انضم إلينا
اغلاق
"تطبيقات الجاسوسية".. هكذا أصبحت إسرائيل قادرة على النفاذ لهاتفك

"تطبيقات الجاسوسية".. هكذا أصبحت إسرائيل قادرة على النفاذ لهاتفك

  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

تقديم

منذ أقل من أسبوعين، في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول الحالي، كشفت منظمة العفو الدولية عن اختراق ومحاولات تجسس على ناشطَيْن مغربيَّيْن معارضَيْن هما "المعطي منجب"، المؤرخ والباحث الأكاديمي المعروف، و"عبد الصادق البوشتاوي"، المحامي الحقوقي وناشط حقوق الإنسان في البلد الشمال أفريقي، وقد أتت تلك المحاولات كأحدث الإضافات المعلنة لسلسلة التجسس التي تنطلق رأسا من الأراضي المحتلة عن طريق شركة التقنيات الشهيرة "إن إس أو" (NSO)، وهي شركة إسرائيلية تُنتج عددا من برامج التتبُّع والمراقبة يأتي على رأسها أحد أحدث برامج الاختراق والتجسس في العالم والمعروف باسم "بيجاسوس"، وهو برنامج سيئ السمعة استُخدم مرارا في تتبُّع والتجسس على عدد من أهم نشطاء وحقوقي الشرق الأوسط، ومنهم الحقوقي الإماراتي الأشهر والمعتقل حاليا "أحمد منصور"، وكذا الصحافي السعودي ذائع الصيت عالميا "جمال خاشقجي" قبيل قتله في قنصلية بلاده العام الماضي.

    

  

وعلى مرِّ الثلاثة أعوام السابقة سلَّط تورُّط "بيجاسوس" الضوء على الشركة الإسرائيلية ونشاطها وتعاونها مع الأنظمة القمعية والديكتاتورية في العالم والتي تستفيد من تقنيات الشركة في تتبُّع أهم معارضيها واختراق أجهزتهم الإلكترونية الشخصية، وبينما تُنكر الشركة دائما ذلك التعاون مؤكِّدة أن سياستها الرسمية تضمن مكافحة الأنشطة الإجرامية بأنواعها كافة، فإن تقارير مختلفة تؤكِّد باستمرار تورُّط الشركة الدائم في تلك الحلقة التجسسية، ولم يكن آخرها تحذير أصدره عملاق البحث والتقنية "غوغل" أوائل الشهر الحالي لمستخدمي نظام "أندرويد" ذائع الصيت للهواتف المحمولة بتوخي الحذر لأن هواتفهم مُعرَّضة للاختراق من قِبل تقنيات "إن إس أو" (NSO) (تمت تسمية الشركة في تحذير غوغل).

    

ويُلقي التقرير التالي الضوء على مجموعة "إن إس أو" (NSO) وتطبيقاتها وكذا بعض الشركات الإسرائيلية التقنية الأخرى المتورِّطة أو التي يُشتبه فيها، ويحاول أن يُوضِّح كيفية إخراج أمة الشركة الناشئة (لقب يُطلق على إسرائيل لكثرة الشركات التكنولوجية الناشئة فيها) لكيانات مثل "إن إس أو" (NSO) ومثيلاتها التي تُساهم تقنياتها دوما في التضييق على نشاطات المعارضة المدنية في مناطق العالم المختلفة.

  

نص التقرير

"تقوم مجموعة "إن إس أو" بتطوير التكنولوجيا التي تُتيح للوكالات الحكومية اكتشاف وإحباط المؤامرات الإرهابية والجنائية؛ ويقتصر استخدامها على الجريمة والإرهاب ومنعهما؛ وأي استخدام لتكنولوجيتنا على نحو مُنافٍ لهذا الغرض هو انتهاك لسياساتنا، وإخلال بعقودنا القانونية، وبالقيم التي تدافع عنها شركتنا" – جزء من بيان رسمي لمجموعة "إن إس أو" (NSO).

     

مجموعة "إن إس أو" (NSO(مواقع التواصل)

    

على عكس قرنائهم في كثير من أنحاء العالم ذي الأنظمة المدنية، لا يمتلك شباب وفتيات إسرائيل اختيارا بعد بلوغهم سنّ الثامنة عشر عاما سوى أداء الخدمة العسكرية الإلزامية (1) بجيش الاحتلال، وهي قاعدة لم يكن المجند "شيليف هوليو" استثناء منها شأنه شأن زملائه الذين خدم معهم في الصفوف الأمامية حول قطاع غزة وغيره من الأراضي المحتلة، وعلى الرغم من أنه لم يكن مرتبطا بالصناعات التقنية أو الأمن السيبراني في حياتيه المدنية أو العسكرية، فإن الأعوام القليلة لما بعد إنهائه الخدمة العسكرية كانت فاصلة في تحوله من شاب عادي إلى شريك مؤسس في واحدة من أكثر شركات الأمن السيبراني الإسرائيلية إثارة للجدل في العالم.

    

هدف "هوليو" بعد الخدمة العسكرية إلى الدخول في قطاع التجارة الإلكترونية الواسع وصناعة ثروته الشخصية؛ وهو شيء تخصَّص فيه الجنود الإسرائيليون بخبرات إما عسكرية وإما تقنية مُكتَسبة من أداء الخدمة في الصفوف الأمامية للجيش، أو في وحدات النخبة من أمثلة 8200 و"أمان" وغيرهما، وفي حين لم يمتلك هوليو أية خبرات تقنية، كما أخبر صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية بنفسه في مقابلة (2) نادرة من نوعها أُجريت مطلع العام الحالي، فإن هذا لم يمنعه هو و"نيف كارمي" و"عمري ليفي" من تأسيس شركة التقنية المتخصصة في الأمن السيبراني "NSO Group".

      

   

نشأت "إن إس أو" على أنقاض شركة "كوميوني-تك" (CommuniTech) التي كان قد أسّسها من قبل كلٌّ من هوليو وليفي أيضا لمساعدة شركات الهواتف الذكية والجديدة على العالم حينها؛ ففي وقت كانت فيه تلك الصناعة الناشئة تحتاج إلى الكثير من وقت شركات الهاتف لتدريب وتعريف عملائها بكيفية تثبيت البرامج الأساسية الخاصة بالتعامل مع منتجاتها، خرجت شركة "كوميوني-تك" بحل يُمكِّن شركات الهاتف من إرسال رابط إلى عملائها، ومن خلاله تقوم الشركات بالولوج إلى الهاتف نفسه وتثبيت برامجها، بما يُوفِّر الوقت والجهد على الجميع. وقد استلزم الأمر قليلا من الوقت بعد ذلك لتتحوَّل "كوميوني-تك" إلى "إن إس أو"؛ بعدما هجر كلٌّ من هوليو وليفي الأولى لتأسيس الثانية، وكذا ليتحوَّل المنتج الهادف لمساعدة الناس إلى منتج يتجسَّس عليهم بعدما انتبه الشريكان للفكرة البسيطة القائلة إنه يمكن فعل الكثير بهاتف محمول تمتلك القدرة على الولوج إلى بياناته كافة بدون علم صاحبه، وبمقابل مادي أكثر بكثير.

  

كانت البداية من المكسيك، حيث زعم مؤسسا "إن إس أو" (NSO) أن برنامج "بيغاسوس" (Pegasus)، وهو منتجهم الرئيس، ساعد في القضاء على العديد من الشخصيات الأساسية الفاعلة في عصابات المخدرات الكبرى هناك؛ ويمتلك "بيغاسوس" القدرة على التسلُّل إلى الهواتف المُستهدَفة من خلال رابط مزيف يتم إرساله إلى الهاتف ومن خلاله يتم الولوج لبيانات صاحب الهاتف كافة، بداية من الرسائل والمكالمات، ومرورا بالموقع الجغرافي الخاص به، وليس انتهاء باستخدام الكاميرا والميكروفون لتسجيل المحادثات والحوارات التي تتم في نطاقه، ثم أصبحت تقنية "بيغاسوس" بعد ذلك قادرة على التحدث عن نفسها في أرجاء العالم كافة، خاصة في دولتَيْ الإمارات العربية المتحدة والسعودية؛ حيث استُخدمت (3) التقنية لتعقُّب والقبض على الناشط الحقوقي الإماراتي الشهير أحمد منصور عام 2016، ثم في مقتل صحافي الواشنطن بوست السعودي "جمال خاشقجي" أواخر العام الماضي في قنصلية بلاده بإسطنبول بتركيا، ومن ثم نال "بيغاسوس" شهرته كإحدى أهم وسائل التجسس الإلكتروني خاصة بالنسبة للأنظمة الأوتوقراطية في الشرق الأوسط والعالم.

     

 الناشط الإماراتي أحمد منصور  (مواقع التواصل)

   

ورغم ما حمله البرنامج من كفاءة تقنية جلبت أرباحا ضخمة للشركة الإسرائيلية، تحوَّل الأمر إلى كابوس بالنسبة للعمل المدني والحقوقي عالميا، كابوس تجلَّت بعض معالمه في حادثة اختراق تطبيق المحادثات الأشهر "واتساب" (4) في مايو/أيار المنصرم، والتي أعادت "إن إس أو" (NSO) للأضواء نتيجة اشتباه تقنية "فيسبوك" المالكة لواتساب في كون الشركة الإسرائيلية هي التي تقف وراء الاختراق الذي لم يُحدَّد حتى الآن أعداد المتضررين منه، مُثبتا قدرة برامج الشركة على اختراق أعداد هائلة من الهواتف المحمولة والتجسس على أصحابها لصالح الجهات الحكومية والأجهزة الأمنية القمعية أغلب الأمر، في وقت يُنكر فيه مؤسسو "إن إس أو" (NSO) خارطة توجُّه الشركة بداهة باعتبارها تهدف رسميا لمكافحة الجريمة والإرهاب العالميين.

   

لا تكاد الصفحات الأولى للصحف العالمية تخلو من أخبار دورية تخص تورُّط تقنيات "إن إس أو" (NSO) في عمليات تجسس على حقوقيين وناشطين حول العالم، وفي حين أن تورُّط تقنيات الشركة التي يقبع مقرها بمدينة هرتسليا بالأراضي المحتلة لم يخرج حتى الآن عن مراقبة أفراد -أو مجموعات من المدنيين- في دول عدة، فإن حادثة واتساب الأخيرة وغيرها قد ألقت الضوء على مرحلة جديدة في عمليات التجسس على الأفراد، مرحلة يعتقد أنها تمهيد مهم نحو التجسس الفعّال على البرنامج النووي الإيراني (5)؛ العدو الأول والأهم الآن على قائمة كلٍّ من تل أبيب وحلفائها في دول الخليج؛ الرياض وأبوظبي، وحيث يعتقد بعض خبراء التقنية أن تكنولوجيا الشركة الإسرائيلية على وشك أن تمتلك القدرة على مراقبة سُكّان مدن كاملة بفاعلية، وإن لم تكن "إن إس أو" (NSO) الشركة الإسرائيلية الوحيدة التي تغرد في هذا النطاق، بل يرافقها عدد ليس بالهين من الشركات التقنية الإسرائيلية الناشئة التي تظهر عاما بعد عام من وحدات النخبة وخلال فترات الخدمة العسكرية الإسرائيلية؛ شركات تُعيد تعريف الاقتصاد الإسرائيلي وتُشكِّل جزءا ليس باليسير من السياسات الإسرائيلية تجاه منطقة الشرق الأوسط بالكامل.

    

    

الأسوأ من بين الأسوأ

على الرغم من أن "إن إس أو" (NSO) قد لفتت الكثير من الأنظار بعد اتهام تقنياتها بالتورُّط في عملية تعقُّب ومقتل خاشقجي ثم اختراق واتساب، فإن مراقبة أنشطة تقنية "بيغاسوس" -المملوكة للشركة- خاصة وتقنياتها عامة كان قد بدأ منذ ثلاثة أعوام تقريبا، وتحديدا في أغسطس/آب 2016 عندما تلقّى الناشط الإماراتي أحمد منصور رسالة مُفخَّخة على هاتفه ليُعيد إرسالها إلى المجموعة التقنية المقيمة في كندا "مختبر المواطن" (Citizen Lab)، والتي تتبَّعت بدورها مصدر الروابط الخبيثة التي احتوتها الرسالة وصولا إلى "بيغاسوس".

   

لم تتوقف المجموعة الكندية عند حالة منصور، بل بدأت من حينها في تطوير بصمتها الرقمية الخاصة المُسماة "أثينا" والهادفة لتتبُّع الروابط المُشتَبه بها والمُرسَلة إلى حقوقيين وناشطين آخرين، في عملية إلكترونية استمرت لعامين كاملين ما بين أغسطس/آب 2016 و2018، قبل أن تخرج النتائج (6) في سبتمبر/أيلول المنصرم مُعلِنة انتشار أنشطة المراقبة الخاصة بـ "بيغاسوس" في 45 دولة حول العالم، وستة منها على الأقل كانت قد استخدمت "بيغاسوس" بشكل سيئ لمراقبة عناصر المجتمع المدني داخلها وخارجها.

   

وقد استخدم الخبير التقني "مايكل شولوف" مصطلح "فن إيجاد الثغرات" (7) لوصف طريقة عمل "بيغاسوس" داخل أنظمة تشغيل الهواتف المحمولة، فإلى جانب تخصص "إن إس أو" (NSO) في العمل على الهواتف فقط دونا عن أجهزة الحاسوب أو غيرها، فإن مهندسي وتقنيي الشركة المتخرج أغلبهم من 8200 وغيرها من وحدات النخبة التقنية في جيش الاحتلال؛ يبذلون قصارى جهدهم للبحث عن الثغرات غير المعروفة (الأخطاء في الأكواد) المُسماة "زيرو داي" (Zero-Day) والموجودة في أنظمة تشغيل الهواتف، وهو بالضبط ما يقوم به "بيغاسوس" بمجرد تثبيته على أي هاتف.

   

يجعل هذا من "إن إس أو" (NSO) الشركة الرئيسة في عالم التجسس على أجهزة الهاتف، كما يُصنِّفها شولوف، وبمنتج قوي، الأمر الذي استغلَّته الشركة لاختيار عملائها بدقة وعناية شديدتين، ليس فقط للقيود الصارمة التي تفرضها وزارة الحرب الإسرائيلية جنبا إلى جنب مع وكالة مراقبة الصادرات الدفاعية الإسرائيلية -المعروفة اختصارا بـ "DECA"- على الصادرات التقنية التي تخشى إسرائيل وقوعها في يد أعدائها، بل كذلك لأن التقنية التجسسية التي وفّرتها الشركة قد فتحت بابا واسعا لها أولا وللكيان المحتل ثانيا لإعادة رسم خارطة جديدة للعلاقات مع عملاء الشركة من الدول العربية ودول الخليج خاصة، وعلى رأسهم أتت كلٌّ من السعودية والإمارات.

     

بدأت التكهُّنات تدور حول إمكانية توجيه تقنيات "بيغاسوس" للتجسس على الإيرانيين أو لتخريب البرنامج النووي الإيراني

مواقع التواصل
    

وقد ضخَّت ثلاث صفقات بين "إن إس أو" (NSO) ونظام أبوظبي ما يقرب من 80 مليون دولار كأرباح للشركة الإسرائيلية، وهي صفقات تمت بوساطة مسؤولين إسرائيليين وتصديق وزارة الحرب الإسرائيلية، إلا أن الأمر لم يتعلَّق بالمال فقط أيضا كما يعتقد صحافي البي بي سي "باول دانهار"، ففي حين بدأت تتشكّل منذ سنوات "صداقة" على هيئة علاقات دبلوماسية -غير مُتوقَّعة- بين تل أبيب وأبوظبي والرياض في خلفية ما يُسمى بـ "التحالف السُني" لمواجهة الإرهاب والذي يضم مصر وعدة دول عربية وإسلامية أخرى، فإن هذه الصداقة جمعها هدفان رئيسيان هما التعاون الاقتصادي ومحاربة المد الإيراني في الشرق الأوسط.

    

وقد جعل ذلك من طهران الأولى والأهم على قائمة أعداء التحالف الجديد غير الرسمي، وبدأت التكهُّنات تدور حول إمكانية توجيه تقنيات "بيغاسوس" للتجسس على الإيرانيين أو لتخريب البرنامج النووي الإيراني كما حدث سابقا في هجمات "ستاكس نت" الإلكترونية، وهو أمر لم يكن مُستبعَدا بعد ظهور تقارير صحافية (8) في مايو/أيار للعام الماضي تُفيد بتورُّط شركة تقنية إسرائيلية أخرى هي "المكعب الأسود" (Black Cube) في محاولة تخريب الاتفاق النووي بالسعي لتشويه سُمعة بعض العاملين عليه في إدارة أوباما السابقة بعد أن أعلن ترامب انسحاب إدارته منه في الشهر المذكور.

  

موساد إسرائيلي خاص

"تسبقها سُمعتها السيئة في كل مكان"؛ هذا هو ما تُوصف به شركة "بلاك كيوب" الإسرائيلية بعد تورُّطها في قضية المنتج السينمائي الشهير -سيئ السمعة- هارفي واينستين، تورُّط أتى على هيئة البحث في تاريخ النساء والصحافيين الذين اتّهموا أو نشروا قصصا عن قائمة طويلة من التحرش والاغتصاب المُتَّهم بها واينستين حاليا والذي يخضع لمحاكمة طويلة حتى اللحظة؛ إما سعيا لتشويه سمعتهم أو منح مُحامي الأخير "ذخيرة" (9) من المعلومات عن الحيوات الشخصية لضحاياه، وبما قد يساعده في أيٍّ من الدعوات القضائية المُقامة ضده.

     

المنتج السينمائي الشهير -سيئ السمعة- هارفي واينستين (رويترز)

    

ولم تكد الشركة تعتذر وتتخلَّص من ارتباط اسمها بقضية واينستين إلا وبدأت تقارير أخرى بالظهور حول تورُّطها في محاولة جديدة لتشويه سمعة بعض المدنيين من الإدارة الأميركية للرئيس السابق باراك أوباما، وتحديدا هؤلاء الذين شاركوا أو كانوا جزءا من المفاوضات التي أدَّت إلى توقيع الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، ضمن محاولة لتشويه سمعة الاتفاق نفسه، وعلى رأس هؤلاء أتى (10) "تريتا بارسي"، مؤسس ورئيس المجلس القومي الإيراني الأميركي الذي عمل مستشارا حول الملف الإيراني في إدارة أوباما، وكلٌّ من كولين كاهل وبن رودس مستشارَيْ السياسة الخارجية السابقَيْن في الإدارة ذاتها، وكارولين تيس (11) التي عملت كمساعدة خاصة للرئيس الأميركي، والمسؤولة الأولى للشؤون التشريعية الخاصة بالاتفاق النووي الإيراني بمجلس الأمن القومي، وقد أفادت تقارير أخرى بتورُّط الإدارة الأميركية الحالية (12) نفسها (بعض مساعدي ترامب) في عمليات "بلاك كيوب" الهادفة لخلق دعاية سيئة حول الاتفاق النووي.

   

وقد أعاد الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي كلًّا من واشنطن وطهران إلى حلبة الصراع من جديد، ودخل معهما التحالف السني مع تل أبيب في الشرق الأوسط إلى قلب الحدث بالسعي للحد من الوجود الإيراني في دول كسوريا والعراق واليمن وغيرهم، ولأن أيًّا من الدول المنخرطة لا يمتلك النية لتحويل ذلك الصراع إلى حرب عسكرية مفتوحة على الأرض لا يمكن التكهُّن بخسائرها، فإن ذلك الصراع أخذ منحى آخر إلكترونيا واستخباراتيا يمكن التحكُّم فيه بكفاءة أعلى وخسائر أقل إن جاز القول، منحى كان لتل أبيب الريادة فيه بتخريج دفعات متتالية من المحاربين الرقميين الذين أصبحوا "وكلاء للقمع" في كل أنحاء العالم، كما في حالتَيْ "إن إس أو" و"بلاك كيوب"، وكما يصفهم الصحافي "ريتشارد سيلفرشتاين".

   

يَعتَبِر سيلفرشتاين أن هذا هو "السر المظلم والقذر" وراء شعار "أمة الشركات الناشئة" الذي يتبناّه الاحتلال في التسويق لنفسه عالميا، وتقف الشركتان السابقتان في طليعته؛ فبينما تعمل شركة "بلاك كيوب" على الأرض وبعملاء (أو جواسيس) ينتحلون شخصية حقوقيين وناشطين بهدف البحث والتدقيق في حياة الأشخاص المستهدفين، تقوم "إن إس أو" بالجانب الإلكتروني من الأمر، وكلاهما يعمل كوكيل للحكومة الإسرائيلية التي يجب نيل موافقتها عندما يتعلَّق الأمر بتوقيع عقود تصدير التقنيات "التجسسية" للعملاء المحتملين، أو العمل الذي يستهدف تخريب السياسات الخارجية مع دولة أخرى، كما حدث في حالة الاتفاق النووي الإيراني.

   

تدَّعي "إن إس أو" على الرغم من هذا أن تقنياتها تهدف فقط إلى إنقاذ الأرواح وإيجاد عالم أكثر أمانا من خلال مساعدة الحكومات على مكافحة الجريمة والإرهاب، وأنها تُدقِّق في الحالات التي يُعتقد أنها تُهدِّد أمن المواطنين الأبرياء، وبإمكانها وقف عمل برامجها وتعاقداتها مع عميل ما إذا ثبت استخدامه لتقنياتها بطريقة سيئة، وهو ما يزعم شيليف هوليو أنه حدث بالفعل مع ثلاثة من العملاء دون تسميتهم كما صرَّح في حديثه السابق مع يديعوت أحرونوت، لكن مايكل شولوف -الخبير السيبراني- يرى أن مثل هذا التعهُّد من الشركة ومؤسسها لا يمكن تحقيقه أغلب الوقت، فبمجرد بيع الشركة لبرمجياتها إلى العملاء، يصعب تعقُّب مَن تستهدفه الحكومات أو وكالات إنفاذ القانون التي تتعامل معها الشركة بشكل حصري، وهو ما يُمثِّل في حد ذاته خطرا يصعب تجنُّب عواقبه على حقوق المدنيين والحريات.

     

  

يُصدِّق على هذا "إدوارد سنودن"، العميل السابق بوكالة المخابرات الأميركية، والذي لم يجد صعوبة في وصف "إن إس أو" (NSO) باعتبارها "الأسوأ من بين أسوأ" الشركات في مجال صناعات الأمن السيبراني، وذلك بسبب الاستخدام المُكثَّف لتقنياتها في انتهاكات حقوق الإنسان للنشطاء البارزين حول العالم، وقد دفع الاستنتاج نفسه منظمة العفو الدولية في مايو/أيار الماضي بالبدء في اتخاذ الإجراءات القانونية (13) اللازمة لدفع الحكومة الإسرائيلية لإلغاء ترخيص التصدير الخاص بتقنيات "إن إس أو" (NSO)، ومنعها من التربُّح من "القمع الذي ترعاه الدولة" كما وصفته "مارغريت ساترتويت" مديرة كلية الحقوق بجامعة نيويورك.

    

المساحات الرمادية

كان قرار العفو الدولية باتخاذ إجراءات قانونية ضد المجموعة الإسرائيلية أمام المحاكم الإسرائيلية نفسها نابعا من سعيها لوقف استهداف النشطاء المختلفين، وإن اتخذ الأمر شكلا مشروعا اشتركت فيه المنظمة مع كلٍّ من معهد بيرنشتاين لحقوق الإنسان، ومركز العدل العالمي التابعَيْن لكلية الحقوق بجامعة نيويورك، وكانت أولى خطواتهم القانونية مُمثَّلة في عريضة قُدِّمت إلى المحكمة المركزية بتل أبيب يوم الرابع عشر من مايو/أيار الماضي تصف الخطر المستمر على حقوق الإنسان عالميا طالما ظل ترخيص "إن إس أو" (NSO) الرسمي مستمرا بموافقة وزارة الحرب الإسرائيلية.

   

لكن تلك الدعاوى القضائية لم تنجح كما هو مُتوقَّع في وقف عمليات وصفقات الشركة، وإن تركت أثرها بطريقة أخرى على محاولة حديثة مؤخرا لدمج الشركة من قِبل صندوق دولي خاص للأسهم وإحدى شركات التقنية الإسرائيلية الكبرى بقيمة مليار دولار (8 أضعاف قيمة الشركة وقت إنشائها)، لتكون تلك الدعاوى مع التقارير السلبية خاصة بعد مقتل خاشقجي القشة التي تسبَّبت في إفشالها، وإن لم يُؤثِّر ذلك الفشل بحال على سير عمليات التجسس الخاصة بتقنياتها حول العالم؛ مستمدة قوتها من حماية وزارة الحرب الإسرائيلية لها في الداخل ومن قوة عملائها في دولهم في الخارج.

     

  

يختصر مقتل خاشقجي نوعية الخطر الذي قد تُمثِّله "إن إس أو" وشبيهاتها عالميا، ففي حين علم خاشقجي باحتمالية اختراق جهازه أو جهاز صديقه "عمر عبد العزيز" المقيم في كندا والذي كان على تواصل شبه يومي مع خاشقجي، علم عبد العزيز بعد ذلك أن جهازه هو الذي كان قد تلقَّى عدوى "بيغاسوس" بأحد الروابط التي أُرسلت إليه وتتبَّعها تقنيو "سيتيزن لاب" تاليا.

   

في الرسائل (14) التي تبادلها كلٌّ من عبد العزيز وخاشقجي قبيل مقتل الأخير بشهرين تقريبا، ردَّد خاشقجي "ليساعدنا الله" بعد اكتشافه احتمالية التجسُّس على محادثاتهما، وانتهى الأمر بعد ذلك بأكثر من خمسة عشر فردا من رجال ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" مُتوجِّهين إلى قنصلية السعودية في إسطنبول يوم الثاني من أكتوبر/تشرين الأول للعام الماضي لتنفيذ عملية اغتيال أنكرت الحكومة السعودية وعلى رأسها ابن سلمان تورُّطها فيها لأسابيع قبل أن تعترف مُرغمة بمسؤوليتها.

     

  

لا يبدو بحال أن مثل هذا العملية أو غيرها مما تكرَّر في المكسيك وأماكن أخرى (15) قد يؤثِّر على استمرار عمل الشركة أو تقنياتها من عدمه، بل ربما يحدث العكس تماما بزيادة الطلب على مثل هذه التقنيات، خاصة من الحكومات والأجهزة الأمنية القمعية، وخاصة مع وجود منتج قوي وذي فاعلية عالمية كما في حالة "بيغاسوس"، وكما يرى "آدم دونينفيلد" الباحث في مجال أمن الهواتف المحمولة.

   

لا يجعل هذا من "إن إس أو" (NSO) كيانا يساوي مئات الملايين من الدولارات فقط، بل إنه يُضيف لاقتصاد إسرائيلي يعتمد تماما على مثل هذا النوع من الشركات، مع أكثر من 300 شركة (16) مُتخصِّصة في الأمن السيبراني تُغطِّي مجالات واسعة تبدأ من أمن البنوك ولا تنتهي بالأنشطة الدفاعية وحماية البنية التحتية والأمن القومي للكيان المحتل، وعلى الرغم من أن تقنيات "إن إس أو" (NSO) تُساهم بانتهاكات عدة لحقوق الإنسان، فإن الشركة تتجه الآن للمفارقة الساخرة نحو صناعة هاتف محمول لا يمكن اختراقه، دواء تحاول به الشركة معالجة دائها الخاص وتجاوز تقنياتها الخاصة لتطوير أخرى جديدة يحتاج إليها العملاء ذاتهم الذين يستخدمون "بيغاسوس"، وتحتاج إليها هي لحماية أمن الاحتلال الخاص إذا ما قرَّر عملاؤها -أصدقاء اليوم أعداء الغد المحتملون- استخدام تقنياتها القديمة لمهاجمة الأمن القومي الإسرائيلي أو أيًّا من حلفائه.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار