انضم إلينا
اغلاق
رؤوس "الهيدرا" الإيرانية.. هل نجح النظام الإيراني في قمع الاحتجاجات الشعبية للأبد؟

رؤوس "الهيدرا" الإيرانية.. هل نجح النظام الإيراني في قمع الاحتجاجات الشعبية للأبد؟

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض

لم يشعر رجال الدين الإيرانيون أبدا بالارتياح تجاه ذلك الاحتفال السنوي بعيد "النيروز"، خاصة مع طابعه الزرادشتي الذي لا يمكن إنكاره، إلى درجة أن مؤسس الجمهورية الإسلامية "آية الله الخميني" لم يستخدم كلمة "النيروز" أبدا في أيٍّ من خطاباته، ورغم ذلك، فإن وجود 5 ملايين شخص يحتفلون بهذه المناسبة كل عام، بمن في ذلك مئات الآلاف من الحجاج الذين يتوجهون سنويا إلى حرم الإمام الرضا في مدينة مشهد، يُعَدُّ حشدا لا يمكن تجاهل إغرائه بالنسبة للقادة الدينيين في البلاد، بمن في ذلك المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي الذي يبدو أكثر ارتياحا من سلفه تجاه العيد الفارسي المثير للجدل.

   

ففي الحادي والعشرين من مارس/آذار من كل عام، اعتاد خامنئي والرئيس الإيراني -حسن روحاني في الوقت الراهن- توجيه تحيّاتهما للشعب بمناسبة العيد على شاشات التلفاز الرسمي، لكن ما يهم حقا ليس التهاني المعتادة والنمطية، وإنما الخطاب الذي يلقيه خامنئي عادة أمام الحجاج في "مشهد"، مدينته المفضلة، راسما من خلاله عادة المعالم والأولويات الرئيسة للسياسات الإيرانية خلال العام المقبل، ومُمرِّرا عبره أهم الرسائل التي تهدف القيادة الدينية إلى ترسيخها في وعي الجمهور الإيراني خلال ذلك العام.

   

وعلى عكس خطابات عامي 2017 و2018 التصالحية في نبرتها تجاه الغرب الغالب عليها التفاؤل إلى حدٍّ كبير، كان خطاب المرشد في العام الحالي 2019 ردة كبيرة على مستوى السياسة الخارجية، حيث عبّر(1) خامنئي خلاله عن إحباط واضح بسبب تخلي العالم عن بلاده بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في مايو/أيار للعام الماضي، موجِّها انتقادات حادة للغرب، وتحديدا لأوروبا بسبب تنصّلها من التزاماتها بموجب الاتفاق، في لهجة حملت إدراكا ضمنيا من المرشد الأعلى أن زمان الاتفاق ولّى إلى غير رجعة، لكن الجزء الجدير بالانتباه من خطابه كانت إشارته الواضحة للملف الاقتصادي والتي خلت من أي وعود بتحسين الأحوال المعيشية للإيرانيين، وبدلا من ذلك فإنه ركّز بشكل كامل على طريقة استغلال إيران لتلك العقوبات كفرصة لبناء اقتصادها الخاص.

  

  

أدرك خامنئي بوضوح أن هناك القليل جدا مما يمكن فعله من أجل مواجهة التداعيات الكارثية للعقوبات، ونتيجة لذلك فإنه ركّز جهوده على توجيه طاقة الغضب المنتظرة للإيرانيين نحو العدو الخارجي، وهي اللعبة التي أجادتها الجمهورية الإسلامية ببراعة منذ الأيام الأولى لتأسيسها عام 1979، حيث وصف المرشد الأعلى الرضوخ للعقوبات بأنه "استسلام لمفاخر العدو الفارغة" كما قال، وحرص على تذكير شعبه بـ "كفاح البلاد الكبير" إبان الحرب العراقية الإيرانية، ونجاحها في الوقت نفسه في تطوير صواريخ لردع أعدائها، مؤكِّدا أن إيران لا بد أن تسعى لتطوير "قوة ردع اقتصادية" -كما أسماها- تؤهّلها للصمود في وجه أعدائها.

  

لكن لهجة الخطاب هذه لم تكن جديدة على خامنئي، حيث يذكر(2) الإيرانيون الدعوة الأولى للمرشد الأعلى لتأسيس "اقتصاد مقاوم" ضمن خطاب شهير له في يونيو/حزيران عام 2012 خلال جولة العقوبات الأولى التي فُرضت على طهران بسبب برنامجها النووي أثناء فترة حكم الرئيس المحافظ "محمود أحمدي نجاد"، وهو مصطلح فصّله خامنئي لاحقا في خطاب عام 2014 محدِّدا عشرة أركان للاقتصاد المقاوم، على رأسها الاعتماد على السلع المحلية، وتأمين السلع الإستراتيجية، وتفعيل نظام المقايضة، وإصلاح سلوكيات الاستهلاك، ومكافحة الفساد، وتقليل الاعتماد على النفط.

  

لكن دعوة خامنئي اليوم لتأسيس ذلك الاقتصاد المقاوم لم تلقَ الآذان المصغية نفسها التي وقعت عليها قبل سبعة أعوام، وهو ما يُعَدُّ تذكيرا بمدى الاستياء المتفاقم في الشارع الإيراني عاما بعد عام بسبب المعاناة الاقتصادية وفشل الحكومات المتتابعة في الوفاء بالتزاماتها تجاه شعبها، كما يُعَدُّ تذكيرا أيضا بحجم الرصيد الرمزي الذي فقده النظام الإيراني -بمن في ذلك خامنئي نفسه- خلال الأعوام الأخيرة بسبب هذا الفشل البيروقراطي المزمن.

       

    

ظهر ذلك جليا خلال الاحتجاجات الأخيرة التي اندلعت في 15 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي إثر قيام الحكومة برفع أسعار البنزين وفرض سياسة لتقنين استهلاك الوقود، حيث فشلت(3) تبريرات "روحاني" الذي ادّعى أن العائدات المقرر جمعها من زيادة الأسعار (نحو ملياري دولار) سيتم توجيهها لدعم 18 مليون أسرة فقيرة -نحو 60 مليون شخص أو نسبة 75% من إجمالي عدد المواطنين الإيرانيين- هم الأكثر تضررا من العقوبات الأخيرة، فشلت تبريراته في تهدئة سخط المواطنين أو إقناع المحتجين بإنهاء احتجاجاتهم، ولذلك اضطر "خامنئي" للتدخّل بنفسه واستخدام ثقله السياسي محاولا حسم الأمور وجلب الهدوء للبلاد.

   

وفي خطاب له بعد يومين من إقرار الأسعار الجديدة، أيّد "خامنئي" ضمنيا سياسات روحاني ومنحها الغطاء السياسي مُندِّدا بأعمال العنف التي ارتكبها المتظاهرون كحرقهم البنوك والممتلكات العامة، ومُتّهِما(4) المظاهرات بأنها مدفوعة بشكل رئيس من قِبل أنصار أسرة بهلوي، شاه إيران الأسبق، ومنظمة "مجاهدي خلق" المعارضة المحظورة، لكن المرشد الأعلى كان حريصا في الوقت نفسه على تجنّب تحمّل المسؤولية السياسية عن القرار، مشيرا إلى افتقاره للمعرفة والخبرة حول سياسات إنتاج الوقود واستهلاكه وتقنينه، وأن هذه القرارات يتم تقييمها من قِبل المختصين في الحكومة.

  

لم يزد تأييد خامنئي للقرارات الحكومية الأمور إلا اشتعالا، مُرسِّخا الفكرة الشعبية حول وجود انفصام متزايد بين القادة الإيرانيين وشعبهم، ولم تمر سوى ساعات قليلة على خطاب المرشد الأعلى حتى توسّعت الاحتجاجات لتشمل مئة مدينة إيرانية، بما فيها العاصمة طهران ومدينة "مشهد" معقل "المتشددين الدينيين"، إضافة إلى أصفهان وتبريز وشيراز، وصولا إلى محافظة خوزستان الغنية بالنفط في الجنوب الغربي، توسّعٌ دفع الحكومة إلى قطع خدمات الإنترنت عن البلاد بالكامل، وشن حملة قمع عنيفة أسفرت عن مقتل 143 متظاهرا على الأقل حتى التحديث الأخير (25 للشهر الحالي) لما تلقّته منظمة العفو الدولية من تقارير اعتبرت أنها موثوقة.

     

   

ورغم أن الاحتجاجات اقتصادية الطابع لا تُعَدُّ أمرا جديدا أو غير مألوف في إيران، فمن الواضح أن هذه الموجة الاحتجاجية أطلقت جرس إنذار للنظام رغم أنه نجح في احتوائها في نهاية المطاف كما تشير آخر المعلومات الواردة من البلد المغلق، ولا يرجع ذلك الإنذار فقط لكون هذه الاحتجاجات هي الأكبر في السنوات الأخيرة منذ مظاهرات الحركة الخضراء الشهيرة عام 2009، ولكن لأنها تأتي متزامنة أيضا مع تظاهرات مماثلة في لبنان والعراق لا يمكن تجاهل العامل الإيراني فيها على كل حال، وبعبارة أخرى؛ من الواضح أن رؤوس دولة الملالي يخشون أن تكون "انتفاضة البنزين" جزءا من موجة احتجاج إقليمية ضد النظام الثيوقراطي الإيراني وأيديولوجيته الثورية، في الوقت الذي تبدو فيه طهران مُحاصَرة بشدة بين مطرقة حاجتها الشديدة إلى فرض تدابير تقشفية من أجل التكيّف مع أثر العقوبات الأميركية الثقيلة، وسندان الاحتجاجات الشعبية التي يدرك النظام أنه سيكون مضطرا لمواجهة الكثير منها خلال الأشهر القليلة المقبلة على الأرجح.

  

إيران الثائرة دوما

تُعَدُّ الاضطرابات الشعبية والهبّات الجماهيرية أمرا معتادا بإيران مقارنة بأي دولة أخرى في الشرق الأوسط، وهو تقليد تعود جذوره للتاريخ الفارسي القديم لكنه تعزّز بعد دخول الإسلام للبلاد، وانعكس لاحقا على تاريخها الحديث حيث أصبحت إيران أكثر دولة إسلامية شهدت موجات من الاحتجاجات الشعبية الناجحة والمؤثرة في التاريخ الحديث للعالم الإسلامي كاملا، بما يشمل ثورتين راديكاليتين كاملتين هما الثورة الدستورية الفارسية بين عامي 1905-1911 والتي انتهت بوضع دستور وإقامة أول برلمان حديث في تاريخ إيران، والثورة الإسلامية الشهيرة 1979، بخلاف انتفاضتين كبيرتين غيّرتا موازين القوى في البلاد هما انتفاضة التبغ عام 1890 التي نشبت احتجاجا على منع الحكومة امتيازات تصنيع وتصدير التبغ محليا لصالح جهات بريطانية، وحركة تأميم النفط الكبرى بين عامي 1951-1953 في عهد رئيس الوزراء محمد مصدق.

       


      

تعزّز هذا التقليد الثوري بشكل واضح خلال حقبة ما بعد "الثورة الإسلامية"، حيث استخدمت الفصائل المتنافسة بعد الثورة الاحتجاجات الشعبية لكسب النفوذ ضد بعضها بعضا في الصراع الفوضوي على السلطة آنذاك، وكان المثال الأبرز على ذلك عملية الاستيلاء على السفارة الأميركية في طهران أعقاب الثورة مباشرة والتي تسبّبت في النهاية في الإطاحة بالحكومة الليبرالية بقيادة رئيس الوزراء "مهدي بازركان"، مَن عيّنه "الخميني" في منصبه للوهلة الأولى بهدف استمالة التيارات الليبرالية للثورة، لتحل محلها حكومات متعاقبة أكثر تشدّدا.

  

ورغم شيوع الاحتجاجات السياسية في إيران الثورية بشكل ملحوظ، بداية من انتفاضة "خرداد" عام 1963 التي وقعت بسبب اعتقال آية الله الخميني إثر تنديده بإسرائيل قبيل قيام الثورة الإسلامية، مرورا باحتجاجات الطلاب عام 1999 التي حدثت اعتراضا على إغلاق صحيفة إصلاحية، ووصولا إلى احتجاجات الحركة الخضراء عام 2009 التي نشبت بسبب المخاوف حول تزوير الانتخابات الرئاسية لصالح "نجاد"، والتي وُصفت بأنها أكبر موجة احتجاج في تاريخ إيران منذ "الثورة الإسلامية"، رغم شيوع هذا النوع من الاحتجاج السياسي فإن المظالم الاقتصادية كانت العامل المؤسس لمعظم الاحتجاجات الإيرانية، وتَمثَّل المشهد الأبرز لذلك في مظاهرات الغلاء التي نشبت عام 2017 احتجاجا على سياسات "روحاني" الاقتصادية وانتشرت سريعا من مدينة "مشهد" إلى سائر المدن الإيرانية.

   

بخلاف ذلك، كان هناك العديد من الاحتجاجات التي اندلعت لأسباب أخرى مثل الأزمات البيئية وعلى رأسها نقص المياه والغذاء، وكانت هذه الاحتجاجات شائعة بالأخص منذ منتصف العقد الأول من القرن العشرين، وتعلَّق معظمها بالمياه إلى حدٍّ كبير لجفاف الأنهار والبحيرات الكبرى في أصفهان وأذربيجان الشرقية والأهواز بفعل تغيّر المناخ وممارسات الري غير المنضبطة، إضافة إلى السياسات الحكومية التي تسبّبت في تحويل بعض مجاري الأنهار، وتُعَدُّ الانتفاضة الأشهر بفعل ذلك هي احتجاجات مدينة "تبريز" عامي 2011 و2012 إثر مشكلة المياه التي سبّبها انكماش بحيرة "أروميه"، إضافة إلى احتجاجات المزارعين عام 2013 بسبب سياسات الحكومة التعسفية في توزيع المياه، وصولا لاحتجاجات الأهواز عام 2017 (وقبلها) التي انتقدت مشروعات البنية التحتية الحكومية المتسبِّبة في جفاف المقاطعة وارتفاع مستويات تلوّث الهواء فيها لدرجة غير مسبوقة، حتى إن منظمة الصحة العالمية صنّفتها باعتبارها أكثر المدن تلوّثا في العالم.

    

برع النظام الإيراني بشكل غير مسبوق في تفريغ السخط الشعبي وإعادة توجيهه دوما تجاه القوة الخارجية المعادية للثورة وله

الجزيرة
  

شهدت طهران أيضا مجموعة من الاحتجاجات الأخرى المدفوعة جزئيا بالمظالم الدينية والثقافية، مثل احتجاجات الأقليات العِرقية والدينية في خوزستان والأهواز على سياسات التهميش والقمع الحكومية، ولكن في حين أن الاحتجاجات في إيران الإسلامية تحدث بوفرة وبأعداد كبيرة في أحيان كثيرة، فإنها نادرا(5) ما شكَّلت تحديا كبيرا للنظام، ويرجع ذلك بشكل أساسي للتماسك التكويني والمتانة الأيديولوجية للنظام الإسلامي الإيراني الذي يُعَدُّ الإرث الأكبر لثورة 1979، وهو تماسك لم تنجح أيٌّ من التطورات الكبرى داخل إيران وخارجها في تغييره، سواء كانت الحروب الكبرى مثل الحرب العراقية الإيرانية المدمرة أو العقوبات طويلة الأمد أو المنافسات بين مختلف الفصائل الإيرانية، أو حتى تطلّعات التغيير لدى المجتمع الإيراني الذي يصبح يوما بعد يوم أكثر ارتباطا بالعالم وأبعد عن الانعزال المعتاد.

  

ونتيجة لهذا الكمّ الكبير من التحديات الداخلية والخارجية التي واجهها النظام -وعبر خلالها- في رحلته الطويلة من أجل البقاء؛ فقد صار يرى استمراره حيًّا فيما يبدو بمنزلة نبوءة ذاتية التحقق، حيث برع النظام الإيراني بشكل غير مسبوق في تفريغ السخط الشعبي وإعادة توجيهه دوما تجاه القوة الخارجية المعادية للثورة وله، واستخدم موارده المحدودة نسبيا بشكل بارع في شراء الولاءات وتشكيل مراكز قوى عسكرية ودينية موالية، في الوقت الذي اكتسب فيه عاما بعد عام قدرات هائلة على إدارة الاحتجاجات الشعبية من خلال سياسات تتراوح بين الاحتواء والإكراه والقمع، وقد توسّعت هذه القدرات على وجه خاص بعد احتجاجات الحركة الخضراء 2009 والتي مثّلت الاختبار الأكبر للنظام الإيراني منذ تأسيسه وكذا احتجاجات الغلاء 2017، وشمل التوسّع تعزيزات غير مسبوقة للقدرات الأمنية، خاصة أجهزة إنفاذ القانون (الشرطة) التي زادت ميزانيتها بمعدل 200% في 2018، وحصلت على قدرات إضافية من العربات المدرعة ومعدات فض الشغب، فضلا عن توسيع أعداد مقراتها ومكاتبها في جميع أنحاء البلاد.

  

بخلاف ذلك، أنشأ جهاز الشرطة فرعا خاصا منذ 2011 يُدعى شرطة الإنترنت بهدف مراقبة المحتوى المنشور على الشبكة العنكبوتية وتتبّع النشطاء والصحفيين الناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي، ومن أجل إحكام الرقابة شيّد النظام نظاما مغلقا(6) نسبيا للمعلومات، وقام بحظر تطبيقات التواصل الأكثر تأمينا مثل فايبر وتلغرام من أجل تقويض قدرة المعارضين على التشبيك، ومن أجل المزيد من التحكّم المعلوماتي حُجبت عشرات الآلاف من المواقع الإلكترونية، وشُوِّشَ على عشرات المحطات التلفازية التابعة للجهات المعارضة وجماعات حقوق الإنسان والدول الأجنبية.

      

   

بالتزامن مع ذلك، وسّع النظام بشكل كبير أيضا من صلاحية جهاز الاستخبارات والأمن العام الذي تم تكليفه بمهام جمع المعلومات الاستخباراتية في المدن والأحياء من خلال شبكة ضخمة من المخبرين، إضافة إلى اختراق حركات الاحتجاج واعتقال الناشطين المعارضين، فيما ظلّت قوات "الباسيج" الهائلة التي أسّسها "الخميني" من المتطوّعين المتدينين بهدف الحفاظ على النظام كخط دفاع أخير وهائل بالنسبة للنظام حال فشلت الأجهزة الأمنية في احتواء أي اضطرابات واسعة.

  

وفّرت هذه القدرات أريحية كبيرة للنظام الإيراني في التعامل مع أشكال الاحتجاج كافة، ومنحته الفرصة لاتخاذ بعض القرارات السياسية والاقتصادية الثقيلة في أوقات حرجة دون مخاوف كبيرة من التداعيات الشعبية، وربما تكون هذه الخبرة الكبيرة في احتواء الاحتجاجات والنجاة من تداعياتها هي التي شجّعت النظام في نهاية المطاف على الإقدام على رفع أسعار البنزين في ظل ظروف اقتصادية معقدة ومع إدراكه للاستياء الشعبي المحتمل، وعلى الرغم من دروس التاريخ القريبة التي علّمت القادة الإيرانيين أن العبث بأسعار البنزين على وجه التحديد قادر على إثارة الكثير من مشاعر الاستياء ودعوات الاحتجاج بين الإيرانيين أكثر مما تفعله أي سلعة أو قضية أخرى مهما بلغت أهميتها وخطورتها.

 

انتفاضة البنزين

  

منذ تأميم حقول النفط الإيرانية المُدارة بريطانيًّا عام 1951 في عهد "محمد مصدق"، اعتبر (7) الإيرانيون الوقود الرخيص حقا طبيعيا، فيما اعتقد معظمهم لاحقا أن "الخميني"، مؤسس الجمهورية الإسلامية، وعد الجماهير بالحصول على الطاقة بشكل شبه مجاني أثناء دعوته لقيام الثورة الإسلامية ثم تأييدها، ضمن الوعود الكبرى للثورة التي قامت نظريا على أساس التوزيع العادل للثروة والموارد بين مختلف الفئات.

  

ونتيجة لذلك، فإن إيران ظلّت إحدى الدول الأقل في أسعار البنزين في العالم، حيث يكلّف البنزين المكرر في طهران أقل بكثير من سعر النفط العام، وحتى من زجاجات المياه المعبأة، وقد دفعت هذه الأسعار المنخفضة تاريخيا العديد من الإيرانيين لتكييف حياتهم وفق مقتضيات البنزين الرخيص، بما يشمل قيام العديد من الأُسر بنقل محال إقامتها إلى المدن البعيدة ذات الإيجارات وأسعار المنازل المنخفضة والسفر لمسافات طويلة بين المحافظات يوميا اعتمادا على التكاليف القليلة للنقل العام والخاص، فيما نشأت فئة خاصة من الإيرانيين صارت تربح قوتها عن طريق تهريب البنزين الرخيص وبيعه خارج البلاد، ما تسبّب في وصول معدلات استهلاك الوقود في إيران إلى مستويات غير مسبوقة تُعادل(8) على سبيل المثال عشرة أضعاف معدلات الاستهلاك في تركيا الأكثر ثراء والأكبر في عدد السكان.

  

غير أن العديد من العوامل الطارئة تسبّبت في جعل استمرار هذا الهيكل السخي من الدعم الحكومي أمرا غير مستدام، بما في ذلك النمو السكاني الكبير، والافتقار لوجود اقتصاد سياسي، والفاتورة الضخمة لتمويل شبكات المحسوبية الداخلية وأنشطة الميليشيات الموالية لطهران في الخارج، فضلا عن العقوبات الأميركية والغربية، وقد أثارت هذه الحقائق -أو ربما بعضها- دعوات كثيرة بين الحكومات المتعاقبة لإصلاح سياسات البنزين، خاصة من قِبل الحكومات الإصلاحية خلال حقبة الثمانينيات والتسعينيات، لكنها فشلت جميعا في مقاربة المشكلة التي ظلّت دوما بلا حل حتى منتصف العقد الماضي حين بدأ "خامنئي" نفسه في الإفصاح عن مخاوفه بشأن ارتفاع معدلات استهلاك الوقود بالداخل وتأثيراته الاقتصادية والبيئية، وطرح في أكثر من مرة مبادرات تقنين الاستهلاك ضمن إطار اقتصاد المقاومة الذي نادى به لتقليص اعتماد إيران على النفط وتحرير اقتصادها من التأثيرات الغربية.

    

كان من المنطقي توقّع أن أيَّ محاولة للمساس بدعم البنزين في أجواء كتلك  التي بإيران ستُثير احتجاجات أكبر من أي وقت مضى

الجزيرة
   

فمنذ عام 2007 تحديدا بدأ(9) "خامنئي" في تشجيع الحكومات المتعاقبة على التحلّي بالشجاعة وسنّ سياسات لتقنين استهلاك البنزين وإصلاح خطط الأسعار، ورغم أن خطة تقنين الوقود الأولى التي تم طرحها في العام المذكور تسبّبت في نشوب أعمال شغب كبيرة، كانت الحكومة قادرة على المُضي قُدما لترفع الدعم عن الوقود بشكل كبير بحلول نهاية عام 2010، وتعوّض المواطنين الإيرانيين من خلال خطط سخية للدعم النقدي.

   

غير أن هبوط قيمة الريال الإيراني خلال عامي 2012 و2013 مع عدم تعديل الأسعار مجددا أدّت إلى عودة الدعم بصورة أكثر شراسة، ما دفع "خامنئي" لتجديد دعواته لإصلاح سياسات الوقود في أكثر من مناسبة، ففي 14 يونيو/حزيران 2016 على سبيل المثال -خلال فترة سريان الاتفاق النووي مع الغرب- قدّم المرشد الأعلى ملاحظات مُفصَّلة حول الحد من استهلاك الوقود كوسيلة لتعزيز صادرات بلاده من المنتجات النفطية، وفي 29 أغسطس/آب للعام الماضي عاد "خامنئي" مُندِّدا بارتفاع معدلات استهلاك الوقود، وحث روحاني وحكومته على اتخاذ التدابير اللازمة لتقليص الاستهلاك.

  

لكن حكومة الرئيس بدت عاجزة عن الاستجابة لتلك الدعوات بسبب تنامي المخاوف من نشوب احتجاجات شعبية بسبب تردّي الوضع الاقتصادي حتى خلال فترة سريان الاتفاق النووي، لدرجة أن اقتراحا تم طرحه عام 2017 لزيادة أسعار الوقود أثار معارضة داخلية كبيرة ما دفع الحكومة للتراجع سريعا عنه والإبقاء على الوضع الراهن، ومع انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي في مايو/أيار 2018 من طرف واحد، وخسارة إيران لعائدات 1.65 برميل يوميا من النفط، والصعوبات الكبيرة التي تواجهها في تحصيل فوائد صادراتها غير النفطية بسبب القيود المصرفية، والتداعيات الاقتصادية الكبرى التي تلت ذلك وشملت تهاوي قيمة العملة ووصول نسبة التضخم إلى 40%؛ مع كل ذلك كان من المنطقي توقّع أن أيَّ محاولة للمساس بدعم البنزين في أجواء كتلك ستُثير احتجاجات أكبر من أي وقت مضى.

      


      

لكن الحكومة الإيرانية قرّرت اتخاذ هذه الخطوة مع علمها كما يُتوقّع بالمخاطر السياسية المصاحبة لها، وإذا أخذنا بالاعتبار كون طهران منشغلة بالفعل في التعامل مع حركات الاحتجاج الإقليمية؛ يبقى الاستنتاج الأوحد أن الحكومة لم تكن لتُقدم على هذه الخطوة ما لم تكن ترى أنها ضرورة مطلقة، ويبدو(10) أن الأمر كان بهذه الصورة، فمع صادرات نفطية تقترب من الصفر، وعجز في الموازنة يبلغ 8% من الناتج المحلي الإجمالي، ومع استنزاف الحكومة السريع لاحتياطاتها من العملات الأجنبية؛ تبدو تدابير التقشّف أمرا لا مفر منه.

  

غير أن طهران سعت أيضا لتقليص واحتواء أي احتجاجات محتملة من خلال سلسلة غير اعتيادية من الخطوات، فتم اتخاذ(11) قرار رفع الأسعار من قِبل المجلس الأعلى للتنسيق الاقتصادي، وهو هيئة أنشأها "خامنئي" بقيادة مشتركة مكوّنة من رؤوس السلطات الثلاث في البلاد، روحاني، ورئيس البرلمان (السلطة التشريعية) المحافظ "علي لاريجاني"، ورئيس القضاء المتشدد "إبراهيم رئيسي"، وهدف تشكيل هذه الهيئة لتوزيع عبء القرارات الاقتصادية الصعبة بين مختلف تيارات السياسة الإيرانية، ومنع أي طرف من استغلال أي قرارات وتغذية أي احتجاجات لأجل تحقيق مصالح سياسية، ولمحاولة حشد مختلف المؤسسات الإيرانية في مواجهة العقوبات الأميركية، على أن تحظى قرارات هذه اللجنة بدعم مُعلن من "خامنئي" لأجل إكساب قراراتها الشرعية السياسية والدينية الكافية ومنع تطور أي اضطرابات محتملة بالشكل الذي يُمثِّل تهديدا لبقاء النظام.

   

الهيدرا ذات الرأسين

ولكن على الرغم من هذه الإجراءات، يبدو أن خطة تقنين البنزين وفّرت أرضا خصبة للصراعات السياسية الداخلية في إيران، وهي صراعات سبّبت -خلال الفترة الأخيرة- توترات خطيرة بين السلطة التنفيذية بقيادة "روحاني" والسلطة القضائية بقيادة "رئيسي"، وكانت هذه التوترات قد أصبحت واضحة للعيان خلال حملة مزعومة لمكافحة الفساد شنّها "رئيسي" وحمّل فيها الحكومة مسؤولية اختفاء 18 مليار دولار بسبب خطأ في تقدير قيمة العملة، فيما شكّكت الحكومة بدورها في حملة مكافحة الفساد وقالت إنه تم توجيهها لإعاقة عملها بدلا من ملاحقة الفاسدين الحقيقيين، في إشارة إلى مراكز القوى الاقتصادية المرتبطة بالحرس الثوري الإيراني على الأغلب.

     

 إبراهيم رئيسي (رويترز)

   

والأخطر من ذلك، وفي تطوِّر غير مسبوق(12) إبان الاحتجاجات، طالب "أحمد علم الهدى"، خطيب الجمعة في مدينة "مشهد" المقدسة ووالد زوجة رئيس السلطة القضائية "رئيسي"، حكومة "روحاني" بإعادة عشرة مليارات دولار من عائدات السياحة الدينية إلى المدينة المقدسة، في تحدٍّ واضح لسلطة الحكومة على "مشهد" كمدينة إيرانية، رغم أن هذا التحدي لا يُعَدُّ جديدا بالكلية، حيث سبق أن اقترحت بعض الأوساط الدينية أن يتم منح مدينتي مشهد وقم قدرا من الحكم الذاتي على غرار نموذج الفاتيكان.

  

لم يقتصر الأمر على "علم الهدى" وحده، حيث أعلن ثلاثة مراجع شيعية إيرانية، هم آية الله "صافي غولبايكاني"، وآية الله "علوي غورغاني"، وآية الله "مكارمي شيرازي"، اعتراضهم على قرار رفع أسعار البنزين وطالبوا الحكومة بسحبه على الفور، في الوقت نفسه هاجم اللواء "محمد علي جعفري" القائد السابق للحرس الثوري القرار، واتهم "روحاني" نفسه بإذكاء الاحتجاجات ومنح الفرصة لـ "دعاة الفتنة" كما وصفهم من خلال تجاهل رغبات الشعب، في مناورة واضحة لاكتساب الدعم الشعبي على حساب الرئيس وحكومته.

   

لكن المعارضة الأكثر تأثيرا جاءت من داخل البرلمان، حيث يبدو أن سياسات البنزين حفّزت جهودا حثيثة للتأثير على نتائج الانتخابات البرلمانية المنتظرة عام 2020، فعلى سبيل المثال، انتقد عضو البرلمان عن مدينة "قم" المقدسة ورئيس لجنة السياسة الخارجية والأمن القومي في البرلمان الإيراني، آية الله "مجتبى ذو النور"، تحرّك الحكومة لرفع الأسعار دون مناقشة الأمر في البرلمان، فيما سعى بعض النواب لإقرار مشروع قانون عاجل يُلزم الحكومة بالتراجع عن زيادات الأسعار، لكن العديد من هذه الاعتراضات والتحركات تراجعت بعد خطاب "خامنئي" الذي أيَّد فيه قرارات الحكومة، رغم أن ذلك لم يمنع استقالة بعض أعضاء البرلمان احتجاجا، وعلى رأسهم "محمود صادق" عضو البرلمان عن العاصمة طهران، و"محمد قاسم عثماني" أحد ممثلي مقاطعة أذربيجان الجنوبية.

  

تُسلّط هذه المعارضة العلنية الضوء على حجم الصراع المحتدم داخل أروقة السياسة الإيرانية، والذي من الواضح أنه لا يدور حول اتخاذ تدابير تقشفية من عدمه، حيث يبدو ذلك خيارا حتميا في النهاية، لكنه يدور بشكل أوضح حول طبيعة هذه التدابير وطريقة تقديمها للجمهور ومَن الذي سيتحمّل المسؤولية السياسية عنها في نهاية المطاف، وفي ظل سيطرة الإصلاحيين بقيادة روحاني على الحكومة وعدد كبير من مقاعد البرلمان، يسعى المتشددون والحرس الثوري إلى استثمار القرارات الحكومية غير الشعبية من أجل كسب مزيد من النقاط قبيل انتخابات 2020، وتحميل المسؤولية لروحاني وحلفائه على الرغم من تمتّع قراراته بدعم من المرشد الأعلى.

   

تبقى المعضلة التي خلقتها هذه الموجة الاحتجاجية هي أن الأسباب الكامنة وراءها مستدامة بشكل غير مسبوق، ما يجعلها قابلة للانفجار مرارا وتكرارا

وكالة الأنباء الأوروبية
  

تُسلّط لعبة القوة بين البراغماتيين والمتشددين الدينيين الضوء على إحدى الطبائع الفريدة للنظام الإيراني والتي تجعله غير قابل للتغيير بشكل كبير، ففي حين أنه في ظاهره نظام ديمقراطي يقوم على مبدأ الإرادة الشعبية ومسؤولية الحكام عن تحقيق مطالب شعوبهم، فإنه في الوقت نفسه نظام ثوري يقوم على وصاية الفقيه ويتميز بوجود دور كبير لرجال الدين والمؤسسات الثورية العسكرية مثل الحرس الثوري والباسيج في الحكومة، وكما أثبتت التجربة التاريخية فإنه في الوقت الذي جعلت فيه هذه المؤسسات النظام الإيراني أكثر متانة في مواجهة الضغوط الداخلية والخارجية؛ فإنها عقّدت مهمة الحكومات المتعاقبة في اختيار السياسات المناسبة لتحقيق المصالح الوطنية، وبعبارة أخرى فإن هذا الوضع خلق صراعا دائما بين المصالح الوطنية للإيرانيين، والأهداف الثورية للنظام السياسي.

   

يتفاقم هذا التعارض الهيكلي بشكل كبير كلما ازدادت الضغوط الأجنبية وتفاقمت الأزمات الاقتصادية والاضطرابات الشعبية المصاحبة لها، ويصبح تقديم أحد الهدفين على الآخر حتميا، وغالبا ما يتم تقديم الأهداف "الثورية" إن جاز الوصف على المصالح الوطنية في هذه الأثناء، وهو ما يُضعف الحكومات ذات التوجهات البراغماتية ويؤدي إلى تكثيف سياسات القمع، ويُسلِّط الفارق بين تعامل روحاني على وجه الخصوص خلال احتجاجات عام 2017 وإبان الاحتجاجات الأخيرة الضوء على هذه الدينامية بوضوح، ففي حين عارض روحاني بشدة استخدام القوة ضد المتظاهرين عام 2017 إبان فترة سريان الاتفاق النووي، وأقرّ بحق الناس في الاحتجاج غيّر العنيف لدرجة أنه اتهم المؤسسات الدينية والحرس الثوري بتقويض الاقتصاد من خلال الكسب غير المشروع وشنّ حملة بهدف تفكيك بعض المؤسسات الاقتصادية للحرس؛ مقارنة بذلك فإنه ظل صامتا في مواجهة القمع العنيف لاحتجاجات البنزين الحالية رغم العدد الكبير من القتلى والمعتقلين، ما يعكس إدراكه للضعف المتزايد لشبكته السياسية.

   

في السياق ذاته، وبالمقارنة مع غياب ميليشيات الباسيج والحرس الثوري عن التدخل خلال الاحتجاجات السابقة، تم رصد اشتباكات واضحة بين الباسيج والقوات التابعة للحرس الثوري خلال هذه الموجة من الاحتجاجات، ورغم أن هذه المظاهر تعكس انحرافا كاملا للنظام السياسي الإيراني -برأسيه- نحو اليمين "المتشدد"، مع اتفاق واضح بينهما على قمع واحتواء المعارضة الشعبية، وهي مهمة لا تبدو عسيرة بالنسبة لنظام متمرس في مواجهة الاحتجاجات كما سبق أن أسلفنا، رغم ذلك تبقى المعضلة التي خلقتها هذه الموجة الاحتجاجية العامة التي شملت مختلف الطبقات الاجتماعية والمناطق الجغرافية هي أن الأسباب الكامنة وراءها مستدامة بشكل غير مسبوق، ما يجعلها قابلة للانفجار مرارا وتكرارا، وعلى فترات متقاربة، ومع تصميم أشد، وربما مع بعض العنف أحيانا، ما يجعل الاعتماد على القمع وحده سياسة غير ناجحة على المدى الطويل.

    

سيستمر النظام الإيراني في اتخاذ إجراءات غير شعبية لإبقاء الاقتصاد منتصبا على قدميه مع الاعتماد على قدرة أذرعه الأمنية على قمع أي معارضة محتملة

رويترز
  

بخلاف ذلك، تُظهِر الاحتجاجات الحالية حالة من الرفض الجذري واسع النطاق للنظام ككل، أكثر مما تعكس إحباطا محدودا تجاه سياسات بعينها، وهو ما تعكسه الشعارات والمطالب التي نددت بخامنئي نفسه وأظهرت استياء واضحا من السياسات الثورية التي تتضمّن توجيه موارد البلاد لدعم الوكلاء الإيرانيين في دول أخرى مثل العراق ولبنان، وهو ما يضع ضغوطا إضافية على النظام قد تجبره على تقليص دعمه للأنشطة الخارجية من أجل توفير الموارد لاحتواء الأزمة المحتدمة في الداخل.

  

لكن ذلك لن يكون كافيا لإعادة الاستقرار إلى الشارع الإيراني، وهو ما سيقود النظام لمشكلته الأكثر إلحاحا وهي العقوبات الأميركية، وفي حين أن الاحتجاجات المتواصلة ستستمر في الضغط على النظام للتفاوض مجددا مع واشنطن والغرب مقابل تخفيف العقوبات الاقتصادية، فإن نظام طهران يريد أن يفعل ذلك وفق شروطه الخاصة ومع القدر الكافي من النفوذ، وهو لا يرى أن ذلك ممكن على الأرجح في ظل وجود ترامب في البيت الأبيض وعلاقته الوثيقة مع الإسرائيليين، ما يعني أن النظام يستعد للتكيف مع عام جديد عصيب حتى ظهور نتائج الانتخابات الرئاسية الأميركية نهاية العام المقبل.

   

في غضون ذلك، ستستمر الاحتجاجات في إيران في التجدّد على الأرجح حتى مع إعلان خامنئي أنهم "نجحوا في مواجهة المؤامرة"، فيما سيستمر النظام في اتخاذ إجراءات غير شعبية لإبقاء الاقتصاد منتصبا على قدميه مع الاعتماد على قدرة أذرعه الأمنية على قمع أي معارضة محتملة، وفي الوقت نفسه من المرجّح أن تواصل طهران تصعيد سياستها العدائية في المنطقة مستهدفة بدقة وتنظيم شديدين مصالح واشنطن وحلفائها، خاصة إذا قدَّم الجناح اليميني الإيراني المتشدد عرضا جيدا في الانتخابات البرلمانية المنتظرة في فبراير/شباط المقبل، وهي إستراتيجية ستستمر حتى يتضح إذا ما كان ترامب سيستمر في مقعده لولاية ثانية نهاية العام المقبل، أم أن نظام الملالي سيكون أسعد حظا برئيس جديد ديمقراطي ربما يفتح أبواب العاصمة الأميركية أمام اتفاق جديد أو محاولات تفاهم على أقل تقدير، أبواب أوصدها ترامب بإحكام وعلى الأرجح بلا رجعة.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار