انضم إلينا
اغلاق
بين واشنطن وموسكو وبكين.. من يسيطر على كنوز القطب الشمالي؟

بين واشنطن وموسكو وبكين.. من يسيطر على كنوز القطب الشمالي؟

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

    

هناك الكثير مما يشترك فيه دونالد ترامب مع الحكام الأميركيين في القرن التاسع عشر، مثل الولع الشديد بالتعريفات، والنظرة العنصرية للأقليات، وغيرها من الأمور، لكن أكبر هذه المشتركات ظهر مؤخرا في أحاديث ترامب خلال الشهرين الماضيين حول رغبته في شراء ولاية غرينلاند -المتعارف على تسميتها ضمنا بقلب العالم الجيوسياسي الجديد- من الدنمارك وضمِّها للولايات المتحدة، الأمر الذي يُبيِّن، بما لا يدع مجالا للشك، أن الرئيس الأميركي لا يزال يعيش في عالم ما قبل(1) النظريات الحديثة للسياسة الدولية التي تنص على احترام الحدود وسيادة الدول، وتُجرِّم التوسع الإمبريالي عن طريق الحرب أو شراء الأراضي بين الحكومات وبعضها بعضا.

   

وعلى الرغم من ذلك، لم تكن محاولات الاستيلاء على الأراضي عبر الشراء بِدعا في التاريخ الأميركي، حيث يعرف الأميركيون اليوم أن النسبة الأكبر من أراضي دولتهم تم الحصول عليها عبر عمليات استحواذ وشراء متتابعة، بداية من قيام الأميركيين بشراء منطقة لويزيانا من فرنسا في عام 1803 والتي كانت مساحتها تبلغ ضعف مساحة الولايات المتحدة في ذلك التوقيت وتتوزع أراضيها اليوم بين 15 ولاية أميركية، ومرورا بالحصول على ولاية فلوريدا من إسبانيا في صفقة مجانية عام 1819، وشراء ولايتي نيو مكسيكو وتكساس من المكسيك عام 1848 بعد الحرب المكسيكية-الأميركية، وليس انتهاء بشراء ولاية ألاسكا من روسيا عام 1867 ضمن مساعي الإمبراطورية الروسية للتخلص من الأراضي غير المفيدة في أميركا الشمالية.

   

يرغب ترامب إذن فيما يبدو أن يُسجِّل اسمه ضمن قائمة قصيرة من الرؤساء الذين وسّعوا مساحة الولايات المتحدة جغرافيًّا، وهي رغبة تكمن دوافعها الرئيسة في الاعتزاز بالذات والبحث عن المجد الشخصي اللذين يشتهر بهما ترامب على كل حال، ورغم ذلك فإن تصريحاته غير المألوفة والتي قوبلت باستهجان في الدنمارك وغرينلاند تُعبِّر في جوهرها عن طموحات جيوسياسية طويلة الأمد لدى أميركا، التي حاولت في أكثر من مناسبة خلال تاريخها الحصول على غرينلاند لأسباب تراوحت بين المجد الشخصي للرؤساء والرغبة في التوسع الإقليمي وضرورات الأمن القومي.

     

  

وقعت المحاولة الأولى(2) خلال ولاية الرئيس "أندرو جونسون"، حين حاول وزير الخارجية وليام سيوارد -بعد نجاحه في إتمام صفقة شراء ألاسكا من روسيا- متابعة أهدافه في التوسع الإقليمي عبر تقديم عروض متعددة لشراء أجزاء من الأراضي الكندية من الإمبراطورية البريطانية، وكذا شراء غرينلاند وأيسلندا من الدنمارك التي كانت تُسيطر على المنطقتين في ذلك التوقيت، غير أن آمال "سيوارد" في الحصول على الأراضي تلاشت عندما فشلت صفقة مماثلة لشراء جزر الهند الغربية الدنماركية بسبب رفض مجلس الشيوخ الأميركي آنذاك، قبل أن تنجح أميركا في محاولتها لشراء الجزر بعد 50 عاما، وهي الجزر التي تُعرف اليوم باسم جزر فيرجن (جزر العذراء) الأميركية.

  

لكن فشل محاولات "سيوارد" في ضم غرينلاند لم تُنهِ الطموحات الأميركية في الحصول على الجزيرة القطبية، حيث وقعت المحاولة الأميركية الثانية لضم غرينلاند إبان الحرب العالمية الثانية أعقاب الغزو النازي للدنمارك والنرويج عام 1940 في حرب غير متكافئة استمرت 6 ساعات فقط، غزو رفض السفير الدنماركي في واشنطن على إثره تلقي الأوامر من حكومة يتحكّم فيها النازيون في كوبنهاجن، وقام بتوقيع اتفاقية مع الأميركيين منحت واشنطن الحق في الانتشار العسكري في غرينلاند لمنع ألمانيا من استخدامها قاعدة لاستهداف أميركا وكندا.

  

سمح الاحتلال الأميركي لغرينلاند في زمن الحرب بتطوير العديد من المنشآت العسكرية الأميركية في الجزيرة بما في ذلك القاعدة الجوية في "ثول"، وتزامنا مع ذلك بدأت واشنطن تطرح مجددا على محمل الجد احتمالية شراء غرينلاند، لدرجة أنه في فبراير/شباط عام 1946 استطلعت مؤسسة غالوب العريقة رأي الأميركيين في إمكانية قيام بلادهم بدفع مليار دولار لشراء غرينلاند، وقد صوَّت 33% من الأميركيين بالموافقة مقابل رفض 38% للاقتراح، رغم أن 45% من المُجيبين على الاستطلاع قالوا إنهم لا يعرفون بوضوح أين تقع غرينلاند من الأساس.

     

رغم نهاية الحرب الباردة مطلع التسعينيات، لم ينتهِ الاهتمام الأميركي بغرينلاند أبدا، وظلّت الجزيرة الشاسعة موضعا للاهتمام وساحة للتنافس

رويترز
    

ورغم ذلك كان المخططون العسكريون يدركون بشكل متزايد الأهمية المتنامية للجزيرة من منظور الأمن القومي الأميركي، لذا فإنهم قاموا بتقديم عرض الشراء مجددا للمسؤولين الدنماركيين الذين رفضوه قطعيا في نهاية المطاف، لكن توترات الحرب الباردة ضمنت للأميركيين الحصول على ما أرادوا على أي حال: سلسلة من المنشآت العسكرية والقواعد الجوية التي لعبت دورا رئيسا في الإستراتيجية النووية الأميركية إبان الحرب الباردة، حيث لم يكن الردع النووي الأميركي للجمهوريات السوفيتية يعتمد على الصواريخ العابرة للقارات ولكن على القاذفات محدودة المدى، وفي ظل إستراتيجية الردع هذه، وفَّرت غرينلاند لواشنطن موقعا لا يُقدَّر بثمن لتحليق قاذفاتها فوق المناطق القطبية.

   

ورغم نهاية الحرب الباردة مطلع التسعينيات، لم ينتهِ الاهتمام الأميركي بغرينلاند أبدا، وظلّت الجزيرة الشاسعة المتمتعة بالحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك، والتي تتجاوز مساحتها 2.2 مليون كم مربع ويقطنها بالكاد 57 ألف شخص وتُغطي بأكملها بالجليد على مدار العام؛ ظلّت موضعا للاهتمام وساحة للتنافس، ليس فقط من قِبل أميركا ولكن أيضا من قِبل القوى الطامحة مثل الصين وروسيا، وهو تنافس لا يبدو أنه يتعلَّق بغرينلاند ذاتها بقدر ما يتعلَّق بالسباق الأوسع على الموارد وطرق الشحن والهيمنة العسكرية في القطب الشمالي، المكان الذي يبدو أنه يتحوَّل تدريجيا إلى ساحة لحرب جديدة بين القوى العالمية.

   

أمن واشنطن القومي

عند الحديث عن الأهمية الإستراتيجية للقطب الشمالي، تبرز احتياطات الموارد الضخمة إلى بؤرة الاهتمام، فوفقا للبيانات(3) التي نشرتها هيئة المسح الجيولوجي الأميركي في عام 2009، فإن نحو 30% من احتياطي الغاز الطبيعي و13% من احتياطي النفط غير المكتشفين في العالم بالكامل يقعان في القطب الشمالي، غير أن بدايات الاهتمام بالمنطقة القطبية تعود إلى ما قبل مخاطر الاحتباس الحراري والذوبان المتسارع للجليد والصراع المحتدم حول الموارد في العقد الأخير، وكان الاهتمام في البداية مرتبطا بإمكانية استخدام المنطقة كطريق بديل بين شرق العالم وغربه، أو بين المحيط الهادي والمحيط الأطلسي.

   

  

بالنسبة للولايات المتحدة، بدأ هذا الاهتمام بالقطب الشمالي يتعزز خلال الحرب العالمية الثانية ولاحقا إبان الحرب الباردة لدوافع يغلب عليها الجانب الأمني، ورغم أن أميركا أصبحت دولة قطبية قبل ذلك التاريخ بقرن من الزمان حين قامت بشراء ولاية ألاسكا من الإمبراطورية الروسية، فإن هذا الاهتمام تكلَّل بإصدار أول سياسة أميركية رسمية تجاه المنطقة القطبية في عام 1971 إبان حكم الرئيس ريتشارد نيكسون، ونصَّت على التركيز على ثلاثة مجالات رئيسة هي: حماية المصالح الأمنية، وتقليل المخاطر البيئية، وتعزيز التعاون الدولي.

 

لاحقا في عام 1984 أصدر الكونغرس الأميركي قانون سياسة القطب الشمالي الذي أعاد التركيز على سياسات نيكسون القطبية إضافة إلى المصالح الاقتصادية التي اقتصرت آنذاك على صيد الأسماك في ألاسكا، وعلى مدار العقدين التاليين ظلّت سياسة الولايات المتحدة القطبية تُركِّز بشكل أكبر على القضايا البيئية والعلمية ومراقبة التطورات المناخية في المنطقة وصياغة أُطر للتعاون مع دول القطب الشمالي، حتى إن سلاح خفر السواحل الأميركي، الوكالة الرئيسة المسؤولة عن السياسات الأميركية القطبية وحماية الممرات المائية في القطب الشمالي؛ ظل مُتخلِّفا نسبيا مقارنة بأفرع الجيش الأميركي الأخرى ومعتمدا على معدات قديمة نسبيا في ظل ميزانية محدودة بشكل كبير.

    

لكن ذلك كله كان على وشك أن يتغيّر على وقع تطوّرين حاسمين(4) بداية من عام 2013، أولهما انضمام الصين كدولة مراقب إلى مجلس القطب الشمالي، وهي هيئة تنسيق دولية تضم في عضويتها الدول الثماني التي تمتلك أراضي داخل الدائرة القطبية الشمالية "الولايات المتحدة وكندا وروسيا والنرويج والدنمارك والسويد وفنلندا وأيسلندا"، في علامة واضحة على أن بكين بدأت تتطلع للمنطقة القطبية، أما التطور الثاني فهو إعلان روسيا إنشاء القيادة الإستراتيجية المشتركة لأسطول الشمال الروسي عام 2014، وهو إعلان جاء مصحوبا بتعزيز موسكو وجودها العسكري عبر شبكة من القواعد العسكرية على طول حدودها القطبية لحماية ممرات الشحن الجديدة التي خلَّفها ذوبان الجليد في المناطق القطبية، وهو ما ردَّت عليه واشنطن بإصدار أول سياسة قطبية تُركِّز على مصالحها الأمنية منذ الحرب الباردة.

    

 مجلس القطب الشمالي هي هيئة تنسيق دولية تضم في عضويتها الدول الثماني التي تمتلك أراضي داخل الدائرة القطبية الشمالية (رويترز)

    

خلال السنوات التالية، زادت الولايات المتحدة من اهتماماتها بالمنطقة القطبية بشكل ملحوظ، واستغلَّت رئاستها الدولية لمجلس القطب الشمالي بين عامي 2015 و2017 في تعزيز مصالحها في المنطقة، وقامت بتعيين ممثل حكومي خاص للقطب الشمالي وزادت من حجم الأراضي والمياه المحمية فيدراليا في المنطقة، وفي أغسطس/آب 2015 أصبح أوباما أول رئيس يزور منطقة القطب الشمالي في ألاسكا، حيث أعلن هناك أبرز ملامح سياساته القطبية وهي تأمين المضيق القطبي وممرات الشحن، وتحسين حياة المجتمعات القطبية ومواجهة آثار التغير المناخي، وكتذكير بحجم التنافس الجيوسياسي المتسارع في المنطقة، تزامنت زيارة الرئيس الأميركي مع تمرينات بحرية صينية روسية على ساحل فلاديفوستوك، حيث طالع سكان ألاسكا سفن البحرية الصينية وهي تعبر قبالة جزر ألوتيان في طريقها إلى روسيا.

   

ومع رحيل إدارة أوباما وقدوم إدارة ترامب، حافظت الولايات المتحدة على سياستها الهادفة للتكيف مع المتغيرات الجديدة في القطب الشمالي، بما يشمل طرق الشحن والصراع حول الموارد، وتزايد التنافس الجيوسياسي في المنطقة، وهو ما ظهر بشكل واضح خلال الاجتماع الوزاري لمجلس القطب الشمالي منذ خمسة أشهر في مايو/أيار الماضي، حين حذَّر وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو من أن المنطقة القطبية تتحوّل إلى ساحة للمنافسة على السلطة والموارد، وأن على بلدان القطب الشمالي تهيئة نفسها للتأقلم مع هذا الواقع الجديد.

   

لم تلتزم واشنطن الصمت طويلا بعد تحذيرات بومبيو، وفي الشهر التالي مباشرة يونيو/حزيران أصدرت(5) وزارة الدفاع الأميركية إستراتيجية جديدة للقطب الشمالي تدور حول مواجهة التهديدات الجديدة والتكيف معها، ونصت الإستراتيجية صراحة على أن تحركات الصين وروسيا في القطب الشمالي تُشكِّل مخاطر على الأمن القومي الأميركي، داعية الكونغرس إلى اعتماد التمويل اللازم لزيادة الانتشار العسكري الأميركي في المنطقة، وتعزيز قدرات خفر السواحل، وبناء 6 كاسحات جليدية جديدة قادرة على حمل طائرات الهيلوكوبتر والطائرات بدون طيار لتعزيز قدرة السفن الأميركية على الملاحة في المياه القطبية.

   

وجاء مشروع قانون الدفاع الوطني لعام 2020، وهو القانون الذي يُحدِّد مجالات الإنفاق العسكري السنوي على أقسام الدفاع، ليُصدِّق(6) على الرؤية نفسها، ونص القانون على أن تبدأ الوكالات المعنية في الولايات المتحدة بدراسة اقتراحات لإنشاء ميناء للمياه العميقة في المنطقة القطبية -وهو أول ميناء أميركي من نوعه هناك-  من أجل منافسة موانئ المياه العميقة الروسية وتوفير مرافئ مناسبة لرسوّ السفن وكاسحات الجليد الضخمة، ورغم أن فكرة الميناء القطبي العميق سبق طرحها من قبل في عام 2015 من قِبل مهندسي الجيش الأميركي الذين رشحوا ميناء نومي في ألاسكا ليصبح أول ميناء أميركي للمياه العميقة في المنطقة القطبية، فإن الاقتراح رُفِض في ذلك التوقيت بسبب التوقعات الاقتصادية القاتمة للعائد على الاستثمار في الميناء، ولكن مع تطوّر نظرة الولايات المتحدة للقطب الشمالي لتصبح أكثر تركيزا على الأمن القومي هناك، فإن العوائق الاقتصادية من غير المرجح أن تظل حائلا أمام جهود الولايات المتحدة للحاق بركب القوى الساعية للهيمنة على مساحات الجليد الهائلة وما بها من موارد في أقصى شمال العالم.

       

 

      

قياصرة موسكو

على عكس الولايات المتحدة التي بدأت تلتفت إلى القطب الشمالي في وقت حديث نسبيا، كانت المناطق القطبية دوما جزءا من نظرة روسيا العالمية وجزءا من هوية شعبها القادر تاريخيا على العيش في المناخات القاسية الباردة، وبالنظر إلى وقوع خُمس الأراضي الروسية ونحو 90% من احتياطاتها الهيدروكربونية المستقبلية داخل الدائرة القطبية، وفي ظل وجود مليوني روسي يعيشون داخل الدائرة المتجمدة وهو أكثر من نصف عدد سكان العالم في هذه المنطقة، ومع كون ما يقرب من 22% من الناتج المحلي الإجمالي لروسيا يتم الحصول عليه من حقول النفط والغاز في المنطقة الواقعة فوق الدائرة القطبية الشمالية، فإن منطقة الشمال الباردة تُعَدُّ(7) جزءا لا يتجزأ من نسيج ثقافة الروس ورمزا لطموحاتهم التاريخية للوصول إلى أقصى نقطة ممكنة شمال العالم.

  

ونتيجة لذلك، فإن روسيا بدأت فعليا محاولاتها لاستكشاف القطب الشمالي إبان عهد القياصرة منذ أكثر من 300 عام، أي قبل عقد تقريبا من أول محاولة غربية ناجحة قامت بها البحرية الملكية البريطانية بقيادة السير "وليام باري" للوصول إلى المنطقة، حيث نجحت البعثات التي أرسلها قيصر روسيا الخامس "بطرس الأكبر" في ترسيم سواحل القطب الشمالي بطول نحو 24000 كيلومتر، وهو ما يعادل إجمالي محيط حدود روسيا البرية بأكملها، وإن لم تنجح بعثاته في التوغل كثيرا في قلب الأكوام الجليدية الكثيفة للبحار القطبية.

   

بعد ذلك التوقيت بـ120 عاما تقريبا، نجحت روسيا في بناء أول كاسحة جليدية في العالم باسم "يارماك"، وفي عام 1957 قامت روسيا بالانتهاء من بناء الكاسحة الجليدية "لينين" وهي أول كاسحة جليدية تعمل بالطاقة النووية، وبعد ذلك بعقدين، وتحديدا في عام 1977، بدأت روسيا في دفع أسطولها الناشئ من الكاسحات الجليدية لاستكشاف القطب الشمالي، وكانت كاسحة الجليد الروسية "أركتيكا" هي أول كاسحة جليد في التاريخ تصل إلى القطب الشمالي.

    

  

قبيل الحرب العالمية الثانية، توسّعت نظرة روسيا إلى القطب الشمالي لتكتسب بُعدا عسكريا للمرة الأولى مع ظهور إمكانية استخدامه بوابة للعبور إلى شمال المحيط الأطلسي، لذا فقد قامت آنذاك بتدشين أسطول جديد خاص من البحرية الروسية مخصص للمهام القطبية عُرف باسم الأسطول الشمالي، وشرعت في بناء قاعدة بحرية في مورمانسك، وهو أول ميناء روسي على المحيط المتجمد الشمالي، وجرى نقل مجموعة من السفن من أسطول البلطيق الروسي نحو الشمال، ووقع أول اختبار عسكري للأسطول الشمالي إبان الحرب بين السوفييت وفنلندا عامي 1939 و1940، حيث لعب الأسطول دورا في توصيل الإمدادات للجيش الأحمر على الأرض، ما لفت انتباه الولايات المتحدة لأهمية الاستثمار عسكريا في المنطقة القطبية عبر إنشاء قاعدة "ثول" العسكرية في غرينلاند عام 1943 التي استخدمتها واشنطن قاعدة لمراقبة الأنشطة العسكرية السوفيتية واعتراضها خاصة القذائف النووية.

  

ومع نهاية الحرب العالمية الثانية وقدوم زمان الحرب الباردة؛ شرعت روسيا في استثمار الكثير من الموارد لتعزيز نفوذها الاقتصادي والعسكري في القطب الشمالي، وفي المقابل سعت القوى الغربية لاحتواء الجهود السوفيتية عبر تسيير دوريات للناتو في المسطحات المائية بين غرينلاند وأيسلندا وبريطانيا لمنع الغواصات السوفيتية المسلحة نوويا من العبور إلى المحيط الأطلسي، ولكن مع انهيار الاقتصاد السوفيتي خلال عقد الثمانينيات ويقين السوفييت من خسارة الحرب الباردة، أصدر الاتحاد السوفيتي في عهد غورباتشوف سياسة جديدة للقطب الشمالي قلَّصت من أولوية الأنشطة العسكرية وركَّزت على الأنشطة المدنية مثل تنمية الموارد والبحث العلمي وحماية البيئة، ما عنى ضمنا أن موسكو قرّرت تقليص الموارد المخصصة للمنطقة القطبية وتحويل تركيزها ببطء بعيدا عن القطب الشمالي.

   

لكن تغيّر المناخ والقوة المتزايدة للاقتصادات الآسيوية غّيرا الحسابات الروسية، حيث تُشير التقديرات إلى أن حجم جليد القطب الشمالي يتقلّص بنسبة 12.8% كل عشر سنوات منذ عام 1979، فيما تشير بيانات وكالة الفضاء الأميركية ناسا إلى أرقام أكثر قلقا للروس، حيث تزعم الوكالة أن حجم الجليد في القطب الشمالي في شهر سبتمبر/أيلول للعام الماضي 2018 أقل بنسبة 42% مقارنة بعام 1980، وبقدر ما يُنذِر ذلك بكوارث بيئية وجغرافية منتظرة؛ فإنه يحمل في طياته العديد من الفرص(8) للدول القطبية وفي مقدمتها روسيا مع سهولة التنقيب عن الاحتياطات الهيدروكربونية التي يعتمد عليها الاقتصاد الروسي، ومع تحوّل البحار والممرات المائية الشمالية المجمدة إلى طرق محتملة للشحن الدولي، وعلى رأس هذه الطرق يأتي الممر الشمالي الذي يصل المحيط الأطلسي بالمحيط الهادي عبر سواحل القطب الشمالي الروسية، ويربط اقتصادات آسيا الصاعدة في الشرق بالعالم الغربي.

   

وفقا لتصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين العام الماضي، فإن 10% من استثمارات الحكومة الروسية في الوقت الراهن تذهب إلى القطب الشمالي

رويترز
  

ومع استمرار ذوبان الجليد اكتسب الممر الشمالي أهمية متزايدة(9) منذ مطلع العقد الحالي مع ظهور إمكانية استخدامه طريقا بديلا للشحن بين آسيا وأوروبا عوضا عن الطريق التقليدي الذي يمر عبر قناة السويس في مصر، حيث يوفر الطريق الجديد ميزة إستراتيجية كبرى هي تقليص وقت الشحن بمقدار 40% مقارنة بالطريق التقليدي، ما يعني توفير مئات الآلاف من الدولارات من تكاليف الوقود، فضلا عن احتياطات الهيدروكربونات الهائلة الكامنة حول الممر والتي يمكن أن تُغيِّر قواعد اللعبة في سوق الطاقة العالمي.

  

لكن المشكلة الرئيسة حاليا أنه لا يمكن الإبحار في المحيط المتجمد الشمالي إلا لمدة ثلاثة أشهر كل عام في أقصى التقديرات بسبب تراكم الجليد، وهي ما يعني أن موسكو مطالبة باستثمار مليارات الدولارات لبناء كاسحات جليد متطورة ترافق السفن للحفاظ على الممر مفتوحا لأطول فترة ممكنة، وكذلك الاستثمار في موانئ المياه العميقة القادرة على استقبال الكاسحات، والحقيقة أن موسكو لم تكن بخيلة إطلاقا في استثماراتها القطبية، فوفقا لتصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين العام الماضي، فإن 10% من استثمارات الحكومة الروسية في الوقت الراهن تذهب إلى القطب الشمالي، ويعتقد أن جزءا كبيرا من هذه الاستثمارات يتم توجيهه بشكل خاص إلى صناعة الشحن، بما في ذلك تشكيل أسطول ضخم من كاسحات الجليد مكوَّن من نحو 40 كاسحة منها 9 كاسحات نووية -يمكن إدراك ضخامة الرقم إذا علمنا أن الولايات المتحدة تملك 3 كاسحات جليدية فقط في الوقت الراهن- وتعزيز البنية التحتية للمياه العميقة في الموانئ الواقعة على امتداد الطريق القطبي مثل مورمانسك وبروفيدنيا.

  

وقد آتت الجهود الروسية أُكلها على ما يبدو، ففي العام الماضي وحده نُقِل أكثر من 20 مليون طن من البضائع من 20 دولة مختلفة عبر الطريق الشمالي، ورغم أنه يُعَدُّ رقما ضئيلا جدا بالنسبة إلى حجم البضائع التي تُشحن عبر الطرق التقليدية، فإنه يُمثِّل زيادة بمقدار 100% مقارنة بالعام الأسبق 2017، وتتوقع موسكو أن يتم مضاعفة هذا الرقم 4 مرات بحلول عام 2025، غير أن الطموحات الروسية في الهيمنة على طرق الشحن القطبية لا تأتي بلا تكاليف، فمع تزايد المنافسة على هذه الطرق خاصة من القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين، وجدت روسيا نفسها من جديد مضطرة لتبني إستراتيجية عسكرية(10) أكثر حزما في القطب الشمالي لحماية مصالحها الاقتصادية المتوسعة في المنطقة.

   

  

وابتداء من عام 2013، صنَّفت موسكو حلف الشمال الأطلسي (الناتو) كتهديد رئيس للأمن القومي الروسي في القطب الشمالي، وأعلنت أن مواجهة هذا التهديد تُعَدُّ أولوية قصوى، وفي 2014 أدرجت العقيدة العسكرية الروسية حماية الموارد الطبيعية في القطب الشمالي على رأس ثلاث أولويات إستراتيجية لسياستها القطبية جنبا إلى جنب مع تأكيد سيادتها على مناطقها الاقتصادية الخالصة، وإبراز وجودها العسكري، ومن أجل تحقيق هذا الغرض قامت موسكو في العام نفسه بإنشاء القيادة الإستراتيجية الشمالية للإشراف على أنشطتها العسكرية في القطب الشمالي كما ذكرنا.

  

كانت هذه الإستراتيجية تعني بالتبعية أن موسكو شرعت(11) منذ ذلك الحين في إنفاق مليارات الدولارات على بناء وترقية سبع قواعد عسكرية فوق الجزر وأشباه الجزر الممتدة على طول الممر الشمالي، مع نشر أنظمة رادار وصواريخ متطورة في مناطق تقل درجة حرارتها عن خمسين درجة تحت الصفر، وتعزيز أسطولها من الغواصات بإضافة 5 غواصات جديدة قادرة على حمل الصواريخ الباليستية والصواريخ الموجهة بدقة، وفي عام 2015 قامت روسيا بأكبر عملية انتشار عسكري في منطقة القطب الشمالي منذ الحرب الباردة حين حشدت 45 ألف جندي وأكثر من 3000 مركبة و100 طائرة و41 سفينة بحرية و14 غواصة هناك، وكانت رسالة موسكو من خلال هذا التعزيز العسكري واضحة وصريحة وهي أن السفر عبر الممر الشمالي سيكون خاضعا لإشراف وحماية روسيا وحدها بخلاف طرق الشحن التقليدية حول العالم التي يتم حمايتها فعليا من قِبل البحرية الأميركية.

   

كل أعين بكين 
 الرئيس الصيني شي جين بينغ (رويترز)

   

على النقيض من روسيا التي كان الاهتمام بالمناطق القطبية جزءا لا يتجزأ من تاريخها وهويتها، كان الاهتمام الصيني بالقطب الشمالي حديثا نسبيا إلى حدٍّ كبير حتى بالمقارنة مع الولايات المتحدة، ويمكن أن نقول إنه بدأ(12) في الظهور بوضوح خلال ثمانينيات القرن الماضي وكان مُركَّزا في مجال البحث العلمي، حيث أُنشِئ معهد البحوث القطبية في شنغهاي وأُطلقت المجلة الصينية للبحوث القطبية من قِبل أكاديمية العلوم الصينية عام 1988، وقبل ذلك بأربعة أعوام أرسلت بكين أول حملة استكشافية صينية إلى القطب الشمالي.

    

وفي عام 1996 انضمت الصين إلى اللجنة الدولية لعلوم القطب الشمالي، وفي عام 2003 افتتحت بكين مركز أبحاث النهر الأصفر وهو أول مركز أبحاث صيني في المنطقة القطبية يقع على أرخبيل سفالبارد النرويجي المطل على المحيط المتجمد الشمالي، ولكن في عام 2007، وبعد أن شاهد الصينيون عرض قوة روسي بزرع علم من التيتانيوم في قاع المحيط المتجمد الشمالي، بدأت الصين تولي اهتماما أكبر للأهمية الجيوسياسية للمناطق القطبية، وبدأ صناع السياسة في بكين في صياغة رؤية إستراتيجية للتعامل مع المناطق القطبية.

  

منذ عام 2008، كثّفت بكين من مساعيها للحصول على عضوية بصفة مراقب في مجلس القطب الشمالي، ونجحت بالفعل في الحصول على عضوية مراقب في المنظمة عام 2013، وبحلول العام الماضي قامت الصين بطرح أول سياسة متكاملة للقطب الشمالي حددت الأطر العريضة لسياسات بكين تجاه المنطقة، وهي إعطاء الأولوية لاستخدام طرق الشحن في القطب الشمالي الذي أطلقت عليه الصين طريق الحرير القطبي، أو مبادرة الحزام والطريق القطبية، جنبا إلى جنب مع استكشاف واستغلال الموارد الطبيعية في المنطقة وتعزيز الأمن القومي الصيني والمشاركة في حوكمة القطب الشمالي.

      

    

وتُعَدُّ هذه الأهداف منطقية إلى حدٍّ كبير من وجهة نظر المصالح الصينية، فمن ناحية يمكن باستخدام الممر الشمالي، أو طريق الحرير القطبي(13) وفق التسمية الصينية، أن يوفر 40% من وقت رحلات الشحن وملايين الدولارات من تكلفة الوقود فضلا عن تجنّب مخاطر القرصنة في شرق أفريقيا ونقاط الاختناق البحرية التقليدية، كما يخدم الطريق أيضا هدفا إستراتيجيا للصين وهو تقليص اعتمادها على الممرات والمضائق التي تتحكّم فيها الولايات المتحدة، لذا لم يكن مستغربا استهدافها لتمرير بين 5 إلى 15% من تجارتها عبر الطرق القطبية بحلول العقد القادم، رغم الصعوبات اللوجيستية والجيوسياسية المرتبطة بتحقيق هذا الهدف.

  

في الوقت نفسه، فإن السعي لاستغلال موارد القطب الشمالي من شأنه أن يساعد في إشباع شهية الصين للهيدروكربونات والمعادن الأرضية النادرة -التي تسيطر الصين على 90% من المخزون العالمي منها- وكلاهما موجود بوفرة في القطب الشمالي، وأخيرا يمكن للصين تعزيز أمنها الاقتصادي والسياسي عبر استخدام الطرق البحرية واستكشاف موارد القطب الشمالي وتطويرها، ما يمكن أن يكون له تأثير كبير على إستراتيجية الطاقة والتنمية الاقتصادية في الصين.

  

لكن المشكلة بالنسبة لبكين أنها لا تمتلك أي أراضٍ داخل الدائرة القطبية يمكن أن تدعم مطالبها بالحصول على المزيد من الحقوق في المنطقة، بما يعني أن على الصينيين أن يطرحوا إطارا بديلا لتقاسم النفوذ داخل القطب الشمالي يعطي الدول غير القطبية حق المشاركة في حوكمة المناطق القطبية، وفي هذا السياق أعلنت الصين نفسها "دولة جار قطبية"، وهو مصطلح صيني يشير إلى الدول المجاورة للمناطق القطبية التي تمتلك مصالح في القطب الشمالي رغم أنها لا تمتلك أراضي داخل الدائرة القطبية، ورغم اعتراف بكين بالحقوق السيادية للدول القطبية في الأراضي والمياه الإقليمية، فإنها تحتج بأن القطب الشمالي اليوم يتجاوز كونه مسألة خاصة بين الدول القطبية، وأن جميع أصحاب المصلحة في القطب الشمالي سواء كانوا من الدول القطبية أو غير القطبية أو حتى الفاعلين دون الدول "الأقاليم التي تتمتع بالحكم الذاتي" ينبغي أن يتشاركوا في إدارة مصالحهم في المنطقة القطبية.

  

لكن مزاعم الصين بأحقيتها المشاركة في حوكمة القطب الشمالي لاقت رفضا واضحا من القوى القطبية الكبرى، وخصوصا روسيا والولايات المتحدة، وهو ما دفع الصين للجوء لسياستها التي تُجيدها وزرع نفوذها ببطء داخل المناطق القطبية الأكثر ضعفا واحتياجا، وهي الدول التي لا تتمتّع بسواحل مباشرة على المحيط المتجمد الشمالي مثل أيسلندا والتي يتم التعامل معها كقوى قطبية من الدرجة الثانية، وكذا الأقاليم المتمتعة بالحكم الذاتي مثل غرينلاند والتي لديها خلافاتها الخاصة مع بلدانها الأصلية.

  

لطالما كانت أيسلندا على وجه الخصوص تطمح أن يتم التعامل معها كدولة ساحلية في القطب الشمالي رغم وقوعها على خطوط التماس مع الدائرة القطبية، وقد ذهب هذا الأمر إلى حد قيام البلاد في عام 2010 بتسجيل احتجاج دبلوماسي رسمي على عدم دعوتها لاجتماعات الدول الساحلية للقطب الشمالي، وقيامها في العام نفسه بتدشين مؤتمر خاص باسم "مؤتمر الدائرة القطبية" دعت إليه جميع الدول المهتمة والجهات الفاعلة من غير الدول، بصرف النظر عن بلدانهم الأصلية أو وضعهم الساحلي، وقد ارتفع عدد المشاركين في مؤتمر الدائرة القطبية بشكل ملحوظ من 1200 شخص عام 2013 إلى 2000 مَثَّلوا أكثر من 60 دولة حول العالم في العام الماضي.

    

مؤتمر الدائرة القطبية الشمالية (وكالة الأنباء الأوروبية)

   

كانت هذه الزيادة متزامنة على ما يبدو مع قيام أيسلندا بتوقيع اتفاقية تجارة حرة مع الصين في عام 2013، فمع ترسيخ نفوذها في ريكيافيك، بدأت الصين تستغل اجتماع الدائرة القطبية لتوسيع نفوذها وزرع الخلافات بين الدول القطبية والترويج لأجنداتها القطبية الخاصة -كان أحد مواضيع اجتماع الدائرة القطبية في أكتوبر/تشرين الأول 2018 هو مناقشة طريق الحرير القطبي الصيني- وفي الوقت نفسه حرصت الصين على تعزيز علاقاتها السياسية مع الحكومة الأيسلندية للاستفادة من رئاستها الدورية لمجلس القطب الشمالي لتسهيل تحقيق أهداف بكين في المنطقة.

   

بالتزامن مع ذلك، عزَّزت بكين من رسالتها القائلة إن الشعوب الأصلية، مثل الإسكيمو، يجب أن يكون لهم نصيب عادل من المشاركة في الحكم في منطقة القطب الشمالي، وهي رسالة تم استقبالها بترحاب من قِبل شعب غرينلاند الذي يطمح إلى الاستقلال عن الدنمارك، فضلا عن المسؤولين السياسيين في نوك (عاصمة غرينلاند) الذين هرعوا إلى بكين عام 2017 يقودهم رئيس وزراء الإقليم كيم كيلسن بحثا عن مزيد من الاستثمارات الصينية، وهي استثمارات تأتي مصحوبة غالبا بزيادة الفجوة السياسية بين غرينلاند والدنمارك، حيث صار المسؤولون في نوك يعلنون صراحة أنهم لا يحملون تلك الهواجس التي يحملها المسؤولون في كوبنهاجن تجاه الأموال الصينية.

  

كانت الاستثمارات دوما هي أداة الصين الأكثر فاعلية لترسيخ نفوذها السياسي في العالم، ولا يختلف الحال كثيرا عن ذلك في القطب الشمالي، حيث ضخّت الحكومة الصينية والأفراد والشركات المرتبطة بها استثمارات ضخمة في بلدان القطب الشمالي، فبين عامي 2012 و2017 على سبيل المثال، ضخّت الصين نحو 1.2 مليار دولار من الاستثمارات في اقتصاد أيسلندا، وهو رقم يعادل نسبة 5.7% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، وهي استثمارات تُتيح للصين وصولا كبيرا ونفوذا غير محدود على النخبة السياسية في البلاد، وبخلاف ذلك فإن الصين سعت لاستغلال هذه الاستثمارات لتأسيس وجود دائم لها في الدولة القطبية، كما حدث عام 2011 حين حاول رجل الأعمال الصيني هوانغ نوبو شراء قطعة أرض في شمال أيسلندا لبناء منتجع سياحي، لكن الولايات المتحدة وأوروبا أثارتا مخاوف حول أن الغرض الحقيقي للعرض الصيني كان بناء مطار تُسيطر عليه الصين، ما اضطر المسؤولين في البلاد إلى التراجع عن الموافقة رغم حاجتهم إلى الاستثمار الصيني.

    

  

غير أن ذلك التراجع لم يُوقف مسيرة بكين، ففي عام 2012 وقَّعت الصين وأيسلندا اتفاقية ثنائية للطاقة، وفي عام 2015 استثمرت شركة صناعة السيارات الصينية "جيلي" في أكبر شركة أيسلندية لإنتاج وقود الميثان وتوزيعه، وفي عام 2016 موّلت الحكومة الصينية أبحاثا حول الأضواء القطبية في أيسلندا، وأخيرا في العام الحالي 2019، نجح عملاق الاتصالات الصيني هواوي في الوصول لاتفاق مع الحكومة الأيسلندية حول تأسيس البنية التحتية لشبكات اتصالات الجيل الخامس.

   

لم تختلف سياسة الصين في غرينلاند كثيرا، حيث استثمرت بكين نحو ملياري دولار في الجزيرة الدنماركية المُتمتِّعة بالحكم الذاتي خلال السنوات الخمس الأخيرة، بما يعادل 12% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، وتتركّز معظم هذه الاستثمارات في مشروعات استخراج المعادن التي تتوسّع باطّراد بفعل ذوبان الجليد، وعلى رأس هذه المشروعات يأتي الاستثمار الصيني في مشروع "كيفانفيلد" جنوب غرب غرينلاند حيث يُستخرَج اليورانيوم والعديد من المعادن النادرة. ويمتلك عملاق المعدات الصيني "شينغ" حصة تبلغ 12.5% في المشروع الضخم منذ عام 2016، إضافة إلى مذكرة تفاهم تمنح الشركة الصينية حق نقل المعادن النادرة المستخرجة للمعالجة في الصين، وبخلاف ذلك، تمتلك شركة مرتبطة بالصين في هونغ كونغ حقوق التعدين في منطقة إيسوا في الجنوب الغربي، في حين تسعى شركات البترول الصينية لتقديم عطاءات للتنقيب عن النفط والغاز في غرينلاند بحلول عام 2021.

   

أما الخطوة الأكثر إثارة للاهتمام في الجهود الصينية لاختراق القطب الشمالي فكانت هي مساعي بكين لشراء قاعدة بحرية أميركية قديمة مناسبة لرسوّ السفن العادية والغواصات في غرينلاند، جنبا إلى جنب مع عروض بكين لبناء 3 مطارات بما في ذلك مطار في العاصمة نوك بتكلفة 550 مليون دولار، وقد ضغطت الحكومة الدنماركية على السلطات في غرينلاند مباشرة لرفض عملية الاستحواذ على القاعدة، لكن مشروعات المطارات أثارت خلافات كبيرة بين الطرفين، قبل أن تتدخل الولايات المتحدة وتُعلِن أنها ستساعد الحكومة الدنماركية في تمويل بناء المطارات مما أدى في نهاية المطاف لسحب العرض الصيني.

      

تخشى واشنطن من أن الصين إذا انضمت إلى روسيا فإنها يمكن أن تُغيِّر التوازن العسكري في منطقة القطب الشمالي وما حولها

رويترز
    

ويُعَدُّ التدخل الأميركي لمنع الصين من ترسيخ نفوذها في غرينلاند، وكذا عرضها المشاركة في بناء المطارات في الجزيرة، ومسارعتها لتوقيع مُذكِّرة تعاون حول استخراج المعادن وخاصة المعادن النادرة؛ تُعَدُّ علامات واضحة على أن الصراع الجيوسياسي حول المنطقة القطبية بلغ نقطة اشتعال غير مسبوقة، وهو صراع لا يدور فقط حول الموارد والعائدات الاقتصادية، لكنه يدور بشكل رئيس على مساحات الهيمنة، حيث ترى الصين وجودها في القطب الشمالي جزءا لا يتجزأ من سياساتها لاستعراض النفوذ الاقتصادي وتقوية موقفها الجيوسياسي في مختلف الفضاءات الجغرافية، في حين ترى روسيا أن سيطرتها على طرق الشحن القطبية الجديدة تمنحها أفضلية جيوسياسية في مواجهة الولايات المتحدة التي تسيطر على طرق الشحن التقليدية، وهي تسعى لحماية هذه الميزة باستخدام أكبر قدر ممكن من الردع العسكري.

  

أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن أكبر المخاوف هو أن الوجود المتزايد للصين في المنطقة القطبية، تزامنا مع زيادة النشاط الروسي، يمكن أن يُهدِّد التوازن الدقيق بين حلف الناتو وروسيا في المنطقة القطبية وخاصة حول فجوة جيوك، وهي نقطة الاختناق بين غرينلاند وأيسلندا وبريطانيا التي يمكن استخدامها من قِبل أسطول الشمال الروسي للعبور إلى المحيط الأطلسي وتهديد أوروبا بشكل مباشر، ومع تعزيز الصين لاستثمارتها وحيازاتها المتوسعة في غرينلاند وأيسلندا حول فجوة جيوك، تخشى واشنطن من أن الصين إذا انضمت إلى روسيا فإنها يمكن أن تُغيِّر التوازن العسكري في هذه المنطقة وما حولها، وحتى لو لم يُشكَّل هذا التحالف القطبي بين روسيا والصين، فإن صعود الصين كقوة قطبية ومساعيها لبناء أسطولها الخاص من كاسحات الجليد النووية يمكن أن يُغيِّر قواعد اللعبة مع حلول اللحظة المتوقعة لذوبان الجليد الصيفي في القطب الشمالي عام 2050.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار