انضم إلينا
اغلاق
دببة في الصحراء.. هل ينجح مخطط الروس في السيطرة على الشرق الأوسط؟

دببة في الصحراء.. هل ينجح مخطط الروس في السيطرة على الشرق الأوسط؟

E-International Relations

موقع أكاديمي سياسي
  • ض
  • ض

زارت الإمبراطورة الروسية كاترين الثانية شبه جزيرة القرم عام 1787 مع عدد من السفراء الأوروبيين. كان الغرض من الزيارة هو إقناع وخداع السفراء فيما يتعلق بقدرة روسيا الحقيقية على السلطة قبل حرب جديدة ضد الباب العالي مقر الحكومة العثمانية [1]. ولهذا الغرض، أنشأ غريغوري بوتيمكين -حاكم شبه جزيرة القرم- قرى متنقلة مملوءة بالجنود الذين كانوا يرتدون زي الفلاحين من أجل تقديم صورة مزيفة لريف كامل النمو مع نشاط زراعي مزدهر. منذ ذلك الحين أصبحت "قرى بوتيمكين" مرادفا للخداع الدبلوماسي وأثّرت بعمق على ثقافة السياسة الخارجية الروسية. وكما يشير فلاديمير لوكين، فإن السياسة الخارجية الروسية لديها "شغف بعرض مجرد، ألا وهو متلازمة قرية بوتيمكين".

 

حتى خلال عهدها الإمبراطوري، أبدت روسيا اهتماما بالشرق الأوسط الذي كانت له علاقة كبيرة بتوسعة موسكو الناعمة في المنطقة. ويمكن ملاحظة ذلك على سبيل المثال في معاهدة كوجوك كايناركا عام 1774 التي لم تحاول فحسب تنظيم التوترات العسكرية بين الإمبراطوريتين العثمانية والروسية، بل منحت أيضا الامتياز للأخيرة ليتم الاعتراف بها كـ "بطل" لأماكن العبادة المسيحية في الأرض المقدسة وخارجها.

  

معاهدة كوجوك كايناركا عام 1774 بين الإمبراطوريتين العثمانية والروسية (مواقع التواصل)

 

من الأيام الأولى للقرن الثامن عشر، أقرّت موسكو تماما بأهمية منطقة الشرق الأوسط الجغرافية، وأدركت أيضا قوة نفوذ الشرق الأوسط الناعمة كمكان حيث كانت الديانات التوحيدية الثلاث الكبرى في العالم متنافذة على بعضها البعض؛ وهكذا، حاولت أن تستفيد من معيارها العقائدي المسيحي الأرثوذكسي. لكن روسيا الإمبراطورية طورت ترددا واضحا تجاه احتمال معاداة القوى الأوروبية التي ألقت بالمنطقة تحت ظلالها بالفعل. يرجع السبب الرئيسي لهذا التردد السياسي كون منطقة البلقان ومنطقة القوقاز أو أوروبا الوسطى والشرقية اكتسبت بالنسبة إلى روسيا أهمية أكثر من الشرق الأوسط.

  

كما نعلم، عندما طلب أمير الكويت مبارك الصباح في عام 1901 وضعه تحت الحماية الروسية، رُفِض الطلب بشكل أساسي لأن روسيا لم ترغب في معاداة بريطانيا العظمى في المنطقة. كان يمكن تتبع الموقف نفسه والتردد وضبط النفس خلال الحقبة السوفييتية أيضا. فقد استمر ظهور الشرق الأوسط في الخطابة السوفييتية كمنطقة ذات أهمية جيوإستراتيجية وجيواقتصادية لموسكو. بالإضافة إلى ذلك، حاول الكرملين إقامة روابط أيديولوجية وثيقة مع مختلف الدول العربية من خلال تعزيز وتأييد الأيديولوجية البعثية، متهما العالم الغربي بالاستعمار الجديد، بينما أقامت روسيا خلال المراحل المتأخرة من الانتداب البريطاني في فلسطين والفترة المبكرة من الحكم الإسرائيلي المستقل (إعلان دولة الاحتلال) علاقات وثيقة مع الهاغاناه وبعد ذلك مع إدارة بن غوريون [2].

 

 

ومرة أخرى، يجب النظر إلى هذه التحركات على أنها محاولات غير مباشرة لتحدّي الوجود البريطاني والأميركي في المنطقة وليس كجهود لمراجعة الوضع الإقليمي بشكل مباشر أو غير مباشر. ويمكن الكشف أيضا عن هذا الموقف السوفييتي خلال صعود الحركات السياسية البعثية والناصرية في العراق وسوريا ومصر التي كانت تمزج القومية العربية بجرعات كبيرة من اشتراكية العالم الثالث.

  

لقد طوّرت الأنظمة المذكورة آنفا علاقات وثيقة مع الاتحاد السوفييتي إما كشركاء وإما كدمى للكرملين في الشرق الأوسط، وعلى الرغم من حقيقة أنه كانت لدى موسكو فرصة ممتازة لتقويض الوجود الغربي هناك من خلال هذه الأيديولوجية الاقتصادية والعسكرية في بعض الحالات، فإنها لم ترغب في رفع الخصومة في الشرق الأوسط إلى مستوى أعلى.

  
بل على العكس من ذلك، ركز النهج السوفييتي بشكل رئيسي على إضعاف العلاقات بين الولايات المتحدة والدول العربية بدل إقامة مجال نفوذ خاص به. على سبيل المثال، كانت المقترحات السوفييتية للتحييد السياسي للبحر الأبيض المتوسط ​​والخليج العربي من خلال نزع سلاح واسع النطاق في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات تهدف إلى التأثير بشكل أساسي على العلاقات الأميركية العربية من خلال تقديم موسكو باعتبارها العنصر الوحيد الذي يحترم السيادة العربية، واعتبار واشنطن معتديا ثابتا.

  

تخلّت موسكو عن سياستها التقليدية المزدوجة في الشرق الأوسط تجاه العالم الغربي فقط خلال المرحلة الأخيرة من الاتحاد السوفييتي، عندما أدرك ميخائيل غورباتشوف أن الاتحاد السوفييتي كان منهكا اقتصاديا وسياسيا. وهكذا، يمكن رؤية القرار السوفييتي بإدانة الغزو العراقي للكويت والإذن بالعمل العسكري ضد النظام البعثي من قِبل الولايات المتحدة وحلفائها ضمن السياق السالف الذكر للضعف السوفييتي.

  

رئيس الاتحاد السوفيتي السابق  "ميخائيل غورباتشوف" (رويترز)

 

فترة حكم يلتسين.. اللعب الآمن

وكما كان متوقعا، فإن انهيار الاتحاد السوفييتي استهل نقاشا أوسع في أوساط النخبة السياسية الروسية بشأن الإستراتيجية الكبرى الجديدة التي كان على الدولة تبنّيها من أجل الإبحار عبر المياه العاصفة للأرخبيل الدولي بعد الحرب الباردة. أراد جزء صغير من النخبة السياسية الروسية الاقتراب من الولايات المتحدة من أجل تحقيق انتعاش اقتصادي سريع واستقرار سياسي محلي. 

  
أرادت مجموعة أخرى أكبر تبنّي سياسة خارجية متوازنة، أي إنها كانت تقف إلى جانب الولايات المتحدة في كثير من الأحيان، ولكنها حافظت على نهج مستقل حيث لم تكن المصالح الوطنية الروسية متفقة مع المصالح الأميركية. 

  
أخيرا وليس آخرا، كانت المجموعة الأكثر تأثيرا هي الجانب القومي الذي أراد تبنّي سياسة متشددة ضد الولايات المتحدة بشكل عام. لقد طالب المتشددون -وهم خليط غريب من القوميين المتطرفين والمسؤولين الشيوعيين السابقين- بعودة روسيا إلى الصف الأمامي في الشؤون الدولية. وفقا لهم، لا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال جولة جديدة من العداء المباشر مع الولايات المتحدة.

  

اختار بوريس يلتسين -أول رئيس للاتحاد الروسي (1991-1999)- عدم تحدّي الولايات المتحدة علانية. ومع ذلك، استمر مع السياسة الروسية التقليدية في الشرق الأوسط بعدم اتّباع خط عدواني تجاه التطورات الإقليمية. كما كان قلقا من عدم تفويت أي فرصة للتحدّي غير المباشر للسياسة الأميركية الراسخة. لذلك، شاركت روسيا تحت حكم يلتسين في مراسم توقيع اتفاقيات أوسلو عام 1993 بين دولة الاحتلال الإسرائيلي والإدارة الفلسطينية، وفي توقيع معاهدة السلام عام 1994 بين دولة الاحتلال الإسرائيلي والأردن؛ وهما مبادرتان سياسيتان محوريتان من وزارة الخارجية الأميركية تهدف إلى تحقيق المزيد من التوازن المستقر للقوة في الشرق الأوسط.

  

بوريس يلتسين -أول رئيس للاتحاد الروسي (1991-1999) (رويترز)

 

ومع ذلك، كانت روسيا يلتسين هي التي دعت إلى رفع العقوبات الدولية ضد العراق وليبيا في عام 1994، وهي خطوة دبلوماسية أثارت غضب الولايات المتحدة وجعلت موسكو شعبية مرة أخرى داخل النواة العربية المعادية للغرب. خلال الفترة نفسها، حاولت موسكو لعب دور استقرار بين دولة الاحتلال الإسرائيلي والفلسطينيين.

  
في نوفمبر/تشرين الثاني 1996، وفي أكتوبر/تشرين الأول 1997، قام يفكيني بريماكوف -وزير الخارجية الروسي- بزيارة دولة الاحتلال الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية في محاولة لتصوير موسكو مستعدة لاتخاذ كل خطوة ضرورية للمساهمة في تسوية سلمية أمام العالم. خلال زيارته الثانية لإسرائيل، نقل بريماكوف رسائل بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس السوري حافظ الأسد للإثبات للجانب الإسرائيلي بأن موسكو كانت قادرة على التأثير في السياسة الخارجية السورية لصالح وضع جديد بين الجانبين.

  

بالإضافة إلى ذلك، خلال الأزمة اللبنانية عام 1997، تقربت موسكو من سوريا وإيران وطلبت منهما إنهاء دعم حزب الله. ومع ذلك، لم يمض وقت طويل قبل أن تبرم روسيا صفقة أسلحة بقيمة ملياري دولار مع سوريا تتيح لها الفرصة لمواصلة سياساتها المزعزعة للاستقرار تجاه لبنان.

  

  

يمكن النظر إلى عهد يلتسين وخط سياسته تجاه الشرق الأوسط كخطوة أولى نحو سياسة خارجية روسية للعودة إلى الاستواء. بالإضافة إلى ذلك، يمكن وصفها بأنها سياسة ذكية خفيفة حاولت من جهة تقليل تكلفة الحفاظ على وجود سياسي روسي في الشرق الأوسط وأن تبسّط من جهة أخرى التناقص الطبيعي لقوة واشنطن في كل فرصة. لم تكن البحرية الروسية في وضع يُمكّنها من استعداء الأسطول السادس للولايات المتحدة بينما كان الكرملين يناضل من أجل مواجهة العواقب الوخيمة للإخفاقات الاقتصادية والاجتماعية السوفييتية والحفاظ في الوقت نفسه على النفوذ على المناطق المحورية مثل القوقاز.

  

ومع ذلك، رأى يلتسين معضلة الشرق الأوسط كمكان مثالي لممارسة سياسة خارجية غير مكلفة وطموحة. وهكذا، حاولت روسيا أن تكون حاضرة في كل تطور مهم حدث في المنطقة خلال المرحلة الأولى من فترة ما بعد الحرب الباردة لتُظهِر لبقية العالم أنه على الرغم من الانهيار السوفياتي، فإن روسيا لا تزال طرفا دوليا كبيرا.

  

بالرغم من ذلك، واقع الأمر لم تكن لدى روسيا القدرة على اتباع مثل هذه السياسة الخارجية الطموحة، لذا لجأت مرة أخرى إلى خدعة بوتيمكين من خلال إظهار عدم موافقة الرأي العام في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة إزاء بعض تحركات السياسة الخارجية الأميركية في الشرق الأوسط مثل العقوبات الاقتصادية ضد العراق أو العلاقات الوثيقة بين واشنطن ودول الخليج بشأن تنظيم أسعار النفط. كانت روسيا تحاول تمييز نفسها داخل المجتمع الدولي: خطة جيدة أسفرت عن بعض النتائج الناجحة، لكن كان من المعروف على نطاق واسع أن روسيا لا تستطيع البقاء دون مساعدة اقتصادية أميركية، وبالتالي، أولى القليل اهتماما لخطة بوتيمكين الروسية في الشرق الأوسط.

   

عهد بوتين: موقف هجوم جديد


   

جاء تَقلُّد فلاديمير بوتين رئاسة الوزراء ومن ثم رئاسة جمهورية روسيا الاتحادية محافظا على الخطوط الأساسية لسياسة يلتسين الخارجية الروسية. في الشرق الأوسط، كان الشاغل الرئيسي للإدارة الجديدة هو منع انتقال الأزمات الإقليمية إلى نواة الاتحاد الروسي كصعود الإرهاب. منذ أيامه الأولى في المكتب واجه بوتين الجهاد في الشيشان وفي المناطق المجاورة الأخرى. وفي الوقت نفسه، فرض تعزيز نظام طالبان ونفوذ تنظيم القاعدة في أفغانستان ضغوطا كبيرة على الكرملين. كما يصف عوديد عيران[1]  أيام بوتين المبكرة:

  

"فيما يتعلق تحديدا بالشرق الأوسط، فإن ما يبرهن على أن الهدف الرئيسي لروسيا في هذا المجال الجغرافي هو الاستقرار السياسي هو غرض الحيلولة دون انتشار الأزمات السياسية والعسكرية المتوطنة في المنطقة إلى المناطق المضطربة في وسط آسيا والقوقاز في داخل روسيا وخارجها، في ’الدول المجاورة لها‘".

 

كان بوتين -الذي يتمتع بخبرة واسعة في القضايا الأمنية- يدرك تماما الروابط المفتوحة للتواصل بين الجهاديين العرب والجماعات السلفية في منطقة القوقاز. لهذا السبب، اقترب من الشرق الأوسط باعتباره الممر الرئيسي للإرهابيين الذين يريدون اختراق المجال الروسي. بالإضافة إلى ذلك، كان الاستقرار السياسي في القوقاز -ولا يزال- أمرا حيويا لموسكو من أجل النقل المستمر لنفط بحر قزوين إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية.

  

ومع ذلك، فيما يتعلق بما يسمى "اللعبة الكبرى" -في إشارة إلى العداء بين الولايات المتحدة وروسيا- قرر مواصلة سياسة يلتسين في محاولة تحدي الوجود الأميركي في الشرق الأوسط كلما كان ذلك ممكنا. تبنّت هذه التحديات شكلين، إما تعزيز الروابط الدبلوماسية والعسكرية بين موسكو والدول العربية المارقة المختلفة مع أجندة عميقة معادية للغرب مثل العراق وليبيا وسوريا [3]، وإما تم التعبير عنها من خلال عدم استعداد موسكو للعمل مع القوى الغربية لتحقيق استقرار إقليمي أوسع. على سبيل المثال، خلال مواجهات "حزب الله" مع إسرائيل عام 2006، رسمت موسكو خطا منفصلا عن العالم الغربي. وبدلا من تقديم دعمها الكامل لإسرائيل، حافظت على قنوات اتصال مفتوحة مع زعيم حزب الله، حسن نصر الله.

    

  

بشكل عام، خلال الأيام الأولى في منصبه، حاول بوتين ألا يزعج الولايات المتحدة كثيرا في محاولة لكسب بعض الوقت، وأن يشفي الجروح بقدر ما يستطيع من جهاز روسيا البيروقراطي بعد انتهاء عهد يلتسين بفترة. أعطت أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول وما بعدها بوتين فرصة غير متوقعة لتعديل موقفه الأساسي في السياسة الخارجية والمُضي قُدما في مختلف المناطق ذات الأهمية الإستراتيجية، بما في ذلك الشرق الأوسط.

  

إن قرار البيت الأبيض في تحييد الجهاد على المستوى العالمي -ليس فقط شن حرب شاملة ضد القاعدة وطالبان في أفغانستان- يكشف عن الروح الأميركية بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول. قررت إدارة بوش (2001-2009) أنه من الأهمية الحيوية لأمن الولايات المتحدة ليس فقط إنهاء الأنظمة الاستبدادية لصدام حسين في العراق وحكم طالبان في أفغانستان، بل لإحداث تغيير أوسع للنموذج في الشرق الأوسط من خلال تنفيذ ما يسمى نظرية السلام الديمقراطي [4]. لقد اختارت إدارة بوش أن تطرح مقاربة "ما بعد كانطية" كحجر الزاوية لإستراتيجيتها لمكافحة التمرد في الشرق الأوسط، وهو ما كلّف تريليونات واقترب تقريبا من الاقتصاد الأميركي.

  

أجبر الجهد الاقتصادي العملاق لإدارة بوش المتكلّفة إدارة باراك أوباما (2009-2017) على تغيير الالتزامات الإستراتيجية للولايات المتحدة. كان الناخبون الأميركيون متعبين من المشاركة العسكرية في الشرق الأوسط، وبالتالي أصدر أوباما هدفا إستراتيجيا جديدا للأمة؛ محور آسيا والمحيط الهادئ. ظلت الولايات المتحدة مهتمة بالتطورات الاجتماعية السياسية في الشرق الأوسط، ويرجع ذلك أساسا إلى الأهمية الحيوية للطرق البحرية للبحر الأبيض المتوسط. ومع ذلك، هذه المرة لم يكن هناك استعداد للولايات المتحدة للمشاركة مباشرة في العديد من المعضلات الإقليمية. ومع ذلك، تستفيد السياسة بطبيعتها من الفراغ، واستفادت روسيا بوتين كليا من تغيير توجّه الولايات المتحدة.

  

في الأيام الأولى التي أعقبت الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، أثبت بوتين أنه ماهر بالموازنة بين الحاجة إلى إقناع النظام الدولي بأن روسيا كانت على استعداد للتوافق مع العالم الغربي ضد الجهاديين وقرار متابعة إستراتيجيته القائمة منذ أمد بعيد بتحدي الوجود الأميركي في الشرق الأوسط. مباشرة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، عرضت روسيا علنا دعمها للولايات المتحدة للعمليات العسكرية في أفغانستان، بينما منحت الولايات المتحدة أيضا إمكانية الوصول إلى القواعد العسكرية في طاجيكستان وأوزبكستان من أجل شن هجماتها الجوية ضد طالبان. 

  

قبل القمة الأميركية الروسية الأولى 2009، شدّد ديمتري ميدفيديف على الحاجة إلى المساواة والمنفعة المتبادلة بين القوتين العظميين

رويترز
 

ومع ذلك، في صيف وخريف عام 2002 واجهت روسيا علنا ​​الولايات المتحدة بشأن سياساتها في العراق. لم تعارض روسيا فقط أي نقاش حول احتمال تغيير النظام في العراق في مختلف المواقع الدولية -بما في ذلك داخل الأمم المتحدة-، بل قدمت أيضا الدعم السياسي لصدام حسين قبل وأثناء الحرب على العراق عام 2003. في السنوات التالية، أصبحت المسافة بين واشنطن وموسكو في الشرق الأوسط أكثر وضوحا مع تردد روسيا في الكشف عن نيّاتها الحقيقية ضد الوجود الأميركي في المنطقة. ومع ذلك، لم تتخل روسيا عن موقفها المحافظ واعتماد نهج أكثر هجومية لا يهدف فقط إلى تقويض الوجود الأميركي في المنطقة، بل توسيع نطاق وجودها حتى وصول إدارة أوباما.

  

من الواضح أن روسيا لم تكن على استعداد لمغادرة الولايات المتحدة بعد الآن؛ كان الروس -وهم أساتذة في دبلوماسية بوتيمكين- يعرفون جيدا أن أكثر ما يهم هو ما يفكر به الآخرون في قدراتك في مجال السلطة وليس إذا كنت راغبا بالفعل في مطابقة خطابك بالأفعال. قبل القمة الأميركية الروسية الأولى تحت إدارة أوباما في أبريل/نيسان 2009، شدّد ديمتري ميدفيديف -رئيس روسيا في ذلك الوقت وأحد أقرب المقربين من فلاديمير بوتين- على الحاجة إلى المساواة والمنفعة المتبادلة بين القوتين العظميين، لأن كل من روسيا والولايات المتحدة كان عليهما مسؤولية خاصة في الشؤون العالمية فيما يتعلق بالاستقرار الإستراتيجي والأمن النووي. كانت موسكو ترسل الإشارة إلى النظام الدولي بأنها لم تعد فقط إلى الصف الأمامي في الساحة الدولية، ولكنها كانت أيضا مستعدة لمضاهاة الولايات المتحدة في الشؤون الدولية؛ وكانت منطقة الشرق الأوسط مع آسيا الوسطى هي التضاريس المثالية لذلك.

  

أعطت بداية الربيع العربي الفرصة لروسيا لوضع هذا النهج الجديد موضع التنفيذ. بعبارات أخرى، يمكن وصف هذا النهج الجديد بأنه مسيء وبراغماتي من حيث فهم التغير في ميزان القوى الإقليمي والتحرك وفقا لذلك. ما أرادت روسيا فعله هو اكتشاف مناطق جديدة من أجل خلق مجال نفوذ جديد. من خلال القيام بذلك، كان الكرملين يتطلّع إلى توسيع هالة في شرق البحر الأبيض المتوسط من جهة، في حين أنه من ناحية أخرى يهدف إلى اغتنام المزيد من الفرص للتدخل -بالوكالة أو مباشرة- في مختلف الأزمات الإقليمية.

 

اقتربت روسيا من الربيع العربي بذوق تآمري مميز، ورأت مختلف الثورات في العالم العربي كعملية عنيفة ملفقة من قبل الولايات المتحدة

رويترز
 

كما تشير ايكاترينا ستيبانوفا: "إن الخصائص الرئيسية لسياسة روسيا في الشرق الأوسط -سواء قبل اندلاع الأزمة السورية أو بعدها- ظلت براغماتية، ونهجا غير أيديولوجي، واستعدادا للانخراط في تعاون انتقائي مع معظم الجهات الفاعلة الإقليمية، على الرغم من التوترات فيما بينهم".

  

في بادئ الأمر، اقتربت روسيا من الربيع العربي بذوق تآمري مميز، ورأت مختلف الثورات في العالم العربي كعملية عنيفة ملفقة من قِبل الولايات المتحدة من أجل إعطاء الكرملين مساحته في المنطقة. ومع ذلك، سرعان ما أدركت موسكو أن الربيع العربي كان فرصة لتنفيذ محورها الخاص في الشرق الأوسط. فتح بوتين بابا رسميا للإخوان المسلمين من خلال دعوة الرئيس المصري الجديد محمد مرسي إلى موسكو على الرغم من حقيقة أن جماعة الإخوان المسلمين بقيادة مرسي كانت على القائمة الرسمية للمنظمات الإرهابية وفقا لحكم المحكمة الروسية العليا عام 2003. كانت هذه النظرة البراغماتية غير الأيديولوجية أيضا في الحالة الليبية، حيث أظهرت موسكو أنها مستعدة لمساعدة حلفائها القدامى، إلا أنها كانت أيضا مستعدة لقبول الحقائق الجديدة التي ظهرت نتيجة عملية الربيع العربي الرجعية المغيّرة للحقائق أيضا.

  

خلال المراحل المبكرة من الأزمة الليبية، حاول الجانب الروسي بجدية من خلال الدبلوماسية لتحقيق استمرارية نظام القذافي. كان القذافي حليفا قيّما في المنطقة منذ حقبة الحرب الباردة، في حين كانت بنغازي وطبرق -وهما ميناءان إستراتيجيان يقعان في شرق البحر الأبيض المتوسط​​- مفيدتين لتوسيع القوة الصلبة البحرية الروسية وتحويل أسطول البحر الأسود إلى قوة المياه الزرقاء[5].
مع ذلك، عندما اتّضح أن القذافي ليس له مستقبل في ليبيا، امتنع الوفد الروسي عن التصويت في مجلس الأمن الدولي الذي فرض منطقة حظر جوي فوق ليبيا، الأمر الذي يحرم القذافي من استخدام سلاحه الجوي لضرب المتمردين. تُظهِر هذه الخطوة المتمثلة في الامتناع عن التصويت بدلا من الرفض أن روسيا بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول ترى العالم العربي بعيون براغماتية، بحثا عن استثمارات سياسية طويلة الأمد مع وضع ما بعد الربيع العربي الذي سيظهر في النهاية في المنطقة. ليس بالضرورة أن يكون ذلك هو مسألة التحرر من السندات القديمة، بل إعادة تقييم الحقائق الجديدة في الشرق الأوسط والتحرك وفقا لذلك، بما في ذلك إجراء تغييرات سريعة كلما كان ذلك ممكنا.

  

  

بالرغم من ذلك، يمكن العثور على الحالة الأكثر تميزا فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الروسية الجديدة في الشرق الأوسط في سوريا. تعود العلاقات بين موسكو ودمشق إلى أوائل فترة ما بعد عام 1945، وقد تم إغلاقها بمنح مستوطنة صغيرة في طرطوس عام 1971 عملت كقاعدة عسكرية بحرية سوفييتية ذات قدرة محدودة. لقد أتاحت بداية الحرب الأهلية السورية الفرصة لروسيا لتعزيز علاقاتها مع النظام السوري وتحديث وجودها العسكري هناك. إلى جانب القاعدة البحرية في طرطوس -التي يمكنها اليوم استيعاب سفن المرتبة الأولى والثانية من أسطول البحر الأبيض المتوسط ​​الروسي- تتحكم روسيا فعليا في الميناء الإستراتيجي في اللاذقية والقاعدة الجوية في حميميم التي تم نصب نظام صاروخ S-400 تريومف سيئ السمعة فيها. وفي الوقت نفسه، شاركت قوات النخبة الروسية "سبيتسناز" (Spetsnaz) في عمليات رئيسية مختلفة ضد داعش. لقد أتاحت الحرب الأهلية السورية الفرصة لروسيا لقيادة تحالف مؤيد للأسد، والذي تضمّن بناء علاقات أوثق مع إيران وحزب الله. باختصار، أصبحت الحرب الأهلية السورية أداة مفيدة في أيدي موسكو بطرق قصيرة الأجل وطويلة الأجل.

  

تحاول روسيا بوتين باستمرار تحدي البُعد الهيكلي لما بعد الحرب الباردة في الساحة الدولية، أي أحادية القطبية النظامية والقوة الأميركية [6]. ويقول سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي ذو الخبرة وأحد أقرب شركاء بوتين: "لا يزال الوضع الدولي كالفسيفساء مثيرا للجدل. إلى جانب ذلك، يمكن ملاحظة وجود اتجاه عام متمثل في بنية دولية متعددة المراكز". ومع ذلك، لكي تتمكّن روسيا من دعم وجود هذه البنية الدولية الديناميكية الجديدة المتعددة المراكز، عليها أن تعرف أقطاب نفوذها الخاصة بها. إن تأثير الربيع العربي على توازن القوى في الشرق الأوسط -ولا سيما الحرب الأهلية السورية التي أعقبت ذلك- أتاح لروسيا فرصة ليس فقط لتفعيل هدف بوتين المتمثل في بناء قطب نفوذ متميز، بل أيضا للدعاية إلى العالم أن روسيا قد ظهرت من جديد كجهة فاعلة عالمية قوية.

  

استخدم العديد من المحللين انهيار نظام مبارك لتقليل قيمة مصداقية أوباما في السياسة الخارجية ونزع المصداقية للهيبة الوطنية للولايات المتحدة

رويترز
 

خلال الربيع العربي انتقد العديد من المحللين موقف إدارة أوباما بعدم دعمها للحلفاء الغربيين التقليديين. كانت القضية الأكثر تميزا هي نظام حسني مبارك في مصر. على الرغم من حقيقة أن مبارك كان شريكا إستراتيجيا مهما للولايات المتحدة، فإن أوباما قرر عدم التدخل عندما مرت مصر بثورة. في مواجهة نصيحة زملائه الأكثر خبرة في الشؤون الخارجية -مثل هيلاري كلينتون وروبرت غيتس وتوم دونيلون الذين كانوا يؤيدون بقوة مساعدة مبارك- قرر أوباما بدلا من ذلك الوقوف مع مستشاريه الأصغر الذين رأوا الثورة وكأنها فرصة لمصر لاتباع المسار الديمقراطي. علاوة على ذلك، استخدم العديد من المحللين انهيار نظام مبارك لتقليل قيمة مصداقية أوباما في السياسة الخارجية ونزع المصداقية للهيبة الوطنية للولايات المتحدة. على سبيل المثال، كتبت راغدة درغام في العربية أن "إدارة أوباما أصبحت عائقا تجاه أصدقائها". وصف محرر "ذا أميريكان إنترست" آدم غارفينكل موقف إدارة أوباما من التغييرات الاجتماعية والسياسية السريعة في الشرق الأوسط بـ "حماقة بوليانا" (Follyanna)، في حين صرح زبيغنيو بريجنسكي أنه "لا يضع إستراتيجية، بل يخطب ويقدم مواعظ".

  

لقد وجد بوتين فرصة سانحة في الأزمة السورية لتعزيز الهيبة الروسية من خلال الترويج للنظرية القائلة بأن موسكو لا تتخلى أبدا عن حلفائها المقربين، وأن الدول التي تقترب من روسيا يمكن أن تحميها الكرملين من الأخطار المحلية والدولية. كما ذكر الراحل فيتالي تشوركين، الممثل الروسي في الأمم المتحدة لمدة أحد عشر عاما خلال مقابلة مع كولم لينش (2015):

  

"نحن أقوى على ولاءاتنا أكثر من الآخرين كما أعتقد، وهذا معترف به دوليا. إذا كان لديك علاقات جيدة مع بلد أو حكومة لسنوات أو لعقود، فإنه ليس من السهل التخلص من هؤلاء السياسيين والحكومات بسبب المصلحة السياسية. يمكن الوثوق بروسيا أكثر من الولايات المتحدة في دعم أصدقائها".

  

   

من الغني عن القول إن هذه الإستراتيجية قد أظهرت بالفعل نتائج إيجابية؛ يحافظ الرئيس المصري الحالي عبد الفتاح السيسي على علاقات وثيقة مع موسكو، وقد قامت السعودية بتطوير دبلوماسيتها مع روسيا، في حين عملت إسرائيل على بناء علاقات أقوى مع موسكو خلال فترة التنافر بين الولايات المتحدة وإسرائيل بين إدارتي نتنياهو وأوباما.

  

تجدر الإشارة هنا إلى أن إدارة دونالد ترامب قد استجابت إلى الفشل المتصوَّر لأوباما وانطلقت لتعويض ذلك. سرعان ما شرع ترامب في تأسيس نمط مختلف من العلاقات مع الدول المحورية في الشرق الأوسط، بما في ذلك إسرائيل ومصر. بالإضافة إلى ذلك، يجب أيضا اعتبار قصف الولايات المتحدة للقاعدة الجوية السورية في الشعيرات في أبريل/نيسان 2017 ردا على هجوم بالأسلحة الكيميائية بمنزلة مغامرة أميركية لتشويه سمعة الرواية الروسية وكاختبار لقياس مستوى الالتزام الروسي تجاه دعم نظام الأسد.

 

ما وراء الشرق الأوسط

إن أحد أكثر أهداف السياسة الخارجية إلحاحا بالنسبة لروسيا هو مواجهة التحدي الإستراتيجي لتفعيل نظام صواريخ أرضي تابع للناتو في ديفيسيلو في رومانيا. تستضيف القاعدة العسكرية ديفيسيلو نظام أيجيس المضاد للصواريخ (Aegis)، وهو درع صاروخي لحماية دول الناتو الأوروبية من الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى. من المقرر لقاعدة ديفيسيلو، جنبا إلى جنب مع قاعدة مماثلة في بولندا، أن تلعبا دورا حاسما في هيكل الدفاع الأوروبي لعقود قادمة. 

   

   

تعتبر روسيا هاتين القاعدتين العسكريتين تهديدا أمنيا كبيرا، وبالتالي تحاول إيجاد بدائل إستراتيجية مناسبة لموازنة هذه المؤسسات القوية. ويتمثل أحد هذه التطورات الإستراتيجية في تعزيز أسطول البحر الأسود الروسي، الذي تمت ترقيته نوعيا وكميا. يمكن لروسيا الآن عزل رومانيا عن حلفائها في الناتو عن طريق إغلاق مدخل البحر الأسود إلى القوى البحرية الغربية وفي الوقت نفسه فتح جبهة موازية في شرق البحر الأبيض المتوسط.

  

وفقا لستيفن بلاك: "لقد سمحت هذه الاتجاهات لروسيا بأن تجعل من الصعب للغاية على الناتو الدخول إلى البحر الأسود للدفاع عن حلفاء الناتو وشركائه دون خسائر كبيرة في السفن والطائرات والبشر، إن لم يكن مستحيلا". تدرك روسيا أنه من أجل توسيع هذه الميزة الإستراتيجية يجب عليها الحفاظ على وجودها في الشرق الأوسط؛ وتحويل المنطقة تدريجيا من منطقة نفوذ غربية إلى أرض للعداء الأيديولوجي والسياسي بين واشنطن وموسكو.

  

بالإضافة إلى ذلك، فإن الأهمية الإستراتيجية للشرق الأوسط بالنسبة لموسكو اعتمدت بُعدا موازيا كان قد ظهر خلال الأزمة الأوكرانية عام 2013. يتّبع بوتين الخطوط الخارجية التقليدية فيما يتعلق بضرورة الحفاظ على المصالح الروسية في المناطق القريبة من الخارج، والتي تشمل القوقاز وأوروبا الشرقية والوسطى. يرجع السبب الرئيسي لهذا النهج إلى حقيقة أن روسيا كانت تشعر دائما بالضعف تجاه الغزو بسبب السهوب [8] المسطحة الشاسعة التي تقدم ميزة إستراتيجية للعدو الذي يمكنه الدخول إلى قلب روسيا دون الاضطرار إلى مواجهة التضاريس الصعبة أو الارتفاع الشاهق للجبال.

  

في الواقع، لقد حدث هذا مرتين: كانت الأولى خلال غزو نابليون في عام 1812، ومرة ​​أخرى خلال الغزو النازي في عام 1941. وبطبيعة الحال، هذا مجرد بُعد واحد يعتمد على نفسية الوعي الروسي المستمدة من التطور التاريخي للشعب الروسي وأرضه. يشير البعد الآخر إلى الحقيقة الإستراتيجية التي مفادها أنه في حالة فقدان روسيا السيطرة (أو النفوذ) على القوقاز ووسط وشرق أوروبا، فإن الوصول إلى البحر المتوسط ​​لن يكون قابلا للتحقيق وسيتم في النهاية عزل روسيا في آسيا.

 

الحرب الروسية الجورجية 2008 (رويترز)

   

وقد ازدادت المخاوف الروسية إلى أقصى حد بعد موجات توسع الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو المتعاقبة، بما في ذلك استيعاب أعضاء حلف وارسو السابق. وقد أجبر هذا التطور روسيا على إعادة النظر في موقفها تجاه العالم الغربي، في الوقت الذي يوفر ذلك فرصة مثالية لتبرير ميلها إلى العنف في كل مرة تشعر فيها أن المصالح الروسية الحيوية في خطر. ظهر هذا الموقف في عام 2008 خلال الحرب الروسية الجورجية، ثم مرة أخرى عندما غزت روسيا أوكرانيا في عام 2014، مما أدى في النهاية إلى ضم شبه جزيرة القرم.

  

يستخدم بوتين المشاركة الروسية المتزايدة في الشرق الأوسط لتركيز النظرة الغربية بعيدا عن منطقة القوقاز وأوروبا الوسطى والشرقية. في هذه الأثناء، يستمر في اتخاذ خطوات في الشرق الأوسط مثل توقيع صفقة بقيمة 2.5 مليار دولار مع تركيا لشراء نظام الدفاع الصاروخي الروسي S-400 "دانيالز"، وصفقتين كبيرتين للطاقة النووية مع تركيا ومصر. علاوة على ذلك، استخدم بوتين الإستراتيجية الجيدة للحرب الأهلية السورية من أجل دفع الولايات المتحدة وحلف الناتو إلى إرغام القوات والموارد في المنطقة.

 

ونتيجة لذلك، ومع تعمّق الحرب الأهلية السورية، وضعت الولايات المتحدة وحلف الناتو أوكرانيا وجورجيا على الرف وأصبح ملف قضيتهما مغطى بالغبار نظرا لأن اهتمام الناتو محصور بهزيمة الإرهابيين من جهة، والسيطرة على التدخل الروسي في العالم العربي من جهة أخرى. من الواضح أكثر أن بوتين يرى الشرق الأوسط دعما مثاليا لمكانة الكرملين وطُعما يُبقي المنافسين بعيدا عن مناطق النفوذ الروسي في المناطق القريبة من البلاد.

 

تتبع روسيا الآن سياسة أكثر عدوانية في الشرق الأوسط، ومن المرجح أن يستمر هذا في الوقت الذي تتعمق فيه المنطقة أكثر في الأزمة

رويترز
 

لم يكن الشرق الأوسط في قمة الأجندة الروسية (أو السوفياتية) حتى وصول بوتين. ومع ذلك، في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول وخاصة بعد الربيع العربي، رأت روسيا بوتين في الوضع المضطرب في الشرق الأوسط فرصة ممتازة لتوسيع نفوذها. في الوقت نفسه، كانت فرصة مثالية للحفاظ على نظرات العالم الغربي بعيدا عن المناطق ذات الأهمية الإستراتيجية الأكبر للكرملين مثل القوقاز ووسط وشرق أوروبا. يدّعي العديد من المحللين اليوم أن النظام الدولي دخل بالفعل في "حرب باردة" جديدة بين الولايات المتحدة وروسيا.

  

أنا لا أتفق مع هذه الآراء [كاتب المقال سبردون ليتساس]، لا سيما لأن كلًّا من واشنطن وموسكو ليس لديهما الشهية أو القدرة على الدخول في مثل هذا الوضع الشمولي والمتطلب. ومع ذلك، تتبع روسيا الآن سياسة أكثر عدوانية في الشرق الأوسط، ومن المرجح أن يستمر هذا في الوقت الذي تتعمق فيه المنطقة أكثر في الأزمة. لا توجد قرى بوتيمكين في الشرق الأوسط. وبدلا من ذلك، هناك طموحات أولية مع ميل روسي عميق إلى تصاعد العداء مع الغرب.

  

------------------------------------------------------------------------

هوامش:

[1] الباب العالي: مقر الحكومة العثمانية أطلق عليه هذا الاسم بعد أن كان "ديوان همايون" أو الديوان السُلطاني. افتتحه محمد الفاتح بعد أن توسعت رقعة الدولة العثمانية، وكان يرأسه الصدر الأعظم.

 

[2] الهاغاناه: منظمة عسكرية إسرائيلية؛ لعبت دورا عسكريا كبيرا في تأسيس إسرائيل عام 1948، وارتكبت في سبيل ذلك أعمالا إرهابية وجرائم حرب في حق الفلسطينيين. انتظم في صفوفها عدد كبير ممن أصبحوا لاحقا قادة للدولة، وبحكم متانة تدريبها وتسليحها شكلت النواة الأولى للجيش الإسرائيلي الرسمي.

 

[3] الدولة المارقة: هي التي تخضع لنظام شمولي ديكتاتوري تعطل فيه القوانين والقضاء والدستور والحريات الشخصية والعامة وتعتمد على القوة والبطش والقتل في بسط نفوذها على المواطنين وإرهابهم من خلال عصابات أمنية متعددة تتبع للحاكم مباشرة بحيث تمارس أعمال الاعتقال والقتل بدون أي محاسبة أو رقابة عند أي كلمة نقد للنظام ولو كان إيجابيا، كأن يشتكي مواطن من ارتفاع أسعار الخبز أو الضرائب أو المحروقات إن في صحيفة ما أو في حديث بين أقرانه في مكان عام أو مقهى.

 

[4] نظرية السلام الديمقراطي: نشأت في العلوم السياسية وتطرح فرضية أن الدول الديمقراطية لا تنشأ بينها حروب. وقد أيدت الدول الاستعمارية تلك النظرية كقانون يتحكم في العلاقات الدولية.

 

[5] قوة المياه الزرقاء: هي قوة بحرية قادرة على العمل على مستوى العالم بشكل أساسي عبر المياه العميقة للمحيطات المفتوحة. وبينما تختلف تعريفات ما يشكل في الواقع مثل هذه القوة، هناك حاجة إلى القدرة على التحكم في البحر في نطاقات واسعة.

 

[6] أحادية القطبية: في السياسة الدولية هو توزيع للسلطة تمارس فيه دولة واحدة معظم التأثير الثقافي والاقتصادي والعسكري.

 

[7] حماقة بوليانا Follyanna: هو مصطلح يجمع بين مصطلحين: الاول "بوليانا" والذي يعني التفاؤل المغالى به، والتفاؤل المفرط ومخاطره. أما المصطلح الثاني فهو من كتاب "مسيرة الحماقة" الذي يعكس ما يحدث عندما يؤدي إخفاق النخبة السياسية إلى فريق آخر داخل المجموعة ذاتها مؤديا إلى عنف كارثي. جمعهم معًا واحداً يحصل على "حماقة بوليانا" وهو عجز خطير في رؤية العالم والجهات الفاعلة السيئة على حقيقتهم.

 

[8] السهوب: منطقة أحيائية أي أنها منطقة محددة مناخيا وجغرافيا تتميز بوجود سهول المراعي وعدم وجود أشجار فيما عدا تلك القريبة من الأنهار والبحيرات.

------------------------------------------------------------------------

ترجمة: آلاء أبو رميلة

هذا التقرير مترجم عن (e-international relations) ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار