انضم إلينا
اغلاق
في وداع الردع.. لماذا يتجه العالم للحرب بدلا من تفاديها؟

في وداع الردع.. لماذا يتجه العالم للحرب بدلا من تفاديها؟

Foreign Affairs

مجلة سياسية
  • ض
  • ض

في العام 1946م، كتب برنارد برودي، أحد واضعي الاستراتيجية النووية الأمريكية، قائلًا "حتى الآن كانت الغاية الأساسية لمؤسستنا العسكرية هي كسب الحروب؛ لكن من الآن فصاعدًا يجب أن يكون هدفها تفاديها". تعليق برودي يلخص الدرس القاسي المستفاد من أول خمسة عقود في القرن العشرين. فبعد حربين عالميتين مروعتين وبزوغ فجر الأسلحة النووية، كان من الواضح أن الحرب الكبرى القادمة لن يخرج منها أحد منتصرًا. وكما قال الرئيس الأمريكي كيندي بعدها بعقد ونصف، إبان أزمة الصواريخ الكوبية، "حتى ثمار النصر ستكون رمادًا في أفواهنا". ولعقود، سار صانعو السياسات الأمريكيون على خطى برودي وكيندي، واضعين الردع ومنع الخصوم من الهجوم في القلب من الاستراتيجية الدفاعية الأمريكية.

  

"إذا طبقت استراتيجية الردع بكفاءة، ستمنع الخصوم من الإقدام على أي عمل غير مرغوب فيه" تقوم هذه الإستراتيجية على تغيير حسابات العدو للتكلفة والفوائد والمخاطر. بإمكان بلد على سبيل المثال، أن يقنع خصومه بأن احتمالية نجاح أي هجوم ضئيلة إلى حدٍّ لا يستحق الأمر معه حتى المحاولة، وتسمى هذه الاستراتيجية بردع الحرمان، أو قد يستطيع اقناع خصومه بأن انتصارهم سيكون مكلفًا إلى حدٍّ سيكون النصر معه اسمياً فقط، وتسمى هذه بردع العقوبة، في كلتا الحالتين، فإن الخصم الرشيد العقلاني سيُحجم عن الهجوم.

  

لم تكلف إدارة ترامب نفسها عناء شرح الكيفية التي تنوي بها الولايات المتحدة ردع الخصوم الحاليين والمستقبليين

رويترز
 

ساعدت استراتيجيات الردع عبر الحرمان أو العقوبة، في حفظ السلام بين القوى العظمى لأكثر من سبعة عقود. حتى بعد 30 عامًا من نهاية الحرب الباردة، يظل الردع في القلب من استراتيجية الدفاع الأمريكية. فعلى سبيل المثال، تبدأ استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2018 بالإعلان "تحمل وزارة الدفاع على عاتقها مهمة إعداد قوات مسلحة ذات كفاءة قتالية، لمنع الحرب وحماية أمن أمتنا".  

  

تكرر هذا الإعلان كثيرًا عبر عقود كثيرة حتى أصبح عقيدة راسخة، وعلى غرار سابقاتها من الإدارات الأمريكية، لم تكلف إدارة ترامب نفسها عناء شرح الكيفية التي تنوي بها الولايات المتحدة ردع الخصوم الحاليين والمستقبليين. يقوم هذا الموقف على الافتراض القائل بأن الأمر ليس بحاجة لكثير شرح، فقد بلغت الأسلحة الحديثة حدًا من القوة التدميرية يمنع أي زعيم عاقل عن شن حرب شاملة، ولهذا أصبحت متطلبات الردع بسيطة نسبيًا.

  

إلا أن هذه ثقة في غير محلها. فقد أصبح ردع العدوان مهمة أصعب من ذي قبل، وستزداد صعوبة نتيجة للتطورات التكنولوجية والجيوسياسية. ولّى عهد الهيمنة الأميركية العسكرية غير المسبوقة التي أعقبت الحرب الباردة، وهو ما يعني تجدد المنافسة بين الولايات المتحدة واثنتين من القوى التعديلية العظمى، هما الصين وروسيا. (الدولة "التَعديليَّة" هي الدولة التي لا يعجبها وضعها في ظل النظام العالمي الراهن، وتسعى لتعديله إلى وضع يناسب مكاسبها أو أيدلوجيتها، مثل إيران والصين وكوريا الشمالية، وهي على النقيض من دولة "الوضع الراهن" المنتفعة من النظام العالمي القائم مثل الولايات المتحدة وبريطانيا).

    

تمتد المنافسة العسكرية لتشمل عددًا من الساحات الجديدة، مثل الفضاء والفضاء الإلكتروني، وصولًا لقاع البحر، وقد صعبت الإمكانيات الجديدة من إمكانية تحديد قياس دقيق لميزان القوى. من ناحيته، يهدد التقدم في مجال علوم الإدراك الأسس النظرية لإستراتيجية الردع عبر انقلابه على الكيفية التي نفهم بها تصرفات البشر في المواقف عالية المخاطر، مثل مواجهة احتمال نشوب الحرب.

  

تضعنا هذه التطورات الأخيرة أمام استنتاج مقلق لا مناص منه؛ وهو أن التحدي الإستراتيجي الأعظم الذي نواجهه في العصر الحالي ليس عودة المنافسة بين القوى العظمى ولا انتشار أنظمة التسليح المتطورة، بل أفول عصر توازن الردع.

 

عالم متعدد الأقطاب

في خضم الحرب الباردة، فاقت القوى العسكرية للولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي أي دولة أخرى أو مجموعة من الدول، أضعافًا مضاعفة. مع انهيار الاتحاد السوفيتي، تلاشى نظام القطبين ليفسح الطريق لهيمنة عسكرية أمريكية لا منازع لها، خصوصًا في مجال الأسلحة التقليدية (غير النووية). وخلال الحرب الباردة، صممت الاستراتيجية الدفاعية لواشنطن لردع خصم رئيسي عتيد واحد، ثم في أعقاب هذه الحرب لم يبق أمام صناع القرار الأمريكيين خصومٌ رئيسيون يقلقونهم.

  

لكن الولايات المتحدة تعيش اليوم تحت سقف نظام دولي ليس به مركز جاذبية واحد أو اثنين، بل مراكز عديدة. تدبر على سبيل المثال ما آل إليه توزيع القوة النووية. خلال معظم فترة الحرب الباردة راكمت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي أكثر من 20 ألف رأس نووي لكل منها، في حين لم تتجاوز ترسانات بريطانيا والصين وفرنسا مئات الرؤوس. لكن سلسلة من المعاهدات الثنائية حول تقليص حجم الترسانة النووية أدت إلى خفض مخزون كلا البلدين لما يقارب 1550 سلاحًا استراتيجيًا عاملًا لكل منهما. وفي نفس الوقت، تتزايد ترسانات دول مثل الصين والهند وكوريا الشمالية وباكستان، حجمًا وتعقيدًا.

   
   

من بين هذه الدول فإن ترسانة الصين النووية هي الأكثر إزعاجاً. تقدر تلك الترسانة بـ 300 رأس، ولديها ما يكفي من المواد الانشطارية لإنتاج عدة مئات أخرى كل عام دون الإضرار باحتياجات الصين من الطاقة النووية.

  
تطور الصين كذلك أنظمة إطلاقها، فقد انتهت من غواصات جديدة قادرة على إطلاق صواريخ باليستية، ومن قواعد إطلاق صاروخية أرضية. وكما هو الحال في كل مجالات المنافسة العسكرية الكبرى، لا يبدو أن الصين ستكتفي بالمركز الثاني.

  

في مثل هذا العالم النووي متعدد الأقطاب، يصعب الحفاظ على بعض الشروط الأساسية التي ضمنت استقرارًا نسبيًا بين موسكو وواشنطن. قام الردع النووي إبان الحرب الباردة على ما يسميه واضع الاستراتيجيات النووية ألبرت هولستتر على "توازن الرعب" أو "التدمير المتبادل المؤكد". فطالما ظلت كل من الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفيتي قادرتين على تحمل ضربة نووية مفاجئة، والاحتفاظ بقوة نووية بعدها تكفي لهجوم مضاد مدمر، لم يرغب أي من الطرفين في المخاطرة ببدء الهجوم، وهذا هو ردع العقوبة في أفضل تجلياته. وللحفاظ على هذا التوازن الدقيق، سعى كلا الجانبين للحفاظ على تكافؤ تام في قوتهما النووية، وهو هدف مازال قائمًا حتى اليوم في اتفاقية نيو ستارت.

  

إلا أن صعود الصين إلى مصاف القوى النووية الكبرى، يهدد بالإطاحة بهذا التوازن في الرعب، إذ ترى كل من الصين وروسيا والولايات المتحدة في الطرفين الآخرين عدوين ومنافسين. إذا استمرت بكين في تعظيم قوتها النووية، فقد تعمد الولايات المتحدة - وهي مضطرة الآن إلى الإعداد للهجوم من جانبين لا من جانب واحد- إلى الرد ببناء عظيم لترسانتها.

   
 

إلا أن أية زيادة ملحوظة في قوة أمريكا النووية ستدفع روسيا إلى أن تحذو حذوها، في محاولة منها للحفاظ على تكافؤ قوتها مع الولايات المتحدة. ببساطة، في عالم يشهد ثلاث قوى نووية عظمى، لن تتمكن أي منها من معادلة قوة الاثنتين الأخريين. في هذه البيئة متعددة الأقطاب، سيكون كل من المتنافسين الثلاثة أقل ثقة في أمانه من هجوم نووي، على خلاف القوى العظمى إبان الحرب الباردة.

 

جبهات الحرب الجديدة

احتضار استراتيجية الردع ليس مرتبطًا بظهور قوى عظمى جديدة فحسب؛ فالأسلحة الجديدة أيضًا لعبت دورها في هذا التآكل. قديمًا، كانت الأسلحة عالية التقنية ميزةً تحوزها الولايات المتحدة لصالحها. فقد أظهرت حرب الخليج في عامي 1990 و1991 عمليًا قوة دمج التكنولوجيا المتطورة في مجالات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع مع الأسلحة عالية الدقة.

  
توجس المنظرون العسكريون الروس من أن مثل هذه القدرات تمثل نذيرًا لما هو قادم، تقضي حجتهم بأن الولايات المتحدة ستكون قادرة، مع نضوج هذه القدرات، على تنفيذ هجمات دقيقة تشل الترسانة النووية الروسية وتفرغ أحشائها دون الحاجة لاستخدام القوة النووية من جانبها.

  
بعد هجوم كهذا، سيكون بإمكان روسيا بالطبع الانتقام باستخدام أية قوة نووية متبقية لديها. لكن حتى هذا الهجوم الكسيح سيقل تأثيره أكثر فأكثر بفضل الدفاعات الجوية والصاروخية الأمريكية، وقد يؤدي إلى إطلاق العنان لهجوم نووي أمريكي شامل يقضي على المجتمع الروسي.

    

 

للتغلب على نقطة الضعف المتصورة هذه، صممت روسيا أسلحة نووية منخفضة القوة التدميرية، واعتنقت عقيدة عسكرية تدعو لاستخدام مثل هذه الأسلحة إذا خافت موسكو تعرض ترسانتها النووية للخطر، أو إذا خسرت حربًا تقليدية.

  
وفي الصين أيضًا، يبدو أن نمطًا مشابهًا من التفكير قد استحوذ على قادتها وسياسييها الذين ألمحوا إلى السماح باستخدام نوع محدد من الأسلحة النووية، حتى في حرب تقليدية، مثل تلك التي تطلق نبضًا كهرومغناطيسيًا يوقف أي معدات إلكترونية قريبة عن العمل.

  

ونتيجة لذلك، تقلص الحد الفاصل بين الحرب النووية والتقليدية تدريجيًا وقارب الاختفاء، مما يلقي ظلالاً مقلقة على استراتيجية الردع، قد ترى بكين وموسكو الحرب التقليدية أقل خطرًا، بما أنه صار بإمكانهما استخدام أنواع محددة من الأسلحة النووية إذا ساءت الأمور.

  
من ناحية أخرى، ما زال عدد من القادة الأمريكيين يعتقدون أن الهدف الوحيد للاحتفاظ بالأسلحة النووية هو ردع الآخرين عن استخدامها، وهي رؤية تفصل تمامًا بين الحربين النووية والتقليدية. ونتيجة لذلك، قد يدخل القادة الأمريكيون حربًا تقليدية وفي أذهانهم أن فرص تحولها إلى حرب نووية ضئيلة للغاية. لكن القادة الروس والصينيين، إذا وجدوا أنفسهم في أتون مثل هذه الحرب، سيكونون أقل ترددًا، مما تظنّه الولايات المتحدة، في عبور الحد الفاصل بين الحربين التقليدية والنووية.

 

إن انتشار الأسلحة النووية والأسلحة الاستراتيجية الأخرى في دول قريبة من خصومها نسبيًا، يعني أن الوقت التحذيري قبل الهجوم اليوم أقصر للغاية من ذي قبل

رويترز
 

كما أن الأسلحة السيبرانية بقدرتها الهائلة وغير المجربة على تعطيل أنظمة الإنذار والقيادة، تعكر صفو استراتيجية الردع أكثر فأكثر. يعتقد البعض على سبيل المثال، أن الهجوم الجوي الإسرائيلي على مفاعل نووي سوري قيد الإنشاء عام 2007، رافقه هجوم سيبراني عطل قدرة أنظمة الدفاع الجوي السوري عن رصد الطائرات الإسرائيلية. فرغم أن الطائرات الإسرائيلية لم تكن طائرات مصممة على التخفي (أي من الرادارات)، ورغم أنها هاجمت هدفًا حيويًا، إلا أن الدفاعات الجوية السورية لم تطلق عليها النار. إذا اعتقدت الدول الأخرى أن بإمكانها تعطيل أنظمة الإنذار والقيادة المبكرة للخصوم، كما يبدو أن إسرائيل قد فعلت في سوريا، فإن المخاطر والتكلفة المتوقعة للبدء بالهجوم في وقت الأزمة، ستنخفض انخفاضًا حادًا.

  

تسهم المواقع الجغرافية للقوى النووية اليوم كذلك في تقويض استراتيجية الردع. إبان الحرب الباردة، كانت الأهداف السوفيتية والأمريكية الحيوية بعيدة عن بعضها بما يكفي لتمنح الخصمين وقتًا تحذيريا قبل الهجوم. يعني انتشار الأسلحة النووية والأسلحة الاستراتيجية الأخرى في دول قريبة من خصومها نسبيًا، أن الوقت التحذيري قبل الهجوم اليوم أقصر للغاية من ذي قبل.

 
يصح هذا الأمر تحديدًا، بالنسبة للدول النووية التي تراكم الصواريخ الباليستية السريعة والدقيقة والقادرة على ضرب القوة النووية لخصومها، وقد تجبر أوقات الطيران الأقصر كبار صناع السياسات على وضع قواتهم الاستراتيجية على أهبة الاستعداد دائمًا، وقد يلجؤون لتفويض سلطة إطلاقها للقادة الأقل رتبة.

 
نظريًا، قد تعزز هذه القرارات من استراتيجية الردع؛ لكنها تزيد مخاطر الاستخدام العرضي أو غير المصرح به للقوة الاستراتيجية، وبهذا فهي تقوض الردع. فالخصم الذي يواجه خطر احتمال اندلاع أزمة سريعة، قد يرى أنه من الأسلم له أن يبدأ هو بالهجوم.

 

يعتمد الجيش الأمريكي تحديدًا على الأقمار الصناعية الحكومية والتجارية لعملياته

رويترز
 

لا تنتهي مشكلات استراتيجية الردع عند هذا الحد؛ فظهور ساحات جديدة للحرب تقوض الأسس التي قامت عليها هذه الاستراتيجية، فقد بَنت القوى العظمى اليوم اقتصادها وقوتها العسكرية على شبكة واسعة وغير محمية من الأقمار الصناعية وخطوط الإمداد والاتصال تحت الماء. يعتمد الجيش الأمريكي تحديدًا على الأقمار الصناعية الحكومية والتجارية لعملياته. وحذت القوى العسكرية العظمى الأخرى حذو الولايات المتحدة، وأصبحت الاقتصادات الوطنية تعتمد على الأقمار الصناعية في تقديم طيف واسع من الخدمات. من ناحية أخرى، تحمل خطوط الأنابيب في قاع المحيط أكثر من ربع إمدادات العالم من النفط والغاز الطبيعي. كما تعتمد المؤسسات الاقتصادية والعسكرية على الإنترنت، وتمر كل تدفقات البيانات العابرة للمحيط تقريبًا عبر خطوط أسلاك تحت الماء.

 

للأسف، فإن كل هذه البنية التحتية سهلة التخريب، وردع أي عدوان عليها ليس أمرًا سهلًا. فكثيرًا ما يكون تعطيل قمر صناعي، أو إفساد شبكة حاسوب، أو قطع كابل بيانات تحت الماء، أسهل من صد هجوم؛ الأمر الذي يشجع على الاعتداء ويقوض استراتيجية ردع الحرمان. وفي مثل هذه الحالات يصبح ردع العقوبة بنفس القدر من الصعوبة كذلك، فتحديد المعتدي والانتقام منه بسرعة في هذه الساحات، أصعب بكثير من حالات الهجمات التقليدية على الأرض أو الجو أو البحر. ولأن العديد من الدول قادرة على العمل بكفاءة في هذه المجالات الحديثة نسبيًا، فإن تحديد المعتدي سيكون أعقد من ذي قبل.

 

اخسر شيئًا لتكسب شيئًا

بمعنى ما، وقع الردع فريسة لنجاحه. تمثل الحرب الاختبار الأوفى للأنظمة العسكرية وهياكل القوة والعقائد العسكرية التي تحكم توظيفها واستخدامها. يعني غياب الحرب بين القوى العظمى منذ عام1945م، أن التوازن الفعلي بين القدرات العسكرية التقليدية أو النووية أو السيبرانية غير مؤكد. وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة للتكنولوجيات الراسخة والمألوفة، فما بالك بالقدرات التكنولوجية الجديدة التي تدمج الذكاء الصناعي والمركبات البيولوجية الجديدة وأسلحة الليزر والسرعات المتجاوزة لسرعة الصوت والروبوتات.

 
ولأن قلة من هذه القدرات خضعت للاختبار في ساحة المعركة، فإن خصوم المستقبل ستحدوهم عقائد مختلفة تجاه فوائدها ومخاطرها، مما يزيد من احتمالية تقرير أحد الأطراف البدء بالعدوان. يصح هذا الأمر تحديدًا بالنسبة للقادة محبي المخاطرة، الذين يعتقدون أن حالات انعدام اليقين هذه تصب في صالحهم، مقوضين بذلك استراتيجية الردع من أكثر مواضعها هشاشة.

  

  

لكن التحديات التي تواجه استراتيجية الردع اليوم أعظم من ذلك، فقد أثارت مكتشفات حديثة حول طبيعة عملية اتخاذ القرار لدى الإنسان، شكوكًا حول المنطق الذي تقوم عليه فكرة الردع. يقوم المفهوم النظري الذي يؤسس لفكرة الردع، على افتراض أن الكائن البشري متى ما كان معرضًا للخطر أو مقدمًا على مخاطرة فإنه يتصرف بعقلانية، وفقًا لقاعدة حساب التكلفة والمنفعة، ويقدم على الفعل فقط إذا تجاوزت المكاسب المتوقعة التكلفة المتصورة.

 
لكن الأبحاث التي أجريت في مجال الاقتصاد السلوكي خلال الـ 40 عامًا الماضية، ألقت بظلال من الشك حول هذا الافتراض. لا يمكن أن نتوقع من البشر أن يسعوا دائمًا لتعظيم المنفعة المتصورة. وحتى لو فعلوا ذلك، فسيعجزون عن فهم الكيفية التي يحسب بها خصومهم التكلفة والمنافع والمخاطر من ناحيتهم. لم تتغير الطبيعة البشرية، لكن مع تغير فهمنا لها، صارت الاستراتيجيات الدفاعية المبنية على الردع؛ تنذر بسوء.

 

أول التحديات التي تواجهنا في هذا الصدد، هو فهمنا للكيفية التي يحدد بها القادة الخسائر. وفقًا لنظرية الاحتمال، سيقدم الناس على مخاطر لتجنب خسارة ما يملكونه بالفعل، تفوق مخاطرتهم لتحقيق مكسب مماثل. لذا على سبيل المثال، سيقبل صناع القرار بمخاطر للحفاظ على أرض يحوزونها، أكبر مما سيقدمون عليه من مخاطر للسيطرة على أرض أجنبية بنفس القيمة.

 
نظريًا، تبدو هذه الفكرة وكأنها تعزز من استراتيجية الردع، بما أنها تتوقع أن يفضل القادة بشكل عام الاحتفاظ بالأرض والموارد التي يمتلكونها أيًا كانت، بدلًا من محاولة السيطرة على ما يخص الآخرين. لكن الأمر لا ينتهي عند هذا الحد. ويرجع السبب في ذلك إلى الكيفية التي يحدد بها صناع القرار ما يسمى بنقطتهم المرجعية، والتي تحدد إذا كانوا يعتبرون موقفهم الحالي مكسبًا أو خسارة. قد يتوقع المرء أن الناس دائمًا ما يؤسسون نقطتهم المرجعية على الوضع القائم، أي وضع الأمور وقت اتخاذ القرار. فبعد سلسلة من المكاسب على سبيل المثال، يعدّل الأشخاص عادة نقطتهم المرجعية لتكون الوضع القائم الجديد، فإن أعقب ذلك أي تراجع يعدونه خسارة بدلًا من فقدان مكسب، لذا يجب أن نتوقع منهم أن يكونوا مستعدين لتحمل المخاطر للحفاظ على مكاسبهم الأخيرة، والتي يعدونها الآن في عداد الخسائر المحتملة.

 

 

إلا أن هذه المعادلة لا تسير في الاتجاهين؛ فبعد أن يعاني الأفراد من الخسارة، لا يميلون عادة لتعديل نقطتهم المرجعية لتصبح الوضع القائم الجديد الأسوأ، بل يتشبثون بالوضع القديم. لذا يرون في محاولتهم استعادة ما أخذ منهم محاولة لتجنب الخسائر، وليس تحقيق مكاسب جديدة. ونتيجة لذلك، كثيرًا ما يكونون أكثر استعدادًا لتحمل مخاطر أكبر، والقبول بخسارة كبيرة لتحقيق هذا الهدف. خذ على سبيل المثال الحالة التاريخية التي فرضت فيها الولايات المتحدة حظرًا اقتصاديًا على اليابان في صيف عام 1941، وقرار اليابان مهاجمة بيرل هاربور بعدها بشهور قليلة. حاول القادة الأمريكيون، عبر هذا الحظر، معاقبة اليابان على سلسلة من الغزوات التي شنتها في شرق آسيا، والتي اعتبرها الولايات المتحدة بمثابة خسائر بالنسبة لها، مقارنة بالوضع السابق.

 
لكن القادة اليابانيين من ناحيتهم عدلوا نقطتهم المرجعية لتشمل آخر المكاسب التي حصلوا عليها، ورأوا في الحظر الأمريكي محاولة لسلب اليابانيين ما قد أصبح حقهم المشروع. بعبارة أخرى، كان الطرفان يتصرفان وفقًا لنموذج الخسارة، ولذا كان الاثنان أكثر استعدادًا للمخاطرة بشن الحرب. لفهم الكيفية التي قد تتحقق بها هذه المعادلة اليوم، انظر إلى بحر الصين الجنوبي، حيث تحتل بكين مناطق متنازع عليها، وتعزز مواقعها هناك بهدف خلق حقائق جديدة على الأرض. لكن الولايات المتحدة وحلفائها يصرون على اعتبار أفعال الصين غير مشروعة، ويجعلون من الموقف الأصلي نقطتهم المرجعية. إذا احتدم النزاع، فستعمل الصين وخصومها جميعًا من موقف الخسارة؛ لذا فإن ردع أي من الطرفين عن تصعيد الموقف قد يكون صعبًا.

 

عقول لاعقلانية

كذلك يعتمد منطق الردع بشدة، على مَن هم في مواقع السلطة. تشير الأبحاث في مجال علوم الإدراك، إلى أن القادة السياسيين متفائلون على غير عادة البشر، وواثقون في قدرتهم على السيطرة على الأحداث؛ وهي ذات الخصال التي مكنتهم من الجلوس على عروشهم. ومن أجل هذا التفاؤل الذي يعتريهم، فهم أميل للمزيد من المخاطرة في مواجهة الفشل بدلًا من تقليل خسائرهم. ولا داعي لذكر أن أيٍ من هذه الخصال قد تقوض استراتيجية الردع. حين يفترض المرء أن حالة عدم اليقين هذه ستنقشع لصالحه، تتضخم حساباته للمكاسب المتوقعة، بينما تتقلص خسائره المتصورة، ويبدو له طريق الخطر أكثر جاذبية.

  

 

يظهر هذا الجنوح نحو التفاؤل أكثر جلاءً حين يكون القائد المعنى ديكتاتورًا شخصانيًا. ولكي يصل مثل هؤلاء لقمة هرم السلطة في بيئة سياسية شديدة العدوانية، لابد وأن يكونوا ممن يقدمون على المخاطرة، ويظنون أن بإمكانهم قهر الظروف التي لا تصب لصالحهم. وما إن يصلوا إلى السلطة، حتى يحيطوا أنفسهم بالمتملقين الذين يشبعون غرورهم، ويلمعون صوراً تظهرهم مخططين محنكين. قد يفسر هذا التفاؤل الزائد عن الحد قرار هتلر بإعادة تسليح منطقة الراين وغزو النمسا وتشيكوسلوفاكيا، في الوقت الذي كانت فيه ألمانيا أضعف من فرنسا وروسيا والمملكة المتحدة. وقد يفسر أيضًا محاولة جوزيف ستالين قطع الطريق على الولايات المتحدة للوصول إلى غرب برلين، رغم أن الخراب عم بلده في الوقت الذي كانت تحتكر فيه الولايات المتحدة حيازة الأسلحة النووية. وأثبتت رغبة صدام في مواجهة الولايات المتحدة، ليس مرة واحدة بل مرتين، نزوعه نحو المقامرة عالية المخاطر، وكذلك أيضاً، قرار ماو تسي تونغ توريط الصين في الحرب الكورية بعد عام واحد من وصوله إلى السلطة. 

 

حقًا إن النظرية القائلة بأن البشر جميعًا يتشاركون نفس الآلية الإدراكية ونفس النهج العقلاني ليست إلا كذلك: أي نظرية لا حقيقة؛ إذ توصلت البحوث في العلوم الإدراكية إلى أن البيئة الثقافية للمرء لها تأثير كبير على عملياته الإدراكية، من بينها الكيفية التي يفهم بها الناس الإنصاف أو التكلفة والمنفعة والمخاطر.

 

تبرز التجارب الاقتصادية هذه الفروق الإدراكية عمليًا. في التجربة التي تسمى اللعبة النهائية على سبيل المثال، يُمنح اللاعب (أ) قدرًا من المال، لنقل 100 دولار، ويطلب منه أن يقدم أي قدر يريده من هذا المبلغ، إلى اللاعب (ب). فإذا قبل منه (ب) كان بها، وإن لم يقبل غادر اللاعبان بخفي حنين. اتفق الأفراد الأمريكيون على شيء قريب من اقتسام المال مناصفة. حين كانوا في دور اللاعب (ب) كانوا أكثر ميلًا لرفض العروض التي تقل كثيرًا عن نصف المال، رغم أن قبولهم بأي شيء فوق الصفر أنفع لهم. في المقابل، في بعض المجتمعات الأقل تطورًا مثل مجتمعات وسط آسيا وأميركا اللاتينية، كان اللاعبون الذين أدوا الدور (أ) أقل كرمًا، ومع ذلك نادرًا ما رفض نظراؤهم في الدور (ب) حتى أقل قدر من المال. وفي بعض الاختبارات التي أجريت في مجتمعات في وسط آسيا وشرق أفريقيا وغينيا الجديدة، رفض بعض من كانوا في الجهة المستقبلة المال حتى لو عرض عليهم أكثر من نصف المبلغ.

 

بعبارة أخرى، ليس البشر آلات تسعى لتعظيم المنفعة وتحقيق المكاسب المادية بطريقة عقلانية ويتوقعون من الآخرين فعل ذلك. هم مستعدون لرفض ما يتصورونه ظلمًا أو قدحًا في شرفهم الشخصي، حتى لو عنى ذلك تحملهم تكلفة شخصية كبيرة. لهذا يرفض القادة أحيانًا اتفاقات تحقق مكسبًا للجميع، لصالح نتائج غير عقلانية توقع الخسائر بالطرفين.

  

 

آثار هذا الأمر على استراتيجية الردع واضحة جلية. وأزمة الصواريخ الكوبية عام 1962 هي خير مثال على ذلك. الدافع الذي حرك الزعيم السوفيتي نيكيتا خروشوف جزئيًا، كان إحساسه بأن توازن نشر الصواريخ بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي لم يكن عادلًا. فقد وضعت الولايات المتحدة صواريخَ تحمل رؤوسًا نووية على الجناح الجنوبي للاتحاد السوفيتي في تركيا، لذا توقع خورشوف أن يتقبل الأميركيون وجود الصواريخ السوفيتية في كوبا. حين طالب كينيدي خورشوف بإزالة الصواريخ من كوبا، وجد كلا الزعيمان نفسيهما يلعبان نسخة عالية المخاطر من اللعبة النهائية، عرض كينيدي ضمانة بأن لا تقدم الولايات المتحدة على غزو كوبا مقابل سحب الاتحاد السوفيتي للصواريخ، وهو عرض كان ليخدم الطرفين، لولا أنه لم يمثل سوى تعويض متواضع للسوفييت. لو رفض خوروشوف هذا العرض، لكانت النتيجة التي تمثل خسارة للطرفين، وهي الحرب، أمرًا أكيدًا.

 

كان أمام خروشوف خيار سهل، فبالنظر إلى التفوق النووي الهائل للولايات المتحدة على الاتحاد السوفيتي، لم تكن الصواريخ الأميركية في تركيا تمثل مشكلة. لكن لأن خروشوف شعر بأن عليه أن يظهر لزملائه في اللجنة التنفيذية السوفيتية الدائمة (وربما لنفسه أيضًا) أنه توصل لحل عادل، أصبحت الصواريخ في تركيا حجر عثرة في طريق حل الأزمة. في النهاية قبل كينيدي بالسحب التدريجي للصواريخ من تركيا، وسحب السوفييت صواريخهم من كوبا، وتجنب الجميع الحرب. الدروس المستفادة من تلك الحادثة واضحة، فحتى لو كان الأمر مسألة حياة أو موت، فإن تصور العدالة مهم، والفشل في إدخاله في المعادلة قد يدفع الدول إلى حافة حرب نووية، تجرف معها أسس الحسابات العقلانية التي تقوم عليها إستراتيجية الردع.

 

تفكر في الهوة الفاصلة

  

بالنظر إلى كل هذه القيود النظرية والعملية، ربما تبدو نظرية الردع جديرة بالتخلص منها كليًا، على الأقل من منظور السياسة والإستراتيجية الدفاعية. إلا أنّنا نعيد صياغة مقولة تشرشل فنقول بأن الردع هو أسوأ أساليب الدفاع باستثناء جميع الأساليب الأخرى. ومع ذلك، يجب على صناع السياسات إعادة التفكير في استراتيجيات الردع لدولهم لأخذ العوامل المتغيرة في الاعتبار، مثل تحدي تعدد الأقطاب وظهور الأسلحة المتطورة، والمعرفة الجديدة حول سيكولوجية اتخاذ القرار. على أي محاولة لإطالة أمد إستراتيجية الردع، أن تتعامل مع هذه العوامل، بدلًا من تجاهلها أملاً في أن تحل من تلقاء نفسها.

 

من منظور الولايات المتحدة، يعني هذا أن تشرع في عملية تقييم شاملة لميزان القوى العسكرية. يتطلب هذا الأمر فهمًا أفضل للكيفية التي يحسب بها خصوم الولايات المتحدة الأبرز، الصين وروسيا، توازن القوى من ناحيتهم، وبالتبعية حسابات التكلفة والمخاطرة المرتبطة ببدء عمل عدائي. يميل المحللون الأمريكيون على سبيل المثال، إلى تقييم ميزان القوى الاستراتيجية عبر التركيز بالأساس على القوة النووية. يدخل نظراؤهم الروس من ناحية أخرى، أنظمة الدفاع ضد الصواريخ الباليستية وأنظمة الإنذار المبكر والأسلحة السيبرانية والأسلحة التقليدية الموجهة بدقة المحمولة على أنظمة إطلاق إستراتيجية، في حساباتهم وتقييمهم لميزان القوى. وعادة ما يقارب الإستراتيجيون الصينيون ميزان القوى الاستراتيجية بمقاربة شاملة مماثلة.

   

وعلى المستوى النظري، على صناع السياسات أن يغيروا طريقة تفكيرهم في التصعيد. فما زال إستراتيجيو اليوم يستخدمون الصورة المجازية التي استخدمت إبان الحرب الباردة، والتي تصور التصعيد على شكل سلم تمثل درجاته تصعيدًا تدريجيًا وخطيًا، ابتداءً من المستوى الأدنى الذي تمثله الحرب التقليدية وصولًا إلى الحرب النووية. في عصر الذخيرة شديدة الدقة والهجمات السيبرانية، يجب عليهم إعادة التفكير في هذه الصورة المجازية. الصورة الجديدة الناتجة ستكون أشبه بشبكة من الخطوط المتقاطعة، منها بالسلم. في كل نقطة تقاطع، قد يطلق التصعيد في إحدى ساحات الحرب، مثل الفضاء الإلكتروني أو قاع البحر أو الفضاء، العنان لتصعيد في ساحة أخرى. سيسمح هذا النموذج الشبكي للولايات المتحدة بتحديد الساحات التي تتمتع فيها بالتفوق على خصومها، والساحات التي تحتاج لتعزيز قوة ردعها فيها. 

   

منذ الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، ركزت قوات الولايات المتحدة المسلحة جل اهتمامها على تدريبات مكافحة الإرهاب ومكافحة التمرد

رويترز
 

سيكون لزامًا على الولايات المتحدة كذلك أن تجد طريقة لاكتساب وقت تحذيري للهجمات القادمة، وتطور قدرتها على تحديد مصدرها. في النهاية، قد تكون التطورات في مجالي الذكاء الصناعي والبيانات الكبيرة مفيدة في تتبع بصمات المهاجمين. تساعد هذه الأدوات في تعزيز التهديد بالعقوبة وتدعيم استراتيجية الردع، وذلك بنزع ثقة المهاجمين المحتملين في قدرتهم على التصرف في الخفاء.

  

ولقَشع ضباب الشك الذي يحيط بالقدرات الجديدة غير المجربة، يجب على جيش الولايات المتحدة تدريب قواته في طيف أوسع من سيناريوهات الصراع. منذ الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، ركزت قوات الولايات المتحدة المسلحة جل اهتمامها على تدريبات مكافحة الإرهاب ومكافحة التمرد، بدلًا من التحديات التي تفرضها القوى العظمى المنافسة. إجراء تدريبات واقعية على المستوى العملياتي للحرب، وهو المستوى الذي تشن فيه حملات عسكرية ضد قوات عسكرية متقدمة، بإمكانه أن يكشف فاعلية العقائد وهياكل القوى والقدرات العسكرية المتنوعة للجيش.

   

ما زال بإمكان حرب بين القوى العظمى أن تخلف خسائر مادية وبشرية هائلة ومروعة، والولايات المتحدة محقة في سعيها لوضع استراتيجيات تردع نشوب مثل هذه الحرب

الجزيرة
  

أما بالنسبة للطبيعة البشرية فلا يمكن فعل الكثير لتغييرها، لكن يجب على صناع السياسات على الأقل أن يكونوا مطلعين على الكيفية التي يتخذ بها البشر القرارات في ظروف الخطر. لا يعني هذا أن يغمروا أنفسهم في دراسة العلوم السلوكية والإدراكية أكثر مما فعل أسلافهم في مهد العصر النووي في دراستهم لفيزياء الكم. لكن عليهم أن يكونوا على دراية تامة بما قد تقدمه نتائج هذه المجالات لآفاق النجاح المستقبلية لإستراتيجية الردع. وتحديدًا، يجدر بهم معرفة أكثر ما يقدره خصومهم الفرديون، وخصوصًا الطغاة منهم، ويخشون فقدانه. مثل هذه المعرفة ستسمح للقادة بضبط إستراتيجيات ردع العقوبة الخاصة بهم.

  

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، اعتمدت الاستراتيجية الدفاعية للولايات المتحدة على إعلام الخصوم بأن أي عمل عدائي إما سيفشل وإما سيشعل هجومًا مضادًا مدمرًا، أي أنها اعتمدت على الردع. نجاح هذه الاستراتيجية حتى الآن، أقنع العديد من القادة في واشنطن بأن نشوب حرب كبرى أمر غير وارد. من منظورهم، الردع مضمون وليس بحاجة سوى لقليل من التدعيم. لكن في العصر الذي بدأت فيه قوى تعديلية عظمى بالعودة إلى الساحة وتوسعت المنافسة العسكرية لتشمل أنواع جديدة من الأسلحة وساحات الحرب، تزداد صعوبة الردع الفعال أكثر فأكثر. ما زالت المخاوف التي دفعت المخططين الاستراتيجيين والسياسيين يومًا لاعتناق استراتيجية الردع، قائمة وموجودة. وما زال بإمكان حرب بين القوى العظمى أن تخلف خسائر مادية وبشرية هائلة ومروعة، والولايات المتحدة محقة في سعيها لوضع استراتيجيات تردع نشوب مثل هذه الحرب. لكن فعل ذلك سيتطلب أولًا، الإقرار بوجود خطر حقيقي يهدد فعالية استراتيجيات الردع الحالية.

------------------------------------------------------------------------

ترجمة: فريق الترجمة

هذا المقال مترجم عن Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار