انضم إلينا
اغلاق
رحلة "الجولاني".. من رحم "داعش" إلى استنساخ "حزب الله"

رحلة "الجولاني".. من رحم "داعش" إلى استنساخ "حزب الله"

عبيدة عامر

محرر سياسية
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

على الحدود السورية العراقية، خطوط الرمال الهشة في الصحراء الشاسعة بين البلدين، وعبر طرق التهريب التي حملت منذ الأزل الرجال خفيفي المتاع ثقيلي الأحلام، من قبائل البدو مرورا بقوافل التجارة ومهربي الدخان والمواشي وصولا إلى "الجهاديين"؛ تدثّر بضعة رجال بظلمة تلك الليلة من أغسطس/آب لعام ٢٠١١، مزيلين لحاهم الطويلة السابقة، ومخفين مسدسات وقنابل يدوية في جعبهم، ومتزنّرين بأحزمة ناسفة تحت ملابسهم، في دلالة عملية على أن طريقهم باتجاه واحد فقط: من العراق إلى سوريا، بعكس الاتجاه السائد الذي أخذه معظم أعضاء تلك المجموعة متفرقين قبل ذلك ببضعة أعوام، برعاية النظام السوري، النظام الذي سها عنهم -بينما هم يعبرون الحدود- بمحاولاته الشرسة والمستمرة لإخماد الثورة السورية التي انفجرت بوجهه قبل ذلك التوقيت بخمسة أشهر فقط. [1]

  

كانت المجموعة المتسللة تحت إمرة شاب غامض يصغرهم جميعا يُدعى "أوس الموصلي"، لم يعرف عنه أي شيء وقتها باستثناء أنه كان مقاتلا سابقا في العراق بخبرة وشهرة أقل من جميع رفاق رحلته الذين ظهروا على رادارات الاستخبارات العربية في وقت ما، مثل الأردنيَيْن "أبو جليبيب" و"أبو أنس الصحابة"، صهر ورفيق "أبو مصعب الزرقاوي" قيادي تنظيم "القاعدة" الشهير، والعراقي "أبو مارية القحطاني"، في سِيَرٍ تعكس بوضوح تبعيتهم للفرع العراقي لـ "القاعدة" والذي استقر حتى تلك اللحظة تحت اسم "الدولة الإسلامية في العراق"، وكان التنظيم هو الذي بعثهم بمهمة واضحة ومحددة: إيجاد موطئ قدم جديد له في سوريا.

    

"أبو مصعب الزرقاوي" قيادي تنظيم "القاعدة" الشهير (مواقع التواصل)

   

مثّلت هذه الرحلة الخطوة الأخيرة والأهم لخطة إستراتيجية محكمة[2] هدفت لنقل "الدولة الإسلامية في العراق" من الورق إلى الواقع، خطة رسمها عقيد بعثي سابق في الاستخبارات العراقية بات يُعرف باسم "حجي بكر" بعد أن أطال لحيته البيضاء، وسبقها بعدة خطوات أهمها إخلاء قيادة التنظيم لزملائه البعثيين السابقين في الجيش والمخابرات بعد حملة تطهير داخلية شعواء، تُذكّر بحملات "صدام حسين"، صفّى خلالها كل من شك بولائه لـ "أمير المؤمنين" كما لُقّب، وجمع البيعات ممن تبقى لإمام عراقي مغمور اسمه "إبراهيم عواد البدري السامرائي"، أو "أبو بكر البغدادي" كما عرفه العالم أجمع فيما بعد.

  

تبدو سيرة أمير الرحلة "الموصلي" وأميره "البغدادي" متشابهة حد التطابق، فكلا الرجلين اللذين دخلا سجن "بوكا" الأميركي سيئ السمعة خرجا منه مغمورين لا يعرفهما أحد، ثم صعدا فجأة إلى مناصب كبيرة متجاوزين كل من حولهما؛ فبينما كان "حجي بكر" يقود حملة "عرقنة" التنظيم لإيصال البغدادي لمنصب "أمير المؤمنين"؛ كان "الموصلي" يخترق الصفوف وصولا إلى منصب "والي نينوى"، الولاية الأهم ومعقل التنظيم، مما يعكس الثقة والاحترام اللذين كان يتمتع بهما "الموصلي" لدى البغدادي وذراعه الأيمن حجي بكر، وهو ما اتضح أكثر بتسليمه المهمة الكبيرة التي بدأت بقيادة هذه الرحلة. [3]

  

إلا أن الرجلين لم يكونا يعلمان بعد أن بداية هذه الرحلة ستكون نهاية المسيرة المشتركة لهما معا، رغم أنها سترسم أوجه الشبه الأخيرة بينهما، لا بكون أن البغدادي والموصلي سيتصدران شاشات الأنباء وقوائم المطلوبين العالميين وحسب؛ بل بخروج كل منهما عن طوع أميره وانشقاق تنظيميهما الوليدين عن تنظيم "القاعدة" العالمي، مما جعل علاقتهما القديمة وصراعهما الجديد هما المحدد الأكبر لمستقبل الجهادية العالمية[4]، وبتحوّل كل منهما ليصبح على ضفته أمير الحرب الأكبر المتحكم بمصير بلاده: البغدادي، الذي سيصبح "خليفة" لـ"الدولة الإسلامية"، كما سُمّيت، بعد تغيير اسم تنظيمه عدة مرات، كما غيّر "الموصلي" نفسه اسمه عدّة مرات أيضا، آخرها وأشهرها هو "الفاتح أبو محمد الجولاني"، مما قد يجعل رحلة الصحراء هذه هي التي سترسم مستقبل الجهادية وسوريا والعراق كأهم حدث في الشرق الأوسط لأعوام قادمة.

    

أبو بكر البغدادي، زعيم "تنظيم الدولة الإسلامية" (مواقع التواصل)

 

"أوس الموصلي"

يمكن القول إنه لا يُعرف شيء مؤكد عن شخصية "الجولاني" باستثناء بعض المعلومات المتضاربة المتفرقة، إلا أن الرواية التي تبدو أقرب للمصداقية، باتفاق أكثر من شهادة لمقربين من الأجهزة الأمنية الغربية والسورية[5]، هي أن اسم الجولاني الحقيقي هو "محمد حسين الشرع"، وهو ما أكدته محكمة الجنايات بدمشق للمرة الأولى قبل أيام[6]، ومن مواليد درعا عام ١٩٨١، من عائلة "فاروق الشرع" نفسها، نائب رئيس النظام السوري "بشار الأسد".

  

نشأ "الجولاني" وعاش في حي المزة الأرستقراطي بالعاصمة دمشق، على بُعد ٢٠٠ متر من مسجد الشافعي[7]، وهو مسجد كان "خالد مشعل" رئيس المكتب السياسي لحركة حماس وقتها يُؤْثر صلاة الجمعة فيه دون غيره؛ لقربه من منزله ولعلاقته الطيبة مع خطيبه "محمد أبو الخير شكري"، وهو مسجد يشتهر بأن أبناء حركة المقاومة الإسلامية "حماس" كانوا يرتادونه بانتظام، مما جعل أبناءه ورواده يحتكون مباشرة بتجربة حركية سياسية مختلفة كان لها أثر فارق في نشأة الجولاني، فهي بعيدة عن التجربة المشيخية التقليدية لبقية المدارس "العلمائية الدمشقية"، وستُلقي بظلالها لاحقا مُفرّقة بين رحلة الجولاني عن أيديولوجيا التجربة الجهادية التي خاضها بالعراق، الذي توجه إليه قبيل الغزو الأميركي له، ثم انضم لجماعة "التوحيد والجهاد" التي أسسها الزرقاوي، قبل أن تنتهي به تلك التجربة في "سجن بوكا".

  

دخل "الشرع" السجن الأميركي وخرج منه تحت اسم "أوس الموصلي"، ولم يعرف أي من مرافقيه ولا سجانيه هويته الشخصية أو حتى أنه سوري، وبعد وصوله إلى سوريا استخدم كنية "أبا عبد الله"، قبل أن يُعلن عن تنظيمه الوليد "جبهة النصرة" وعن كنيته الشخصية الجديدة "الفاتح أبا محمد الجولاني"، ثم تحول بعدها لشبح لا يراه ولا يعرفه القادة الميدانيون أو الجنود، كما اشتهر بأنه لا يكشف عن وجهه في اجتماعات القيادة العليا محافظا بها على أجوبة مقتضبة وقصيرة، مما أكسبه سمعة رسمته على أنه "مفكر إستراتيجي لا مستعرض ومتحدث"، بحسب ما يروي "أبو عبد الله" قائد إحدى المجموعات الجهادية القريبة من جبهة النصرة، وأتى ذلك بجانب السرية المفرطة والاحتياطات الأمنية العالية التي أكدها كل من التقى به، وأهمهم "أبو خالد السوري" الذي قاتل مع "أسامة بن لادن" وأرسله خلفه "أيمن الظواهري" لسوريا، ليُشكّل ذلك كله ملامحه الشخصية مترافقة مع براغماتية عالية وجرأة كبيرة وإستراتيجية سياسية عالية المستوى، شهدت عليها جميعها المراحل التالية للرحلة. [8]

  

       

"جبهة النصرة"

خرج "الموصلي" من معتقل "بوكا" واستقر في العراق لدى صديق له شغل منصب "مسؤول الشمال"، وعرض عليه بأحاديث مطولة مشروعا متعلقا بالشام كان الأول يفكر به حتى قبل ذهابه للعراق، والذي لم يذهب إليه إلا "لكسب الخبرة والتجربة ليعود للعمل في الشام". وبالفعل نالت فكرة المشروع إعجاب ذلك الصديق، وطلب منه أن يكتب كتابا عنه ليرسله إلى "البغدادي" للحصول على موافقته.

  

وضع الجولاني الملامح العامة لمشروعه مُسميًّا إياه في الكتاب "جبهة النصرة لأهل الشام"، وأعلن عنه ابتداء تحت اسم أطول هو "جبهة النصرة لأهل الشام من مجاهدي الشام في ساحات الجهاد"، متضمنا أهدافه القريبة والبعيدة، وضرورة الاستفادة من تجربة العراق والانطلاق منها، مع مراعاة الفروق الجوهرية بين البلدين، مثل أن "الجهاد في العراق قام على إثر احتلال، بينما الحال في الشام فجهاد نتج عن ثورة شعبية"، وأن "عشائر العراق أقوى من عشائر الشام"، و"الإخوان المسلمون في سوريا أضعف من الإخوان في العراق، والنصيرية [أي العلويون] في الشام أقلية بلا دعوة، بعكس الشيعة أهل الدعوة لا الأقلية"، ليخلص لنتيجة مفادها أنه لا يمكن تطبيق النموذج العراقي في الشام، داعيا لفتح خط تواصل مباشر بينه وبين القيادة في العراق، أو منحه صلاحيات واسعة وتخويلا عاما باتخاذ القرارات بموجب المستجدات المتسارعة بعد الثورة السورية، دون الخروج عن القاعدة الأم، والتي ستكون "جبهة النصرة" هي فرعها في الشام عبر حلقة "دولة العراق الإسلامية".

  

وافق "البغدادي" بشكل فوري على المشروع مُثمّنًا الفكرة، فأرسل "الجولاني" في رحلته الليلية المذكورة أعلاه مع بعض المال وبضعة رجال، وسارت الأمور على ما يرام وبسرعة كبيرة نسبيا، إذ استطاع "الجولاني" أن ينظم الصفوف ويستفيد من الخبرات العسكرية-الجهادية القديمة والفوضى الحالية، فأصبحت شبكات الجبهة منتشرة في كل محافظات سوريا[9]، ثم بدأت عملياتها العسكرية النوعية باستهداف الفروع الأمنية بشكل سري، قبل أن تُعلن عن نفسها رسميا، في ٢٣ يناير/كانون الثاني لعام ٢٠١٢، بمقطع مرئي طويل مدته ١٣ دقيقة نشرته مؤسستها الإعلامية المعروفة بـ "المنارة البيضاء" على المنتديات "الجهادية" المعروفة.

  

    

بدأ مقطع "النصرة" بصورة لقبة الصخرة كإظهار للانتماء لـ "الجهاد العالمي"، وتضمن كلمة لمسؤولها العام "الجولاني" أعلن بها "حربه" على النظام السوري، كخطوة أولى لـ "إقامة الشريعة في بلاد الشام"، متّحدين "تحت حكم إسلامي واحد" كما قال، وهاجم به الغرب واعتبره مسؤولا عن الدم السوري، إضافة لهجومه على "عصا الغرب في المنطقة"، حسب تعبيره، وهي "النظام التركي"، ثم جامعة الدول العربية، و"النظام الصفوي الإيراني"، إلا أن المفاجأة الأبرز كانت تبنيه العملية الكبرى الأولى لجبهة النصرة، والتي كانت تفجيرا انتحاريا مزدوجا استهدف كلا من مقر المخابرات العامة السورية في "كفر سوسة"، وفرع الأمن قرب دوار الجمارك في منطقة البرامكة بقلب دمشق في ٦ ديسمبر/كانون الأول لعام الجبهة الأول ٢٠١١.[10]

  

إذن ظهرت "الجبهة" إلى العلن، لكنها بقيت مثل قائدها خفية، لا يُعرف شيء عن نشأتها وعلاقاتها، وغطّت على تلك الأسئلة إمكاناتها العسكرية وقدرات أفرادها القتالية وجرأتهم في مواجهة النظام السوري، وهو أمر اتضح عندما أعلنت الولايات المتحدة نهاية عام ٢٠١٢ إن عناصر "الجبهة" قاموا بأكثر من ٦٠٠ هجوم[11] لتصنفها على إثر ذلك "منظمة إرهابية"، وهو قرار أميركي قوبل بإدانة شعبية وسياسية من المعارضة السورية وممثليها[12] بجُل أطيافها تقريبا، مما عكس الشعبية التي استطاعت "النصرة" اكتسابها في وقت قليل، كانت خلاله بذور الشقاق الداخلية التي بدأت في رحلة البداية نفسها تطفو على السطح.

  

بذور الشقاق

بجانب المهمة الرئيسة للرحلة؛ حمّل "البغدادي" مبعوثه "الجولاني" مهمتين طلب منه وضعهما على رأس أولوياته، إحداهما شخصية، والأخرى أيديولوجية إن جاز القول؛ وكانت الأولى متمثلة باغتيال شيخ وقيادي "جهادي" عراقي مقيم في دمشق، يعرف بعدة أسماء منها "أبو عبد الله المنصور" و"أبو سعيد العيساوي" و"أبو سعيد العراقي"، أما اسمه الحقيقي فهو "محمد حردان"، شيخ "البغدادي" ومرشده.

  

    

كان "حردان" هو الذي علّم "البغدادي" عن قرب في الجامعة والحلقات الخاصة، وكان قائده العسكري السابق[13] أيضا في "جيش المجاهدين"، قبل اعتقال كليهما في "بوكا" الذي خرج منه "البغدادي" أكثر تطرفا فانضم إلى فرع القاعدة العراقي تحت قيادة "الزرقاوي"، ليدخل في معارك شرسة مع "حردان" وفصيله الذي لم يكن "البغدادي" يرى أن ضرره أكبر من ضرر الأميركيين وحسب؛ بل كان يخشى كذلك أن يكشف "حردان" نفسه أسراره التي ظهر بعضها في كتاب للأخير قال فيه إن البغدادي كان "محدود الذكاء بطيء الاستيعاب باهت البديهة… أبعد ما يكون عن طالب علم فضلا عن أن يكون عالما… ولم يكن من المبرزين في الميدان ولا من أهل الصولة والجولة ولا المهمات الكبار". [14]

  

لم يختر البغدادي "الجولاني" لمهمة الاغتيال لمجرد أنه ذاهب إلى دمشق، بل لأن الأخير و"حردان" قد اجتمعا في الزنزانة نفسها في "بوكا"، وعرفا بعضهما البعض عن قرب دون أن يعرفا هويات بعضهما، بحسب ما يكشف "حذيفة عزام" نجل الرمز الجهادي الشيخ "عبد الله عزام"، ويؤكد رفيقا الجولاني في رحلته إلى سوريا "أبو مارية القحطاني" و"صالح الحموي" الشهير باسم "أس الصراع في الشام"[15]، ووسط إصرار البغدادي كان الجولاني يرفض المهمة بشكل غير مباشر -كلما أعاد الأول تذكيره بها- بقوله إنه لا يعرف أين هو ولم يجده.

  

أما المهمة الثانية فكانت أيديولوجية بلا هدف سياسي، وتمثّلت بإرسال السيارات المفخخة والانتحاريين إلى اﻷراضي التركية، ورفضها "الجولاني" وشرعيّه العام "أبو مارية القحطاني" كذلك بشكل قاطع أكثر من مرة، مما دفع البغدادي نهاية عام ٢٠١٢ لإرسال مبعوث سوري آخر عالي الرتبة، وهو مسؤول العمليات الخارجية والناطق الرسمي باسم التنظيم "طه فلاحة"، الشهير باسم "أبو محمد العدناني" والملقب وقتها بـ "منجنيق الدولة الإسلامية"، ليولّيه "الجولاني" على الرقعة الشمالية التي تضم حينها حلب وإدلب وحماة، حيث بدأ "العدناني" في أخذ البيعات باسم "دولة العراق" لا "جبهة النصرة"، ثم وقعت بينه وبين المسؤولين المحليين مشاكل كثيرة، فعزله "الجولاني" من منصبه، وسلمه مسؤولية الحدود والمهاجرين والمعسكر المركزي لاستقبال المهاجرين، ثم عزله مجددا، فكتب كتابا للبغدادي من ٢٥ صفحة تقريبا وأرسله إليه، ليبعث الأخير في طلب "الجولاني" الذي أسرع إليه في العراق تاركا مكانه "مجلس شورى".

    

الناطق الرسمي باسم التنظيم "طه فلاحة"، الشهير باسم "أبو محمد العدناني" (مواقع التواصل)

 

كان العدناني قد أوحى لقيادته أن "الجبهة" تحاول الانشقاق عن "دولة العراق"، فبعث "البغدادي" مشرفا على الشام هو رئيس مجلس شورى "دولة العراق الإسلامية" ويُدعى "أبو علي الأنباري"، وكان من ضمن مهماته التحقق من نية الجبهة بالانشقاق، واستغرقت منه تلك المهمات ستة أشهر كاملة خرج منها بنتيجة سلبية تنفي نيّات "الانشقاق" المزعوم، إلا أن البغدادي لم يطمئن فسافر بنفسه لسوريا ووصلها مطلع عام ٢٠١٣.

  

في ذلك الوقت كانت الجبهة، بحسب عضو المجلس الشرعي "أبو عبد الله الشامي"، تستعد لشن هجوم على دمشق العاصمة، فأوقف البغدادي الهجوم بعزله المكلف بإدارته مع أمراء آخرين، وأعاد تشكيل مجلس الشورى منتصف مارس/آذار عام ٢٠١٣، وكان يفترض بذلك أن ينهي المشكلة، إلا أن ذلك لم يحدث، فاجتمع المجلس الجديد لكتابة شكوى وإرسالها إلى "الظواهري"، وكانت هي بمنزلة القشة التي دفعت "البغدادي" و"الأنباري" لقطع الطريق على "الجبهة" و"القاعدة" معا[16]، بالإعلان الشهير[17] في التاسع من أبريل/نيسان للعام نفسه والذي ألغى "دولة العراق الإسلامية" و"جبهة النصرة"، وأعلن عما عرفه العالم بعدها بـ "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، المسماة اختصارا بـ "داعش"، وهو إعلان أنهى المسيرة المشتركة للتنظيمين، وبدأ سلسلة طويلة من الحروب الكلامية والواقعية ستُعيد تشكيل مشهد "الجهادية" عالميا ومحليّا.

  

بدءا من ذلك اليوم، وعلى مدى عام كامل، لم تهدأ حرب البيانات بين "جبهة النصرة" و"تنظيم الدولة" و"تنظيم القاعدة"، بداية من اليوم التالي الذي خرج به "الجولاني" بكلمة صوتية أعلن بها امتثاله للدمج والانضمام لـ "تنظيم الدولة"، قاطعا الطريق على البغدادي بإعلانه البيعة المباشرة للظواهري زعيم "القاعدة"، من خرج بعد ذلك بشهرين داعيا للفصل المكاني بين "الولايتين"، وانتداب أبي خالد السوري مبعوثا للفصل بين التنظيمين ليُقتل بعد ذلك بثمانية شهور بهجوم انتحاري اتهم فيه "الظواهري" و"الجولاني" "تنظيم الدولة" باغتياله، بعد أيام من تبرؤ القاعدة من "فرعها" العراقي وأفعاله.

  

    

حدا ذلك بالعدناني للرد على الظواهري باتهامه بـ "الانحراف عن نهج القاعدة"، ولامزا إياه بجلوسه بعيدا عن ساحات القتال، ومعرّضا -بكلمة لاحقة- بالعلاقات بين إيران والقاعدة، تبعها بعد ذلك بيومين كلمة للقحطاني، الشرعي العام للنصرة، بعنوان "أيها المتردد"، دعا بها كل المسلمين لقتال "تنظيم الدولة الإسلامية"، "خوارج العصر" كما أسماهم، ولاستئصالهم[18]، في لحظة تُمثّل ذروة الصراع الكلامي بين التنظيمين، وهو صراع سار بالتوازي مع الصراع الميداني على مناطق النفوذ، صراع كانت لحظته الحاسمة سيطرة "تنظيم الدولة" على دير الزور، في الثالث من يوليو/تموز عام ٢٠١٤، بعد بضعة أيام فقط من الظهور الأول لـ "البغدادي" وإعلانه "خليفة الدولة الإسلامية".

  

من الخارج، قد يبدو هذا الشقاق حدثا استثنائيا بين ثلاثة تنظيمات تتبع بعضها بعضا، إلا أنه لم يكن أكثر من كشف عن الفروق الجوهرية بين "جبهة النصرة" و"الدولة الإسلامية"، على كل المستويات، إذ إن نشأة الجبهة كانت ملتبسة الهوية والأيديولوجيا ما بين نهجين مختلفين تماما سياسيا.

  

فمن ناحية، تعتمد القاعدة ما يسمى بنهج "الأنصار"، المرتبط بتنظيم القاعدة المركزي وإستراتيجيته التي طورها بعد الربيع العربي والمعتمدة على جذب السكان المحليين بتحويل مطلب "تحكيم الشريعة" من عمل نخبوي إلى عمل شعبوي، ومزج المدني بالعسكري والمحلي بالعالمي، مقابل النهج الهوياتي المذهبي المرتبط بالفرع العراقي، والذي يعتمد على الحروب المفتوحة والسطوة والتمكين، دون مبالاة بالحاضنة المحلية، وقد حسمت النصرة خياراتها باللجوء نحو الخيار السياسي والبراغماتي في النهاية.

  

لا تقف الخلافات على المستوى السياسي فقط، بل ترجع إلى مستوى أعمق وهو مستوى "المرجعية النظرية"، فبينما كانت مرجعية الفرع العراقي تستند فقهيا إلى "أبي عبد الله المهاجر" في "فقه الدماء"، وعمليا إلى أطروحات "أبي بكر الناجي" تحديدا في "إدارة التوحش" التي تضع مركزية التنظيم كأولوية؛ كان "الجولاني" يستند نظريا وعمليا إلى أطروحات "أبي مصعب السوري" المعتمدة على "اللامركزية" و"حروب المستضعفين" وإنشاء خلايا يجمع بينها الفكر والعقيدة دون تنظيم هيكلي متماسك، والتي تبناها الأخير وأكد عليها في كتابه الأشهر "دعوة المقاومة الإسلامية العالمية"، وطبقها الجولاني عمليا لقناعته بها وبصلاحيتها في سوريا، بما يتلاءم مع النزعة البراغماتية وسياسات التكيف في شخصية الجولاني، فضلا عن انتمائهما للهوية السورية المشتركة التي تحرص عليها النصرة بـ"سورنة" التنظيم أولا، ثم "شومنته" ثانيا (نسبة لسوريا والشام)، مقابل "عرقنة" تنظيم الدولة الذي قاده حجي بكر (نسبة للعراق)، في الخلافات التي انتهت أخيرا بالانفصال التام بين التنظيمين، ومهدت لرحلة جديدة من الشقاق، هذه المرة بين الأصل القاعدي والفرع السوري. [19]

    

 أبو مصعب السوري (مواقع التواصل)

  

من "النصرة" إلى "الفتح"

كانت لحظة السيطرة على "دير الزور"[20] لحظة فارقة في تطور الأحداث، فمن ناحية؛ كان توسع "تنظيم الدولة" على مساحة بعرض يصل لـ ٧٠٠ كم من ريف حلب الشمالي إلى تخوم كركوك، غنية بالموارد النفطية ويقطنها ملايين البشر، مكسبا إستراتيجيا كبيرا على حساب المعارضة المسلحة التي انحسرت وانحصرت مناطق نفوذها في أربع جزر معزولة، وعلى حساب جبهة النصرة التي فقدت معقلها ومواردها المالية، وتصدّعت بنيتها الداخلية بانشقاق آلاف المقاتلين الذين أغرتهم "دولة الخلافة"، أما من الناحية الأخرى؛ فقد تصدر "تنظيم الدولة" بعد دير الزور واجهة المشهد بإصداراته السينمائية القاسية وعملياته الانتحارية في كل أنحاء العالم، مما دفع إدارة الرئيس الأميركي وقتها "باراك أوباما" لإعلان تحالف عسكري ضده في الذكرى الثالثة عشرة لعمليات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001.

  

بعد عشرة أيام من الإعلان، لم تستهدف أولى الطائرات الأميركية المشاركة في الحملة معقل "تنظيم الدولة" في الموصل أو إحدى مناطق نفوذه مثلا، وإنما قصفت معملا للأسلحة قرب بلدة "سلقين" في إدلب، استهدفت به الكويتي "محسن الفضلي"، الذي نجا منها ليُقتل في هجوم لاحق، وكان "الفضلي" هو القائد المفترض لما أسمته واشنطن يومها للمرة الأولى بـ "مجموعة خراسان"، التي لم يكن يعلم عنها أحد شيئا، بما فيهم الجولاني الذي أنكر وجودها[21]، وهي، كما يبدو، الوصف الأميركي لمجموعة من الجهاديين المعولمين داخل جبهة النصرة، والذين يتبعون قيادة الظواهري في "خراسان" ويسعون لاستهداف "العدو البعيد"، مما يجعلهم يُشكّلون عائقا أمام تكيفات "النصرة" مع الشأن المحلي السوري، ويحولون دون إمكانية فك الارتباط مع تنظيم القاعدة. [22]

  

امتاز "الفضلي"، مثل بقية أعضاء هذه الخلية، بسجل عسكري وجهادي حافل ارتبط غالبه بأسامة بن لادن ونائبه الظواهري اللذين أرسلا غالب الخلية كوسطاء في الأزمة بين النصرة والدولة، أما الأمر الثالث والأخير الذي يجمعهم فهو أن معظمهم قُتل بطريقة الفضلي نفسها، بطائرات بدون طيار "درونز" كونهم أهدافا مفضلة لإستراتيجية "قطع الرؤوس" التي توسعت إدارة "أوباما" بها باستخدام تلك الدرونز، ونقلتها إلى سوريا بعد نجاحها في نظر أوباما ضد القاعدة في أفغانستان وشبه جزيرة العرب.

    

أسامة بن لادن، مؤسس تنظيم القاعدة السابق (الجزيرة)

   

تسببت إستراتيجية "قطع الرؤوس" الأميركية في استنزاف الخلية بشكل حاد، فقد أصيب لها "أبو همام الشامي" المسؤول العسكري للنصرة، بينما قُتل كلّ من السعودي "عبد المحسن عبدالله إبراهيم الشارخ" المعروف بـ "سنافي النصر"، و"أبو فراس السوري" مسؤول المعاهد الشرعية بالنصرة ومرافق ابن لادن الشخصي، ضمن آخرين، وفقدت الخلية كل قياداتها التاريخية القادرة على تطبيق إستراتيجية تنظيم القاعدة المركزي باستهداف "العدو البعيد" ممثلا بالولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل خصوصا، والغرب عموما، وهي الأهداف الأساسية لقاعدة ابن لادن، مما جعل انتساب النصرة للقاعدة بعد "خراسان" أمرا شكليا مجردا، ترافق مع فشل الجبهة بالدخول في أي اندماج حقيقي مع أي طرف بسبب خوف الفصائل الأخرى منها كونها تنظيما مصنفا على قوائم الإرهاب، ليأخذ الجولاني خطوة عملية أخرى، وليظهر بوجهه للمرة الأولى بتاريخ ٢٨ يوليو/تموز عام ٢٠١٦، معلنا عن حل "جبهة النصرة" وتشكيل "جبهة فتح الشام".

   

كان مشهد إعلان "جبهة فتح الشام" عالي الرمزية، إذ ظهر على يمين الجولاني أكبر المدافعين عنه وهو الشرعي العام لجبهة فتح الشام "عبد الرحيم عطون" من عرفناه بكنيته "أبو عبد الله الشامي"، وعلى يساره الشخصية الجهادية العالمية "أبو الفرج المصري"، في محاولة من الجولاني لكسب الشرعيتين المحلية والجهادية العالمية، بينما ظهر الجولاني نفسه كاشفا عن وجهه للمرة الأولى بمظهر شبه مطابق لابن لادن، بعمامة ولباس عسكري، واستخدم كلمات زعيم القاعدة التاريخي نفسها كذلك وأهداف التنظيم نفسها، رغم تأكيده أن تنظيمه "لا ينتمي لأي جهة خارجية"، مما جعل هذا الانفصال "شكليا"، سواء ذاتيا بإعلان ذلك لاحقا على لسان "أبو عبد الله الشامي" الذي قال في شهادة مطوّلة له إن هذا كان مجرد "لعبة إعلامية"، أو موضوعيا بكون التحول لم يقلل خوف الفصائل من النصرة أو يقربها إليها، كما لم يدفع الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة، لرفع صفة "الإرهابية" عنها، لتواصل الأخيرة استهدافها للجبهة باسمها الجديد.

  

لم يكن إعلان "فتح الشام" شكليا وحسب، وإنما كان إشكاليا كذلك بحسب ما كشف عنه عدد من الشهادات الداخلية لاحقا لبعض الشخصيات المرتبطة بالحدث، فمنذ اللحظة الأولى استقال عدد من أعضاء مجلس شورى التنظيم، على رأسهم "أبو جليبيب" رفيق الجولاني في رحلة التأسيس، و"أبو خديجة الأردني" و"أبو همام الشامي"، مع تعليق الشرعي العام لجبهة فتح الشام "سامي العريدي" لمهماته، والأسوأ هو "غضب" زعيم تنظيم القاعدة "أيمن الظواهري"، من أرسل رسالتين منفصلتين أعلن بهما رفض الانفصال موضحا أنه لا يتم إلا بموافقة كل أعضاء مجلس شورى "القاعدة" أو بعد تشكيل "دولة إسلامية"، مع أن نائب الظواهري نفسه، "أبا الخير المصري"، قد أعلن مباركته لما حدث قبل الإعلان بيوم لتوقعه موافقة الظواهري على ما يبدو، بينما فُسّر رفض الأخير على أنه تأثير من بقية أعضاء مجلس شورى القاعدة، خاصة المستقرين في إيران، مثل "سيف العدل" و"أبو محمد المصري"[23]، والذين كانوا يتوقعون أن يتراجع الجولاني، إلا أن الجولاني رفض التراجع وصعّد من خطواته للخطوة الأخيرة حتى الآن من رحلته، وهي خطوة أعاد بها على ما يبدو استنساخ أكبر ميليشيا عسكرية في الشرق الأوسط.

    

"أبو جليبيب" رفيق الجولاني في رحلة التأسيس (مواقع التواصل)

   

استنساخ العدو

في نهاية عام ٢٠١٦، بدا أن المفاوضات بين "القاعدة" و"فتح الشام" تسير في طريق مسدود، خاصة مع انتشار شائعات أن "أبا جليبيب" كان يعد أساسات تشكيل فصيل جديد منتسب للقاعدة، ومع الانتقاد العلني للمنظر الجهادي العالمي "أبو محمد المقدسي" لـ "فتح الشام"، بالتزامن مع انقلاب الموجة على المعارضة المسلحة في "حلب" التي كانت تشهد أيامها الأخيرة، مما رفع أسهم فكرة "الاندماج" لأعلى حالاتها منذ بداية الثورة السورية، وهي موجة استغلها الجولاني لفتح محادثات جديدة في ديسمبر/كانون الأول لعام ٢٠١٧ مع الفصيل الوحيد الذي يتجاوزه حجما وانتشارا: "أحرار الشام".

  

سعى الجولاني بذلك لتجاوز رفض التيار الذي يمكن أن يسمى بـ "الوطني" داخل الحركة لصالح "الجهادي" الذي كان ينسق مع الأول، والذي انشق أخيرا تحت اسم "جيش الأحرار" بعد انهيار محادثات الاندماج بسبب رفض "أحرار الشام"، خشية من فقدان الدعم من تركيا، الداعم الرئيس لها، وخوفا من التصنيف على قوائم الإرهاب والاستهداف من قِبل واشنطن، بجانب خشية "أحرار الشام" لاحتمالية استغلال "فتح الشام" للاندماج إن حدث لتتغلب عليها، خاصة أن المحادثات تخللها تهديدات بالاغتيال حال الرفض. [24]

  

على كلٍّ، لم يمنع هذا الرفض جبهة فتح الشام من تشكيل "هيئة تحرير الشام" باندماجها العملي مع "جيش الأحرار" و"حركة نور الدين زنكي" أكبر فصائل غربي حلب، بجانب عدد من الفصائل الأخرى، مما كان يعني انفصالا عمليا وكاملا عن القاعدة، اتفق على وصفه بذلك كل من "عطون"، شرعي جبهة فتح الشام، و"العريدي"، الشرعي السابق لها والذي أعلن انشقاقه عنها لحظة الإعلان، ليكون ذلك بداية نهاية جهود الصلح مع القاعدة.

  

    

تصاعد الخلاف بعد ذلك وبلغ ذروته بحملة أمنية شنتها الهيئة فجر 29 نوفمبر/تشرين الثاني ٢٠١٧ اعتقلت بها "العريدي" نفسه بجانب عدد من قيادات القاعدة الكبار في سوريا، أبرزهم "أبو جليبيب" ونائب الظواهري "أبو القسام السوري"، مبررة الحملة بأن هذه الشخصيات "كانت تسعى لتقويض كيان الهيئة ونشر الفتن والإشاعات" حسبما قالت، ومثيرة موجة من الانتقادات والاختلال داخلها نفسها، وفي الوسط الجهادي عامّة، وهي موجة دفعت الظواهري في مساء اليوم نفسه لإصدار كلمة صوتية مطولة هاجم بها الهيئة، وفك الارتباط من ناحيته تماما بإعلانه وجود فرع للقاعدة في سوريا، دون مزيد من التفاصيل.

  

لاحقا، وبعد ما يقارب ثلاثة أشهر، ظهر على قنوات الفصائل المقربة من "القاعدة" في سوريا بيان مشترك بعنوان "أنقذوا فسطاط المسلمين" تحت اسم تنظيم جديد هو "حراس الدين"، حارس شعلة القاعدة الأخير[25]، والذي جمع تحت لوائه عدة كتائب صغيرة من المقاتلين الأجانب ومقاتلي وشخصيات القاعدة السابقين، أبرزهم "أبو الهمام الشامي" العسكري السابق للنصرة والذي يقال إنه أمير التنظيم، برفقة "أبي جليبيب" و"أبو خديجة الأردني" و"سامي العريدي" و"أبو القسام خالد العاروري"، نائب أبي مصعب الزرقاوي الذي كان معتقلا في إيران، ليصبح هناك تنظيمان مختلفان تماما، بانفصال يشابه الانفصال بين "النصرة" و"تنظيم الدولة"، بعد المسعى الجديد الذي اتخذه الجولاني و"هيئة تحرير الشام"، والذي يمكن القول، للمفارقة، إنه ليس مجرد انفصال الفرع عن الأصل، وإنما محاولة استنساخ لتجربة عدو كل هذه التنظيمات ونقيضها: حزب الله اللبناني، ميليشيا الشرق الأوسط الأضخم، والتي روى عدة مقربين من الجولاني عن تأثره وإعجابه بها.

  

بآخر نسخها، اتخذت "هيئة تحرير الشام" إستراتيجية مختلفة تماما في الحوكمة وتعاملها مع الأطراف الأخرى[26]، تعتمد على السعي لفرض الهيمنة على التمرد السوري، بعكس حالة التشرذم السابقة، متطلبة بهذا المنطق أربعة عناصر مختلفة: قيادة سياسية أكثر فعالية، تنظيما عسكريا أكثر تماسكا، حوكمة فعالة، واستقلالا عن الداعمين بمنعهم من التدخل المباشر، دون القطيعة معهم، وإنما بدفعهم للتنازل لصالح أهداف هذا التمرد، إلا أن هذا المنطق يتعارض مع المسعى السابق لجبهة النصرة أو جبهة فتح الشام، عندما كانت أكثر قابلية للتنازل أمام الفصائل الأخرى على المستوى العسكري والإداري، وهو ما بدا بدخولها بتحالفات كبيرة كان أبرزها "جيش الفتح" الذي استطاع فك حصار حلب وتحرير مدينة إدلب، والتي سمحت بها للمجالس المحلية بالعمل بشكل مستقل عن فرعها "الإدارة العامة للخدمات" التي عمل بعضها تحت "الحكومة المؤقتة"، رغم وجود بعض الحالات الاستثنائية عن هذا المسعى، مثل تشكيل "دار القضاء"، أو هجومها وتغلبها على بعض الفصائل التي تراها تهديدا وجوديا بكونها "وكيلة" لدول أجنبية، مثل "حزم" و"جبهة ثوار سوريا".

  

كان أبرز الشواهد على منطق "الهيئة" الجديد هو سعيها لتوحيد كل المجالس المحلية في منطقة نفوذها بإدلب تحت ما أسمته "الإدارة المدنية للخدمات" التابعة لها، والأهم؛ هجومها المتكرر على خصمها الكبير "أحرار الشام" وانتزاع بعض معاقلها المهمة، إضافة لسيطرتها على "معبر باب الهوى" الإستراتيجي مع تركيا[27]، والذي سمح لها بتوسيع قدراتها وطموحاتها الإدارية وصولا إلى "حكومة الإنقاذ"، الجناح السياسي والإداري والمدني الناعم للهيئة، مطلع نوفمبر/تشرين الثاني ٢٠١٧. [28]

 

     

تشكّلت حكومة الإنقاذ من ١١ وزارة هم: الداخلية، العدل، الأوقاف، التعليم العالي، التربية والتعليم، الصحة، الزراعة، الاقتصاد، الشؤون الاجتماعية والمهجرين، الإسكان والإعمار، والإدارة المحلية التي ضمت "الإدارة المدنية للخدمات"، مع غياب لوزارة الدفاع التي تمثلها "الهيئة" عمليا، والتي استخدمتها للسيطرة على الهيئات والمواقع السابقة التابعة لحكومة الإنقاذ والمجالس المحلية السابقة[29]، وصولا لفرض هيمنتها المدنية والعسكرية التامة، بشكل يكاد يطابق نموذج "الضاحية الجنوبية" في العاصمة اللبنانية بيروت تحت سيطرة حزب الله.

  

وسعيا لاستكمال عناصر الهيمنة، تعاملت "هيئة تحرير الشام" مع التدخل التركي في إدلب وتأسيس نقاط المراقبة بما يتفق مع اتفاق أستانة، ثم سوتشي في سبتمبر/أيلول الماضي[30]، والتي أعلن شرعيّها المصري "أبو فتح الفرغلي" أنها "لا تنتهك شروط الهيئة"، والتي بنظره لا تزال تملك الأفضلية العسكرية مع غياب الاتصال الجغرافي لهذه النقاط، مع عدم تدخل الأتراك في الشؤون الإدارية للمناطق المحررة، وبقاء "قرار بدء أي عملية عسكرية أو إنهائها بيد المجاهدين بالكلية" حد التعبير، بما يتوافق مع أحد المسؤولين السياسيين في الهيئة الذي أعلن أن هذه النقاط لن تكون عائقا أمام تحقيق أهداف "إسقاط الأسد ونظامه".

  

يشهد على ذلك بالفعل عدم تدخل الجيش التركي بأي نزاع عسكري بين "الهيئة" والفصائل الأخرى، بما فيها حلفاؤها الأكبر في إدلب "الجبهة الوطنية للتحرير" التي ضمت "أحرار الشام" و"نور الدين زنكي"، أو "الجيش الوطني" الموجود في مناطق نفوذها في ريف حلب الشمالي وعفرين، الذي لم توجهه لمواجهة "الهيئة"، فيما يبدو أن أنقرة تعترف بها كقوة أمر واقع، خصوصا مع سيطرتها على معبر باب الهوى. اليوم، تبدو "هيئة تحرير الشام" صاحبة اليد العليا في التمرد السوري، إلا أن هذا لا يتوقع أن يستمر على المدى الطويل، إذ إن "الهيئة" تواجه عدة تهديدات داخلية وخارجية، أبرزها التناقضات الأيديولوجية الكبيرة، والتي بات ما يجمع أفرادها تحت شخصية الجولاني هو البراغماتية والاستعداد للتخفف من أي عبء تنظيمي وحتى أيديولوجي مقابل تحقيق المشروع الذاتي المتمثل بالحكم المحلي الشبيه بحزب الله، رغم أنها تأسست في الوقت نفسه من أيديولوجيا سلفية جهادية لا تستطيع التخلي عنها كي لا تفقد شرعية وجودها لدى أفرادها، مما يجعلها تبدو بحالة "مائعة" غير متماسكة على المدى الطويل.

  

    

وربما لن تستطيع الصمود حتى بوجه تنظيم القاعدة الأم، الذي تخلى عنها وأعاد تكيفه بتأسيس تنظيم أكثر تماسكا وصلابة خطابيا وأيديولوجيا وتنظيميا وأكثر اتساقا مع مدرسة الجهادية العالمية[31]، مقابل فشل الجولاني بتأسيسه مشروع اندماج حقيقي وموحد لفصائل المعارضة السورية المسلحة كلها، مما قد يجعل أي هجوم محتمل على إدلب، دون مظلة تركية، مفككا للبنية الإدارية وممهدا لعودة "الهيئة" لحرب العصابات، ومنه لصلح "الجولاني" و"الظواهري"، مما سيعني -إن تم- أن الجولاني سينتهي حيث ابتدأت رحلته، وهو الذي لم يفهمه أحد أكثر مما فهمه رفيقه في تلك الرحلة، "أبو أنس الصحابة"، الذي انشق عنه لاحقا بل وقاد العمليات ضده في القلمون الشرقي، متنبئا في وقت مبكر نسبيا أن الجولاني يسير في "مشروع ثالث" متمايز عن كل من القاعدة التي انبثق عنها وعن الفصائل المحلية والشعبية، لم يكن أحد يتوقع أنه سيكون استنساخا لـ"حزب الله"، العدو السوري الأول في نظر الكثيرين.

المصادر

تقارير متصدرة


آخر الأخبار