انضم إلينا
اغلاق
انتهاء زمن معاهدات التسلح.. هل نحن على أعتاب حرب عالمية جديدة؟

انتهاء زمن معاهدات التسلح.. هل نحن على أعتاب حرب عالمية جديدة؟

  • ض
  • ض

في ستينيات القرن الماضي، كانت أوروبا تنتظر بفارغ الصبر ما ستؤول إليه الحرب الباردة الدائرة بين القوتين العظميين حينها؛ الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة، في وقت كانت الأخيرة فيه تمتلك ما يقارب الثلاثين ألفا من الرؤوس النووية(1)، وتتسابق مع موسكو على من يمتلك القوة المسلحة الأكبر عالميا.

   

وفيما استمر سباق التسلح لعدة عقود تالية، كاد مطلع العقد الثمانيني أن يكون بداية حرب جديدة بين القوتين لا يستطيع أحد على الأرجح التنبؤ بمداها المحتمل، وحدث ذلك حينما نشرت موسكو في أوروبا منظومة صواريخ SS-20 البالستية متوسطة المدى، وهي منظومة سوفيتية يستطيع الصاروخ الواحد فيها حمل ثلاث رؤوس حربية، ووسط اشتعال الأجواء العسكرية ردت واشنطن بنشر صواريخ كروز وبيرشنغ 2، وهي صواريخ قصيرة ومتوسطة المدى قادرة على تدمير قواعد الإطلاق الصاروخية السوفيتية، الثابتة والمتحركة، قبل أن يستطيع الكرملين إرسال أوامره بالتصدي للهجوم(2).

   

ونتيجة لكونها صواريخ تُحلق لمدة قصيرة، تصل لعشر دقائق تقريبا، فإن التهديد الأميركي السريع بنشرها لم يكن ليمر بسهولة، حيث قام السوفييت بالرد بنشر درة منظومة الصواريخ الخاصة بهم والمعروفة بـ "Dead Hand" (اليد المميتة) أو "Perimeter"، وهو نظام قادر أوتوماتيكيا على إطلاق ترسانة صواريخ الاتحاد السوفيتي النووية باتجاه الولايات المتحدة بمجرد استشعار أجهزته هجوما أميركيا في الأفق، ودون انتظار الأوامر القادمة من القيادة السوفيتية.

   

في خضم ذلك الصراع المحتدم تدريجيا، وقبل أن يقرر الطرفان حرق العالم، جلس كل من الرئيس الأميركي "رونالد ريغان"، والأمين العام للحزب الشيوعي الحاكم "ميخائيل غورباتشوف"، على مائدة المفاوضات لإنهاء الوضع الموشك على الاشتعال، وهي مفاوضات انتهت في ديسمبر/كانون الأول لعام 1987 بتوقيع معاهدة القوى النووية متوسطة المدى المعروفة اختصارا بـ "INF"(3)، والتي اعتُبرت فيما بعد فخر اتفاقيات الحرب الباردة الموقعة بين كلتا الدولتين وأحد أهم انتصارات هذه الحقبة.

    

الرئيس الأميركي "رونالد ريغان"، والأمين العام للحزب الشيوعي الحاكم "ميخائيل غورباتشوف" يوقعان معاهدة القوى النووية متوسطة المدى INF (رويترز)

 

انتهى الأمر إذن بتدمير 2700 صاروخ نووي تقريبا في حالة جيدة تماما، وهي صواريخ بلغت تكلفة صناعتها في كلتا الدولتين مليارات الدولارات(4)، ونصت المعاهدة أيضا على تدمير ترسانة الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى لدى الطرفين خلال ثلاث سنوات فقط من توقيعها، أما الأهم من ذلك فقد كان الاتفاق الثنائي بمنع تطوير أو نشر الصواريخ البرية -مدى ما بين 500 إلى 5500 كيلومتر- وهو اتفاق يُعتقد أنه استمر تطبيقه لثلاثة عقود تالية، أو حتى أعلنت إدارة ترامب أول فبراير/شباط الحالي انسحابها من المعاهدة القادمة من حقبة الحرب الباردة، وترك العالم وأوروبا خاصة تخوض ذكرياتها المتوترة على أقل تقدير من جديد.

   

تأسيس: من أشعل الحرب؟

في عام 2014، وحين أشعلت موسكو أزمة دولية بضمها شبه جزيرة القرم عسكريا دون رغبة أوكرانيا أو دعم دولي، اتهمت إدارة الرئيس الأميركي وقتها "باراك أوباما" روسيا بانتهاك بنود معاهدة الحرب البادرة (5)، وكان السبب الذي أعلنته واشنطن، دون دليل ملموس، هو نشر موسكو لما أسمته "أسلحة تكتيكية محظورة" وفقا لبنود المعاهدة بهدف "ترهيب الدول الحليفة للغرب" والتي كانت يوما ضمن النطاق الجغرافي للاتحاد السوفيتي، ولأن واشنطن لم تُعلن امتلاكها الدليل اللازم لإثبات اتهاماتها، لم يكن على موسكو سوى نفي الاتهامات أولا ثم رفض المحادثات التي دعا إليها أوباما حول الالتزام ببنود المعاهدة ثانيا، وبدون أي رد فعل آخر.

   

استمرت الاتهامات الأميركية والنفي الروسي حتى وصول "دونالد ترامب" للرئاسة مطلع عام 2017، وقد استمر "ترامب" في تكرار المزاعم ذاتها القائلة بأن موسكو قد نشرت بالفعل منظومة صواريخ 9M729 المعروفة كذلك باسم SSC-8 والتي تحظرها المعاهدة النووية و"تهدد الأمن الأوروبي والأميركي بالتبعية" حسبما تنص، لكنّ تغيّرا جذريا في حدة الاتهامات وفعاليتها قد بدأ في العام الماضي 2018، وبعد وصول "جون بولتون" لمنصب مستشار الرئيس الأميركي للأمن القومي في أبريل/نيسان للعام المذكور.

     

"جون بولتون" مستشار الرئيس الأميركي للأمن القومي (أسوشيتد برس)

  

يُعرف جون بولتون على أنه "قاتل متسلسل لاتفاقات التحكم في التسلح"، بتعبير خبير سياسات الأسلحة النووية "جوزيف سيرنسيون" في مقاله على "واشنطن بوست"، ويعد مستشار الأمن القومي الحالي بمنزلة مسؤول عالمي يمتلك تاريخا طويلا في تفكيك اتفاقات التحكم في التسلح(6)، وهي اتفاقات لطالما زعم بولتون أنها تحدّ من قدرة أميركا على مواكبة التطور في التسلح الذي قد تصل إليه دول أخرى، خاصة مع كون تلك الدول منافسا عالميا للولايات المتحدة في بعض من مناطق نفوذها. وبطبيعة الحال فإنه لا يخفى على أحد أن الانتشار العسكري الصيني في شرق آسيا على وجه الخصوص كان موضع اهتمام المستشار الأميركي، الأمر الذي يفرض على الولايات المتحدة -من وجهة نظر بولتون- مواكبة التطور العسكري بطريقة لا تحدها معاهدة "عفا عليها الزمن" كما أسماها.

   

بعد عدة أشهر من وصوله إلى البيت الأبيض، وفي أكتوبر/تشرين الأول للعام الماضي، كان بولتون في طريقه إلى الكرملين للنقاش حول معاهدة الحرب الباردة، مناقشات لم يكن يُتوقع أن تتقدم كثيرا مع إعلان الرئيس الأميركي في الوقت ذاته تقريبا نيته انسحاب بلاده من المعاهدة، ومنحه موسكو مدة زمنية قدرها 60 يوما للتفاوض مع إدارته حول "الانتهاك المتكرر لبنودها" كما وصف الأمر، وسانده بيان حلف شمال الأطلسي "الناتو" الصادر في الرابع من ديسمبر/كانون الأول الماضي(7)، والذي بارك قرارات إدارة ترامب بشأن الحديث حول المعاهدة مُعلنا أن روسيا "لم تقدم إلى الآن تفسيرات حول هذه الاتهامات أو تحاول الرد عليها"، وبمرور الوقت، بدا وأن تباين الموقف الروسي بين الصمت والإنكار كان كل ما يحتاج إليه "ترامب" ليبرر انسحاب بلاده من المعاهدة، وهو انسحاب بدأ سريانه يوم السبت الثاني من فبراير/شباط الحالي.

   

لم يكن الانسحاب الأميركي سوى خطوة أولى، قبل أن تعلن موسكو في اليوم التالي تعليقها العمل ببنود المعاهدة، وبعد ساعات قليلة من الإعلان الروسي نشرت موسكو صورة قمر صناعي(8) لما زعمت أنها منشأة تابعة لشركة "Raytheon"، أحد أكبر مُصنّعي الأسلحة الأميركيين العالميين، في صحراء "توسان" بولاية أريزونا، وفيها وبحسب الرواية الروسية تقوم الشركة منذ عامين ببناء ترسانة جديدة من الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى التي تحظرها المعاهدة. وفي حين تجمع واشنطن الآراء عالميا ضد روسيا دون أدلة دامغة تقدمها، تزعم الأخيرة أن هذا ليس سوى لفت للأنظار عن الانتهاك الأميركي القائم بالفعل كما تراه.

     

  

لكن، وفي حين أن أيًّا من الدولتين لم تُقدم دليلا واضحا وقويا للمجتمع الدولي من أجل إدانة الأخرى، فإن البعض يرى أن الأمر ليس سوى محاولة من كل منهما للتنصل من القيود التي تفرضها المعاهدة عليها في معركة التسلح الصاروخي التي يُعتقد أنها قادمة لا محالة، خاصة وأنه لم يتبق سوى اتفاقية وحيدة من اتفاقيات التحكم في التسلح بين الدولتين، والتي تفرض قيودا على التسلح النووي لكلتيهما، والمعروفة باسم "New START"، وهي الأخرى على وشك أن ينتهي العمل بها في 2021(9) دون أي نية مُعلنة حاليا لدى كلتا الدولتين لتجديد العمل بها، وهو كذلك ما يدع العالم بأكمله أمام صورة تاريخية شبه مكررة عما يمكن أن يكون عليه الأمر إذا ما بدأ من جديد سباق صاروخي نووي بينهما بجانب الصعود الصيني على الساحة العسكرية الكبرى عالميا، وهو سباق سيكون على الأرجح أعنف بما لا يمكن قياسه هذه المرة.

   

الأزمة: حرب عالمية جديدة أم مجرد ذكريات؟

حين قرر الاتحاد السوفيتي توقيع معاهدة الـ "INF" لم يتوقف الأمر حينها على مجرد إنهاء التوتر العالمي السائد واحتمالات الحرب الجديدة الممكنة، بل إن موسكو كانت قد وضعت رهانها في ذلك الوقت على عدم قدرتها على الاستمرار في مواكبة معركة التسلح القائمة بينها وبين واشنطن، لا من ناحية التقانة ولا من ناحية التكلفة الاقتصادية، وفي حين تهاوت الإمبراطورية السوفيتية ببطء عسكريا واقتصاديا خلال الثمانينيات، آثر غورباتشوف وقف معركة التسلح بينه وبين القوى الغربية لصالح الاقتصاد المحلي الذي تأكل ميزانيات التسلح نسبة كبيرة منه، ولصالح رؤيته بإصلاحات اقتصادية ضخمة(10).

  

لكن ما يحدث الآن يختلف -من وجهة نظر موسكو على الأقل- إلى حد كبير، ويرى الكرملين أن الأسباب التي دفعت غورباتشوف لتوقيع المعاهدة لم تعد ذات قيمة الآن في ظل القدرات النووية الروسية أمام الترسانة النووية الأميركية، وفي وقت تعيش روسيا-بوتين فيه على أنقاض الاتحاد السوفيتي السياسية والجغرافية، ساعية لتأمين نفسها من كافة الاحتمالات المحيطة بها والتي تشمل الاتحاد الأوروبي والناتو وواشنطن بطبيعة الحال. وعلى الجانب الآخر فإن وجهة النظر الأميركية لا ترى موسكو فقط في الأفق، بل ترى في بكين أيضا مرشحا مثاليا لعدم التزام مستقبلي محتمل بأي معاهدة تحظر استخدام الصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى والتي هي إحدى دعائم القوة العسكرية الصينية.

    

  

تشترط واشنطن اعتراف موسكو بانتهاكها المعاهدة والعودة للمفاوضات لأجل عودتها للالتزام ببنودها، لكن الاختلاف يتجلى داخل أروقة البيت الأبيض وفي أوساط الخبراء حول ما إذا كان من الضروري عودة أميركا للمعاهدة من عدمه، ويسري الخلاف ذاته في أروقة الكرملين الداخلية التي يعتبر بعض نافذيها أن الوقت قد حان للتخلي عن القيود المفروضة على تسلح الدولة أمام إحاطة قوات الناتو بحدودها(11)، وبالنسبة لموسكو فإن الصواريخ البرية قصيرة ومتوسطة المدى ليست فقط ذات أهمية كبرى في حالات الحرب، بل إنها أقل تكلفة، بما يجعلها عنصرا لا تستطيع التخلي عنه الآن في ظل الأزمة الاقتصادية التي يفرضها عليها الحصار الاقتصادي الأميركي.

  

في ظل السعي المحموم للدول الثلاث، روسيا والولايات المتحدة والصين، للتسلح وانتزاع أكبر مساحات سيطرة سياسية وجغرافية ممكنة في أي مكان بالعالم، يرى البعض أن الانسحاب الأميركي من المعاهدة لن يكون ذا فائدة كبيرة لواشنطن إذا ما استمرت به للنهاية، في وقت كان يجب عليها فيه جلب الصين إلى مائدة التفاوض حول الانضمام للاتفاقية بدلا من حلها تماما وإلى الأبد. وقد اقترح وزير الطاقة الأميركي الأسبق في عهد أوباما "إرنست مونيز" في هذا النطاق هذه الأيام عودة الولايات المتحدة للتبادل حول الاتفاقية، وبما يشمل تطوير نظام لتبادل التفتيش والرقابة(12) بين كل من واشنطن وموسكو، باعتباره حلا قادرا على منح الدولتين بعض الاطمئنان حول تطوير الأخرى لأي منظومة صواريخ سرية قد تخالف المعاهدة.

  

إلا أن آخرين يرون كذلك أن استمرار المعاهدة من عدمه لن يُشكّل فارقا في وقت تمتلك فيه الولايات المتحدة صواريخ جوية وبحرية بعيدة المدى قادرة على تحقيق الغاية العسكرية نفسها التي تحققها الصواريخ البرية قصيرة ومتوسطة المدى. وفي حين تبقى اتفاقية "البداية الجديدة" هي الاتفاقية الأخيرة الصامدة بين واشنطن وموسكو حال إنهاء اتفاقية القوى النووية متوسطة المدى بشكل كامل، فإنها تعد البطاقة الأخيرة المتبقية لمنع العودة بالعالم لذكريات الحرب الباردة، لكن الأهم هو أن احتمالية نشوب حرب جديدة بين الدولتين، على عدم ترجيحه وصعوبته، لن تكون إحداهما هي المتضررة الأولى منها، وإنما ستكون أوروبا، المدافع الأهم الآن عن استمرار المعاهدة، هي الضحية الأولى فيها.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار