر عقولهم بعد أن أسرنا أجسامهم". (16)

جاء الإنجليز إلى مصر ليجدوا كل شيء مهيأ لسيادتهم الجديدة، فعقول العامة وأجسادهم تخاف العقاب القاسي من الشرطة وتتجنبه، ولم يبق إلا إتمام السيطرة على الأجساد والعقول سيطرة تامة، وفور دخول الإنجليز بالرشاشات الحديثة للقاهرة والسيطرة عليها، وانهيار الحكومة في عام 1882، أنشأ الإنجليز نظاما معادلا لفرض الأحكام العرفية، وهو في الحقيقة معادل لقانون الطوارئ الحديث، وقد أُطلق عليه اسم "لجان قطع الطريق" التي حاولت الحكومة أن تسحق بها الجماعات المسلحة المحلية التي تقاوم القوات الإنجليزية في الريف المصري، واستخدم الإنجليز كل التقنيات التي أصبحت مألوفة فيما بعد في دولة يوليو مثل: الغارات العسكرية، والبوليس السري، والمرشدين، والسجن الجماعي، وقد امتلأت سجون البلاد بأربعة أضعاف طاقتها، والاستخدام المنهجي للتعذيب. (16)

 

وكانت الأمثلة على التعذيب المستخدم لانتزاع الاعترافات من المشتبه فيهم تتضمن تعليق الناس في أطواق حديدية، وحرق الجسم بمسامير حديدية محماة. وبعد عقد من الزمن من إدخال "لجان قطع الطريق" استُبدل بها نظام بوليس أكثر انضباطا وانتشارا واستمرارية. وعين الكولونيل كتشنر، أحد الضباط البريطانيين في الجيش المصري، مفتشا عاما للبوليس المصري، وقد حول الأساليب الحديثة للتفتيش، والاتصال، والانضباط إلى عملية متصلة للسلطة السياسية.

 

بعد انقلاب يوليو 52 رفع جمال عبد الناصر شعارات الكرامة والعزة، إلا أن سياسات نظامه العسكري لم تختلف كثيرا عن العهد الملكي المقترن بالاحتلال الإنجليزي

مواقع التواصل
 

بالإضافة إلى تنظيم قوة البوليس، تمت إقامة نظام شامل للتفتيش الإنجليزي، في إطار وزارة الداخلية، التي كانت تُعبّر عن البيروقراطية الجديدة المنظمة للشؤون الداخلية في مصر، فكان على تلك الشؤون الداخلية للحياة القروية المصرية أن تخضع للإشراف المستمر. وللمساعدة على ذلك رُتّبت لخفراء القرى المحليين، وعددهم 50 ألفا، مرتبات حكومية، فيما بعد، أُحضروا إلى المراكز الإقليمية لتلقي التدريب العسكري وزُودوا بالأسلحة. (16)

 

وكان على هؤلاء الخفراء أن يعاونوا في المراقبة البوليسية للمجرمين والأشخاص المشتبه فيهم ولكل "الشخصيات السيئة المعروفة" أو المناوئة لسلطة الإنجليز، وأخيرا تم إدخال سلسلة من اللوائح الحكومية بهدف قمع أي "اضطراب داخلي" بما في ذلك منع حمل السلاح على الجميع باستثناء "المسؤولين الحكوميين والمحليين، أو ملاك الأراضي والتجار ذوي الحيثية". وكانت مناهج السيطرة الجديدة عظيمة النجاح، فقد حطمت جماعات المقاومة الريفية، وقُتل زعماؤها بالرصاص أو اعتُقلوا، ووضعت نهاية للهجمات على ملكيات الإنجليز. (16) وهي الوظيفة نفسها التي ستكون لمؤسسة الشرطة والأمن المركزي خلال دولة يوليو.

 

ارفع رأسك يا أخي فقد مضى عهد الاستعباد.. وجاء عصر القهر والإذلال

بعد انقلاب يوليو 52 رفع جمال عبد الناصر شعارات الكرامة والعزة، إلا أن سياسات نظامه العسكري لم تختلف كثيرا عن العهد الملكي المقترن بالاحتلال الإنجليزي، وعلى الرغم من إلغاء البوليس السياسي بجميع فروعه من المدن الرئيسية والأقاليم في مطلع شهر أغسطس/آب من العام اثنين وخمسين، أي بعد قيام الانقلاب بأقل من شهر، فإن فترة حكم عبد الناصر قد شهدت اعتقالات واسعة لعدد كبير من أصحاب الرأي ومعارضي النظام السياسي. كما ظهر العنف والتعذيب بكثافة في سجون ناصر، كما يحكي أحمد رائف في كتابه المهم "البوابة السوداء"، وكما يحكي سعد زهران في "مذكرات سجن الأوردي"، وكما يحكي المستشار علي جريشة في مذكراته. ثم لعبت الشرطة دورا عنيفا في مواجهة الاحتجاجات الطلابية والعمالية في عام 1968.

 

وطال العنف كل من له رأي مخالف أفصح به أو حتى ألمح إليه، وقد عبّر فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" عن تلك الفترة بوضوح شديد، وصارت السياسية أو حتى الحديث عنها مرادفا للفساد والإفساد، حتى إن ثمة مقالة منشورة في مجلة الأمن العام في ذلك الوقت يستعرض فيها الكاتب تصنيف "الأمن الداخلي إلى قسمين: أحدهما هو أمن الفرد، والآخر هو أمن الدولة، ويُعرّف الكاتب أمن الفرد بأنه حمايته مما قد يقع عليه من عدوان على النفس أو المال، وسمى هذا العدوان بالنشاط الجنائي، أما أمن الدولة، فقد عرّفه نصا بأنه سلامتها وسلامة النظام الحاكم فيها وحمايتها من أي نشاط هدام في صوره المختلفة، وهو ما يعبر عنه بالنشاط السياسي". (17)


أما في منتصف السبعينيات تقريبا، فقد ظهرت بعض الحوادث التي تم فيها تعذيب أشخاص غير ضالعين في أي نشاط سياسي ولا علاقة لهم من قريب أو من بعيد بمعارضة النظام، كان منهم من اتُّهم بتهم جنائية أو جنح، ثم احتُجز وتعرض إلى التعذيب حتى لقي مصرعه، وهناك عدة وقائع موثقة خاصة في قسم شرطة اللبان بالإسكندرية (17)، وجرت بعض الوقائع الأخرى المشابهة والتي ستتكرر حتى يومنا هذا، ففي الفترة ما بين 1974 و1976 تقريبا، وقعت أحداث عنف شديد بين الشرطة من جهة وبين جماعات من المواطنين من جهة أخرى، وتطورت تلك الأحداث إلى انتفاضة الخبز في 1977 وتأسيس قوات الأمن المركزي التي سيكون لها دور سياسي كبير في حماية نظام مبارك حتى سقوطه في 2011، ثم تسيّد الشرطة للشارع المصري مرة أخرى في 2013.

 

ومثال على ذلك ما حدث في قسم شرطة السيدة زينب حيث ألقت قوات الشرطة القبض على مجموعة من الجزارين العاملين بمنطقة المذبح، وتعرض الجزارون في القسم لمعاملة سيئة من أفراد الشرطة اتسمت بالعنف الشديد والتعذيب، وتسربت أنباء تخبر عن وفاة أحد الجزارين المحتجزين تحت التعذيب داخل القسم، فتطورت الأحداث سريعا وتجمع على إثر ذلك عدد كبير من جزاري المنطقة وهاجموا قسم الشرطة وألقوا الطوب والأحجار وكرات النار المشتعلة عليه، ونشبت معركة هائلة بين الطرفين. (17)

 

تؤسس تلك الحادثة للعلاقة الجديدة بين الشعب والشرطة التي نشأت خلال حكم عبد الناصر والسادات ووصلت لذروتها في عصر مبارك والسيسي، فقد ورثت المؤسسة الأمنية وبشواتها الجدد إرث العنف في عهد محمد علي ونظام الاستعباد وحماية الحاكم في عهد الاحتلال الإنجليزي، إرث اقترن فيه الاعتقال والحبس بالعقوبات الجسدية، واقترن كل ذلك بالسيادة السياسية، ففي فترة حكم عبد الناصر التي امتدت لما يقارب من ثمانية عشر عاما، قُدّر عدد أوامر الاعتقال فيها بأربعة عشر ألف أمر، بينما حظيت فترة حكم السادات التي بلغت أحد عشر عاما باحتجاز أعداد أكبر على ذمة قضايا سياسية لا تختلف كثيرا في مضمونها، فقد توسعت دائرة خصوم النظام السياسي لتشمل الشعب كله. (17)

 

لكن الجديد في طبيعة ذلك العنف أنه أصبح أشرس ويتراوح بين العنف الممنهج الذي قتل الآلاف من الأبرياء حتى الآن تحت التعذيب، والعنف العشوائي الذي يدفع فرد الأمن لقتل أي شخص يختلف معه، ويستبيح جسده ويُمثل به، داخل أو خارج أقسام الشرطة كما حدث في قضية "عماد الكبير"، فكيف نفهم تلك السلوكيات العنيفة وكيف نفهم نفسية مرتكبيها؟

 

الدوافع النفسية وراء عنف الشرطة

في عام 2009 لقي مواطن مصري مصرعه بعد أن استل ضابط شرطة سلاحه وأطلق عليه الرصاص، والضحية هو لاعب كرة يد بمنتخب مصر، والجاني ضابط شرطة بقسم الجيزة، وقبلها في عام 2008 لقي مواطن آخر مصرعه بعد أن أطلق عليه ضابط شرطة الرصاص في الشارع، والضحية سائق تاكسي، والجاني ضابط شرطة بحراسات مجلس الوزراء، وفي العام نفسه والشهر نفسه تعرض مواطن آخر للسب والإهانة والصعق بالكهرباء من ضابط شرطة، والضحية قاض بمجلس الدولة، والجاني شرطة بإدارة المنافذ. (17) وغيرها الكثير من الحوادث المستمرة حتى الآن يقوم فيها ضباط الشرطة بارتكاب جرائم عنف تصل للقتل دون أي ذنب يرتكبه الضحية، فكيف نفهم تلك السلوكيات التي أصبحت نمطا شائعا؟

 

بجانب السياق التاريخي السابق والذي جعل من المؤسسة الأمنية مؤسسة سيادية تتعلق بسلطة النظام الحاكم، فإن الدوافع النفسية لذلك السلوك العنيف والمتكرر تبدأ منذ اللحظات الأولى التي يتعلم فيها طالب كلية الشرطة أن ممارسة العنف سوف تصبح جزءا أصيلا من عمله المستقبلي، مرورا بالتغيرات التي تطرأ على سلوكه خلال العمل، والتحولات التي تشهدها شخصيته، والمبررات التي تُساق إليه والتي يجنح للاقتناع بها كي يُضفي صبغة شرعية على ممارسته للعنف والقتل دون أن يتعرض لتردد أو تأنيب ضمير. (17)

 

ففي تلك المرحلة يقتنع طالب كلية الشرطة أنه يدافع عن الوطن ويفرض النظام والأمن والاستقرار ويحارب أعداء الوطن الأشرار الذين يريدون تخريبه، ومن ثم تصبح ممارسة العنف والتعذيب ضد كل من يرغب في زعزعة إيمانه السابق أمرا واجبا ومشروعا لحماية نفسه وحماية الوطن، فتزرع الكلية في طالب الشرطة التقنيات النفسية الأساسية التي تجعله ينفذ أوامر قائده مهما كلفه، وأن يرى كل معارضي النظام السياسي شياطين يجب إبادتهم واستباحة أجسادهم دون أي ضوابط أو محاذير، وفي الوقت نفسه تزرع الكلية في عقل ونفس طالبها أن ممارسي العنف المنهجي والتعذيب ورؤساءهم عبارة عن أيقونات نبيلة تضحي من أجل الوطن ورفعته.

 

ينتقل الشخص الذي صار قادرا على ممارسة العنف المنهجي بسلاسة ويسر إلى مرحلة أشد وطأة وشراسة، يتوحد فيها تمام التوحد مع السلطة

رويترز
 

بالإضافة إلى تلك التقنيات النفسية، تزرع الكلية والمؤسسة الأمنية في عقول أفرادها عبر برامج للتثقيف والتلقين مبررات تبدو براقة لممارسة العنف، فيُلقن جنود الأمن المركزي على سبيل المثال أنهم يهاجمون المتظاهرين لحماية الوطن من شرورهم، ولأنهم "كفرة شيوعيون" أو "فاسدون"، أو لأنهم يسيئون لسمعة مصر، أو لأنهم يتعاملون مع دولة أجنبية تُعادي الله ورسوله، وتحضر مؤسسة الشرطة عددا من الشيوخ ورجال الدين ليغسلوا عقول المجندين بذلك الشكل.

 

أما الضباط، فعلى سبيل المثال يبرر الضابط حديث التخرج الذي يعمل بقوات الأمن المركزي استعداده للهجوم بقواته على عدد من المعتصمين تبريرا مثيرا للتأمل: "فقد ذكر أن القيادات العليا أخبرته بأن للمعتصمين مطالب وأن الدولة لن تحققها في أي وقت، وبالتالي، فإن استمرار الاعتصام لن يحقق نتيجة لكنه قد يضر، فحينما يدرك المعتصمون أن الدولة لن تستجيب لمطالبهم قد يخرجون في مظاهرة، والمظاهرة قد تضم عناصر مخربة، والعناصر المخربة سوف تهشم السيارات والمتاجر وتسرقها وتخرب البلد، فالأجدى أن يتم التعامل مع المعتصمين بأقصى سرعة وتفريقهم عن طريق الضرب أو القنابل المسيلة للدموع وقاية من أي تطور غير مأمون العواقب". (17)

 

ويصف عميد الشرطة السابق محمود قطري في محاضرة ألقاها بمناسبة اليوم العالمي لمكافحة التعذيب نفسية الضابط في ظل بيئة عمل تحثه على ممارسة التعذيب فيقول: "...ومما يدعم هذا التحليل ما سقناه عما يعتري الضابط منذ فجر التحاقه بكلية الشرطة من تغيير، حيث يصبح مغرورا متكبرا وينظر إلى الناس من علٍ، فالغرور يجعله يتعامل مع البسطاء على أنهم حشرات، وهو يستخدمهم لتدعيم مركزه الوظيفي وكأنهم قطع شطرنج يحركهم دون إرادة منهم لتحقيق النصر، وهو تحقيق الإحصائيات، فإن اهتزاز الموقف الوظيفي للضابط بنقله من مكان دخله أكثر ومكافآته أكبر، أو مجازاته بالخصم من المرتب أو الوقف أو الإحالة للاحتياط، يجعله في مأزق إنساني، فهو قد لا يجد ما يشتري به الحاجات الأساسية من مأكل وملبس ومسكن له ولأولاده.

أليس ذلك تهديدا كافيا كي يدفع الضابط إلى عمل أي شيء والتضحية بالمواطن في سبيل معاشه وحياته؟ وهذا التهديد من قِبل الوزارة قائم بلا شك كالسيف على الرقاب، والدليل على هذا أن أحد أصدقائي في شرطة الذئاب عمل إحصائية عن النسبة المئوية لعدد الضباط المحالين للمحكمة التأديبية فوجد أنها تقترب من 35% من الضباط، إذًا الأمر في حقيقته صراع مصالح على الحياة والطعام". (18) لكن إذا كانت هذه الكلمات قد تقدم تفسيرات للعنف الممنهج الذي يرتكبه رجال الشرطة، فماذا عن العنف العشوائي الانتقامي؟

 


تقول الباحثة بسمة عبد العزيز إن في تلك المرحلة "ينتقل الشخص الذي صار قادرا على ممارسة العنف المنهجي بسلاسة ويسر إلى مرحلة أشد وطأة وشراسة، يتوحد فيها تمام التوحد مع السلطة، وينتقل من العمل للحفاظ على القانون الذي درسه بكامل نصوصه، ليصبح هو نفسه جزءا من هذا القانون"، فتختفي الفواصل بين السلطة والقانون والفرد، الأمر الذي يؤدي بالفرد إلى ازدياد شعوره المكتسب بالتفوق على الآخرين، ويصيبه لاحقا خلل في تقييمه لذاته، مثلما جسّد الفنان أحمد زكي تلك الحالة في فيلم "زوجة رجل مهم" .

في تلك الحالة، يفشل رجل الشرطة في إدراك الحدود التي ترسم سلطته وقدراته وصلاحياته، وعند هذه النقطة يأخذ التطور في شكل العنف يزداد، وتتوارى الحاجة إلى الآليات والتقنيات النفسية التي تم استخدامها سابقا لممارسة العنف المنهجي، إذ لا تصبح هناك ضرورة لوجودها، فتسقط فكرة التقسيم إلى دولة ونظام وأعداء، ليحل محلها تقسيم آخر قائم على الفردية، يوضع فيه الشخص المتوحد بالسلطة والقانون نفسه مقابل المجتمع كله.

 

وفي ذلك السياق تسقط المبررات الفضفاضة التي وضعها الضابط لنفسه مثل حماية الوطن وإقرار النظام، وتحل محلها دوافع شخصية بحتة، فيحل الفرد بسلطته المطلقة محل القانون، وما دام ليس هناك محاسبة ولا رادع، فلا مانع من إسقاط القانون نفسه ويضع الضابط قانونه ورغباته الدفينة محل التنفيذ، وفي ظل بيئة عمل تهدده باستمرار بقطع راتبه، مع سلطة اجتماعية وقانونية مطلقة وعدم وجود أي آلية للمحاسبة، يخرج كل ضابط ما في جعبته من رغبات دفينة في استخدام السلطة المطلقة التي تصل لإنهاء حياة أي إنسان بإطلاق النار عليه فورا.

 

هكذا يتكامل الإرث التاريخي لمؤسسة الشرطة المُحمّل برموز السلطة المطلقة التي دشنها محمد علي وعززها الاحتلال الإنجليزي وأبقت عليها دولة يوليو مع الدوافع النفسية للضباط في ظل عدم وجود أي رادع يمنعهم من استخدام السلطة المطلقة وممارسة العنف المتطرف، لنصل للواقع الحالي: مؤسسة أمنية عميقة، تمتلك جيشا من الغربان السود، وترسانة ضخمة من الذخيرة، تحاوطهم إمبراطورية من الفساد والعنف والبلطجية.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار