انضم إلينا
اغلاق
"ثورة بنكهة شعبوية".. كيف نجح المقاول فيما فشل فيه الإخوان واليسار؟

"ثورة بنكهة شعبوية".. كيف نجح المقاول فيما فشل فيه الإخوان واليسار؟

  • ض
  • ض

في يناير/كانون الثاني 2011 خرج صوته المتعاطف من المخابرات الحربية وطمأن الإسلاميين والليبراليين في ميدان التحرير بأن الجيش يقف في صفهم، وكان قد لعب دور الجنرال الشاب المتدين واليقظ مع الرئيس الراحل محمد مرسي. وفي توتر مسرحي كانت يداه ترتجفان حين وقف منتظرا في ركن الغرفة في القصر الرئاسي، بينما كان رئيساه آنذاك محمد حسين طنطاوي وسامي عنان يواجهان الإقالة من منصبي وزير الدفاع ورئيس الأركان. ثم لعب دور الخادم المطيع الصامت في اجتماعات الحكومة مع رئيس كان يسِنّ أنيابه استعدادا لخيانته، كل ذلك بينما كان ينتظر أن يجلب السعوديون والإماراتيون الـ20 مليارا اللازمة لانقلابه. وعندما لجأت إليه الجماهير ليُخلّص مصر من حكم الإخوان المسلمين، أصبح "البطل المنقذ" في يونيو/حزيران 2013، وبالطبع لم يكن هذا الجنرال الصادق يسعى للاستحواذ على السلطة لنفسه، لكنه لم يتردد كثيرا في الإعلان عن أنه "مرشح الضرورة" للانتخابات الرئاسية.

  

ولعل الأمر بات واضحا تماما عندما خلع الجنرال الزي العسكري مرتديا البزة المدنية، لقد كان مجرد تغيير مظهر ليس إلا. وفي فترة رئاسته تنّقل مُمثّلنا البارع بين شخصيات ثلاثة أخرى، على الأقل الأولى "الفيلسوف" الذي لم يتخذ قرارا دون إرشاد ديني، ثم "منشئ المشروعات الكبرى" مثل توسيع قناة السويس وبناء المدن الجديدة، ومن ثم "الفرعون" الذي قال لشعبه إن عليهم تحمل ضنك العيش. غير أن تقمص السيسي لهذه الأدوار انكشف عندما انشق ممثل آخر من خلف الستار، بالطبع، فلا يفل المحتال إلا محتال مثله! على مدى ثلاثة أسابيع شُوّهت صورة السيسي على يد أحد رجاله الذين قرروا فضحه، حيث أمسكت فيديوهاته من منفاه الاختياري في إسبانيا بتلابيب مصر.

    

  

إن محمد علي ليس بطلا، كما يعترف هو نفسه بذلك، فهو واحد من بين عشرة مقاولين حصريين يتعامل معهم الجيش، أي إنه فاسد مثلهم، كما أنه ترك مصر مع أسرته وثروته فقط لأنهم لم يدفعوا له مستحقاته، لا لأنه مدافع عن حقوق الإنسان. إنه ليس إسلاميا ولا يساريا، وليس بباحث مثقف ولا يتكلم عن الشريعة، فبطلُ مصر الشعبي الجديد يحب السيارات السريعة والتمثيل وإنتاج الأفلام والتطوير العقاري. إنه خبير الشارع وابن السوق الطموح الذي يمتلك سيارة فيراري زرقاء، وعند الاستماع إليه تشعر كما لو أنك تُنصت لسائق توكتوك وهو يغتاب سائقا آخر، لكن عندما يتكلم لغة الشارع ويستمع له الشارع فتلك إذن معضلة أمام السيسي.

 

قال محمد علي لشعب مصر: "إن السيسي (فاشل) و(مخزٍ) و(قزم قصير) يستخدم مساحيق التجميل ويرفع بنطاله أكثر من اللازم، وكان السيسي المحتال يعظكم عن تقليل الأكل وشد الحزام بينما يبني قصورا لزوجته انتصار". وأكمل قائلا: "دعوني أخبركم أي قصور تحديدا بنيتُ لأجلهم"، واسترسل محمد علي بقائمة القصور على النحو التالي: "بيت فخم في الحلمية (بقيمة 6 ملايين دولار)، ومقر إقامة رئاسي في الإسكندرية (بقيمة 10 ملايين دولار)، وقصر في العاصمة الإدارية الجديدة، وقصر آخر في مدينة العلمين الجديدة غرب الإسكندرية".

  

فُقراء يسكنون القصور

أشعل الكشف عن قصور السيسي الغضب في صدر شعب يغرق في أعماق الفقر أو يوشك أن يقع فيه. كما بيّن تقرير نشره البنك الدولي في أبريل/نيسان أن "نحو 60% من سكان مصر فقراء أو معدمون"، إذن نحو نصف السكان الآن يعيشون تحت خط الفقر أو يقتربون منه، وهو خط أعلى في مصر -عمدا- من أي مكان آخر. غير أن الإحصاءات المصرية تختلف مع هذه النسبة، فوفقا لها ارتفعت نسبة مَن يعيشون تحت خط الفقر من 25.3 إلى 32.5% منذ عام 2011. وقف معظم المصريين متفرجين عاجزين بينما دخلهم الفعلي يتناقص، وبينما ترزح مصر في إطار برنامجها التقشفي المدعوم من صندوق النقد الدولي تحت الوزن الثقيل للديون الخارجية الضخمة.

   

كان الدين الخارجي يبلغ ما مقداره 43 مليار دولار أثناء فترة رئاسة مرسي، والآن بلغ 106 مليارات دولار، كما أن 70% من الضرائب تخصص لسد هذه الديون، وبلغ الدين الداخلي ما يزيد على 5 تريليونات جنيه مصري (306 مليارات دولار)، وبهذا المعدل فإن اقتصاد مصر متجة للإفلاس لا محالة. يتذكر كل مصري المحاضرة التي ألقاها السيسي عن ضرورة شد الحزام، عندما أجبره صندوق النقد الدولي على خفض الدعم، قال السيسي: "إنني أعرف أن الشعب المصري قادر على تحمل المزيد.. وعلينا أن نفعل ذلك.. عليكم أن تدفعوا، عليكم أن تدفعوا"، في هذيان مرتجل بعد عام من رئاسته.

    

  

"أنا أقول هنا، ستدفع يعني ستدفع.. انتبهوا، هل تعرف ماذا يعني أن هناك صندوقا أُشرف أنا عليه؟، هل تعرف ماذا يعني عندما أقول إن هذا الصندوق تحت إشرافي أنا؟ هذا يعني أنه إذا تمكّنت من أخذ جنيه واحد مني، يمكنك التحدث". واسترسل قائلا: "أنا أتحدث إليكم بجدية.. أنتم لا تعرفونني، اسألوا الجيش (عني).. اسألوا الجيش عما كنت أفعله بفضل الله سبحانه وتعالى عندما كنت هناك.. اسألوا المقاولين الذين عملوا معي أثناء فترة خدمتي في الجيش عما كنت أفعله...".

  

لذا من غير المفاجئ أنه عندما رد على ذلك محمد علي، المتربح من داخل النظام، أنصتت له آذان الجميع، حينما قال: "الآن تقول إننا فقراء جدا وإننا يجب أن نجوع؟ هل تجوع أنت؟ إنك تنفق المليارات على الأرض! ويبدد رجالك الملايين! أنا لا أقول أمرا سريا، فأنتم مجموعة من اللصوص". والعجيب أن رد السيسي كان بتأكيد كل ما قاله المقاول، والأسوأ من ذلك أنه بدا أنه يعترف بأن معلومات "علي" كان لها تأثير على الرتب الصغيرة في الجيش، وقال: "من حقكم أن تعرفوا، إلى جميع الأمهات المسنات اللائي يصدقنني ويصلّين إلى الله من أجلي، أود أن أخبرهن: إن ابنكن شريف ومخلص وصادق". وقالها صراحة: "نعم، بنيت قصورا رئاسية، وسأواصل بناء قصور رئاسية.. أنا أقوم بإنشاء دولة جديدة؛ ولا يوجد شيء مسجل باسمي، إنه من أجل مصر".

   

إن ما أحدثته قناة "محمد علي" على يوتيوب خلال ثلاثة أسابيع من تدمير لصورة السيسي كان أكثر مما فعله الإخوان والليبراليون واليساريون، قوات المعارضة المنسحقة الآن في مصر، خلال ست سنوات من الاحتجاج السياسي. ويُحسب لقوى المعارضة أنها لم تنهر وأنها دفعت ثمن موقفها بحياتها وحريتها، ولكن يُحسب عليها أن الشعب المصري لم يستمع لها، وإن كان يستمع الآن.

   

هذه المرة مختلفة

  

تمكّن السيسي من النجاة من العواصف من قبل؛ فقد قضى على معارضين عسكريين أو عسكريين سابقين بكفاءة وبلا رحمة؛ فمحمود حجازي، رئيس أركان الجيش قد أُقيل، وأحمد شفيق وُصم، وسامي عنان داخل سجونه. إنه حاليا في محطة توقف في نيويورك، يتزود بالوقود من خلال مدح دونالد ترمب الجزل، وأمام تقارير عن اضطرابات في القاهرة قال ترمب: "إن مصر لديها قائد عظيم، إنه محترم للغاية، لقد جلب النظام للدولة، من قبله كانت هناك فوضى، وبالتالي أنا لست قلقا من تلك الاضطرابات على الإطلاق". يظن السيسي أن بإمكانه تجاوز رياح هذه العاصفة أيضا، كما فعل في التحديات التي قابلته في الماضي، حيث شرع في اعتقال مئات المحتجين منذ يوم الجمعة الماضي، لكن لماذا يختلف الأمر هذه المرة؟

   

أولا، لدى السيسي خياران، أحدهما سيئ والثاني أسوأ، فأما السيئ هو تجاهل الاحتجاج والأمل في أن يتلاشى مع الوقت، ولكن يجدر بنظرة واحدة إلى المحتجين أن تكون كافية لتنبيهه، فهم مصريون عاديون، معظمهم من الرجال الذين تجاوزوا الأربعين من العمر، بلا انتماءات سياسية وبلا قيادة ويملؤهم السخط، هؤلاء هم الذين ساندوه ضد جماعة الإخوان المسلمين عام 2013. يعرف السيسي هذا، ورغم ذلك عندما سُئل في نيويورك، تمسك بالتوهم بأن الإسلام السياسي "يحاول الوصول إلى السلطة في بلادنا". حسنا، ما الحقيقة؟ هل سحق الإخوان كما زعم أم لم يفعل؟

   

الخيار الثاني والأسوأ هو تشديد الخناق، لكن حتى ذلك يعد مصيدة موت للسيسي، فالمُلاحَظ أن المظاهرة الأولية في ميدان التحرير في يناير/كانون الثاني 2011 كانت أصغر من تلك التي اندلعت في القاهرة والسويس والإسكندرية يوم الجمعة الماضي. وفيها طالب المحتجون في البدء بالإصلاح، وليس بالإطاحة بحسني مبارك، في حين أنه يوم الجمعة الماضي، أسقط المحتجون صورة السيسي، وهتفوا في اليوم الأول من هذه الثورة الجديدة: "قول ما تخافشي.. السيسي لازم يمشي"!

     

   

إشعال الربيع العربي

إن كل ما استطاع السيسي فعله في فترة رئاسته هو إعادة خلق الظروف ذاتها التي غذّت الربيع العربي في عام 2011، بل لا شك أن ظروف اليوم أسوأ. والسبب الثاني وراء اختلاف هذه المرة هو أن "المعارضة" هي "الجميع"؛ المصريون العاديون، والرتب الصغيرة الساخطة في الجيش، ورجال الأعمال في عهد مبارك، إنه تحالف عريض غير مسبوق للقوات، ومجددا كان الفضل في لمّ شمل المصريين يرجع لطاغية! والسبب الثالث هو أنه على عكس عام 2013، فإن ممولي السيسي، المملكة العربية السعودية والإمارات، قد نفدت أموالهم التي كانت تتدفق لمصر؛ فاليوم لكلٍّ منهما مشكلاته الخاصة وتدخلات أجنبية تزداد سوءا (في اليمن وليبيا).

 

عندما كان السيسي في بغداد في وقت سابق من هذا العام، كانت هناك لحظة كاشفة، فوفقا للتقارير الداخلية، تفاجأ العراقيون باللغة التي استخدمها السيسي عن حليفه السعودي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، فعلى ما يبدو لم يتمكّن السيسي من التوقف عن السباب لأن "مبس" لم يدفع. أين هذا الموقف من المرة التي تباهى فيها السيسي لرئيس أركانه عباس كامل بأن دول الخليج "لديها أموال مثل الأرز"/"معاهم فلوس زي الرز". ولكن ليس بعد الآن، اختلفت الرياح ويكاد وقود الثورة المضادة ينفد. السبب الرابع هو أن الاحتجاج الشعبي يبرز من جديد كمحرك للتغيير في جميع أنحاء المنطقة، لقد رأيناه يُسقط أعتى الطغاة في السودان والجزائر، وتعلم كلا الشعبين دروس الانقلابات الفاشلة في الماضي وتمكّنا حتى الآن من إدارة عملية الانتقال دون تسليم ثمار الثورة للجيش، ومصرُ لها عين تبصر! بعد ست سنوات من الشتاء، بدأت براعم الربيع العربي تتفتح، نعم ببطء، لكن هذه المرة لا يمكن إيقافها، هل يسدل الستار على السيسي؟ إنه، على الأرجح، الفصل الأخير من مسرحيته.

----------------------------------------------------------

ترجمة: سارة المصري.

هذا المقال مترجم عن Middle East Eye ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار