انضم إلينا
اغلاق
جوهر محمد.. أيقونة ثورة أم داعية فوضى؟

جوهر محمد.. أيقونة ثورة أم داعية فوضى؟

منصور سليمان

باحث ومترجم
  • ض
  • ض

في منتصف ليل 22 أكتوبر/تشرين الأول المنصرم، نُشر تسجيل صوتي على فيسبوك يرصد تطورات أزمة جارية في حيّ بولي في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، وسُمع في التسجيل صوت قائد الشرطة الفيدرالية الإثيوبية وهو يُعطي توجيهات لعناصر الأمن الوقائي المكلّفة بحماية جوهر محمد -الناشط السياسي المعروف والمدير التنفيذي لشبكة أوروميا الإعلامية- يطلب منهم إخلاء موقعهم في محل إقامة جوهر. رفض عنصر الأمن الذي تحدث مع المسؤول للمرة الأولى تنفيذ تلك التوجيهات باعتبارها أوامر غير شرعية وردت في منتصف الليل، في حين قال عنصر آخر للقائد بشكل صريح إنهم لن يتركوا جوهر "لوحوش الليل"، وإنهم على استعداد للتضحية بالنفس والنفيس في سبيل حمايته. هذه الحادثة العرضية في حيّ بولي سرعان ما تحولت إلى صدام دامٍ أودى بأرواح 86 شخصا على الأقل في إقليم أوروميا، بحسب تقديرات رسمية.

  

الجدير بالذكر أن إقليم أوروميا نفسه كان قد شهد قبل خمس سنوات اندلاع حركة اجتماعية واسعة عُرفت بحركة احتجاجات الأورومو، وقد بدأت تلك الاحتجاجات في أول أمرها كحركة مقاومة ضد مصادرة الأراضي، لكنها سرعان ما تحولت إلى حركة معارضة مستمرة ضد القبضة الخانقة لحكومة الائتلاف على المشهد السياسي، وضد التمييز في توزيع الموارد الوطنية، وضد استخدام العنف المفرط في حلِّ الخلافات السياسية في إثيوبيا. وقد استمرت هذه الاحتجاجات لما يقارب أربعة أعوام قبل أن تُسفر عن إسقاط نظام الائتلاف المستبد، وإعلان بداية عهد الإصلاح الديمقراطي. ومن نتائج هذه الحركة أنها دفعت باسم جوهر محمد إلى الشهرة، بوصفه شخصية سياسية بارزة في إثيوبيا.

  

ونتيجة لذلك، انتقل جوهر في أغسطس/آب 2018 إلى إثيوبيا للمساهمة في عملية إرساء الديمقراطية في البلاد، ومنذ ذلك الحين وهو ما برح يتعرّض إلى هجوم سياسي محموم من خصومه، فأنتجوا أفلاما وثائقية وبرامج تلفزيونية وإذاعية ومنشورات ضده على وسائل التواصل الاجتماعي، تهدف في مجملها إلى تشويه سمعته والتشكيك في مصداقيته وحرقه سياسيا.[1]

  

  

في الآونة الأخيرة، أصبحت هذه الحملة أكثر حِدّة لدرجة وصف جوهر بأنه الشيطان بعينه في جسد آدمي، يسعى إلى تدمير إثيوبيا. وفي الأسبوع الماضي بلغت الحملة ذروتها حينما تم توصيف جوهر بأنه شخص مُحرِّض على الفوضى تجب محاكمته بتهمة القتل. وبسبب ذيوع هذه الحملة بشكل واسع، جنحت بعض وسائل الإعلام إلى وصف[2]جوهر باعتباره "أوروميا قوميا متعصبا". وحتى صحيفة الغارديان تحدثت عنه باعتباره "شخصية تُثير الاستقطاب والانقسام العِرقي"[3] في البلاد.

 

أما بالنسبة لأصدقائه والملايين من أنصاره، فجوهر يُعتَبر ناشطا سياسيا قاد حركة اجتماعية لافتة، أطاحت بواحد من أكثر الأنظمة قمعية في أفريقيا، ودشنت عهدا جديدا للتحوّل الديمقراطي في إثيوبيا. كما يعتبرونه سياسيا ومُخطِّطا إستراتيجيا بارعا، وهب شبابه لقضية تحسين حياة الملايين. وفي الوقت الذي يُقدِّرون له تفانيه وإخلاصه في الاضطلاع بقضية شعب الأورومو، يدركون في الآن نفسه أنه يعمل دون كلل في سبيل تعزيز قيم المساواة والحرية والعدالة والكرامة لكل الإثيوبيين. والحال هذه، فليس هناك -بحسب وجهة نظرهم- شيء ما في سجل جوهر يمكن أن يدفع المرء للاستنتاج بأنه شخص يدعو للفوضى والدمار.

 

في هذه المقالة القصيرة، سأُقدِّم عرضا عن حياة جوهر تدحض الصورة التي يُروّجها خصومه السياسيون. صحيح أن العرض الذي أُقدِّمه هنا هو شهادة من صديق، لكنه -في المقابل- ليس دفاعا متملقا مبالغا فيه أو يتنافى مع شروط الموضوعية. فقد تعرفت على جوهر قبل أكثر من عقد، وعملت معه في العديد من المشاريع الفكرية والسياسية والمجتمعية، التي تبيّن لي من خلالها تفانيه وحرصه على العمل الدؤوب في سبيل التغيير الإيجابي في المجتمع، ومساهماته -أكثر من أي شخص آخر- في عملية التحولات الجارية في إثيوبيا. والحال هذه، فمن المستحيل أن يكسب المرء أفئدة وعقول الأورومو بتجاوز شخصية بحجم جوهر، وهذه مسألة تستحق أن يأخذها رئيس الوزراء، آبي أحمد، بعين الاعتبار.

   

جوهر محمد (رويترز)

    

إضافة إلى ذلك، فإن حملة الشيطنة المستمرة بحق هذا الناشط المُخلص لشعبه تتعارض مع أهداف توحيد إثيوبيا التي يأمل العديد من منتقدي جوهر تحقيقها، فتأثير جوهر الهائل وحنكته السياسية مسألة لا يمكن تجاوزها في أي عمل يروم تحقيق الاستقرار في هذا البلد الذي بات في أمسّ الحاجة إلى الاستقرار. وإذا كانت إثيوبيا بالفعل في حاجة ملحّة إلى الاستقرار وإلى إضفاء طابع من اللباقة الدبلوماسية على المنافسة السياسية، فإن السبيل الأكثر واقعية لتحقيق ذلك يجب أن يكون عن طريق التعاون مع جوهر وليس من خلال استعدائه.

  

العمل النضالي: مسألة شخصية

تتشكّل شخصية المرء عبر تجارب ثانوية، وفي الغالب عبر تجارب غير مهمة يتعرّض لها المرء في حياته. وبالطبع حياة جوهر لا تشذ عن هذه القاعدة. مع ذلك، فواحد من التصنيفات التي تُوجَّه ضد جوهر محمد هو اتهامه بأنه مسلم متطرف يسعى إلى تأسيس دولة إسلامية في إثيوبيا. وُلد جوهر في بلدة دموغا الصغيرة في منطقة أرسي، ونشأ في بيئة تعلّم فيها أهمية التسامح الديني. فبالنسبة له، كل الأشياء بدأت من المنزل، فقد نشأ في كنف أبٍ مسلم وأمٍّ مسيحية أرثوذكسية، ولم تمنعه نشأته الإسلامية تلك من اختيار بروتستانتية مسيحية زوجة وأمًّا لأطفاله. هذه التجارب المبكّرة -أي المتصلة بالمنشأ والجذور- غرست في جوهر قناعة راسخة مفادها أن ليس هناك شرخ في المجتمع لا يمكن رتقه عبر التفاوض. أخلص مما سبق إلى القول إن صعود جوهر السريع للشهرة لم يتأتَّ بسبب ميوله الإسلامية المزعومة، وإنما وصل إلى هذه المكانة من خلال الاعتماد على خياله الفسيح وعمله الجاد والمثابر والتصميم على تحقيق الأهداف.

  

نشأ جوهر في سنواته الأولى في كنف جده، الذي يُعَدُّ واحدا من حكماء الأورومو البديعين. ومن هنا، تشكّلت شخصية جوهر في جانب منها على صورة جده ذي النزعة الوفاقية، وفي جانبها الآخر تأثّرت بتضحيات والده في حركة المقاومة الأورومية. فشخصية جده، الذي كان مدافعا صلبا عن الحقوق الفردية ضد توغل الدولة، زرعت فيه شكوكا عميقة تجاه أي سلطة مطلقة، في حين غرس فيه المجتمع ضرورة احترام تاريخ الأورومو وثقافتهم وقوانينهم ونظمهم الاجتماعية. أمّا معرفة تاريخ جيل والده النضالي فقد استقاه بالدرجة الأولى من قائد حرب العصابات وإحدى أبرز الشخصيات في نضال الأورومو، عبد الكريم إبراهيم حامد المعروف شعبيا بـ "جارا أبّا جادا". الاطلاع على ذلك التاريخ جعله يدرك مدى وحشية الأنظمة الملكية بحق الأورومو، كما جعلته يدرك أهمية التضامن مع الشعوب التي تعرضت إلى اضطهاد مماثل. وهكذا، نشأ جوهر في أسرة وطنية شأنه شأن العديد من القوميين الأوروميين، فتعلّم خلالها دروسا قيّمة تُشدد على حرمة القضية الوطنية. وفي الوقت نفسه، غرست فيه تقاليد الأورومو القائمة على المساواة الثقةَ بأن الدعوة إلى احترام حقوق الإنسان في أورومو سيكون لها إسهام إيجابي في تأسيس دولة إثيوبية تحترم حقوق مواطنيها كافة.

   

احتفالات الأورومو بمناسبة عودة جوهر محمد إلى إثيوبيا (رويترز)

   

إضافة إلى ما سبق، فإن التعليم الرسمي الذي تلقّاه جوهر جعل منه شخصا متميزا على أقرانه، وذلك بسبب وضوح وفرادة أهدافه من وراء عملية التعليم. فسعيه للحصول على التعليم الجامعي هدف من ورائه بالأساس إلى امتلاك المعارف المتصلة بدراسة التغييرات الاجتماعية والسياسية، ومن ثم توظيف تلك المعارف في تحسين أوضاع الإنسان. لهذا، فبعد إكمال المراحل الأولية والمتوسطة في إثيوبيا، التحق جوهر بالكلية العالمية المتحدة لجنوب شرق آسيا في سنغافورة وتخرج فيها في عام 2005.

 

أثناء وجوده في جنوب شرق آسيا، تسنّى لجوهر أن يسافر بصورة واسعة في تلك البلدان، وهناك بدأ يتعرّف على تقاليده وقِيَمه الخاصة ويكتسب مهارات احترام الاختلاف البشري. أمّا في الولايات المتحدة، فقد حصل على شهادة جامعية في العلوم السياسية من جامعة ستانفورد، وعلى شهادة في الدراسات العليا في مجال حقوق الإنسان من جامعة كولومبيا في عام 2013. خلال وجوده بتلك المؤسسات تمكّن جوهر من صقل معارفه في دراسة علوم السياسة في مجالي الدراسة النظرية والدراسات المقارنة. وقد هيّأت له هذا المزاوجة بين هذين المساقين إمكانية أن يصبح مثقفا منخرطا في العمل السياسي الهادف لإحداث تغيير إيجابي في حياة الناس كافة بغض النظر عن خلفياتهم العِرقية.

 

حقّق جوهر كل هذه المنجزات بالاعتماد على كدّه وعقله الثاقب، فمنذ أن غادر منزل والديه في سنّ المراهقة ظلّ جوهر وحيدا يعتمد على نفسه طوال سنواته الجامعية. بهذا المعنى، فهو رجل صنع نفسه بنفسه ولم يفقد -رغم كل شيء- بوصلة تركيزه على الأهداف الإستراتيجية. ليس ذلك فحسب، بل أكسبته الحياة القاسية التي تعرّض لها في شبابه شخصية قوية صعبة المراس تظهر ملامحها حتى في شخصيته الناضجة في الوقت الحالي، وبات يستخدمها بذكاء ضد خصومه سواء كانوا أفرادا أو حتى نظاما مدججا بالسلاح. فضلا عن ذلك، فجوهر يُعتَبر مثقفا حصيفا وناشطا شديد الحيوية تخلى عن طموحه الشخصي لمصلحة الخدمة العامة.

  

هاشتاغ احتجاجات الأورمو
ميدان - احتجاجات الأورمو (رويترز)

  

في 12 نوفمبر/تشرين الثاني 2015، أشعلت تظاهرة في بلدة صغيرة وسط إثيوبيا حركة احتجاجات تاريخية تحوّلت سريعا إلى ثورة واسعة شملت كل إقليم أوروميا. تواصلت الاحتجاجات لقرابة أربعة أعوام، وانتشرت خلالها في أجزاء أخرى من إثيوبيا إلى أن تُوِّجت في النهاية بإسقاط النظام الاستبدادي. وهنا عليّ الإشارة إلى أن هذه الاحتجاجات، التي عُرفت باحتجاجات أوروميا، ارتبطت ارتباطا وثيقا بحياة جوهر محمد.

   

وبالطبع هناك جملة أسباب لاقتران الاحتجاجات بحياة جوهر. أولا، أدرك جوهر منذ البداية مسار هذه الاحتجاجات في حين توقّع المحللون السياسيون والمراقبون أن الانتفاضة سيتم إخمادها بصورة وحشية في غضون فترة قصيرة. وهو وإن لم يكن يعرف بالضبط مسار تلك الاحتجاجات، لكنه كان يُدرك أنها لحظة تَشَكُّل لفرصة تاريخية لتغيير النظام في إثيوبيا. في هذا السياق، سأُقدِّم في الجزء التالي شهادة لشاهد عيان تُبرهن على قدرة جوهر على التنبؤ بالأحداث وفهمها بصورة مكّنته -في النهاية- من الاستفادة من الاحتجاجات.

  

في أوائل ديسمبر/كانون الأول 2015، بعد مُضي أسابيع على احتجاجات أوروميا، دعاني جوهر للظهور على شاشة شبكة أوروميا الإعلامية للتعليق على قضية الاحتجاجات الجارية في إثيوبيا. وفي الرابع من ديسمبر/كانون الأول 2015، ظهرنا أنا وجوهر معا على الشاشة نفسها وتحدّثنا بلغة "أفان أورومو" لشرح أسباب الاحتجاجات وللحديث حول المطالب التي يُنادي بها المحتجون. في اليوم التالي فعلنا الشيء نفسه باللغة الأمهرية. لم أكن أُدرك وقتها قيمة الحديث التلفزيوني ومدى تأثيره على حركة الاحتجاجات الجارية في البلاد. لكني وافقت على المشاركة من باب الاحترام للشبكة، أملا في أن تصبح "صوتا لشعب الأورومو".

  

إدراك جوهر لأهمية وسائل التواصل الاجتماعي في مرحلة مبكرة

 

من الواضح أن جوهر كان يُدرك تماما أهمية الدور الذي يمكن أن يلعبه التلفزيون في استمرار زخم الحركات الاجتماعية، حيث سعى منذ بداية العام 2003، دون كلل، إلى تأسيس شبكة أوروميا الإعلامية، فأنشأ مركز بث تلفزيوني في مينيابوليس في الأول من مارس/آذار 2014. ومع أن المتطلبات اللازمة لتدشين هكذا فضائية لم تكن مكتملة، فإنّ الشعور بالحاجة دفع جوهر إلى تدشين الشبكة. ليس ذلك فحسب، بل كان واضحا منذ البداية أن شبكة أوروميا الإعلامية ستصبح منصة إعلام مقاوم، حيث قال جوهر في خطاب تدشينه لها: "لقد حرّرنا بتدشين هذه المحطة فضاء أوروميا، وسنبدأ من الآن فصاعدا في تحرير الأرض في أوروميا". عند التفكير في خطاب جوهر الآن بأثر رجعي، يتأكّد لنا أن جوهر كان يملك خطة حول الكيفية التي ستجري بها الاحتجاجات، والإستراتيجية التي سيتم اتباعها لتحقيق مقاصد تلك الاحتجاجات.

 

في الوقت نفسه، كان جوهر يعكف على تجميع أدوات أخرى تُساهم في تحريك دفة العمل الجماعي ضد النظام الاستبدادي في إثيوبيا. على سبيل المثال، عند الانتهاء من الحلقة المشتركة المذكورة آنفا، أخبرني جوهر وقد بدا على وجهه شعور بالزهو والارتياح: "أصبح لديّ الآن مئة ألف متابع على فيسبوك. نحمد الله على نعمة فيسبوك، سنوظف هذه المنصة لقيادة الثورة". أجبته بالقول: "هذا شيء جيد"، ولم أكن أدرك تماما حقيقة المقاصد التي جعلته يتحمس بتلك الصورة، لأنني لم أكن أتوقع أن وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يتم تسخيرها في تعبئة وقيادة الحركة الاجتماعية. غير أن جوهر فيما يبدو قد أدرك مبكرا قوة وسائل التواصل في جمع المعلومات من "الصحفيين" المتطوعين على أرض الميدان في كل أنحاء أوروميا، فكانت الصور والتقارير والتسجيلات الصوتية تتدفق على حاسوبه المحمول والثابت، ومن هناك يقوم بتبويبها وفحصها والتحقق من صحة المعلومات الواردة فيها ومن ثم يقوم بإعادة إرسالها مرة أخرى إلى أوروميا من خلال حسابه على فيسبوك وعبر شبكة أوروميا.

  

شعب الأورومو يُعيد اكتشاف وحدته

  

عمل البث التلفزيوني المكثّف على توفير المعلومة لشعب الأورومو وتعبئته لمواصلة النضال. كان تأثيره هائلا، فمن خلاله استطاع شعب الأورومو أن يُعيد اكتشاف وحدته كأُمّة وأن يلتف حول مطالب سياسية واضحة المعالم. فكانت منشورات جوهر على فيسبوك وفي وسائل التواصل الأخرى تُقدِّم المعلومات للمتظاهرين وتنظّمهم لإنجاح العمل الجماعي. وبالطبع طريقة نشر تلك المعلومات وتنظيم عمليات التظاهر بصورة سرية كانت تُربك النظام الاستبدادي.

 

في أواخر يونيو/حزيران 2016، استطاع ناشطون من ذوي الخبرة التقنية الفائقة ممن يعملون مع جوهر اختراق حواسيب وزارة التعليم، وتمكّنوا من إزالة أوراق الامتحانات الوطنية. عندها طالبَ جوهر -استنادا إلى هذه الثغرة الفنية- بتمديد موعد الامتحانات للطلاب في أوروميا لأنهم لم يتمكّنوا من التحضير للامتحان بسبب الاحتجاجات. أخذت هذه الحادثة المسؤولين على حين غرّة، ولم يجدوا في نهاية الأمر من خيار سوى الإذعان لمطلب تمديد الموعد.

  

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد كان النظام ينتظره الكثير من المفاجآت. ففي أغسطس/آب 2016، تمكّنت الحركة الاحتجاجية من تنظيم مظاهرات في أكثر من 200 مركز حضري في إقليم أوروميا. وقد اعتُبر هذا النشاط إنجازا غير مسبوق، لأن الحركة استطاعت تأمين تنظيم هذه التعبئة الواسعة دون علم أجهزة أمن النظام. وبنهاية الشهر نفسه، تمكّنت مبادرة تُعنى بمقاطعة الأسواق من إغلاق كل المحلات التجارية والمؤسسات الحكومية في أنحاء إقليم أوروميا كافة. وكانت النتيجة أن أصبحت العاصمة أديس أبابا مشلولة تماما، مما أدّى إلى شلل في الحركة التجارية في كل أطراف البلاد. وهكذا أضحى النظام غير قادر على مجاراة حركة المقاومة.

 

هكذا مثّلت تلك الأحداث المذكورة نقطة تحوّل في مسار احتجاجات أورومو التي دامت أربعة أعوام. وقد تأكّد للناس من خلالها أن صورة الوحش الهائل (اللوياثان) التي ظل النظام يصف بها نفسه، للادعاء بعدم وجود قوة تقهره، باتت كلها سرابا بقيعة يحسبه النظام ماء. وبحلول مجزرة "أريشا" في 2015، وأيام الغضب الخمسة التي تلت المجزرة، بات واضحا أن النظام في إثيوبيا لم يكن هشا فحسب، بل بدأ للعيان أنه يترنح على حافة السقوط.

  

وسائل التواصل الاجتماعي والاحتجاج

  

باستثناء دور الناشطين المصريين خلال فترة الربيع العربي وبعض ناشطي حركة "حياة السود مهمة"، قلة من الناس كانت تدرك، قبل حركة احتجاجات أورومو، قوة وسائل التواصل الاجتماعي في مؤازرة الحركات الاجتماعية وتوسيع أُطرها الداخلية. حيث لم يكن للناشطين أدنى فهم للدور الذي يمكن أن يضطلع به هذا الإعلام في تجسير الروابط وتعزيز سردية الاحتجاجات وتعبئة الأفراد والموارد. لهذا يمكن القول إن أعظم ابتكارات احتجاجات أورومو وأكثرها استمرارا يكمن في قدرتها على المزاوجة والدمج بين وسائل التواصل وبين أدوات الحركات الاجتماعية. وفي هذا المضمار، كان جوهر هو مَن تولّى هندسة هذا الدمج والثورة التي تمخّضت عنهما.

  

لإنجاح هذه المزواجة، تم بناء (وإعادة بناء) مؤسسة مقاومة أورومية للنهوض بأعباء العمل الجماعي في إقليم أوروميا، بعيدا عن أنظار أجهزة الأمن الإثيوبية المعروفة بكفاءتها في هذا المجال. وهي بالأساس عبارة عن مؤسسة شبابية تُعرف بـ "كيرورو"، ويشير الناس إلى جوهر باعتباره "الأب الروحي" لها، في إشارة إلى كونه مؤسس هذه المنظمة، غير أن جوهر نفسه لم يدّعِ "الأبوة" لهذه المنظمة. لكن عندما سأل صحفي أحد منسقي هذه المنظمة ما إذا كانوا يعتبرون "جوهر" مؤسسا وقائدا للمؤسسة، وصف المنسق دور جوهر على النحو التالي[4]: "وفّر لنا جوهر تحليلات سياسية ونصائح، فهو بإمكانه أن يحصل على المعلومات من داخل دوائر الحكومة، ومن ثم يمدّها إلى شبّان الكيرورو. فنقوم بفحصها ومن ثم نقرر ما إذا كان يجب اتخاذ إجراء بشأنها. لهذا، فمنظمة الكيرورو تشبه في تنظيمها فريق كرة القدم، فقد يكون جوهر بمنزلة حارس المرمى الذي يساعد في التوجيه، لكننا في النهاية مَن يتولّى أدوار الهجوم في الفريق".

 

وافق جوهر على هذا التوصيف وذكر في سياق الإجابة عن سؤال صحفي من تلفزيون "والتا"[5]: "أعتبر نفسي أخًا لشبّان الكيرورو، فنحن نشأنا معا". توحي هذه الإجابة بأن جوهر ساعد في عملية إعادة تنظيم مجموعات كانت قائمة بالفعل وجعلها تتجاوب مع العمل في هذا العصر الرقمي. وأيًّا كان دوره داخل المنظمة، فإن علاقته الحميمة مع المنظمة أمر غير قابل للجدال. وبالمحصلة، استطاع جوهر من خلال دمج تقنيات وسائل التواصل مع أدوات الحركات الاجتماعية من تقديم مساهمة لا تُضاهى في عملية إسقاط نظام الائتلاف الحاكم الاستبدادي في إثيوبيا.

 

تأسيسا على ما سبق، تُعتَبر حركة الكيرورو نمطا جديدا من حركات المقاومة التي استفادت من تكنولوجيا الاتصال، كما استفادت من أشكال التعبير الفني التي تُنقل بها رسائل مقاومة مشفرة ثقافيا اعتمادا على براعة الناشطين في التقنية وتوظيفهم لأدواتها في تعبئة الجماهير بما يحقق أهدافهم الإستراتيجية. فمن خلال استخدام الإنترنت في تنظيم أنشطة واسعة مثل إقامة المظاهرات العامة والمقاطعة والإضراب المنزلي ووقفات الاحتجاج، تمكّن الناشطون في المنافي والكيرورو على أرض الميدان من إنشاء حركة مقاومة عابرة للحدود. والأهم من كل ذلك أن حركة الاحتجاجات نجحت في تحقيق أهدافها، فلا أجهزة المخابرات والأمن استطاعت كشفها، ولا الأجهزة العسكرية تمكّنت من كسر شوكتها. حققت أهدافها عبر مقاومة سلمية لافتة أودت بأرواح العديد من شباب الأورومو -بالطبع-، ولكنها حافظت على حيوات العديد من سكان الإقليم من غير الأورومين.

   

يُعتَبر جوهر اليوم أكثر شخصية سياسية مؤثرة في إثيوبيا. وقد اكتسب تأثيره بالأساس من قوة حضوره الذهني، ومعرفته الواسعة بقوانين الحركات الاجتماعية والسياسية

وكالة الأنباء الأوروبية

    

منظمة الكيرورو في مرحلة تحوّل

منذ عودته إلى إثيوبيا في 6 أغسطس/آب 2018، ظل جوهر يحاول كبح جماح شبّان الكيرورو من ممارسة أي ضغوط سلبية على حكومة رئيس الوزراء آبي أحمد ذات الطابع الديمقراطي. وكان هدفه من وراء ذلك ضمان نجاح تجربة التحول الديمقراطي في إثيوبيا. ومع ذلك، ظهرت دلائل تدل على نفاد صبر شبّان الكيرورو تجاه أداء الحكومة، لا سيما أن لهم مطالب واضحة وثابتة تمثّلت في المطالبة بالحكم الذاتي في الأقاليم، وتقاسم السلطة على المستوى الفيدرالي، والتوزيع المنصف لعائدات التنمية والموارد الإقليمية، والدفاع عن هوية وثقافة الأورومو. غير أن الإدارة الحالية درجت على تهميش هذه المطالب، هذا إن لم تتخلَّ عنها بالكامل. فضلا عن ذلك، فإن أداء رئيس الوزراء في السلطة وفلسفته الجديدة، الموسومة بـ "مَدْمَر"، فاقمت شكوك شبان الكيرور تجاه الحكومة لدرجة أنهم باتوا يعتقدون أن ثورتهم تم اختطافها.

 

وقد تفجّر احتقان شبّان الكيرور في الساعات المبكّرة من يوم 23 أكتوبر/تشرين الأول 2019، في أعقاب محاولة الحكومة إلغاء الحراسة الوقائية عن جوهر محمد. حيث نزل شبّان الكيرورو للمرة الثانية للشوارع احتجاجا على إجراء إلغاء الحراسة، معتبرين أنه إجراء ذو دوافع سياسية حاكته الحكومة ضد جوهر. هكذا خرج شبان الكيرورو للشوارع في الحواضر والمناطق الريفية كافة في أوروميا من أجل حماية "رفيق دربهم" جوهر. في غضون ذلك، أحرقت الجموع كتاب "مَدمَر"، لرئيس الوزراء، وأسقطوا لوحات دعاياته، وأشعلوا النار في صور رئيس الوزراء مرددين هتافات تدعو لسقوط آبي أحمد.

 

عند أول حديث لجوهر حول الحادثة، طلب من المتظاهرين "إزالة الحواجز من الطرقات وتنظيف الشوارع ودفن الموتى والعودة للمنازل". تجاوب المتظاهرون مع توجيهات جوهر وعادوا لمنازلهم. مع ذلك، لا يزال منتقدو جوهر يعبّرون عن استنكارهم بأن الحكومة لم تُلقِ القبض عليه وتحاكمه بتهم قتل المواطنين الأبرياء. حقا إن السياسة في إثيوبيا تمارس على نحو معكوس، تدعو لتقديم الضحية للعدالة حتى يفلت الجُناة من العقاب!

  

  

ورغم كثرة ما كُتب في الإعلام من نقد لظاهرة الكيرورو، يجدر التأكيد أن الشبان الذين عادوا للشوارع ليسوا مشاغبين عديمي عقل يتلقون أوامر وعروضا من جوهر دون تمحيص ومساءلة. صحيح أن مظاهرتهم الأخيرة حدثت بصورة تلقائية بسبب الحادثة التي جرت في مكان إقامة جوهر، لكن قبل هذه التظاهرة كان المنسقون في وسط وشرق إثيوبيا قد أعلنوا سابقا عن نيتهم تيسير مظاهرات ضد الحكومة. فلهؤلاء الشبّان مطالب حقيقية، بعضها قديم من أيام الثورة، وبعضها مطالب جديدة، وما دامت الحكومة لم تقم بتلبية مطالبهم، فسيعودون حتما للشوارع.

 

في هذا الصدد، لو نظرنا إلى سجل رئيس الوزراء حول الأمر، ونظرنا أيضا إلى ردة فعله حول موت المئات في الأسبوع الماضي (نحو 129 شخصا حسب بعض التقديرات غير الرسمية)، نخلص إلى أن مطالب شبّان الكيرورو لا يبدو أنها ستتم تلبيتها في أي وقت قريب. وبالطبع سيحاول جوهر حثّهم على ضبط النفس، لإعطاء فرصة للتحول الديمقراطي الجاري في البلاد. مع ذلك، فقد يأتي وقت لا يستطيع حتى جوهر نفسه كبح جماح شبّان الكيرورو.

  

التعاون بدلا عن المُعاداة

لا شك أن جوهر يُعتَبر اليوم أكثر شخصية سياسية مؤثرة في إثيوبيا. وقد اكتسب تأثيره بالأساس من قوة حضوره الذهني، ومعرفته الواسعة بقوانين الحركات الاجتماعية والسياسية، وبراعته في استخدام الإعلام الرقمي، ومثابرته في تحقيق الأهداف التي وضعها لنفسه. لهذا فقد اعتاد على جمع معلومات هائلة من حسابه على فيسبوك ومن شبكة معارفه داخل وخارج دوائر الحكومة، حيث يقوم بمراجعتها وتطوير إستراتيجية حول كيفية التعاطي معها ومن ثم يقوم بتنفيذ مخرجاتها بسرعة. علاوة على ذلك، فإنه يستخدم طلاقته اللغوية التي لا مثيل لها، وشخصيته التي بناها بعناية فائقة، وقدرته على التنبؤ بالكيفية التي يمكن للأحداث السياسية أن تؤول إليها.

 

يُعَدُّ جوهر سياسيا براغماتيا ما فتئ يدعو منذ عودته إلى إثيوبيا في أغسطس/آب 2018 إلى تكوين عقد اجتماعي جديد للشعب الإثيوبي

 
رويترز
  

على حد علمي، ليس لجوهر ميول في الرياضة التي تمارس في الخارج، أي في الهواء الطلق، لكنه يستمتع بممارسة "اللعبة السياسية"، فتلك -حسب علمي- هي "رياضته" المفضّلة. هذا التركيز الفريد على هذه اللعبة هو ما جعله قائدا لأطول حركة اجتماعية لافتة أطاحت بالدكتاتورية عبر المظاهرات السلمية، فصنع التاريخ في إثيوبيا، وأثبت للعالم كيف يمكن أن تتضافر وسائل التواصل مع الحركات الاجتماعية لإحداث تغيير سياسي.

 

وباعتباره قائدا لاحتجاجات أورومو فقد أثبت جوهر صلابته بجدارة، بل وربما شراسته في استخدام التكتيكات عند دخول حلبة منافسة حامية الوطيس. فعندما قرر الائتلاف الحاكم الالتزام بخيار الإصلاح وبدأ في مسار التحول، غيّر جوهر موقفه السياسي من موقف قائد للمقاومة إلى موقف رجل الدولة. لهذا أعلن عند عودته في 6 أغسطس/آب 2018 أن المقاومة تحوّلت إلى الحكم، وأن العمل الآن ينصرف إلى إرساء الديمقراطية وإحلال السلام وتعزيز تكافؤ الفرص. وفي هذا السياق، ذكر جوهر في مقابلة أُجريت معه: "أعتقد لو قمنا بإرساء الديمقراطية في الدولة الإثيوبية -بما يتيح مشاركة الأعراق كافة في العملية السياسية وحصولهم على حصص عادلة في الثروة والسلطة- فستكون هناك إمكانية لرؤية جيل قادم في هذه البلاد يكون معتزا بأوروميته وإثيوبيته في الوقت نفسه. أزعم أن تحقيق هذا الأمر ممكن"[6]. وذكر في مناسبة أخرى: "لقد حاربنا من أجل الحصول على حكومة ديمقراطية وليس من أجل الوصول إلى حكومة تحظى بشعبية. لا يهمنا مَن يحكم، إنما الأهم بالنسبة لنا هو أن يحصل مَن يحكم على موافقة الناس وتفويضهم من خلال صناديق الاقتراع"[7].

 

إن التصريح بمثل هذه الكلمات لا يأتي من قبيل انتهازية سياسية، وإنما يأتي تعبيرا عن قناعة راسخة بالديمقراطية. كما تشهد هذه الكلمات على حقيقة أن جوهر يُعَدُّ سياسيا براغماتيا ما فتئ يدعو منذ عودته إلى إثيوبيا في أغسطس/آب 2018 إلى تكوين عقد اجتماعي جديد للشعب الإثيوبي. وحتى مؤخرا عندما اندلعت الاحتجاجات، كان جوهر أول شخصية عامة دعت إلى الهدوء والعودة للأوضاع الطبيعية. والحال هذه، فلا يمكن لأي تشويه لشخصيته مهما تعاظم أن يُقلّل من أهميته السياسية، فقد أصبح شخصية سياسية لا يمكن تجاوزها في المشهد الإثيوبي الراهن. لهذا فإن السياسيين الإثيوبيين سيستفيدون منه في حال تعاونهم معه أكثر من معاداتهم له.

_________________________________________________

هذا التقرير مترجم عن: Ethiopia Insight ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار