انضم إلينا
اغلاق
بعد خطاب قائد الجيش.. من يلعب ضد من بالجزائر؟

بعد خطاب قائد الجيش.. من يلعب ضد من بالجزائر؟

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض

قد يكون من المبالغة أن نصف أي يوم بأنه أطول يوم في تاريخ الجزائر، البلد الذي يفخر بأنه قدّم مليون شهيد لينال حريته واستقلاله وفقد بعد ذلك مئتي ألف آخرين في حرب أهلية استمرت عشرة أعوام، لكن الأحد الثالث من مارس/آذار الحالي كان يوما طويلا على الجزائريين بالفعل، فبعد نهار مكتظ بالاحتجاجات الحاشدة، ومع حلول المساء، وقبل ساعات من إغلاق باب الترشيح للانتخابات الرئاسية المقررة في أبريل/نيسان المقبل، تطلعت العيون إلى المجلس الدستوري المخول بالإشراف على عملية الانتخابات مترقبة قرارا مصيريا يتعلق بإذا ما كان الرئيس الحالي "عبد العزيز بوتفليقة" -81 عاما- سيتقدم رسميا بأوراق ترشحه للفوز بولاية خامسة في السلطة وولاية ثانية من فوق كرسيه المتحرك، أم أن الاحتجاجات المشتعلة بطول الجزائر وعرضها ستكون قادرة على إثنائه عن الترشح في نهاية المطاف.

  

كان "بوتفليقة" قد أعلن في العاشر من فبراير/شباط الماضي بشكل رسمي نيته الترشح مجددا وذلك عبر بيان خطي تم تسليمه بواسطة وكيله، وهي الطريقة المعتادة التي يتواصل بها بوتفليقة مع شعبه منذ إصابته بسكتة دماغية في عام 2013 أبعدته عن الظهور العام، حيث يعود تاريخ آخر خطاب عام ألقاه بوتفليقة إلى شهر مايو/أيار من عام 2012، وهو خطاب "قوى الشر" الشهير الذي خاطب به شباب مدينة "سطيف" شرقي البلاد، وذلك إذا استثنينا بالطبع ذلك الخطاب القصير المتلعثم الذي لم تتجاوز مدته 90 ثانية، والذي كان بوتفليقة مضطرا لإلقائه أمام البرلمان امتثالا للبروتوكولات الرئاسية بعد فوزه بالولاية الرابعة عام 2014.

 

ونتيجة لذلك، فإن إعلان بوتفليقة نيته الترشح مجددا كان كفيلا بإثارة موجة من احتجاجات محلية غير مسبوقة(1) في نطاقها وعددها منذ تظاهرات عام 1988 قبل 30 عاما، مع عنوان واحد محدد للاحتجاجات وهو رفض "العهدة الخامسة" لـ "بوتفليقة"، ومطالبة "الرئيس الهَرِم" بالانسحاب من السباق الرئاسي وإفساح المجال لتداول حقيقي للسلطة، بعد 20 عاما قضاها في الرئاسة الجزائرية منذ انتُخب رئيسا لأول مرة عام 1999.

   

  

لكن "بوتفليقة"، أو من يتحدثون(2) باسمه من وجهة نظر بعض الجزائريين، اختار التشبث بموقفه في نهاية المطاف، وقبيل وقت قصير(3) من انتهاء المهلة، كان مدير حملته "عبد الغني زعلان" يدلف إلى المجلس الدستوري لتقديم أوراق ترشيح موكله، مثيرا المزيد من الاستياء لدى الجزائريين الغاضبين. غير أن الرئيس، المحتجز في مشفى سويسري للعلاج من أكثر من أسبوع، قرر استكمال المشهد الدرامي بتقديم رسالة ترشح خاطب فيها المحتجين قائلا(4) إنه يتفهم مطالبهم، ومقدما سلسلة من الوعود التي تعهد بتطبيقها حال فوزه، وتشمل إقامة مؤتمر للحوار الوطني ينتهي بتعديلات جذرية للدستور من أجل ولادة "جمهورية جديدة"، ووضع سياسات عاجلة لإعادة توزيع الثروة، وتدشين حملة تعبئة وطنية ضد جميع أشكال الرشوة والفساد، وتنصيب لجنة انتخابات مستقلة، وأخيرا والأهم إجراء انتخابات رئاسية مبكرة بعد عام واحد مع تعهده بعدم الترشح فيها.

 

ولكن عهود بوتفليقة "الثورية" لم تفلح على ما يبدو في تهدئة غضب المحتجين الذين تعهدوا بمواصلة التظاهر، في الوقت الذي بدأت فيه العديد من القوى السياسية المعارضة مراجعة موقفها من الانتخابات لمسايرة جموع المحتجين، وفي مقدمتهم "على بن فليس"، رئيس الحكومة الأسبق وأحد أبرز منافسي بوتفليقة، والذي أعلن انسحابه من السباق داعيا إلى سحب ترشيح الرئيس وتأجيل الانتخابات لستة أشهر تتولى السلطة فيها حكومة كفاءات تُشرف على إجراء الانتخابات، وقبل "بن فليس"، كانت حركة مجتمع السلم، أكبر حزب إسلامي في البلاد، قد سحبت مرشحها "عبد الرزاق مقري" مفضلة الرهان على المحتجين.

 

غير أن أيًّا من هذه التحركات لا يبدو أنه نجح في إثناء نظام "بوتفليقة" عن تغيير موقفه حتى اللحظة الراهنة، حيث لا يزال النظام متمسكا بإجراء الانتخابات في موعدها في التاسع عشر من الشهر المقبل مع ترشح "بوتفليقة" مجددا، وبدا أن ولايته الرابعة التي صُمّمت بالأساس كفرصة للنخبة الحاكمة للاتفاق حول سيناريو للخلافة، بدا وأنها قد فضلت التوافق على شخصية واحدة تُسند إليها مهمة خلافة بوتفليقة، فاتحة الباب على مصراعيه لصراع مراكز القوى، وهو صراع يدور هذه المرة تحت وطأة احتجاجات حاشدة تمس قلب النظام، مما يفتح باب التكهنات على مصراعيه حول قدرة النخبة الحاكمة على تأمين ولاية جديدة لبوتفليقة تحت وطأة الاحتجاجات، وحول السيناريوهات المحتملة لتأمين الانتقال السياسي داخل النظام وعلى أعين الحرس القديم، والأهم من ذلك؛ حول قدرة الاحتجاجات الحالية على إحداث تغييرات جوهرية، سواء بمنع ترشيح بوتفليقة نفسه، أو إحداث تحولات هيكلية داخل النظام الراسخ الذي يحكم الجزائر منذ استقلالها مطلع الستينيات.

    

   

دولة الجيش

"الجيش يُشكّل العمود الفقري للبلاد، والمخابرات تُمثّل نخاعها الشوكي"

(الرئيس الجزائري الأسبق "هواري بومدين"(5))

  

منذ حصول الجزائر على استقلالها عام 1962، كان من الواضح أن القوات المسلحة تحظى بمكانة فريدة في النظام السياسي الجزائري، مع كون الجيش قد تأسس بحكم الواقع قبل تأسيس الجمهورية في أعقاب الاستقلال، حيث قاد(6) "جيش التحرير" إحدى أول حروب العصابات المعروفة ضد فرنسا، إحدى أكبر القوى العسكرية في العالم آنذاك، وهو ما منح الجيش مصدرا رئيسيا للشرعية السياسية، وقام بتشكيل العلاقات المدنية العسكرية في البلاد بشكل مبكر مع قناعة راسخة لدى الجنرالات الجزائريين بدورهم التاريخي في حماية الأمة، ورفضهم التخلي عن أدوارهم السياسية لصالح مسؤولين مدنيين منتخبين.

  

كانت تلك القناعة بعينها هي ما قادت جنرالات الجزائر إلى تنفيذ أول انقلاب عسكري في تاريخ الجمهورية بعد ثلاثة أعوام فقط من استقلالها، حين قام وزير الدفاع "هواري بومدين" بالإطاحة بالرئيس "أحمد بن بيلا" إثر نزاع شديد حول طبيعة السلطة، حيث كان "بن بيلا" يرغب في إحداث فصل نسبي بين الجيش وبين الحزب الحاكم وهو "جبهة التحرير الوطني"، الأمر الذي قرأه الجنرالات على أنه محاولة مبكرة للاستئثار بالسلطة والتنكر للدور "التاريخي" للجيش في حرب الاستقلال.

  

ومع استيلاء "بومدين" على السلطة عام 1965، فإنه منح الحزب دورا سياسيا محوريا في البلاد، حيث كان من المقرر أن يقود الرجل الجزائر نحو ثورة اشتراكية أسوة بالأحزاب الأيديولوجية التي قادت الأنظمة الشيوعية حول العالم خلال هذه الحقبة، ولكن الحقيقة أن حزب التحرير الوطني لم ينجح في أي وقت في تطوير أي مكون أيديولوجي مستقل، وظل مرتبطا بشكل قوي بالمؤسسة العسكرية لدرجة أن الحزب لم يعقد أي مؤتمرات خلال الفترة بين عامي 1965 حتى عام 1979؛ حين عقد مؤتمرا لتعيين خليفة لـ "بومدين" بعد وفاته، غير أن الحقيقة تمثّلت في أن خلف "بومدين"، "الشاذلي بن جديد"، كان قد تم انتخابه في وقت سابق في جمعية خاصة مكونة من كبار القادة العسكريين بقيادة رئيس المخابرات آنذاك "قاصدي مرباح"، وبدعم من الجنرال التاريخي وصانع الرؤساء(7) الجزائريين "العربي بلخير".

   

هواري بومدين (مواقع التواصل)

   

على مدار فترة حكم "الشاذلي بن جديد" والتي استمرت 12 عاما تقريبا؛ واصل الجيش ممارسة نفوذه المعتاد على السياسة الجزائرية، ورسّخ المزيد من امتيازاته الاقتصادية التي تزامنت مع تردٍّ في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للجزائريين، الأمر الذي أدى إلى إشعال موجة من الضغوط الشعبية والاحتجاجات العنيفة التي استهدفت مؤسسات الدولة ومكاتب حزب جبهة التحرير، احتجاجات واجهها الجيش بالقوة، لكنها اضطرت النظام في نهاية المطاف لتقديم تنازلات وإدخال قدر من الانفتاح وطرح نظام تعددي لأول مرة سمح بقدر من التنافس السياسي.

 

لكن، وعلى الرغم من تأسيس عشرات الأحزاب والتحالفات، ظلت القواعد الحاكمة للسياسة الجزائرية ثابتة تقريبا حتى مطلع التسعينيات، حين حققت "الجبهة الإسلامية للإنقاذ" فوزا غير مسبوق في الانتخابات المحلية عام 1990، ولاحقا في الانتخابات البرلمانية عام 1991، وكان ذلك يعني أن حزب جبهة التحرير الوطني ومن ورائه الجنرالات في طريقهم لفقدان السلطة، الأمر الذي دفع الجيش(8) للتدخل بشكل صارخ مجددا، حيث قام بإلغاء نتائج الانتخابات وضغط على الرئيس "الشاذلي" لتقديم استقالته، وتم تأسيس ما يُعرف بالمجلس الأعلى للدولة الذي قاده الجنرالات بأنفسهم، في حين تم إعلان حالة الطوارئ وحل "الجبهة الإسلامية للإنقاذ"، وأودع الآلاف من أنصارها في معتقلات أُقيمت في الصحراء الجزائرية، في حين هرب آخرون إلى الجبال ليبدأ الجيش في ملاحقتهم، وهو الحدث الذي دشن الحرب الأهلية الجزائرية الشهيرة المعروفة بـ "العشرية السوداء".

 

خلال هذه السنوات العشر الممتدة منذ مطلع التسعينيات إلى بداية الألفية الثانية، قُتل قرابة 200 ألف جزائري على يد جنود الجيش والجماعات المسلحة في حرب وُصفت بـ "القذرة" (كما يطلق عليها) شنها الجيش لإخضاع الجزائريين، حيث تكشفت تفاصيلها المروعة لاحقا، في حين تم تداول السلطة ظاهريا بين عدة رؤساء، على رأسهم "محمد بو ضياف" الذي تم اغتياله في ظروف غامضة، و"علي كافي" أيضا، بينما ظل الجيش يحكم ويقود الحرب في الخلفية إلى حين انتخاب جنرال جديد هو "اليمين زورال" للرئاسة عام 1994، لكن شمس "زورال" أفِلَت مبكرا بسبب خلاف نشب بينه وبين الجيش حول التفاوض مع المعارضين وإنهاء الحرب الأهلية.

   

الرئيس الرابع للجزائر "اليمين زورال" (رويترز)

   

ظل الجيش يقود السياسة والحرب في الداخل معا، لكن المفارقة(9) هنا أن الجنرالات الذين دشنوا الحرب الدموية في المقام الأول هم من استفادوا منها عبر تجديد شرعيتهم، وإعادة تقديم أنفسهم هذه المرة ليس كرموز للاستقلال ولكن كقادة لحرب شنوها باعتبارها ضد "إرهاب وعنف الإسلاميين" كما روجوا لها. وقد تسبب هذا التطور التاريخي في نهاية المطاف في تثبيت وضع الجيش كمكون رئيس في الحياة السياسية الجزائرية، وفي الوقت نفسه فإنه رسخ الإجماع التاريخي لدى قادة الجيش بوصفهم حكما دائما على القيادات المدنية، وأخيرا فإنه زرع بذور التوتر بين السلطة العسكرية علمانية الطابع وبين الأحزاب والجماعات "الإسلامية"، وبحلول نهاية التسعينيات كانت قواعد السلطة التقليدية في الجزائر قد تم استعادتها، وصار المشهد معبدا لإنهاء الحرب واستقبال رئيس جديد من قدامى الجنرالات، وليتراجع الجيش لممارسة السلطة من خلف الكواليس.

 

"لوبوفوار" السلطة

لم يكن "بوتفليقة" في أي وقت سوى أحد الأبناء البارين لدولاب السياسية التقليدي في الجزائر، فهو أحد رموز جيل التحرير، وهو أحد المشاركين الرئيسيين في انقلاب الستينيات مع "هواري بومدين"، حيث تولى بعد الانقلاب منصب وزير الخارجية وعمره 26 عاما فقط، لذا فإن "بوتفليقة" غالبا ما كان يرى نفسه وريثا شرعيا للرئاسة، لكنه ظل يُرى دوما من قِبل المخابرات والجيش كشخص "ليبرالي" أكثر من اللازم، ولأجل ذلك فقد خسر معركته الأولى للوصول للرئاسة أواخر السبعينيات لصالح "الشاذلي بن جديد"، ولكنه خرج من هذه المعركة مع الدرس البديهي الذي علمه إياه "هواري بومدين" يوما ما، وهو أنه إذا أراد أن يصل إلى السلطة، فإن عليه أن يكسب ود الجيش وأجهزة الاستخبارات القوية المتحالفة معه.

   

انزوى "بوتفليقة" بعيدا عن المشهد لعقدين قضى نصفهما تقريبا في المنفى في دبي، ومع نهاية التسعينيات كان بوتفليقة مستعدا للظهور من جديد بعدما أتقن قواعد اللعبة، موطّدا علاقته مع صانع الرؤساء "العربي بلخير"، ومع رجل جهاز الاستخبارات والأمن القوي "محمد مدين" والذي يعرفه الجزائريون باسم الجنرال "توفيق"، وبعد أن صارت الجزائر نفسها مستعدة لقبول وجه جديد يغلق صفحة الحرب الأهلية الدامية.

     

  

ومع استلامه للسلطة عام 1999، قدم "بوتفليقة" نفسه مبكرا بوصفه رجل التوافق(10) السياسي، ونجح بصعوبة في لعبة السير على الحبال -محافظا على التوازن بين الجيش والرئاسة- منهيا الحرب الأهلية رسميا بعد أن أصدر قانون العفو الذي فتح باب العودة أمام "المسلحين" غير النظاميين حال تخلوا عن أسلحتهم، ولاحقا بعد إقرار مخطط السلام والمصالحة الوطنية في استفتاء شعبي عام 2009، وهو القانون الذي منح الضباط المتورطين في الحرب الأهلية حصانة من الملاحقة القضائية.

   

بالتزامن مع ذلك، عمد بوتفليقة لزراعة أوراق اعتماده الشخصية كبطل أوحد للسياسة الجزائرية، ومقدما نفسه كعرّاب للمصالحة التي أنهت الحرب، وفي الوقت نفسه، كانت هذه المصالحة ذاتها أداة سياسية استخدمها بوتفليقة لانتزاع بعض سلطات العسكريين الذين تغذوا على حالة الحرب، ويمكن اعتبارها ببساطة أولى معارك النفوذ التي خاضها "بوتفليقة" ضد الجيش، معارك صارت أكثر وضوحا في وقت لاحق مع اقتراب موعد إعادة انتخاب بوتفليقة، حين دعم(11) الجيش، وتحديدا وزير الدفاع واسع النفوذ وقتها الجنرال "محمد العماري"، منافس بوتفليقة المباشر ورئيس وزرائه السابق "علي بن فليس"، لكن بوتفليقة نجح في الفوز بإعادة الانتخاب عام 2004، ممهدا طريقه للإطاحة بالعماري ليحتفظ لنفسه بمنصب وزير الدفاع، ويقوم بمنح منصب قائد الجيش (رئيس الأركان) إلى الجنرال المقرب منه أحمد قايد صالح.

   

بالتوازي مع ذلك، بدأ بوتفليقة في العمل على صنع مركز جديد للقوة لكسر ثنائية(12) الرئاسة والجيش، حيث قام باستغلال عهد الطفرة النفطية وارتفاع العائدات في صناعة طبقة جديدة من أرباب الأعمال، وشركات القطاع الخاص المنتفعة سياسيا، وحتى الضباط السابقين الذين انتقلوا لممارسة الأعمال، مستفيدين جميعهم من الانفتاح الاقتصادي الانتقائي ومنظومة المزايا ومشاريع البنية التحتية الكبرى التي أطلقتها الدولة، وفي هذا السياق أفاد تقرير صادر عن مجموعة الأزمات الدولية عام 2001 أن ما بين 600 ألف و800 ألف شخص استفادوا من قربهم من النظام الحاكم الجزائري، وهي طبقة تضم مسؤولين حكوميين وقادة سياسيين من الموالين والمعارضين وجنرالات سابقين.

     

  

يظهر هذا النهج بشكل واضح -على سبيل المثال- في قطاع الاستيراد والتصدير، حيث يسيطر أبناء الجنرالات السابقين وأسرهم على عشرات الشركات الكبرى في مجالات الاتصالات وتجارة السيارات، وحتى قطاع الأدوية الذي كان مملوكا للدولة بشكل كامل حتى عام 1995، قبل أن تتحول ملكيته إلى شركات خاصة يمتلكها عدد قليل من النخبة الموالية للدولة، والذين يحصلون على القروض الميسرة وغيرها من الامتيازات المالية مقابل ولائهم ودعمهم للنظام.

   

وقد أثمر هذا النموذج للأعمال عن فوائد متبادلة للنظام ولهذه الطبقة على حد سواء، وفي مقابل استفادة رجال الأعمال من الامتيازات السياسية الممنوحة من النظام، استخدم النظام نفوذهم لتوسيع نطاق شبكاته وتمتين قاعدته الاجتماعية وأحيانا الاستفادة من القدرات المالية لهم لشراء الدعم الشعبي وتهدئة الاحتجاجات، لكنه لم يخل في الوقت ذاته من آثار جانبية، حيث أصبح الفساد سمة أساسية للحوكمة في البلاد، وتورطت المؤسسات الحكومية وبيوت القوة في الاقتصاد الجزائري في فضائح كبرى هزت استقرار النظام المالي والسياسي، وكان النموذج الأبرز على ذلك هو فساد شركة "سوناطراك" الحكومية للطاقة التي يعتقد أنها استثمرت بين 7 إلى 10 مليارات دولار في بناء شبكات المحسوبية السياسية للنظام.

     

  

ومع اقتراب نهاية ولاية بوتفليقة الثانية، بدا أن تغييرا جوهريا أصاب بنية نظام الحكم في البلاد، حيث ظهر مثلث جديد لتقاسم السلطة يعرفه(13) الجزائريون اليوم باسمه الفرنسي "لوبوفوار"، الذي يشير اليوم إلى تحالف غامض وسري بين الفريق الرئاسي القوي -غالبا ما يضم بوتفليقة نفسه- وشقيقه سعيد الذي يعد مركز شبكات المحسوبية السياسية، والوزير الأول أحمد أويحيى، وبين كبار جنرالات الجيش والاستخبارات وعلى رأسهم "قايد صالح"، وأخيرا رجال الأعمال الموالين للنظام.

  

حرب الجنرالات

حققت إجراءات بوتفليقة نجاحا كبيرا للرئيس في لعبة الكراسي الموسيقية لمراكز القوى، لكنه في المقابل بدأ يواجه معارضة شعبية حين بدت نيّاته للبقاء في السلطة، مع إقدامه(14) في عام 2008 على تعديل الدستور بإلغاء حد الفترتين من أجل السماح لنفسه بالترشح لولاية ثالثة، وعلى الرغم من رفض المعارضة للتعديل الدستوري، كان رصيد بوتفليقة السياسي قويا بما يكفي لتمرير التعديلات وحسم الولاية الثالثة دون معارضة جديرة بالذكر.

   

بالإضافة إلى ذلك، كانت خزائن الجزائر المالية تشهد(15) انتعاشا غير مسبوق مع تخطي أسعار النفط حاجز المئة دولار للبرميل، الأمر الذي منح بوتفليقة ما يكفي من الموارد لشراء الولاء السياسي وإخماد الاحتجاجات التي صاحبت الربيع العربي عام 2011، حيث أطلقت الحكومة برامج ضخمة للتوظيف في القطاع الحكومي وأجهزة الشرطة، وأعلنت عن خطط موسعة لإسكان الشباب ومنح قروض ميسرة بلا فوائد للراغبين منهم في إطلاق مشاريع، إضافة إلى حزم أخرى من الإعانات الاجتماعية.

   

لم يجلب الربيع العربي خريف بوتفليقة كما فعل مع جيرانه الأقربين "زين العابدين بن علي" في تونس والعقيد "القذافي" في ليبيا "ومحمد حسني مبارك" في مصر، وبدا لوهلة أن التوازن الذي حمل بوتفليقة إلى السلطة عام 1999 قد تعهد بأن يظل معه ومحافظا على سلطته للأبد، لكن الأمور تغيرت فجأة عام 2013، حين أصيب بوتفليقة بسكتة دماغية أفقدته القدرة على الحركة، وفي العام التالي بدا أن عصر الطفرة النفطية قد بلغ نهايته إثر تهاوي الأسعار بوتيرة بالغة السرعة، لتتهاوى معها العائدات النفطية للجزائر من 47 مليار دولار إلى أقل من 24 مليار دولار، ولينخفض احتياطي العملات الأجنبية من 178 مليار دولار في عام 2014 إلى 97 مليار دولار بداية عام 2018، وتزامن مع ذلك ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب لقرابة 30%، وتهاوي معدلات النمو إلى ما دون 1%، مع عجز ملحوظ في الموازنة واختلال في ميزان المدفوعات.

     

  
كان هذا التراجع الاقتصادي يعني بالضرورة انهيار منظومة الولاءات السياسية للنظام، وتدشين عصر جديد من الاحتجاجات الاقتصادية فئوية الطابع، لكن الأثر الأكبر للتراجع أنه هدد نظام المحسوبية السياسية الدقيق الذي أسسه بوتفليقة، وهو مأزق يبدو أن بعض حلفائه القدامى سارعوا لاستغلاله من أجل توجيه ضربة كبيرة لرئاسته، وكانت الضربة قادمة بوضوح من رئيس دائرة الاستخبارات والأمن "محمد مدين"، الذي سارع للتشكيك في أهلية الرئيس المريض للقيام بمهامه.

   

لم تكن العلاقة بين "مدين" وبوتفليقة على ما يرام بحال منذ نهاية ولاية الأخير الثانية، وخاصة بعد واقعة التسريبات الشهيرة لويكيليكس -والتي حملت بصمات جهاز المخابرات الجزائري- كاشفة عن سلسلة من العقود غير القانونية لتوريد النفط من قِبل شركة "سوناطراك" لصالح شركات أوروبية، وهي الفضيحة التي اضطرت بوتفليقة للتضحية بصديقه المقرب "شكيب خليل"، وزير الطاقة والمناجم، إضافة إلى رئيس سوناطراك "محمد مزيان"، فيما بدا أنها حملة من قِبل "مدين" الذي لم يكن راضيا عن النفوذ المتنامي لشقيق الرئيس "سعيد بوتفليقة"، ما اضطر "بوتفليقة" في النهاية إلى التضحية برموز نظامه المتورطين كثمن للمرور إلى الولاية الثالثة.

   

لكن بوتفليقة ورئيس أركانه "قايد صالح" الذي أصابه نصيبه من الوثائق المسربة أيضا لم يغفرا لمدين تلك الخطيئة أبدا، حيث شرع بوتفليقة بمعاونة "قايد" في تفكيك(16) إمبراطورية "مدين" الأمنية قطعة وراء قطعة، وكانت البداية مع حل مصلحة الشرطة القضائية التابعة للمخابرات وإلحاقها بالجيش، قبل أن يتم الانتقال إلى مديرية الإعلام التي تم اتهامها بالفساد المالي ليتم نقلها إلى الجيش أيضا، وأخيرا -وليس آخرا- فقد تم سحب صلاحيات جهاز المخابرات للتحقيق في قضايا الفساد، تزامنا مع إقالة واعتقال عشرات الضباط الكبار الموالين لـ "مدين"، وأبرزهم الجنرال "حسان" رئيس وحدة مكافحة الإرهاب، وهي إجراءات مهّدت الطريق أخيرا لإقالة "مدين" نفسه في سبتمبر/أيلول 2015، وحل دائرة الاستخبارات والأمن وإلحاقها بالرئاسة.

     

  

لا يمكن لأحد أن يعرف على وجه التحديد من هو العقل المدبر لخطة تفكيك إمبراطورية "مدين" الأمنية، وهل كان بوتفليقة المريض وشقيقه سعيد أم رئيس أركانه "قايد صالح" أم جميعهم معا، ولكن المؤكد أن هذه الخطة قد أخلّت في نهاية المطاف بالتوازن الدقيق للسلطة الذي أرساه بوتفليقة نفسه، وسمح ذلك الخلل بعد الخطة البارعة للجيش بالعودة من جديد إلى مركز المشهد السياسي. وبشكل أوضح، يمكن اعتبار الإطاحة بـ "مدين" بداية اختراق واسع(17) من جديد للجيش وتصاعد لدوره على حساب الرئاسة ونخب الأعمال، خاصة مع الدور الكبير الذي لعبه "قايد صالح" ونفوذه وشبكته العسكرية في تفكيك إمبراطورية مدين الأمنية "منافسه الأول"، وإذا أضفنا إلى ذلك التردي الملحوظ في حالة بوتفليقة الصحية؛ فإن النتيجة تكون أن رئيس الأركان هو من يلعب اليوم دور الوصي على قصر المرادية، وأن "قايد صالح" قد تحول فعليا إلى صانع الملوك الجديد في الجزائر.

   

خريف بوتفليقة

ظلّت السلطة السياسية لرئيس الأركان تترسخ يوما بعد يوم، ويبدو أنها بلغت ذروتها منتصف العام الماضي 2018 بعد واقعة سقوط سفينة الكوكايين الشهيرة في قبضة القوات الخاصة الجزائرية في ميناء وهران غربي البلاد، لتشمل(18) قائمة المشتبه بهم عددا من الشخصيات العامة من بينهم قضاة ومدعون عامون ورؤساء بلديات، جنبا إلى جنب مع السائق الشخصي لـ "عبد الغني هامل" المدير العام للأمن القومي، الذي نفى الاتهامات ضده معتبرا إياها هجوما شخصيا من رئيس الأركان.

   

فقد "هامل" منصبه بسبب أزمة الكوكايين في نهاية المطاف، ليُطاح بذلك بأحد الخلفاء الأقوياء المحتملين لخلافة الرئيس، غير أن حملة التطهير الجديدة لم تقف عند حدود الهامل فحسب، ولكنها شملت أكثر من عشرة من المسؤولين الأمنيين والعسكريين الأقوياء، بمن في ذلك أربعة من القادة العسكريين الإقليميين الستة، وخمسة من القادة الإقليميين لقوات الدرك، ليتقلص بذلك عدد كبار الجنرالات المحتفظين بمواقعهم قبل عهد بوتفليقة إلى 3 فقط من بين 21 جنرالا، وفي مقدمة الثلاثة "قايد صالح" نفسه بكل تأكيد.

     

 أحمد قايد صالح (الجزيرة)

  

وعلى عكس حملة التطهير السابقة التي استهدفت إمبراطورية مدين، أثارت التعديلات الأخيرة عواصف من التكهنات المتباينة(19)، ومنها نظرية مفادها أن تلك الحملة هي محاولة من بوتفليقة لتأمين الولاء داخل الجيش قبيل انتخابات العهدة الخامسة، ومحاولة لدرء أي انقلاب محتمل ضد الرئيس المسن، خاصة وأن التطهير شمل بعض الحلفاء المقربين نظريا من "قايد صالح" نفسه.

   

ولكن هذه النظرية تفترض ضمنيا أن "بوتفليقة" لا يزال لائقا تماما للقيام بمثل هذه التغييرات، وقبل ذلك أنه لا يزال يتمتع بدعم مطلق داخل الجيش، وهي افتراضات تبقى موضع شك كبير، وهو ما يتركنا مع سيناريو آخر محتمل(20) وهو أن تكون التغييرات بتخطيط "قايد صالح" نفسه، والذي يقوم بإبعاد المنافسين المحتملين له والموالين لشقيق الرئيس "سعيد بوتفليقة" استعدادا لممارسة قدر أكبر من السلطة بمعزل عن الرئيس.

   

ويبقى السيناريو الثالث وهو أن تكون الحملة الأخيرة نتاج صفقة بين الجيش والفريق الرئاسي، تم بموجبها إطلاق يد "قايد صالح" في السيطرة على المؤسسة العسكرية، مقابل دعم "بوتفليقة" خلال الانتخابات المنتظرة في أبريل/نيسان المقبل، وهو ما تدعمه شواهد أن قائد الجيش قد أعلن دعمه صراحة لترشح بوتفليقة لعهدة خامسة رغم المظاهرات الحاشدة المطالبة بتراجعه عن الترشح.

     

  

وراء كل هذه التفاعلات، تبقى هناك حقيقتان بارزتان بوضوح، أولاهما هي أن تغييرا قليلا جدا طرأ على الدور السياسي للجيش في الجزائر منذ الستينيات وحتى الآن، وأنه رغم قيام العديد من العسكريين بتمدين أنفسهم إن جاز القول فإن الجيش لا يزال يملك السلطة بشكل فعلي، أما الحقيقة الثانية فهي أن بوتفليقة نجح في وضع نفسه كنقطة التقاء لشبكة دقيقة من التوازنات، بين الجيش الذي يبدو أنه لا يزال راغبا في الحكم من وراء ستار، وبين تحالف جبهة التحرير الوطني والتحالف الوطني الديمقراطي، وبين شبكات المصالح والولاءات، وفي ظل عدم قدرة هذه الأطراف على الاتفاق على خليفة للرئيس، فإن كفة التوازنات صبّت في مصلحة إعادة ترشيح بوتفليقة من جديد.

   

غير أن ذلك التوجه يبدو أنه يتجاهل بوضوح التحولات الكبرى داخل المجتمع الجزائري، وظهور جيل جديد من الفاعلين لا يحمل أي ولاء لأي من القوى السياسية التقليدية، وهو جيل لم يعد يقبل بحرب الاستقلال كمصدر وحيد للشرعية السياسية، أو يقبل بهيمنة حزب واحد على مقاليد السلطة، وفي الوقت نفسه فإن ذلك الجيل الجديد لم يعد(21) يشتري الرواية التقليدية المحملة بمخاوف الحرب الأهلية، وفي الواقع فإن الغالبية العظمى من ذلك الجيل ولدوا بعد تلك الحرب، وبالتالي فإنها لا تمثل بالنسبة إليهم أكثر من جملة وقائع تاريخية على قسوتها ودمويتها.

     

  

هذا ما يجعل تظاهرات رفض العهدة الخامسة مختلفة إذن، فهي ليست احتجاجات فئوية اقتصادية تطالب بتحسين الرواتب والمزايا، وهي ليست مدفوعة من قِبل تيارات أو أحزاب بعينها يمكن احتواؤها، وهو ما انعكس في تعامل الحزب الحاكم معها، حيث لم يعترف بوجودها ونطاقها فحسب، لكنه وصفها أيضا بأنها سلمية في إشارة واضحة لإدراكه على الأرجح لعدم قابلية تلك الاحتجاجات لارتداء الروايات النظامية التقليدية المشوهة لما يماثلها عادة، إلا أن المشكلة الأبرز في الجزائر تتمثل في أنه لا يوجد(23) أي شكل من الأشكال المعارضة السياسية المنظمة التي يمكنها الاستفادة السياسية من هذا الزخم للإطاحة ببوتفليقة كتوجه شعبي حالي، حتى إن المعارضة فشلت في التوافق على مرشح يمكنه المنافسة على مقعد الرئاسة، وهو ما أدى إلى انقسامها بين أحزاب اختارت المقاطعة بشكل كلي مراهنة على تطور الاحتجاجات، وبين أحزاب شاركت بممثلين ضعفاء لا يرقون لمستوى المنافسة، وربما يكون الاستثناء الأوحد من ذلك هو الجنرال علي لغديري، الذي يراه البعض ممثلا لدولة مدين الأمنية، ولذا فإن ترشحه يثير حفيظة الجيش بشكل ملحوظ.

   

ولا يترك هذا الوضع المتأزم سوى نافذة ضيقة جدا(23) يمكن من خلالها للاحتجاجات التأثير في مستقبل النظام، فإما أن تتكثف الضغوط بما يكفي لدفع النظام لتأجيل الانتخابات من أجل منح فرصة للنخبة الحاكمة للاتفاق على مرشح بديل لـ "بوتفليقة"، وإما أن يصر النظام على المُضي قُدما نحو الانتخابات وهو ما يهدد بتفاقم الاحتجاجات وصولا لحالة من العصيان المدني، وفي كل السيناريوهات يبقى الثابت الأكبر أن دور الجيش سيبقى مركزيا في حسم مصير السلطة في البلاد، وأن أقصى ما يمكن أن يطمح إليه ربيع الجزائر اليوم على الأرجح هو رئيس جديد من داخل النظام نفسه، ولكنه لا يجلس على كرسي متحرك ولا ينتهي اسمه بلقب "بوتفليقة".

المصادر

تقارير متصدرة


آخر الأخبار