انضم إلينا
اغلاق
لماذا ينتقد ترامب أوباما في العلن ويتبع خطاه في السر؟

لماذا ينتقد ترامب أوباما في العلن ويتبع خطاه في السر؟

The Atlantic

مجلة أميركية
  • ض
  • ض

خلال زيارته الشهر الماضي إلى القاهرة، مركز قيادة العالم العربي، أعلن مايك بومبيو أن قرار انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط في ظل إدارة دونالد ترامب، عُومل بمبالغةٍ ضخمة، وأن الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، هو من تخلى عن المنطقة؛ الأمر الذي أحدَث أضرارًا مدمّرة. المفارقة العجيبة هنا، أنه على الرغم من اختلاف سياسات أوباما في الشرق الأوسط جذريًا عن سياسات ترامب، إلا أنهما انتهيا فعليًا إلى التورط في الصراع ذاته لانتشال الولايات المتحدة من مستنقع الشرق الأوسط.

 

أوباما، الذي سعى منذ عشر سنوات في خطابه الشهير في القاهرة نحو إقامة "بداية جديدة" بين الولايات المتحدة والعالم الإسلامي ذي المليار مسلم، اتهمه وزير الخارجية الأمريكي بأنه -وإن قلّل بشكل صارخ من الفكر الإسلامي المتطرف، إلا أنه- تجاهل عن عمد المخاطر التي يُمثلها النظام الإيراني، وتصور بشكل خاطئ أن الولايات المتحدة هي "القوة المسئولة عن معاناة منطقة الشرق الأوسط".  وأضاف في ثنايا خطابه الذي ألقاه في الجامعة الأمريكية في القاهرة، أن ذلك النهج ألحق الضرر بمئات الملايين من الأشخاص في جميع أنحاء المنطقة والعالم؛ إذ قام تنظيم الدولة الإسلامية "بالاغتصاب والنهب والقتل"، وتوسعت إيران في "نشر نفوذها السرطاني"، وأطلقت الحكومة السورية "العنان للإرهاب" عبر قتل مواطنيها بالغاز؛ كل ذلك تهاوَنت معه الولايات المتحدة.

       

وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو (رويترز)

  

أضاف بومبيو "لقد تعلمنا أنه عندما تتراجع أمريكا غالبًا ما تتقدّم الفوضى"، تعليقًا على الفوضى التي أعقبت قرار رئيسه المفاجئ بسحب القوات الأمريكية من سوريا. ولكنه نوّه بالقضاء على خلافة تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق، والخروج من الاتفاق النووي الإيراني، والانتقام مرتين ضد استخدام بشار الأسد للأسلحة الكيماوية، وهي الإجراءات التي أعادت بها إدارة ترامب التأكيد على "الدور التقليدي للولايات المتحدة كقوة من أجل الخير" في المنطقة.

 

ما يثير الدهشة، أنّ المراقبين على كلا طرفي الطيف السياسي فيما يتعلق بالسياسة الخارجية الأميركية، رأوا أوجه تشابه في وجهات نظر أوباما وترامب حول الحدود الصارمة لبذل الدماء والثروة الأمريكية في الشرق الأوسط. وكما قال مستشار أوباما السابق لشئون الشرق الأوسط، فيليب غوردون، في لقاء سابق، فإن سياسات ترامب لا تُمثل "نقيضًا لسياسات أوباما" من بعض النواحي، بل إنها "مُضاعَفة لنفس الجهود التي بذلها أوباما". وبالمثل، وصف مارك دوبويتز، من مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، وأحد مؤيدي السياسات المتشددة التي تتبعها إدارة ترامب تجاه إيران، وصف ترامب بأنه إصدارٌ ثانٍ من أوباما "أوباما 2.0" فيما يتعلق برغبته في الانسحاب العسكري من الشرق الأوسط، وإن كان استثنى من ذلك آراء ترامب تجاه إيران.

 

وجه بومبيو رسالة مطمئنة إلى إسرائيل والحلفاء العرب للولايات المتحدة، بلهجة اتسمت بأسلوب "تقليل الأضرار"، خلال جولته التي زار فيها تسع دول في الشرق الأوسط. على الرغم من أنّ رئيسه، قبل بضعة أسابيع، قد فاجأ هؤلاء الحلفاء بالإعلان عن خطط لسحب القوات الأمريكية من سوريا، وترك الأطراف الأخرى تتخلص من بقايا تنظيم الدولة الإسلامية هناك، مُشيرًا إلى أن الإيرانيين يمكنهم "فعل ما يريدون" في البلاد، وأن الوقت قد حان كي تُنهي الولايات المتحدة "حروبها التي لا نهاية لها"، و"العودة إلى الوطن وإعادة بنائه". ومنذ ذلك الحين، اتسمت تصريحات بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون، بشأن الجدول الزمني والشروط التي بموجبها ستنسحب القوات الأمريكية من سوريا، بالغموض، على افتراض أن الرئيس لديه خطة.

 

      

ثمة دليل آخر على أن الرئيس لا يلقي بالًا على الإطلاق للتأكيد على "الدور التقليدي" للولايات المتحدة في الشرق الأوسط؛ إذ لا يوجد سفير أمريكي في أكثر من نصف البلدان التي يزورها بومبيو خلال جولته هذه، بما في ذلك مصر.

   

ولا تزال هناك دلائل أخرى، من بينها توجُّه الرئيس إلى تكساس، أثناء حديث بومبيو، كجزء من محاولته الضغط لإقامة جدار على الحدود الجنوبية، عبر الإغلاق الحكومي. وفي الوقت الذي عمل فيه بعض المسئولين في وزارة الخارجية، كمساعدين لبومبيو في رحلاته، بدون أجر، صرح ترامب بأنه يستطيع تمويل الجدار الفاصل بجزء بسيط مما تنفقه الولايات المتحدة على الحرب في أفغانستان، مُشيرًا إلى اقتراب الانسحاب العسكري الأمريكي الرئيسي القادم.

 

قال دوبويتز إن ترامب يتبنى فكرة "أننا نستطيع بناء جدار حول الولايات المتحدة، ويمكننا بذلك أن نحمي أنفسنا من جميع هذه التهديدات، سواء أكانت على شكل مهاجرين أو إرهابيين". وفي هذه الأثناء، كان وزير خارجيته في الشرق الأوسط يقول لحلفاء الولايات المتحدة "إنها لا تتراجع خلف الجدران، لكننا في الواقع، سنشارك بعمق في المنطقة وفي العالم".

 

    

كان خطاب أوباما في القاهرة عام 2009 طموحًا للغاية؛ حاول فيه تقطيب الجروح العميقة التي خلفتها حرب جورج دبليو بوش على العراق. وأعرب الرئيس الأمريكي الجديد آنذاك - أمام قاعة مكتظة بالحاضرين في جامعة القاهرة، الذين احتفوا بخطابه بالتصفيق الحار، وصيحات "نحبك"-، عن تصميمه على سحب الجنود الأميركيين من العراق ومن ثَم أفغانستان، وحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، والدخول في مفاوضات نووية، وربما إقامة علاقات أكثر إيجابية مع إيران، وتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية الاقتصادية في المنطقة. لقد كانت رؤية واسعة مجردة من الصبغة العسكرية لدور الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

 

ثم بزغ فجر الربيع العربي وتداعياته المروعة، التي دفعت أوباما إلى الإطاحة بالديكتاتور في ليبيا، وإعادة نشر القوات الأمريكية لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، والاختلاف حول ما إذا كان من الضروري أن يسمح بتدخل عسكري مباشر في سوريا أم لا. (رفض في نهاية المطاف القيام بذلك). على الرغم من تمكنه من عقد اتفاق نووي مع إيران، إلا أن أوباما لم ينجح في إنهاء الوجود العسكري الأمريكي في العراق وأفغانستان بشكل دائم، أو إحراز تقدم كبير في عملية السلام الإسرائيلي الفلسطيني، أو تغيير صورة الولايات المتحدة أمام الرأي العام في العالم الإسلامي.

 

عندما سألت غوردون، الذي شغل منصب كبير مستشاري أوباما لشؤون الشرق الأوسط في الفترة بين عامي 2013 و2015، كيف أثر خطاب أوباما في القاهرة في صياغة السياسة الأمريكية، بحلول الوقت الذي وصل فيه غوردون إلى البيت الأبيض، أجاب قائلًا "في الحقيقة، ليس بشكل كبير". وأضاف "عكست تلك التصريحات آمال ورغبات أوباما حول المنطقة؛ لكنني أعتقد أنه سيكون أول المعترفين بعجزه عن الوفاء بتأسيس تلك (البداية الجديدة)".

  

فيليب غوردون، الذي شغل منصب كبير مستشاري أوباما لشؤون الشرق الأوسط بين 2013-2015 (رويترز)

 

مع نهاية فترة رئاسته، زادت خيبة أمل أوباما في الشرق الأوسط، وبيأسٍ، وصف المنطقة لجيفري غولدبيرغ، الصحفي في مجلة ذا أتلانتيك، بأنها تستنزف حياة الأمريكيين وطاقتهم، وتصرف اهتمامهم عن أجزاء أخرى من العالم، أكثر حيوية لمصالح الولايات المتحدة، مثل آسيا، ،وأنها تعج بحلفاء متطلّبين صعبي المراس، وبقبليّة خطيرة، وصراعات عصية على الحل.

 

قال غوردون إنه غالبًا ما يُبالَغ في مدى انسحاب أوباما من الشرق الأوسط. إذ كان أوباما لا يزال عازمًا على خفض تكاليف الولايات المتحدة والتزامها في المنطقة وتجنب "التورط في الشرق الأوسط". وما أثار دهشة غوردون في انتخابات عام 2016، أن بندول السياسة لم يتأرجح إلى الناحية الأخرى، كما يحدث عادةً عندما يستولي حزبٌ ما على السلطة في البيت الأبيض؛ وإنه ذهب في نفس الاتجاه لصالح الانسحاب من المنطقة. وكما أكّد بومبيو، يشير فيصل عيتاني، الخبير في شئون الشرق الأوسط بالمجلس الأطلسي، إلى اختلاف حاسم بين الرئيسين، يتمثّل في رجوع ترامب إلى التصور التقليدي لحلفاء الولايات المتحدة وخصومها في المنطقة، على إثر مجهودات أوباما - محدودة النِطاق- لتحريك تلك الديناميكيات.

 

يذكر عيتاني أن أوباما ومستشاريه في ذلك الوقت، انتقدوا شركاءهم العرب السنة مثل المملكة العربية السعودية، ولم يرغبوا في تقديم دعم شامل لهم في خضم تنافسهم مع الشيعة الإيرانيين. وعلى النقيض، تعهّد بومبيو بكلماتٍ واضحة أثناء وجوده في مصر، بـ"إقامة شراكات مع أصدقائنا والتصدي لأعدائنا بقوة"، مشيرًا إلى أن إدارة ترمب قد "دعمت تفاهمًا شائعًا لدى حلفائها، بضرورة التصدي للأجندة الثورية للنظام الإيراني".

 

    

قال لي دوبويتز، "أعتقد أنك إن سألت الخليجيين والإسرائيليين اليوم، ربما سيخبرونك أنهم يفضلون صديقًا فوضويًا، مثل ترامب، عن خصمٍ بارد ومنهجي مثل أوباما". يكشف دوبويتز أيضًا، أنه خلص من مناقشاته مع مسئولين خلال رحلةٍ إلى الشرق الأوسط في ديسمبر/كانون الأول، إلى أنهم يُقرون بأوباما وترامب كجزء من "سياق معين" و"إجماع ثنائي جديد بأن علينا الخروج من الشرق الأوسط"، وذلك نتيجة للإعياء من الحرب في الولايات المتحدة، والمنافسة المتصاعدة بين الدول العظمى. وهو يعزو خطوات الدول العربية السنية الصغيرة للتقارب مع إسرائيل، وخصوصًا الجادّة منها، إلى إدراكهم أن إسرائيل بجيشها القوي لن ترحل إلى أي مكان، على عكس الولايات المتحدة.

 

أخبرني أن قادة العرب يفهمون أنهم "قد لا يتمكنون من الاعتماد على الولايات المتحدة في التقدم"، وأضاف "يمكنهم قراءة استراتيجية الأمن القومي واستراتيجية الدفاع الوطني مثلنا تمامًا. لديهم شعور بأن الأمر متعلقٌ بالصين، والصين، والصين". أو كما قد يقول ترامب: الجدار، والجدار، والجدار، وربما الصين أيضًا. "لا أريد البقاء في سوريا إلى الأبد"، هكذا قال ترامب قبل فترةٍ وجيزة من ذهاب بومبيو إلى الشرق الأوسط؛ بينما كان الرئيس يتباهى بتفكيكه داعش، والآن بات بإمكانه أن يدع إيران وروسيا تنهيان المعركة، مضيفًا "أريد أن أنفق المال في بلادنا".

------------------------------------------------------------------

ترجمة (فريق الترجمة)

هذا التقرير مترجم عن: The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار