انضم إلينا
اغلاق
حركة "مقاطعة إسرائيل".. هل تنجح أميركا في تجريمها وتدميرها؟

حركة "مقاطعة إسرائيل".. هل تنجح أميركا في تجريمها وتدميرها؟

  • ض
  • ض
تقديم

صوت مجلس الشيوخ الأمريكي يوم الأربعاء، السادس من فبراير/شباط الحالي، 2019، لصالح مشروع قرار يسمح للحكومة الفيدرالية أو الحكومات المحلية باتخاذ إجراءات تشمل سحب الاستثمارات وفرض العقوبات ضد أي كيان أو حكومة تشارك في نشاطات "حركة مقاطعة إسرائيل"، المعروفة عالميا باسم "بي دي إس"(1).
  
وكذلك ينص القرار، الذي فاز بأغلبية 77 صوت مقابل 23 وينتظر أن يتم مناقشته في مجلس النواب، على فرض عقوبات على سوريا ودعم الأردن وبيع السلاح لإسرائيل، إلا أن تفاصيله الخاصة بإتاحته لفرض عقوبات على الحركات المقاطعة لإسرائيل كانت هي التي أثارت جلبة داخل الولايات المتحدة، كون القانون يخالف، في مضمونه وحسب قانونيين وحقوقيين، المادة الأولى من الدستور الأمريكي التي تكفل الحرية لجميع مواطني الدولة، بما فيها المقاطعة لأي كيان، فضلًا عن أن عددًا ليس بالقليل ينظرون للحركة، في الداخل الأمريكي وعالميًا، بصفتها حركة سلمية تسعى لنيل حقوق الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة وفي الشتات، وضمان حقوق الشعب الفلسطيني في العودة والمساواة داخل أراضيه، وبشهادة بعض المعارضين للحركة داخل أميركا نفسها.
  

تأسيس.. ما هي "بي دي إس"؟



تجمع BDS الأحرف الأولى من الثلاثية الكلامية: (Boycott-Divestment-Sanctions) والتي تعني "المقاطعة-سحب الاستثمارات-فرض العقوبات"(2)، وهي الإجراءات الثلاثة التي تتبناها الحركة في عملها ضد الكيان المحتل، ضمن سلسلة تحركات محلية وعالمية تسعى بالأساس لإنهاء الاحتلال وضمان حق عودة الفلسطينيين لأراضيهم التي هُجروا منها بعد حرب 1948، وكذلك إنهاء كافة أشكال الفصل العنصري وضمان حقوق الفلسطينيين داخل أراضيهم.

 

وعلى الرغم من أن الانطلاقة الفعلية لـ "بي دي إس" كانت عام 2005 على أيدي مجموعة كبيرة من الاتحادات والنقابات العمالية والجمعيات الأهلية في الأراضي الفلسطينية، فإن نتائج عمل الحركة لم يظهر بشكل فعلي إلا بعد خمس سنوات على الأقل من نشأتها تلك، والتي لم يكن سببا لها إلا توافق هذه المجموعات على أن الجهود الدبلوماسية وحتى الحرب لم تستطع استعادة حقوق الفلسطينيين وأراضيهم، لفوارق القوة العسكرية والتأييد الدولي للكيان، لذا كان الإجماع على أن السبيل المتاح والقادر على تحقيق هذا الهدف، حسب قيادة الحركة، هو التوجه نحو عزل إسرائيل محليا وعالميا، والضغط الاقتصادي والسياسي والثقافي عليها حتى ترضخ للمطالب التي تتبناها الحركة.

 

عُقد المؤتمر الوطني الفلسطيني الأول لحركات المقاطعة عام 2007، وتلاه في 2008 تشكيل اللجنة الوطنية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، والتي تُعد «أكبر ائتلاف في المجتمع المدني الفلسطيني في الوطن والشتات» (3) كما يعرفها موقع الحركة نفسه، وهي التي تقود "حركة مقاطعة إسرائيل" محلياً وعالمياً، وبدورها تقوم بتنسيق عمل الحركة وتطوير إستراتيجياتها وتشكيل التحالفات الموالية لها في الداخل والخارج.

 


لكن إسرائيل كعادتها لم تنتظر بداية حتى ترى تأثير الحركة الناشئة، وجاء رد الفعل مباشرًا عام 2006 بإنشاء ما يُعرف بـ "Brand Israel" في أكتوبر/تشرين الأول لعام 2006(4)، وهي حملة دعائية تسعى لتحسين صورة إسرائيل عالميا بهدف خدمة أغراض تجارية وسياحية وثقافية عدة، وإن تمحور الهدف الرئيس لها حول تحسين وتقوية الموقف السياسي للكيان، وفقا لموقع وزارة الخارجية الإسرائيلية.

 

ألقت تل أبيب بثقلها السياسي والمالي خلف محاولات تحسين صورتها عالميا في وقت لم يكن فيه لنشاطات "بي دي إس" أي تأثير يُذكر، وهو رد فعل استباقي استمر لسنوات عدة تالية وحتى بداية الظهور الفعلي ل"أثر الفراشة" الذي أحدثته "بي دي إس" نتيجة أنشطتها المحلية والعالمية، وكان ذلك عام 2014، حين أعلن التقرير السنوي لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأوتوكاد" انخفاض معدل الاستثمارات الخارجية المباشرة في الاقتصاد الإسرائيلي بنسبة 46% مقارنة بالعام السابق عليه 2013، وهو أمر تعلق بشكل كبير بالعدوان الإسرائيلي وقتها على قطاع غزة والمعروف بعملية "الجرف الصامد"، لذا، اكتسب حينها فعل المقاطعة نفسه زخمًا عالميًا ضخمًا، وهو ما استغلته "بي دي إس" بطبيعة الحال(5).

 

  

تصاعدت أنشطة المقاطعة، فيما استمرت الخسائر الإسرائيلية منذ عام 2014 وحتى الآن، وتعددت هذه الخسائر بين الاقتصادية والسياسية والثقافية وغيرها. فاقتصاديا، تشكلت بعض الخسائر الإسرائيلية من انسحاب شركات عالمية من السوق الإسرائيلي على مدار سنوات عدة مثل شركة أورانج الفرنسية للاتصالات التي انسحبت بشكل كامل عام 2015، وفي العام نفسه أنهت الشركة الفرنسية كذلك "فيوليا"، والعاملة في مجال المياه والنقل، مشاريعها في إسرائيل بعد خسائر تجاوزت العشرين مليار دولار، وكذا شركة "جي فور إس" البريطانية للأمن والتي أعلنت أواخر عام 2016 قرارها بـ «تصفية معظم أعمالها في الأراضي المحتلة» (6).

 

إلى جانب ذلك، فقد أعلنت جامعات في بريطانيا وإسبانيا وجنوب إفريقيا عن مقاطعتها الأكاديمية لإسرائيل، بينما تشكلت حملات أخرى من المقاطعة الثقافية قادها فنانون وعلماء وأدباء وأكاديميون، مثل العالم البريطاني الراحل "ستيفن هوكينغ" المعروف ببعض المواقف البارزة المقاطعة والمنتقدة لتل أبيب منذ عام 2009، والموسيقي البريطاني "روجر ووترز"، والصحافية الكندية "ناعومي كلاين"، والروائية/الكاتبة الأمريكية "أليس ووكر"، والعشرات من الفنانين والكتاب العرب بطبيعة الحال، وعلى رأسهم الروائي إبراهيم نصرالله، وأميمة خليل، ومارسيل خليفة.

      

   

الساحة الآن.. لماذا سُن مشروع القرار الأميركي؟

في ظل حرب مستعرة الشهرين الماضيين بين الديمقراطيين وترامب في الكونغرس حول تمويل طلبه الرئيس الأميركي بقيمة تتجاوز الخمسة مليارات دولار لبناء سياج/جدار حدودي مع المكسيك، وهو تمويل رفضته الأغلبية الديمقراطية الحالية بطبيعة الحال، ومن ثم تبعه أطول إغلاق حكومي شهدته أميركا في تاريخها الحديث. في ظل ذلك لم تكن أولى مشاريع القوانين المقدمة خاصة بذلك الإغلاق أو بمعالجة الصدام النيابي الرئاسي، وإنما كان حزمة متعلقة بالشرق الأوسط، وفي القلب منها تشريع معاقبة المقاطعين لإسرائيل.

 


لفهم الأمر، فإنه ومن ضمن 50 ولاية أمريكية نجد أن 26 ولاية، من نيويورك مرورًا بنيو أيلاند وحتى تكساس، تقوم بالفعل بفرض عقوبات وتشريعات مضادة على أي شركة أو كيان أيًا كان حجمه يقاطع إسرائيل، لكن هذه التشريعات خاصة بالولايات فقط، أي أن الحاكم هو الذي يصدرها في الغالب، وتستغل الولاية قوتها المالية، لتلزم الشركات بأحد طريقين: إما التخلي عن مقاطعة إسرائيل وممارسة أعمالها وتطورها في الولاية، أو عدم العمل في الولايات الـ 26، ويمكننا بالطبع أن نخمن خيار الشركات دومًا.

 

لكن هذه التشريعات تبقى تشريعات فردية وليست من الحكومة الفيدرالية، لذا، وبحسب تعبير بروفيسور "ديفيد بيرنشتاين" أستاذ القانون بجامعة جورج ماسون مخبرًا محرر Vox "زاك بيوتشامب"، فما يفعله هذا التشريع ببساطة أنه يقول «نريد -نحن في الكونجرس- من المحاكم أن تعلم أننا نعطي الولايات المذكورة الإذن القانوني لفعل ذلك». لذا، فإن هذا التشريع المطابق لنفس التشريع الذي تقدم به العام الماضي سيناتور فلوريدا الجمهوري الشهري "ماركو روبيو" (هو نفس من تقدم بالمشروع الحالي)، ومعه السيناتور الديمقراطي المحافظ "جوي مانشين"، لا يتضمن أي قيود جديدة على حركة المقاطعة، وإنما يعطي غطاءً قانونيًا من الحكومة الفيدرالية للولايات الـ 26 لاستكمال مسيرتها في معاقبة المقاطعين، لذا، فإن خطورته الحقيقية في أنه يعطي نصف الولايات الآخر المزيد من الجرأة للانضمام لقافلة معاقبي مقاطعي إسرائيل.

 

وعلى الرغم من محاولات إسرائيل التقليل من الأثر الذي تُحدثه حملات المقاطعة عالميا، ووصفها الدائم لها بأنها حملات «معادية للسامية» مع وصف أعضائها وقادتها من قبل أوساط السياسة والإعلام الإسرائيلية بـ «النازيين الجدد»، رغم ذلك فإن تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" في 2015 مثلت جزءًا مما يعتبره البعض مستقبل حملات المقاطعة إن استمرت على هذا المنوال، ففي خطابه للكنيست أعلن نتانياهو أن «بي دي إس تمثل الخطر الأعظم الذي تواجهه إسرائيل الآن»، حد تعبيره(7).

 

استهلت إسرائيل العام الماضي، في السابع من يناير/كانون الثاني، بالإعلان عن حظر 20 منظمة تابعة لـ "بي دي إس" على مستوى العالم

الجزيرة
 

ورغم أن الأمر يمكن وضعه في سياق مبالغات "نتنياهو" السياسية المعتادة بلا إشكال كبير، فإن بعض الإعلاميين والنشطاء والشخصيات الفاعلة دوليًا لم تتوقف عن تكرار وصف الحراك السلمي للمقاطعة بشكل دقيق يمنع المبالغات "والأكاذيب" الإسرائيلية، حد تعبير البعض، من الرسوخ كحقائق، فتصفها إيرس حيفتس، وهي إسرائيلية يهودية ضمن حملة "صوت يهودي لأجل السلام في الشرق الأوسط" الموالية لبي دي إس، على أنها «حملة سلمية»، «ما يعني أن إسرائيل لا تستطيع وصف أصحابها بالإرهابيين»، كما يقول الصحافي الشهير "مهدي حسن"(8)، وإذ أن «معاداة السامية» هي تهمة لا يترتب عليها الكثير مما يمكن التعويل عليه للقضاء على حملات بي دي إس ضد إسرائيل مثلًا، كان لابد من إيجاد طريقة جديدة لوقف التطور والنمو الدولي لدور وأثر "بي دي إس" داخل الأراضي المحتلة وخارجها.

 

استهلت إسرائيل العام الماضي، في السابع من يناير/كانون الثاني، بالإعلان عن حظر 20 منظمة تابعة لـ "بي دي إس" على مستوى العالم(9)؛ وهي منظمات تعمل أغلبها في أوروبا والولايات المتحدة بينما تتواجد القلة الباقية في إفريقيا وحول العالم، قرار أتى بعد أقل من عام من حظر إسرائيلي فُرض على الناشطين في الحركة أو المؤيدين لها، والذي يمنعهم من دخول الأراضي المحتلة(10).

 

 

لم يُفلح المبرر الذي ساقته تل أبيب فيما يخص «حقها في تحديد من يمنح حق دخول حدودها» في إثناء المنظمات الحقوقية والإنسانية عن مهاجمة القرار، معتبرين إياه نسخة إسرائيلية من القانون الأمريكي القاضي بحظر دخول اللاجئين القادمين من دول بعينها للولايات المتحدة والذي سنته إدارة ترامب، إلا أن ما لم تُسوق له إسرائيل حينها هو أن الحملات التي شنتها منظمات "بي دي إس" منذ نشأتها، وتطلبت من إسرائيل مواجهتها، كانت قد كلفت الأخيرة ما يُقارب الثلاثين مليون دولار في عام 2016 فقط، وهو رقم يبدو أن تل أبيب لم تعد على استعداد لتكراره كل عام، وهو تكرار لن يأتي إلا بالزيادة على الأرجح.

 

لذا يبدو أن مشروع القرار الأميركي الآن هو حلقة جديدة في توضيح ما يمكن أن تذهب إليه واشنطن لحماية حليفها الشرق أوسطي الأثير، إذ أن الانتقاد الأهم للقرار، من معارضي حركة بي دي إس أنفسهم بالداخل الأمريكي، هو أنه يتخطى حدود المادة الأولى، شبه المقدسة، من الدستور الأمريكي والتي تمنح كل مواطن الحق في التعبير عن رأيه والذي قد يشمل المقاطعة لأي وكل شيء في مرحلة ما.

 


وفيما يُنتظر مناقشة مشروع القانون في الكونغرس الأمريكي بما يحدد تمريره والعمل به من عدمه، وهو ما لا يتوقع أن يحدث في ظل الأغلبية الديمقراطية هناك والتي أوقفت المشروع في نسخته السابقة كما ذكرنا، فإن مجرد مروره من مجلس الشيوخ هو رسالة شديدة الوضوح على أن استمرار وتنظيم عمل "بي دي إس" للآن يمثل توجهًا لا تستطيع إسرائيل مواجهته وحدها دون الحصول على مساعدة المشرّع الأمريكي ومن ورائه الثقل الدولي لواشنطن، إلا أن تل أبيب لم تكتف كعادتها بالمشرع الأمريكي فقط، وأعلنت العام الماضي تشكيل وحدة سمتها "مغاوير العلاقات العامة" لمحاربة "بي دي إس" وتحسين صورة الاحتلال، وخصصت لها موازنة أولية قيمتها 128 مليون شيكل، بما يوازي 35 مليون دولار لمدة سبع سنوات، وهي ميزانية سيتم مضاعفتها لاحقا على الأرجح.

 

يبقى القول إن الأمر دومًا يشهد بشكل ما بعض المبالغة من الطرفين، فمن ناحية فإن إسرائيل، ويمينها تحديدًا، يهول دومًا من حركات المقاطعة، وليس أدل على ذلك من تصريح نتنياهو الشهير، والذي تجاهل عدوه الأساسي الذي يروج هو نفسه لخطره دومًا "إيران" واصفًا "بي دي إس" بأنها العدو الأخطر، ومن ناحية أخرى فإن حركات المقاطعة ربما تكون ناجحة خاصة على المستويين الثقافي والأكاديمي، لكن ذلك النجاح مازال محدودًا في مواجهة الآلة الإسرائيلية الاقتصادية، وبطبيعة الحال فإن موارد حركات المقاطعة مازالت محدودة في مواجهة الدعم الذي تلقاه تل أبيب، لكن خطورة التشريع الأمريكي تتمثل في أنه ينقل حركات المقاطعة من كونها حركات سلمية إلى كونها "حركات عنيفة وغير شرعية" بالتصنيف الفعلي، حيث أن آلية العقوبات إن تم إقرارها ستساوي بين "بي دي إس" وإيران وكوريا الشمالية مثلًا في نظر المشرع الأمريكي، ما يعني أن ذلك التشريع، والذي يمثل انتهاكًا حقيقيًا لأساس الدستور الأمريكي الأول، يعد حتى الآن بمثابة أكبر تهديد لأحد أهم أسلحة الفلسطينيين في أي مكان بالعالم.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار