انضم إلينا
اغلاق
السبب ليس إيران.. ماذا وراء الاعتراف الأميركي بسيادة إسرائيل على الجولان؟

السبب ليس إيران.. ماذا وراء الاعتراف الأميركي بسيادة إسرائيل على الجولان؟

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

لا شك أن الثورة المستمرة لمواقع التواصل الاجتماعي قد أغرت العديد من السياسيين حول العالم لاستخدام هذه المنافذ كشكل من أشكال التواصل العصري مع جماهيرهم وناخبيهم، إلا أن وظيفة هذه المواقع -خاصة تويتر- بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترامب تتجاوز مجرد التواصل نحو استخدامها كمنصات غير مكلفة لتصدير القرارات السياسية المثيرة للجدل، فبالنسبة إلى ترامب، فإن تغريدة مكونة من عدد محدود من الكلمات يمكن أن يبثها من على فراشه تبقى بديلا جذابا يغنيه عن مواجهة وسائل الإعلام التي يكرهها وتجنب أسئلة الصحفيين المحرجة في المؤتمرات الصحفية، ومن المؤكد أن تغريدة ترامب في الحادي والعشرين من مارس/آذار الحالي لم تكن استثناء من تلك القاعدة بحال.

  

في ذلك اليوم، اختار ترامب منح إسرائيل هدية سخية ومفاجئة حين غرد قائلا إنه "بعد 52 عاما، فإن الوقت قد حان كي تعترف الولايات المتحدة بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان"، وبقدر ما بدت تغريدة "ترامب" مفاجئة وصادمة، فإنها جاءت على ما يبدو استكمالا لسلسلة من السياسات الأميركية المؤيدة بشكل صارخ لإسرائيل، ولرئيس الوزراء نتنياهو على وجه الخصوص، بداية مع اعتراف الولايات المتحدة الرسمي بالقدس عاصمة لإسرائيل نهاية عام 2017، ودمج الشؤون الفلسطينية التي كانت تُدار تاريخيا من القنصلية الأميركية في القدس مع السفارة الإسرائيلية الجديدة في قطع صريح للصلات الدبلوماسية المباشرة مع الفلسطينيين، مرورا بتضييق الخناق على المنظمات الإغاثية العاملة في الأراضي الفلسطينية، ثم انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي مع إيران بتنسيق كامل مع نتنياهو في مايو/أيار 2018، وليس انتهاء بتلك الجهود الأميركية لتمرير صيغة حل نهائي للقضية الفلسطينية مبنية بالكامل على المقترحات والتطلعات الإسرائيلية، وتتجاهل بشكل كلي جميع القضايا الجوهرية والمصيرية بالنسبة للفلسطينيين.

     

   

في واقع الأمر، لم يكن "إعلان الجولان" في حد ذاته مفاجئا بحال -رغم أنه يتصادم بوضوح مع الإجماع الدولي الذي يعتبر الجولان أرضا محتلة من قِبل إسرائيل-، فقبل أيام قليلة من تغريدة ترامب، كانت الإدارة قد أصدرت (1) أول تلميحاتها غير المباشرة بأنها لم تعد تعتبر الجولان أرضا محتلة، وجاء هذا التلميح في التقرير السنوي لحقوق الإنسان الصادر عن وزارة الخارجية الأميركية الذي وصف الجولان أنها منطقة "خاضعة لسيطرة إسرائيل" وليست "محتلة من قِبل إسرائيل" في نعت جغرافي مجرد من المضمون السياسي، وقبل ذلك بأشهر -تحديدا في نوفمبر/تشرين الثاني 2018- كانت واشنطن قد بعثت رسالة مبكرة مماثلة حول القضية حين صوّتت سفيرتها في الأمم المتحدة آنذاك، نيكي هيلي، ضد قرار الجمعية العامة الذي دعا إسرائيل لإلغاء احتلالها للجولان، واصفة التصويت الأممي بأنه "إجراء سنوي عديم الفائدة" لتصبح الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي صوّتت ضد القرار خلاف إسرائيل، في تحدٍّ واضح لإجماع 151 دولة صوّتت لصالح القرار في الجمعية العامة.

    

  

على الجانب الآخر من العالم في إسرائيل، كانت تغريدة ترامب أشبه ما يكون بسيمفونية كلاسيكية أطربت أذن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الذي لم ينتظر أكثر من 16 دقيقة (2) قبل أن يرسل شكره إلى الرئيس الأميركي في مؤتمر صحفي جمعه مع وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في القدس، واصفا إعلان "ترامب" بأنه "معجزة بوريم"، نسبة إلى العطلة اليهودية التي احتفت بها إسرائيل في اليوم نفسه والتي توافق ذكرى انتصار اليهود على الفرس قبل 2500 عام، معجزة جاءت على يد أكبر صديق لإسرائيل في تاريخ الولايات المتحدة على حد وصفه، لينتقل الحديث بعدها إلى بومبيو الذي حرص على تأكيد أن إعلان رئيسه يعد تغييرا في السياسة الأميركية تجاه الجولان، واعترافا بأن الأوان قد آن "لتصبح الأرض التي انتزعتها إسرائيل بشق الأنفس جزءا من السيادة الإسرائيلية".

  

في الحقيقة، لم يكن إعلان ترامب ليأتي في وقت أفضل (3) من ذلك بالنسبة إلى نتنياهو الذي كان يعيش في خضم كارثة سياسية كبرى قبل ثلاثة أسابيع فقط من انتخابات عامة مصيرية في أبريل/نيسان على خلفية تطورات "قضية الغواصات" التي يعتبرها الكثيرون إحدى أخطر قضايا الفساد في تاريخ البلاد الأمني، والمتعلقة بشراء حكومة نتنياهو لغواصات وسفن ألمانية لصالح الجيش الإسرائيلي، والتي حاول نتنياهو جاهدا إبعادها عن النقاش العام خلال ولايته الأخيرة، لكنها عادت وفرضت نفسها بقوة قبيل الانتخابات، وكان التطور الأبرز (4) في القضية هي الشبهات التي صارت تحوم حول تورط نتنياهو شخصيا في التكسب من الصفقة عبر رفع قيمة أسهمه في شركة الصلب "سي دريفت" المملوكة لابن عمه، ناثان ميليكوفسكي، والتي يعتقد أنها قامت بتوريد الصلب لشركة تسينكورب الألمانية الموردة للغواصات، فضلا عن الاتهامات التي تلاحق نتنياهو بإعطاء الضوء الأخضر لألمانيا لتوريد الغواصات نفسها إلى القاهرة دون استشارة الجيش ما يراه الكثيرون في إسرائيل إخلالا بالالتزام بالتفوق النوعي للدولة العبرية مقابل تحقيق مكاسب شخصية.

    

   

كان وقع تطورات الفضيحة في إسرائيل مدويا على ما يبدو -رغم أنها ليست سوى واحدة من أربع قضايا فساد كبرى تهدد المستقبل السياسي لنتنياهو- وتسببت في انخفاض نادر وخطير (5) لنسب تأييد نتنياهو وحزبه الليكود في انتخابات مصيرية يواجه فيها 3 جنرالات سابقين واسعي الشعبية وعلى دراية جيدة بالشؤون العسكرية، في مقدمتهم بيني غانتس زعيم تحالف الأزرق والأبيض الذي يضم أيضا حزب "هناك مستقبل" بقيادة وزير المالية السابق يائير لبيد، وهو ما ظهر في استطلاعات الرأي التي منحت تحالف غانتس الأفضلية على الليكود بفارق خمسة مقاعد كاملة للمرة الأولى الأسبوع الماضي.

  

في ضوء ذلك، كان إعلان الجولان بالنسبة إلى نتنياهو بمنزلة قُبلة الحياة، وأفضل هدية حصل عليها نتنياهو من أي رئيس أميركي على الإطلاق، حيث سيُمكّن نتنياهو من وضع جوهرة ثالثة في تاجه الانتخابي لتنضم إلى إنجازيه الأكبر من وجهة نظر ناخبيه وهما: نقل السفارة الأميركية إلى القدس، والانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، ما سيسمح لرئيس الوزراء باستقطاب المزيد من أصوات (6) القوميين الإسرائيليين في الوقت الذي يتأهب فيه لزيارة واشنطن في 25 مارس/آذار الحالي للتحدث في مؤتمر آيباك السنوي، ونيل استقبال حافل جديد في البيت الأبيض يأمل نتنياهو أن يكون ورقته الرابحة للفوز بولاية خامسة في انتخابات أبريل/نيسان، انتخابات يبدو أن الهضبة التي احتلتها إسرائيل قبل أكثر من نصف قرن سوف تسهم في تشكيل نتائجها بشكل لم يكن يتوقعه حتى أفضل المتنبئين قبل أن يُلقي ترامب إعلانه المفاجئ للعالم على تويتر، والذي حطم خلاله خمسة عقود من السياسة الأميركية التي رغم دعمها المطلق لإسرائيل فإنها رفضت في أي وقت الاعتراف بشرعية سيطرتها على الجولان، أو أي من الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967.

   

الأرض مقابل التطبيع

وفق المعايير الجغرافية البحتة، وفي الظروف الطبيعية للعلاقات بين الدول، فإن بقعة مرتفعة من الأرض بمساحة (7) لا تتجاوز 1800 كم ومع طول لا يتعدى 74 كم وعرض بالكاد يبلغ 27 كم لم تكن لتحظى بمثل ذلك الزخم الإستراتيجي لولا أن الجغرافيا السياسية انتخبت تلك البقعة من الأرض لتصبح أحد مراكز الصراع طويل الأمد بين الدول العربية وبين إسرائيل منذ المحاولات الأولى لتأسيس الدولة العبرية نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

     

   

في تلك الفترة، شهدت (8) الجولان للمرة الأولى تدفقات محدودة من المهاجرين اليهود الذين أسسوا مستوطنات بدائية صغيرة الحجم، قبل أن تسقط المنطقة بأكملها تحت الانتداب الفرنسي بعد هزيمة جيش المملكة السورية في معركة ميلسون عام 1920، حيث تم ترسيم الحدود الدولية المعترف بها لسوريا عام 1923، وظلت سوريا -والجولان- واقعة تحت الانتداب الفرنسي إلى حين جلاء القوات الأجنبية عنها في أبريل/نيسان 1946 بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

  

وبعد هزيمة العرب في حرب عام 1948 وقيام دولة إسرائيل، تم لأول مرة إنشاء منطقة منزوعة السلاح في الجولان حيث كانت المرتفعات موقعا متكررا للاشتباكات بين القوات الإسرائيلية والسورية في ظل مساعي الدولة العبرية فرض هيمنتها على الهضبة عبر زراعة أجزاء منها أو السيطرة على بعض مواردها المائية، لكن إسرائيل لم تلتزم بالحظر في معظم الأوقات وكثيرا ما كانت تقوم باستفزاز السوريين عبر خرق المنطقة العازلة وتسيير مركبات إلى الشرق أو إقامة مستوطنات في المنطقة المعزولة وهو ما أدى إلى نشوب مواجهات عسكرية متكررة أصبحت أكثر توترا في الأشهر التي سبقت العدوان الإسرائيلي عام 1967 حيث حرصت سوريا على الاستفادة من موقعها المرتفع في الجولان لشن هجمات مدفعية على بلدات الشمال الإسرائيلي.

  

ومع شن إسرائيل لحربها الشاملة عام 1967 كانت الجولان على رأس أهداف الاحتلال العسكري الإسرائيلي الذي قام بفرض السيطرة العسكرية على ثلثي مساحة الجولان (نحو 1200 كم) في عملية قام خلالها الاحتلال بتهجير أكثر من (9) 130 ألف سوري تاركا أقل من 7000 من دروز سوريا، قبل أن يشرع الاحتلال في محو الذاكرة التاريخية لقضية اللجوء الجولاني مع توطين معظم المهجرين في بقية سوريا، وهو ما تسبب في انطفاء زخم الغضب حول احتلال الجولان مقارنة بباقي الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967.

    

  

وفي أعقاب الحرب، صوّت مجلس الأمن الدولي على القرار 242 الذي يدعو إسرائيل إلى الانسحاب من الأراضي التي احتلتها عام 1967 بما يشمل شبه جزيرة سيناء والضفة الغربية والجولان، وفي حين لم تكن إسرائيل على استعداد لتقديم تنازلات فيما يتعلق بالضفة أو سيناء، فإنها أبدت (10) استعدادا مبدئيا لمقايضة الجولان مقابل اتفاق سلام مع سوريا وفق إستراتيجيتها الشهيرة في احتلال الأرض وإعادة بعضها عن طريق التفاوض مقابل الاعتراف السياسي، وهو المبدأ الذي عُرف لاحقا في العلاقات العربية الإسرائيلية باسم "الأرض مقابل السلام".

  

لكن إسرائيل سرعان ما تراجعت عن نيّاتها حول التنازل عن الجولان في أعقاب قرارات اجتماع الجامعة العربية في الخرطوم عام 1968 والذي أقر مبدأ أنه "لا سلام مع إسرائيل ولا اعتراف بإسرائيل"، لتبقى الجولان محتلة بحكم الواقع حتى عام 1973 حين جرت المحاولة الجدية الوحيدة لاستعادة الأرض عن طريق الحرب، وبالفعل نجحت القوات السورية حينها -تزامنا مع العبور المصري في سيناء- في استعادة 648 كم مع الأراضي المحتلة، لكن إسرائيل استعادت هذه الأراضي قبل نهاية الحرب قبل أن تقوم بالتخلي عن 60 كم فقط ضمن اتفاقية فض الاشتباك، شملت مدينة القنيطرة التي كانت قد تحولت بفعل الحرب إلى مدينة أشباح.

   

ومع نهاية حرب عام 1973 كان من الواضح أن النظامين الحليفين في مصر وسوريا على شفا افتراق نهائي، بعد اختيار الرئيس المصري أنور السادات سلوك طريق المفاوضات مع إسرائيل، في حين بدأت سوريا حافظ الأسد بالتقارب مع نظام الثورة الإسلامية الناشئ في طهران، ومع انهيار آمال مبادلة الأرض مقابل السلام، قام الكنيست الإسرائيلي في ديسمبر/كانون الأول عام 1981 بإقرار قانون الجولان، وفرض الإدارة الإسرائيلية والقانون والقضاء الإسرائيليين على الهضبة المحتلة، وهو تحرك رفضه مجلس الأمن في قراره رقم 479 الصادر في السابع عشر من الشهر نفسه، والذي أكّد عدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة.

    

  

وعلى الرغم هذه التطورات، ظلّت إسرائيل لفترة طويلة حريصة على عدم وصف تحركها في الجولان بكونه "ضما نهائيا"، وظلت (11) تأمل طوال التسعينيات والعقد الأول من الألفية أن بإمكانها مبادلة الجولان أو جزء منه في إطار اتفاقية تسوية لتطبيع العلاقات مع سوريا يمكنها أن تكسر محور إيران - سوريا - حزب الله الذي بدأ في ترسيخ وجوده، لكن في حين أن الأسد الأب أبدى مرونة نسبية لاحقا في التفاوض مع إسرائيل، فإنه كان مترددا في التوصل إلى اتفاق يقوده إلى الإذلال الذي ذاقته مصر بعد أن شرعت في الخطوة نفسها، وربما كان ليسيره إلى مصير السادات نفسه بالاغتيال في نهاية المطاف، لذا فإنه واصل في الوقت نفسه الضغط على إسرائيل من خلال تقديم الدعم لجماعات المقاومة المسلحة ضدها سواء الشيعية مثل حزب الله أو السنية مثل حماس والجهاد الإسلامي، وكذا من خلال تقوية تحالفات سوريا العربية لدعم مطالب دمشق باستعادة الجولان.

  

غير أن تلك الجهود الوحدوية العربية عانت ضعفا شديدا (12) بعد انضمام الأردن إلى القاهرة في تطبيع علاقاتها مع إسرائيل عام 1994 ودخول دول الخليج في علاقات تجارية غير مباشرة مع الدولة اليهودية في إطار شراكتها مع الولايات المتحدة، وهرولة الرئيس الفلسطيني محمود عباس للوصول لاتفاق سلام مع إسرائيل، وجاء ذلك متزامنا مع الانتقال السياسي في سوريا مع تسليم القيادة إلى نجله بشار الأسد بعد رحيل والده، والضعف الذي أصاب النظام السوري مع اضطراره للانسحاب إجباريا من لبنان على أصداء واقعة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري في عام 2005، وقيام (13) الولايات المتحدة بسحب سفيرها من دمشق، حيث تسببت مخاوف العزلة في دفع الأسد الابن للدخول في محادثات سلام مع إسرائيل، التي لم تعد ترى أي حافز لتقديم تنازلات إقليمية لسوريا في الوقت الذي ينخفض فيه الوزن الجيوسياسي لدمشق وتتلاشى قدرتها على تهديد الأمن الإسرائيلي.

  

ومع مطلع عام 2011، باغت الربيع العربي الجميع مطيحا بديكتاتوريات زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر، وفي غضون أسابيع ضربت الاحتجاجات شواطئ سوريا، ليثبت الأسد الابن وحشية ودموية متوارثة على ما يبدو دافعا بلاده إلى حرب أهلية من أجل بقاء نظامه، الذي صار يدين بالولاء بشكل كلي لإيران التي أرسلت الميليشيات والأموال لنجدة حليفها في دمشق، وقد أسهمت التطورات الجيوسياسية على المسرح السوري في وضع إسرائيل وإيران مباشرة في مواجهة بعضهما البعض، وتزايدت (14) مع ذلك الأهمية الإستراتيجية للجولان بالنسبة لأمن إسرائيل، خاصة بعد أن قررت الأخيرة توسيع عملياتها ضد الأصول الإيرانية في سوريا، وهو ما ردت عليه إيران بشن هجمات منخفضة المستوى في الجولان تزايدت وتيرتها طرديا مع التزايد الملحوظ للنشاط الإسرائيلي في سوريا خلال عام 2018.

    

    

حروب الموارد

تجادل إسرائيل إذن -ومن خلفها إدارة ترامب على ما يبدو- أن تغير بنية التهديدات في البيئة الأمنية السورية هو ما يقف وراء مطالباتها الحثيثة مؤخرا بالاعتراف بسيطرتها على الجولان -خلافا لمقررات الشرعية الدولية- محتجة (15) بأن الجولان لم يعد يعمل كحاجز فقط ضد النظام في دمشق الذي طالما انتهج سياسة العداء المنضبط ضد إسرائيل، ولكن أيضا كمانع ضد النظام الإيراني غير المتوقع بحكم وجود إيران في سوريا، ومؤكدة أن التفوق النوعي لإسرائيل في مجال الأقمار الصناعية والقوات الجوية لا يبرر التخلي عن موقعها الإستراتيجي على ارتفاع 9 آلاف متر (عند قمة جبل حرمون أو جبل الشيخ)، والذي لا يمدها فقط بمنصة لرصد جميع التحركات على الأراضي السورية، ولكنه يُسهّل عليها أيضا مهمة تأمين السهول الإسرائيلية المحيط ببحيرة الجليل، التي تعد مصدر ثلث المياه العذبة في إسرائيل.

   

وفي هذا السياق تحديدا يمكننا أن نجادل أن الجولان يوفر نوعا آخر (16) من الأمن بالنسبة إلى الدولة العبرية بخلاف أمنها العسكري، فمع الأخذ في الاعتبار أن نصف حصة البلاد من المياه، البالغة نحو 1.8 مليار متر مكعب، تنبع من أراضٍ تقع خارج السيطرة الإسرائيلية، يصبح الأمن المائي جزءا لا يتجزأ من أمن تل أبيب السياسي والعسكري، وللمفارقة فإن الجولان السوري المحتل يقع اليوم في القلب من أمن إسرائيل المائي بالنظر إلى كون ثلث إمدادات المياه الإسرائيلية يأتي اليوم من مرتفعات الجولان، وهي حصة لم يعد بمقدور إسرائيل الاستغناء عنها في ظل التزايد المطّرد في استهلاكها من المياه.

  

غير أن تطلعات إسرائيل للموارد المائية في الجولان ليست وليدة اللحظة على كل حال، فمنذ عام 1968، وبعد أقل من عام على سقوط الجولان رسميا تحت الاحتلال الإسرائيلي، سنّت إسرائيل سلسلة من القوانين للسيطرة على موارد الجولان أهمها الأمر العسكري رقم 120 الذي منحها السيطرة على موارد المياه في الهضبة، إضافة إلى قانون آخر جرد ملاك الأراضي السوريين في الجولان من امتلاك المياه التي تنبع أو تمر في أراضيهم، وهو ما كان يعني فقدان المزارعين الوصول إلى المياه اللازمة لري أراضيهم واضطرارهم إلى شراء الماء من الشركات الإسرائيلية بحصص منخفضة وأثمان مكلفة، ومع إدراكه لهذه الحقائق، جادل رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إسحاق رابين عام 1995 أن الخطر الأكبر الذي يمكن أن تواجهه إسرائيل في أي مفاوضات مع سوريا يكمن في احتمالية فقدان السيطرة على موارد المياه في الجولان.

    

  

واليوم لا يعد (17) الجولان المنطقة الوحيدة التي تمارس فيها إسرائيل ذلك النوع من السيادة القسرية على المياه، ففي جميع أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة، تسببت هيمنة إسرائيل على الموارد المائية في حرمان الفلسطينيين من حقوقهم المائية. فعلى سبيل المثال، يتم تحويل نحو 90% من المياه الجوفية في الضفة الغربية لصالح الإسرائيليين مما يتيح للفلسطينيين أقل من 10% من مياههم إلى الحد الذي يستهلك فيه نحو 560 ألف مستوطن في الضفة 6 أضعاف كمية المياه التي يستهلكها قرابة 2.85 مليون فلسطيني، وفي الوقت الذي يستهلك (18) فيه قطاع غزة بأكمله مياها غير صالحة للاستهلاك الآدمي تتسبب في ارتفاع حاد في نسب الأمراض المنتقلة عن طريق الغذاء مثل التهابات المعدة والأمعاء والإسهال الحاد والسالمونيلا وحمى التيفويد.

  

تكمن المياه إذن في صلب مزاعم إسرائيل بحاجتها إلى مرتفعات الجولان لأجل أمنها، مع كون شرعنة احتلال هذه الأرض يَعِد بتوفير قدر لا بأس به من الأمن المائي في العالم تحكمه ندرة الموارد، وإذا أضفنا إلى ذلك تلك التقارير المتضاربة حول احتياطات نفطية في الجولان وقيام إسرائيل بأعمال حفر استكشافي في الهضبة منذ عام 2014، وحقيقة أن إسرائيل تواصل بناء المستوطنات ومصانع النبيذ ومنتجعات التزلج في الهضبة وتزيد (19) من أعداد المستوطنين الذين يبلغ عددهم اليوم 20 ألف مستوطن، وبالنظر إلى جهودها لمنع نحو 25 ألف درزي يقيمون في الجولان الجنسية الإسرائيلية -رغم مقاومة أغلبهم لهذه الضغوط وتمسكهم بالجنسية السورية-، يمكننا أن نصل بسهولة إلى استنتاج بسيط مفاده أنه سواء اختارت الولايات المتحدة الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان أو رفضت ذلك وتمسّكت بسياستها التاريخية وبالإجماع الدولي على كون الجولان أرضا محتلة، فإن إسرائيل ستظل تمارس السيادة على الأرض بحكم الواقع، خاصة في ظل الضعف المتزايد لنظام الأسد وتضاؤل احتمالات الوصول لتسوية تفاوضية بعد الحرب، وتلاشي قدرة الفعل العسكري في ظل الفوارق الضخمة في موازين القوى، رغم التهديدات الخطابية التي يصدرها النظام الجريح في دمشق كإثبات وجود -لا أكثر- بين الحين والآخر.

     

    

النظام ما بعد الدولي

في ضوء ذلك، يمكننا القول -ولن نكون مخطئين في ذلك- إن إسرائيل لم تنتظر في أي وقت إذنا أميركيا لممارسة السيادة على الجولان المحتل، بل إن الغضب الأميركي لم يمنعها في وقت سابق من ممارسة هذه السلطة حين قامت عام 1981 بفرض الولاية الإسرائيلية على الجولان رغم احتجاج (20) إدارة الرئيس الأميركي رونالد ريغان على ذلك وقيامها بتعليق اتفاقية تعاون إستراتيجي مع تل أبيب والتصويت على قرار الأمم المتحدة رقم 497، وفي المقابل، وحتى إذا سلّمنا أن الموقف الأميركي تجاه الجولان صار أكثر ليونة بمرور الوقت، فإن واشنطن طالما اكتفت بقبول الأمر الواقع وامتنعت عن ممارسة ضغوط على إسرائيل لإنهاء الاحتلال، لكنها في الوقت نفسه لم تجد نفسها مضطرة لمنحه الاعتراف والشرعية في أي وقت.

  

وبالنظر إلى هذا السياق، فإنه يمكن اعتبار إعلان الجولان أحد الخروجات المعتادة لإدارة ترامب عن القواعد التقليدية للسياسة الأميركية حول العالم، وهو خروج يبدو مدفوعا هذه المرة بثلاث رغبات (21) أساسية، أولها مواصلة الرهان على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حليف الإدارة الأبرز في الشرق الأوسط الذي يواجه منافسة محمومة في معركة إعادة انتخابه في أبريل/نيسان، وثانيها تعزيز فرص ترامب نفسه في معركة إعادة انتخابه في 2020 من خلال مخاطبة مشاعر الدوائر اليهودية التي غالبا ما تميل للتصويت لصالح الديمقراطيين (صوّت 71% من اليهود الأميركيين لصالح هيلاري كلينتون في انتخابات عام 2016)، وأخيرا تعزيز الأنا الشخصية لترامب نفسه وتقديم نفسه كرئيس فريد في تاريخ الولايات المتحدة أقدم على تجاوز خطوط لم يجرؤ أسلافه على تجاوزها، كما فعل في قراره بنقل السفارة الأميركية إلى القدس أواخر عام 2017.

  

غير أن إعلان الجولان -وإن صاحبه ضجة أقل بكثير من نقل السفارة إلى القدس- يتجاوز كونه مجرد خروج عن السياسة الأميركية أو رغبة رئيس متغطرس في تعزيز رصيده الشخصي، وهو يرقى -وفقا لستراتفور- إلى كونه خطوة حيوية في عملية إعادة تشكيل (22) واسعة تقوم بها الولايات المتحدة -عن غير قصد ربما- للمعايير المتفق عليها لإدارة النظام العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وأهم هذه المعايير هو إجماع القوى الدولية على رفض الاستيلاء على الأراضي بالقوة العسكرية، وهي خطوة تنضم إلى العديد من المقاربات الأميركية المشابهة خلال العامين الماضيين والتي شملت نبذ الاتفاقات الدولية مثل اتفاقية باريس للمناخ والاتفاق النووي الإيراني، وتوسيع الحروب التجارية واستخدام سلاح التعريفات ليس فقط ضد المنافسين ولكن أيضا ضد الحلفاء.

    

  

ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية، اتفقت دول الحلفاء المنتصرة أن نبذ الاستخدام غير الشرعي للقوة في تغيير الحدود يعد الضمانة الأكبر لمنع قيام حرب عالمية ثالثة، لذا فإن هذه الدول تواطأت على تحويل التوترات والمنافسات الدولية نحو معارك النفوذ المكتومة بدلا من الصراعات العسكرية المباشرة، ورغم قيام بعض الدول بانتهاك هذه القواعد لأسباب ودوافع متباينة كما فعلت تركيا بتدخلها في قبرص عام 1974، وكما حدث مع غزو إندونيسيا لتيمور الشرقية بعد ذلك بعامين، ولاحقا في الغزو العراقي للكويت عام 1990، ثم في ضم روسيا لشبه جزيرة القرم عام 2014، فإن أيًّا من هذه المحاولات لم تكسب أي اعتراف دولي، بل إنها استدعت أحيانا تدخلات دولية لعكس الأمور وإعادتها إلى نصابها.

  

وفي هذا السياق، من المقرر أن يكون اعتراف الولايات المتحدة الرسمي بالسيطرة الإسرائيلية على الجولان -حال حدوثه- تحوّلا جذريا في هذا المسار وسابقة أولى للاعتراف بملكية الأراضي التي تم الاستيلاء عليها بالقوة العسكرية منذ الحرب العالمية الثانية، وتخليا ضمنيا جديدا من واشنطن عن التزامها كضامن لنظام ما بعد الحرب، والأكثر من ذلك أن هذا الاعتراف سيخلق سابقة لدول أخرى للاستيلاء العسكري على أي أراضٍ تظن أنها حيوية لأمنها الإستراتيجي، كما أنه سيمنح الشرعية مجددا لمحاولات استخدام القوى العسكرية كوسيلة لإعادة تعيين وضبط الحدود بين الدول في عودة إلى عالم ما قبل ويستفاليا حين كانت الإمبراطوريات تلتهم أراضي بعضها البعض في كل يوم.

   

من شأن اعتراف الولايات المتحدة بسيادة إسرائيل على الجولان أن يقوض بشكل مباشر من فرص التوصل إلى أي اتفاق بخصوص القضية الفلسطينية

رويترز
    

وبخلاف ذلك، فإن الخطوة الأميركية سوف تسهم بالفعل وبشكل مباشر في تعقيد (23) عدد من النزاعات الحدودية الكبرى حول العالم، وعلى رأسها الاستيلاء الروسي على شبه جزيرة القرم والمطالبات الصينية في بحر الصين الجنوبي خاصة مع وجود روابط عرقية وجغرافية ودوافع إستراتيجية واضحة لدى كل من روسيا والصين في هذه الصراعات، وسوف يُكسِب إعلان الجولان الأميركي هذه الدعاوى شرعية أكبر في الوقت الذي سينزع فيه الشرعية عن أي معارضة أميركية لهذه الخطوات، وأخيرا -وليس آخرا- فإن مثل هذه الخطوة من شأنها أن تمنح الشرعية للوجود الإيراني في سوريا من الباب ذاته، حيث يمكن لطهران أن تبرر ببساطة أحقيتها في استخدام القوة العسكرية خارج حدودها عبر التنديد بـ"نفاق" الولايات المتحدة التي قررت أن تمنح هذا الحق حصرا لإسرائيل.

  

في سياق آخر، فإن من شأن اعتراف الولايات المتحدة بسيادة إسرائيل على الجولان أن يقوض (24) بشكل مباشر من فرص التوصل إلى أي اتفاق بخصوص القضية الفلسطينية، حيث سيحق للفلسطينيين في الضفة على وجه الخصوص -ومعهم كل الحق في ذلك- أن يتساءلوا عما إذا ما كانت الهدية الأميركية القادمة لإسرائيل ستكون هي منح الشرعية للمستوطنات أو الاعتراف بسيادتها على معظم أراضي الضفة الغربية المحتلة منذ عام 1967 والتي يقطنها اليوم قرابة 3 ملايين فلسطيني، خاصة أن اليمين الإسرائيلي بأكمله -بمن في ذلك جميع النواب الثمانية والعشرين عن حزب الليكود الحاكم- يؤيدون (25) ضم جزء على الأقل من الضفة الغربية، وهي قضية من المرجح أن تصبح محورية حال فوز حكومة يمينية في انتخابات أبريل/نيسان.

    

فضلا عن ذلك، فإن هذه المخاوف تأتي في الوقت الذي تستعد فيه إدارة ترامب للكشف عن خطتها المزعومة للسلام، المعروفة باسم صفقة القرن، في أعقاب الانتخابات الإسرائيلية وسط ارتياب تام من الفلسطينيين حول مضمونها حتى قبل إعلان الجولان المثير للجدل، وهو ما يجعل خطوة ترامب وصفة مثالية للفشل -فضلا عن كونها انحيازا صارخا إلى إسرائيل من قِبل وسيط يزعم نفسه محايدا- وسوف تترك هذه الحقائق باب التساؤلات مفتوحا على مصراعيه حول إذا ما كانت الإدارة الأميركية سوف تمضي قدما في تأكيد إعلان الجولان خلال زيارة نتنياهو إلى واشنطن هذا الأسبوع مانحة رئيس الوزراء الهدية الأكبر (26) في مسيرته السياسية، أم أنها ستتمهّل نسبيا وتكتفي بذلك القدر من الصخب الذي أحدثته تغريدة الرئيس السبعيني الذي قرر -مجددا- التلاعب بقواعد النظام العالمي عبر لوحة مفاتيح هاتفه الجوال.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار