انضم إلينا
اغلاق
مناورة خطرة.. هل يشعل ترمب حربا في بحر الصين الجنوبي؟

مناورة خطرة.. هل يشعل ترمب حربا في بحر الصين الجنوبي؟

Foreign Affairs

مجلة سياسية
  • ض
  • ض

على مدار عامين من رئاسته، كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعبر عن استيائه من معظم أشكال الحكم الدولي متعدد الأطراف (Multilitarism). ولكن عندما يتعلق الأمر باثنتين من القضايا الملاحية الملحّة في شرق آسيا، ترى إدارته قيمة الأصدقاء. والقضية الأولى هي إيقاف عمليات النقل غير القانوني للوقود إلى ناقلات تابعة لكوريا الشمالية في بحر الصين الشرقي، وهو تكتيك تستخدمه بيونغ يانغ للالتفاف على عقوبات الولايات المتحدة والأمم المتحدة. لإيقاف التهريب، قامت الولايات المتحدة واليابان بتشكيل ائتلاف من الدول لتحديد السفن الضالعة في هذه التحويلات غير المشروعة بين السفن والتبليغ عنها.

 
ومن ثمّ فهناك قضية بحر الصين الجنوبي، حيث تواصل بكين حشدها العسكري وتصر على مزاعمها البحرية التي تتعارض مع القانون الدولي. وكان رد فعل القوات البحرية داخل المنطقة وخارجها إزاء المواقف العدوانية للصين هو المزيد من العمليات بما في ذلك التدريبات وجمع المعلومات الاستخبارية وخلق الممرات عبر المياه المتنازع عليها، بهدف الحفاظ على حرية الملاحة في الجو والبحر، كما أثنى مسؤولو التنمية في الولايات المتحدة.

 
لسوء الحظ، فقد كانت القيادة الأميركية واضحة بشأن إحدى هذه القضايا البحرية فحسب. صحيح أن واشنطن كانت من وقف وراء الجهود الدولية لإيقاف التهريبات الكورية. لكنها لم تكن بالفعالية ذاتها في التنسيق مع الدول التي تشاطرها الرأي فيما يخص حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي. إن التصدي للصين الجديدة سيستلزم جهدا دوليا تكون واشنطن في طليعته. ويمكن للصين أن تخطط لأفضل الطرق للقيام بذلك، بالرجوع إلى تجربتها في بحر الصين الشرقي.

 

   

تحالف ناجح

في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2017، استهلت الولايات المتحدة حملات مراقبة جوية فوق بحر الصين الشرقي لمراقبة وإعاقة أنشطة السفن المشتبه في انتهاكها العقوبات على كوريا الشمالية. في مطلع عام 2018، قررت إدارة ترامب توسعة جهودها عبر حشد المزيد من الدول لتتبع السفن التي يعتقد أنها تحمل شحنات محظورة. ثم في فبراير/شباط 2018، أوردت صحيفة "أساهي شيمبون"، وهي صحيفة يابانية، أن الولايات المتحدة واليابان تخططان لترتيب اجتماع دولي لتشكيل هذا التحالف. كان من بين المدعوين أستراليا وفرنسا وسنغافورة وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة.

 

منذ مايو/أيار الفائت وطائرات مراقبة تابعة لكل من أستراليا وكندا ونيوزيلندا والمملكة المتحدة تتمركز في قاعدة كادينا الجوية التابعة للجيش الأميركي في أوكيناوا للقيام بدوريات منتظمة فوق بحر الصين الشرقي وبحر اليابان. كما وصلت سفينة حربية بريطانية إلى اليابان للمساعدة في هذه الجهود. وتقوم طائرات الاستطلاع بجمع معلومات عن السفن المشتبه في انتهاكها العقوبات ضد كوريا الشمالية عبر تصوير أعداد القوارب التي تشارك في عمليات نقل غير قانوني للنفط من سفينة إلى أخرى، ويبلغون عن الأمر إلى الأمم المتحدة للمساعدة في إخضاعهم للمساءلة عبر إدراج السفن والشركات الضالعة في الأمر إلى القائمة السوداء والضغط على الدول الأعضاء، لا سيما الصين وروسيا، لاتخاذ إجراءات ضد المخالفين.
 
وتوسع التحالف في سبتمبر/أيلول بإنشاء مركز تنسيق على متن سفينة "USS Blue Ridge". وتحمل السفينة على متنها أكثر من 50 موظفا من أستراليا وكندا وفرنسا واليابان ونيوزيلندا وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة. ومن بين أغراض أخرى لمركز التنسيق قيل إنه قد أُنشئ لتسهيل الاتصالات بين سفن التحالف والسفن التي يشتبه بمشاركتها في التهريب. في نوفمبر/شباط قال الأدميرال فيل ديفيدسون قائد القيادة الأميركية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ إن واشنطن قد خصصت سفينتين لهذه الدوريات وزادت جولات المراقبة بنسبة 50%.

  

سفينة "USS Blue Ridge" (رويترز)

   
وقد حققت جهود التحالف حتى الآن نتائج متباينة؛ ففي ديسمبر/كانون الأول صرح مسؤول في وزارة الدفاع الأميركية لشبكة "NBC" أن المهربين قد تخلوا عن عمليات النقل من سفينة إلى أخرى في 30 مناسبة منذ أكتوبر/تشرين الأول من عام 2017، بعد أن رصدت الدوريات تحركاتهم. لكن من الممكن القول بأن المجموعة دفعت ثمن نجاحها؛ حيث يشير تقرير الأمم المتحدة الصادر في أغسطس/آب إلى أن عمليات التهريب قد انتقلت من بحر الصين الشرقي وبحر اليابان إلى المياه الإقليمية للدول المجاورة مثل الصين لتجنب الكشف، ونتيجة لذلك تتزايد أعداد عمليات النقل بين السفن. يظل مدى فعالية التحالف في وقف انتهاكات العقوبات الكورية الشمالية على المدى الطويل غير واضح بعد، ولكن الجهود الدولية متعددة الأطراف نجحت بلا شك في زيادة الضغط على منتهكي العقوبات والدول الأعضاء في الأمم المتحدة التي غضّت الطرف عن أنشطتهم.

 

التصدي لبكين

إذا كانت واشنطن قد قادت التحالف الذي تصدى للتهريب في بحر الصين الشرقي إلى حد كبير، فإن المشاركة المتزايدة للأطراف الأخرى في عمليات بحر الصين الجنوبي لمواجهة بكين تتسم بتناسق أكبر. لسنوات، والولايات المتحدة تحث الدول التي تشاطرها الرأي بهدوء على زيادة وجودها في بحر الصين الجنوبي للمساعدة في تأكيد حريتها في الملاحة على الرغم من المطالبات البحرية الصينية المبالغ فيها. غير أن واشنطن لم تحاول بعد بناء تحالف رسمي لخدمة هذه الأهداف، تاركة الأمر لدول أخرى لتأكيد حقوقها بشكل فردي.

 

ربما لعب حث الولايات المتحدة دورا في الأنشطة العسكرية المكثفة لدول أخرى في بحر الصين الجنوبي هذا العام. غير أن عسكرة الصين لجزرها الاصطناعية "سبراتلي" ولا سيما نشرها لصور صواريخ أرض جو وصواريخ كروز المضادة للسفن في شهر مايو/أيار لعبت على الأرجح دورا أكبر بكثير. وقد زادت هذه التطورات من المخاوف من قيام بكين بإحكام قبضتها على المجال البحري والجوي لبحر الصين الجنوبي، وهو ما قد يقوض المبادئ القانونية الرئيسية التي يقوم عليها النظام البحري العالمي، ويمنع الشركاء في جنوب شرق آسيا من الوصول إلى حقوقهم ومواردهم، ويؤدي في النهاية إلى عدم الاستقرار وكذلك صراع محتمل في المنطقة. وقد حدا هذا بدوره الدول الأخرى إلى تأكيد حقوقها وإرسال رسالة مفادها أن الولايات المتحدة ليست الدولة الوحيدة المعنية بالحفاظ على حرية الملاحة.

 

    

في عام 2018، زادت أستراليا وتيرة دورياتها في بحر الصين الجنوبي؛ وقال نائب الأدميرال مايكل نونان، رئيس البحرية الملكية الأسترالية، أمام جمهور في المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية في 28 نوفمبر/تشرين الثاني إن البحرية "تبحر بشكل منتظم عبر جزر سبراتلي ومضيق تايوان". وقال أيضا إنه على الرغم من أنه ليس من سياسة أستراليا الإبحار في مساحة 12 ميلا بحريا لمعالم بحرية متنازع عليها في بحر الصين الجنوبي، كما تفعل الولايات المتحدة بانتظام من خلال عمليات تأكيد حرية الملاحة، فإنها تدعم حقوق الآخرين في القيام بذلك.
     
تتعهد الولايات المتحدة بتأكيد حرية عمليات الملاحة في جميع أنحاء العالم للاعتراض على المطالبات البحرية المبالغ فيها أو تأكيد عدم امتثالها للقيود التي تفرضها الدول الأخرى على الحقوق المضمونة دوليا في البحر. وتقوم السفن الأميركية بمجموعة متنوعة من مثل هذه العمليات في بحر الصين الجنوبي، بما في ذلك في مساحة 12 ميلا بحريا من المعالم المحتلة. في بعض الحالات، تؤكد هذه العمليات أن الولايات المتحدة لا تعترف بوجود مياه إقليمية مساحتها 12 ميلا بحريا حول جزر اصطناعية كانت في السابق تحت الماء عند المد العالي، وفي حالات أخرى فإنها تتحدى مطالبة بكين بالإخطار السابق قبل أن تبحر السفن الحربية الأجنبية عبر البحر الإقليمي.

   

في يونيو/حزيران، انضمت مجموعة عمل بحرية فرنسية إلى مروحيات وسفن بريطانية للإبحار عبر بحر الصين الجنوبي. ولم يدخلوا الـ 12 ميلا البحري من المياه الإقليمية حول المعالم المتنازع عليها أو يستهدفوا أي ممتلكات تزعم الصين أنها لها، ولكن كما هو الحال بالنسبة لدوريات أستراليا، كان وجودهم بمنزلة رسالة. وكشفت وزيرة الدفاع الفرنسية، فلورنس بارلي، في حوار لهذا العام، أن مراقبين ألمان كانوا على متن إحدى السفن. وبعد شهرين، أخذت المملكة المتحدة خطوة إضافية عندما أبحرت سفينة إتش إم إس ألبيون عبر جزر باراسيل لتحدي مطالبة الصين غير القانونية بالامتثال للخطوط المستقيمة حول تلك المعالم. وبرسم هذه الخطوط وانتهاك المبادئ القانونية الدولية تعلن بكين أن البحر داخل هذه الخطوط تحت مياهها الداخلية ومغلق أمام السفن الأجنبية. وكان مرور "ألبيون"، الذي تحدى هذا المطلب، المرة الأولى التي تشارك فيها قوات بحرية بخلاف الولايات المتحدة علانية في عملية حرية ملاحة واضحة.

 

  

في 31 أغسطس/آب، وهو يوم تمرين ألبيون، شاركت البحرية الأميركية وقوة الدفاع الذاتي اليابانية في مناورة ثنائية في بحر الصين الجنوبي. ثم في سبتمبر/أيلول، أرسلت اليابان غواصة للانضمام إلى ثلاث من مدمّراتها في مناورة الحرب المضادة للغواصات في بحر الصين الجنوبي. وكانت هذه هي المرة الأولى التي تقر فيها اليابان علانية بتدريبات الغواصات في تلك المياه. ويبين هذا الازدياد في النشاط البحري توسع القلق من محاولات الصين إعادة كتابة قواعد القانون الدولي العرفي في بحر الصين الجنوبي. ولا توجد دولة أخرى لديها ما يماثل برنامج حرية الملاحة الذي لدى الولايات المتحدة، غير أن جميع القوات البحرية الأجنبية النشطة في بحر الصين الجنوبي تؤكد حرية الملاحة بقيامها بهذه التدريبات، حتى لو لم يكن هذا هو غرضها الوحيد. ففي نهاية المطاف، تعترض الصين على أي أنشطة عسكرية أجنبية دون إخطار في المياه التي تدّعي ملكيتها، وتصدر القوات الصينية في كثير من الأحيان تحذيرات للسفن العسكرية الأجنبية والطائرات لكي تترك "مناطق إنذار عسكرية" أو تتوقف عن "تهديد أمن" مرافق صينية بمجرد العبور في المجال الجوي الدولي والمياه القريبة.

 

حان وقت القيادة

إن ظهور هذا الاستعداد الدولي الجديد لتأكيد الحقوق في بحر الصين الجنوبي يمثل فرصة للقيادة، غير أن الولايات المتحدة لم تغتنمها بعد. وتهدد مطالبات بكين مجموعة واسعة من حريات البحار، وليس فقط حرية الملاحة للسفن العسكرية الأجنبية. وذلك يشمل الحقوق الحصرية للدول الساحلية في جنوب شرق آسيا لصيد الأسماك واستغلال موارد قاع البحار وممارسة مهام إنفاذ القانون وغيرها من الاختصاصات القضائية في مياههم الخاصة. إن عمليات حرية الملاحة، حتى لو نفّذها تحالف متنوع من الدول، ليست كافية للدفاع عن القانون الدولي ووقف التحريفية الصينية.

 
ولفعل ذلك يجب على الولايات المتحدة ممارسة القيادة المتعددة الأطراف نفسها التي أظهرتها في بحر الصين الشرقي، وضم أطراف تشاطرها الرأي مثل أستراليا وفرنسا واليابان والمملكة المتحدة في تدريبات مشتركة وأنشطة أخرى لبناء التحالف مع شركاء جنوب شرق آسيا خاصة الفلبين وفيتنام. وسيبعث ذلك إشارة واضحة أن هذه الدول، مثل الولايات المتحدة، مهتمة بالدفاع ليس عن حريتهم في الملاحة فحسب، بل عن حقوق أصحاب مطالبات بحر الصين الجنوبي كذلك. وقد يؤدي مثل هذا التعاون إلى إنشاء قوة عمل مشتركة في نهاية المطاف في إحدى دول جنوب شرق آسيا للمساعدة في ردع المزيد من العدوان الصيني أو المطالبات الجديدة في بحر الصين الجنوبي.
   

 
وعلى الصعيد الدبلوماسي، على الولايات المتحدة تجنيد هذه الدول وغيرها مثل كندا والشركاء الأوروبيين لإعادة بحر الصين الجنوبي على رأس الأجندة الدولية. وكنقطة انطلاق جيدة، عليها تضمين لغة قوية في بحر الصين الجنوبي في بيان قادة مجموعة السبعة السنوي تتجاوز مجرد الإعراب عن القلق بشأن حرية الملاحة ودعم العمليات الدبلوماسية التي كانت جزءا من بيان وزراء خارجية الدول الأعضاء في مجموعة السبعة (G-7) في أبريل/نيسان 2018. يجب أن تبين هذه اللغة بوضوح أن دول مجموعة السبع ملتزمة بدعم جميع الاستخدامات المشروعة للبحار، بما في ذلك ممارسة دول جنوب شرق آسيا لحقوقها في الموارد داخل مناطقها الاقتصادية الخالصة. إن الجهد الدبلوماسي الدولي المنسق سيكون كفيلا بزيادة الوعي بالعدوان الصيني في بحر الصين الجنوبي وجعل انتهاك القواعد المستمر للصين أكثر كلفة بتقويض صورتها كزعيم عالٍ وشريك دولي قوي.
 
إن تحالفا فعالا يتصدى لقضية بحر الصين الجنوبي هو الذي سيساعد في الدفاع عن الحقوق التي ينبغي أن تتمتع بها دول جنوب شرق آسيا في مياهها الخاصة، ويجبر، في الوقت ذاته، بكين على تقديم تنازلات طويلة الأجل لجيرانها أو دفع ثمن دبلوماسي واقتصادي باهظ. لكن لكي ينجح الأمر، تحتاج واشنطن إلى جلب سيناريو الإبداع الذي كان في حالة بحر الصين الشرقي إلى بحر الصين الجنوبي.

--------------------------------------------------------

ترجمة (سارة المصري)

هذا الموضوع مترجم عن Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار