انضم إلينا
اغلاق
على خطى حزب الله.. هل تتحول تنظيمات القاعدة إلى مليشيات قومية؟

على خطى حزب الله.. هل تتحول تنظيمات القاعدة إلى مليشيات قومية؟

The Atlantic

مجلة أميركية
  • ض
  • ض

لعقود من الزمن، اقترن الجهاد السني بالعمليات العالمية، والتفجيرات الانتحارية، وتكفير كل من لا ينضوي تحت راية حركاته. هذه الدعامات الثلاث التي قام عليها الجهاد السني، أثارت سخط الحكومات الأمريكية والأوروبية، لكنها أثارت أيضا سخط العديد من السنّة الذين يعيشون في العالم الإسلامي. غير أن ثمة إشارات على أن هذه الجماعات الراديكالية، تغير أساليبها، بالابتعاد عن الأجندة العالمية التي وصلت ذروتها بهجوم القاعدة على مركز التجارة العالمية، والاتجاه إلى أخرى محلية الطابع. يطرأ  هذا التحول في العديد من البلدان، بما فيها أفغانستان واليمن ومالي. وتعتبر جبهة النصرة، فرع القاعدة في سوريا، مثالا توضيحيا لكيفية تغيُّر التهديد الجهادي على امتداد المنطقة.

 

في عام 2016، قامت جبهة النصرة بإعداد دليل تدريبي مطوّل لمجندّيها الجدد. في الكتاب الذي يتألف من 200 صفحة تقريبا، وكنت قد حصلت على نسخة منه، تجادل الجماعة في فضل الجهاد المحلي على الجهاد العالمي. وتقول لأتباعها أن استراتيجية القاعدة المعلنة بالذهاب خلف "العدو البعيد" ليست مُنزلا من السماء، وأن التركيز على أي شيء آخر عدا القتال المحلي، في الوقت الراهن، سيكون "تشتيتا غير مقبول".

 

على مدار الحرب السورية، شاهدنا الجماعة وهي تقوم بتطبيق هذا القرار. حتى إن زعيمها، أبو محمد الجولاني، كان قد تعهد في لقاء مع قناة الجزيرة في أيار/ مايو 2015 بأن سوريا لن تكون منصة إطلاق للجهاديين نحو الدول الغربية، وكان هذا بناء على أوامر من القيادة المركزية للقاعدة. جاء هذا بالتزامن مع ابتعاد الجماعة عن دعّامتين أخريين، هما التفجيرات الانتحارية والتكفير، كجزء من جهود أوسع لاستيعاب سكان المناطق المحلية.

 

    

وفقا لمصدر داخلي، لم يرغب بالكشف عن اسمه، فإن جبهة النصرة قد أصدرت تعليمات داخلية تحث فيها القيادات على الابتعاد عن استخدام التفجيرات الانتحارية قدر الإمكان وعدم  اللجوء إليها في الأماكن الآهلة بالسكان المدنيين. وعلى نحو مماثل، قامت جماعة سلفية جهادية أخرى مقربة من جبهة النصرة، هي تحرير الشام، بحظر التفجيرات الانتحارية منذ الأيام الأولى للصراع. لكن الاستخدام الحذر للتفجيرات الانتحارية شائع أيضا في بلدان أخرى غير سوريا، بما فيها اليمن وليبيا. ويبدو أن الهجمات الانتحارية التي وصلت ذروتها بعد الغزو الأميركي للعراق، بدأت الآن تسجل تراجعا دراماتيكيا، وإن كان الاستثناء الوحيد هو تنظيم الدولة. 

 

التكفير يتراجع أيضا، مع اتفاق هذه الجماعات على جزئية  التحالف مع المعتدلين نسبيا عوض زيادة المسافة بينهما كلما طرأ خلاف أو رأي ديني. في اليمن أيضا، بدا أن فرع القاعدة يبدو أقرب للسكان المحليين في أعقاب نتائج انتفاضة 2011 والحرب التي شنتها السعودية ضد الحوثيين في 2015. لقد تمكنت القاعدة في شبه الجزيرة العربية، والتي كانت فيما مضى من أعتى فروع القاعدة، من السيطرة على حضرموت لعام كامل، ويبدو أن هذه التجربة قد غرستها أكثر  في تربة الديناميكيات المحلية.

 

في عام 2017، أعلنت الجماعة لصحيفة نرويجية بأنها تخلت عن العمليات الدولية وأوقفت تجنيد المقاتلين الأجانب كجزء من اتفاق عقدته مع زعماء قبائليين وقادة دينيين. من الممكن التقليل من شأن هذه التغييرات بوصفها محدودة أو مؤقتة، لكن هنالك سببين للاعتقاد بأنها تمثل اتجاهًا جذريا.

  

الميليشيات الشيعية المناصرة لإيران قد تطورت بمثل هذه الطريقة قبل عدة عقود، من جهادٍ عالمي إلى آخر محلي

رويترز
  

أولا، أن النهج المحلي للجهاد السني قد انبثق عضويا عن الثورات الجيوبوليتيكية لعام 2011. هذه الانتفاضات الشعبية التي انتشرت في أرجاء المنطقة نفثت العمق الجهادي في النضالات المحلية. وكان على الجماعات المتطرفة الاستجابة بسرعة للأحداث بتغييرها المتسارع، وهو ما عنى بأنَّها لن تتمكن دائمًا من الامتثال للأيديولوجية الجهادية أو قادتها الذين يعيشون بعيدًا. وكان هذا تغييرا جذريا عن الطريقة التي اعتاد الجهاديون العمل وفقًا لها، أي كحركة يقودها راديكاليّون دوغمائيون يريدون النيل من "رأس الأفعى"، كما أطلق أسامة بن لادن على الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين.

 

وقد بدا ظهور الدولة الإسلامية في 2013 و2014 وأنه مثال مضاد، فقد مثلت تطلعات الجماعة العالمية وراديكاليتها صدامًا مع الجهاديين السنة الآخرين، الذين سعوا لتمييز أنفسهم عن المتشددين بشيء من الاعتدال النسبي والانتماء للسكان المحليين. ومع صعود تنظيم الدولة إلى السلطة، وانهياره في وقت لاحق، واصلت الجماعات السنية استراتيجيتها المحلية، زاعمةً بأنها تقوم على قناعاتٍ عميقة، وأنها لم تكن سطحية أو تكتيكية فحسب. في السنوات العديدة الفائتة، بدأ الجهاديون في الحديث عن تحالفات عابرة للأيديولوجيات في بلدان مثل سوريا وليبيا، ووصفوا هذا النموذج بأنه "تصحيحي" أو "إصلاحي"، بأنهم يبتعدون عن "جهاد النخبة" الذي يستخف بالناس، ويقتربون أكثر من "جهاد الشعب" الذي يحترم السكان المحليين ويعكس أولوياتهم.

 

ثانيا، أن الميليشيات الشيعية المناصرة لإيران قد تطورت بمثل هذه الطريقة قبل عدة عقود، من جهادٍ عالمي إلى آخر محلي. لقد كانت الجماعات الشيعية رائدة في الإرهاب العابر للحدود والعمليات الانتحارية. في أكتوبر/ تشرين الأول 1983، تسببت عملية انتحارية مزدوجة قام بها ما أصبح لاحقا، يعرف بحزب الله، بمقتل 241 شخصا أمريكيا ومقتل 58 جندي فرنسي. بعد ذلك بشهرين،  نفذ حزب الدعوة العراقي وحزب الله اللبناني بعملية انتحارية مشتركة في الكويت، مستهدفًا ستة منشآت أجنبية ومحلية، بالإضافة إلى تورطهما في هجمات ضد دبلوماسيين ومبعوثين ثقافيين في العديد من البلدان.

 

    

استخدام إيران لكتائب تفجيرية من الأطفال في حقول الألغام العراقية خلال الحرب الإيرانية العراقية، من 1980 حتى 1988، كان أشنع الأمثلة وأكبرها على هذه التكتيكات خلال الثمانينات. لكن على النقيض، لم يحدث أن قام متطرف سني واحد بتفجير نفسه، ولا حتى في ذروة الجهاد الأفغاني. وقد تطلب الأمر من المقاتلين السنة عقدًا إضافيا قبل اعتناق التفجيرات الانتحارية، وهو ما فعلوه على وجه التحديد لإيمانهم بنجاح القوات الشيعية في إخراج القوات الأجنبية من لبنان وفي الحرب الإيرانية العراقية (وهو ما أقرّ به رمضان شلح، قائد حركة الجهاد الإسلامي، في مقابلة مع صحيفة الحياة في 2003 عندما قال بأنه "استعار" هذا التكتيك من الشيعة).

 

لكن مع مرور الوقت، تخلت المليشيات الشيعية عن التفجيرات الانتحارية، لاعتقادها بأنها أتت بنتائج عكسية. (وفي حالة الصراع مع إسرائيل أضرت مثل هذه التفجيرات بسمعة القضية الفلسطينية). لقد استبدلت جماعاتٌ مثل حزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، ومعظم المقاتلين الشيعة في العراق الإرهاب العالمي بنهج أكثر قومية، يتسلل ومن ثم يهيمن على السياسات المحلية. هذه الاستراتيجية مكنت الجهادية الشيعية من النمو والهيمنة في العديد من البلدان، حتى في تلك التي يشكل فيها الشيعة أقلية سكانية.

 

وبالطبع فهو انتقال غير ناجز، إذ تقوم إيران باستخدام الجماعات الجهادية بالوكالة في بلدان أخرى. لكن الميليشيات الشيعية المدعومة من الدولة مختلفة إلى حد كبير عن حملات الإرهاب العالمي التي تنظمها قيادات راديكالية تكفر بالدولة. إذًا يبدو أن لدينا نمطا معينا: تتبنى الجهادية الشيعية التفجيرات الانتحارية، فتتبعها التنظيمات السنية، وما إن تلبث أن تتخلى عنها، حتى تفعل الجماعات السنية الأمر ذاته. لقد تشبث الشيعة بأجندتهم المحلية، ولدينا كل الحق في الاعتقاد بأن التنظيمات السنية ستحذو حذوها.

 

    

سيكون على الولايات المتحدة التكيف مع تغير طبيعة التهديد الجهادي. لن يركز الجهاديون الجدد على تصدير العنف إلى الغرب، لكنه عوض ذلك، سينتشر في المجتمعات المحلية ويبني تأثيره هناك. يبدو أن المشهد المستقبلي من التطرف تهيمن عليه جماعات سنية تنتهج نهج حزب الله، حيث هناك نية لحرب طويلة الأمد، إلا أنّها تنطلق من نضالات السكان المحليين.

 

إن الطريقة الوحيدة لمواجهة هذه الحركات الصاعدة ستكون عبر انخراط أعمق لإبطال تأثيرها على المستوى المحلي. وإن تحدثنا بشكل عملي، فينبغي على الاستراتيجية أن تتضمن دعمًا ثابتا طويل الأمد من الولايات المتحدة للإشراف على الحكومات ودفعها لملء الفراغ في المناطق المضطربة. لكن بعد 18 عامًا من بدء الحرب على الإرهاب، لا يبدو أن واشنطن لديها الشهية لكي تتورط بهذا النوع من التعقيدات. ومن المرجح أن يواصل الجهاديون السنة تعديل تكتيكاتهم لتعميق حضورهم في المنطقة، كما فعل نظراؤهم الشيعة من قبل.

------------------------------------------------------------------

ترجمة (فرح عصام)

هذا الموضوع مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار