انضم إلينا
اغلاق
"حراس الدين".. هكذا تعيد القاعدة طرح نفسها في سوريا

"حراس الدين".. هكذا تعيد القاعدة طرح نفسها في سوريا

  • ض
  • ض

بداهة، لا تعد الحروب والمعارك في سوريا أمرا غير مألوف بأي حال، لكن تلك المعركة التي وقعت منذ أقل من شهرين، في العاشر من فبراير/شباط المنصرم، في بلدة "تل حدية" بريف حلب الجنوبي، وتمددت لاحقا في أرياف "حماة" و"إدلب" و"اللاذقية"(1) كانت مختلفة بكل المقاييس، حيث كانت هذه المعارك المظهر الأخير والأوضح لاشتعال الخلاف الجهادي مجددا بين أصدقاء الأمس وأعداء اليوم، وعلى وجه الدقة بين "هيئة تحرير الشام"؛ الحاكم العسكري لإدلب ووريث "جبهة النصرة" الممثل الأساسي لتنظيم القاعدة في الحرب السورية، وبين تنظيم "حرّاس الدين"، الممثل الجديد للقاعدة من الجهة الثانية.

   

ورغم أن اقتتال فبراير/شباط انتهى بإعلان اتفاق بين الطرفين يقضي بوقف المشاكسات الإعلامية، والتوافق على حل المشاكل العالقة بينهما في الجوانب الأمنية والقضائية والحقوقيّة، فإنّه كشف بالمقابل عن مدى حدة وتوتر علاقتهما وإمكانيّة تحولها في أي وقت إلى صدام عسكري شامل، خاصّة بعد تمدّد الهيئة الأخير عسكريا على حساب حركة نور الدين الزنكي، حليفها السابق، في حلقة أخيرة من مسلسل تصفيات الهيئة لفصائل "الجيش الحر" و"الكتائب الإسلامية" المعارضة المسلحة، وتمدد الجبهة سياسيا ومدنيا عبر إرغام الجهات الحاكمة خارج مناطقها على الرضوخ لشروطها والخضوع لسيطرة ذراعها المدني المسمّى "حكومة الإنقاذ"، وهو الذراع المتحكم في جميع الشؤون المدنية والقضائية في إدلب والأرياف المحيطة بها.

  

وبينما يُصنّف تنظيم "حرّاس الدين" باعتباره نموذجا مصغّرا لـ "تنظيم الدولة الإسلامية" المعروف بـ "داعش"، خاصّة بعد احتضان حراس الدين لعناصر "تنظيم الدولة" الفارين إلى إدلب، أو التابعين سابقا لفصائل محسوبة عليه كـ "جند الأقصى"، فإن التنظيم يعد نفسه على ما يبدو فرعا لتنظيم "القاعدة" وليس "تنظيم الدولة" المنهار، ويميّز مشروعه بتبعيّة أيديولوجية وتنظيمية لإمارة زعيم "القاعدة" الحالي "أيمن الظواهري"، وغالبا ما يتمسك بتجنب الاحتكاك المباشر بالمجتمعات المحليّة في إدلب إلّا في الإطار الدعوي استنادا إلى المدرسة التقليدية للقاعدة.

    

  

وبوصفه آخر النجوم الصاعدة في ساحة القتال السورية، وفي ضوء الصراع مع هيئة تحرير الشام، فإن "حراس الدين" من المرجح أن يفرض نفسه كقوة لا يمكن تجاوزها لفهم تعقيدات "الحالة الجهادية" السورية إن جاز التعبير، وصراعاتها الداخلية خاصة مع أفول نجم "تنظيم الدولة" الذي هيمن على المشهد الجهادي السوري خلال السنوات الماضية، وانزواء الصراع الجهادي الكبير بين الدولة والقاعدة في بلاد الشام، لصالح صراع جديد يدور بشكل رئيس حول هوامش الولاء الأيديولوجي والتنظيمي لتنظيم القاعدة المركزي بقيادة الظواهري.

 

الجولاني.. من رحم القاعدة إلى محاربة "الإرهاب"

لم تكن الولادة الفعلية والحديثة لـ "حراس الدين" في 27 فبراير/شباط للعام الماضي 2018 هي بداية القطيعة النهائية بين "أبي محمد الجولاني"، زعيم "جبهة النصرة" سابقا، وبين "تنظيم القاعدة"، حيث كان "الجولاني" قد قطع العلاقات بين الفصيلين بالفعل بإعلانه تأسيس "جبهة فتح الشام" في يوليو/تموز 2016، وفك الارتباط بتنظيم القاعدة الأم (2)، لتبدأ بعد شهر موجة من الانشقاقات الداخلية في التنظيم رفضا لخطوة الجولاني، انشقاقات بدأت مع إعلان القياديين الأردنيين إياد الطوباسي المعروف بـ "أبي جليبيب الأردني"، وبلال خريسات المعروف بـ "أبو خديجة الشرعي"، ثم القائد العسكري للجبهة سمير حجازي "أبو همام الشامي" والقائد الشرعي العام "سامي العريدي"؛ إعلانهم جميعا ترك صفوف "جبهة فتح الشام" (3).

     

الجولاني قائد هيئة تحرير الشام (مواقع التواصل)

  

كان ذلك هو الصدام الأول بين القاعدة وفتح الشام، وتلاه بعد أربعة أشهر، أي في يناير/كانون الثاني لعام 2017، إعلان الأخيرة الاندماج مع عدة تشكيلات أخرى أهمها حركة "نور الدين الزنكي" لتشكلا معا ما عُرف بـ "هيئة تحرير الشام" (4)، وبعدها زادت وتيرة الانشقاقات عن هيئة "الجولاني" الجديدة، وانخرط أتباع القاعدة القدامى في جهودهم لإطلاق فرع جديد للتنظيم في سوريا، وهو ما رآه الجولاني تهديدا لهيئته حديثة النشأة، وزاد من مخاوفه بشأن تأثير أي كيان جديد ليس فقط على شرعية تنظيمه، ولكن على قدرته على استقطاب المزيد من المقاتلين.

  

شيئا فشيئا كان الاحتقان يتزايد بين الفريقين وحلفائهم في الفضاء "الجهادي" السوري العام، مؤججا لصراع إعلامي شرس بينهما خاصة في ظل مساعي المنشقين لاستقطاب الكوادر الموالية للقاعدة من داخل الهيئة، وهو ما دفع شخصيات "جهادية" عالمية، أهمّها "أبو محمد المقدسي" و"أبو قتادة" و"أبو محمود الفلسطيني"، لإطلاق مبادرة للصلح بعنوان "والصلح خير" في 25 أكتوبر/تشرين الأول للعام نفسه 2017، إلّا أن المبادرة ولدت ميّتة على ما بدا (5)، بالرغم من إصدار مختلف الأطراف بيانات تباركها وتؤيّدها.

  

في ذلك التوقيت على ما يبدو كان الجولاني يخطط لحسم الصراع بطريقة مختلفة، إذ أقدم بعد شهر فقط على مبادرة الصلح -وتحديدا في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2017- على إطلاق حملة اعتقالات في محاولة لوأد تحركات المنشقين، اعتقالات شملت أسماء مثل سامي العريدي، وإياد الطوباسي، وأبو القسام الأردني، وأبو الهمام الشامي، وأبو خديجة الأردني، وآخرين (6)، لكنّ هذه الحملة يبدو أنها قلبت الطاولة على رأس الجولاني وحلفه، وأخرجت الصراع داخل "البيت القاعدي" إلى العلن بشكل واضح، خاصة بعد صدور كلمة صوتية للظواهري في اليوم التالي انحاز فيها إلى صفوف المعتقلين، وأدان فيها الجولاني أنه -أي الظواهري- "لم يقبل أبدا بحل النصرة من بيعة القاعدة" حد تعبيره (7).

    

  

وعلى إثر ذلك، تواصلت الانشقاقات عن الهيئة، التي اضطرت للإفراج عن المعتقلين لاحقا تحت وطأة ضغوط الوسط الجهادي العالمي (8)، لتبدأ جولة أخرى من حرب البيانات وموجات التصعيد التي تخللتها مبادرات الصلح بين الهيئة وتيار المنشقين، مثل مبادرة "16 بند" (9)، وهي مبادرات لم تثمر عن أي نتيجة إيجابية، في وقت استمرت فيه المواجهات في التصاعد، لتدخل مطلع فبراير/شباط الماضي مرحلة أكثر تطورا لتشمل قضايا سياسية وتنظيمية، مثل التعامل مع الوجود التركي في إدلب، وتطبيق مقررات اتفاق سوتشي، إضافة ، إضافة لمطالبة حراس الدين لهيئة تحرير الشام بالسلاح، وهو أمر قد أتى ضمن رد سامي العريدي على ما عرف إعلاميًا باسم المسائل الست، والتي تعد اليوم أبرز فصول الخلاف بين الهيئة وحراس الدين.

  

يتجاوز الصراع بين الفريقين قضايا المرجعية إذن، رغم كونها تظل العنوان الرئيس له، ففي حين يتمسك تنظيم حراس الدين بمرجعية تنظيم القاعدة الأم وبالولاء للظواهري كأمير التنظيم ولأبي محمد المقدسي كمرجعية أيديولوجية، تتمسك هيئة تحرير الشام بمشروعها الخاص وتستند إلى أبو قتادة الفلسطيني بوصفه المرجعية الجهادية الداعمة لفك الارتباط.

   

ذلك فيما تأتي الخلافات السياسية والتنظيمية حول مسائل السلاح والمال، والتعامل مع الجانب التركي، وفتح الطرق الدولية تطبيقا لمقررات سوتشي، لتشكّل المستوى الثاني من الانقسام، الذي أحدث افتراقا بين مشروع يصرّ على تحمّل أعباء الثبات على ولائه للقاعدة وهو حراس الدين، مقابل آخر يذهب إلى التخفّف من التكلفة، وتقديم المصلحي على العقدي، في مقاربة اعتمدت على ادعاء المشروعية و"المباركة" المعتادة من القاعدة نفسها.

   

حراس الدين.. الوجه الجديد للقاعدة

  

يمكن اعتبار تنظيم "حراس الدين" هو الممثل الشرعي الجديد لقيادة القاعدة في بلاد الشام إذن، وهو يقع اليوم تحت قيادة القائد العسكري السابق لجبهة النصرة "سمير حجازي" والمكنّى باسم "أبو همام الشامي". بدأ "الشامي" مسيرته الجهادية بعد وصوله إلى أفغانستان عام 1999 قادما من ريف دمشق، ومثّلت اللحظة التي صافح فيها الشامي زعيم تنظيم القاعدة التاريخي وقتها "أسامة بن لادن" معلنا بيعته؛ نقطة تحوّل مفصلية في سيرة القائد الصلب والعسكري المتمرّس، خاصّة بعدما عيّنه "ابن لادن" مسؤولا على السوريين في أفغانستان، ليشارك في الكثير من عمليات القاعدة هناك، قبل إرساله إلى العراق عام 2003، حيث التقى بـ "أبي حمزة المهاجر" و"أبي مصعب الزرقاوي" الأب الروحي ومؤسس تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، والأب الروحي لـ "تنظيم الدولة" أيضا.

  

لم يتم "الشامي" إلا أربعة أشهر في العراق قبل أن تتمكّن المخابرات العراقية من اعتقاله وترحيله إلى سوريا، ليُحتجز فيها فترة بسيطة، قبل أن يغادر خلسة إلى لبنان، لتحتجزه السلطات اللبنانية وتزجّه في سجن "رومية" بعد الحكم عليه لمدّة خمس سنوات، بصحبة رفيقه "طلحة الدوسري"، ومع وصوله إلى سوريا عام 2012 بعد اندلاع الثورة السورية، فإنه شكّل مع رفاق القاعدة النواة الأولى لجبهة النصرة (10).

  

أما الرجل الثاني في التنظيم، والأكثر راديكاليّة ربما، والذي تصدّر مهمّة تفنيد التأصيلات العقدية والتنظيمية لهيئة تحرير الشام، فهو الدكتور سامي العريدي (11) المولود في العاصمة الأردنية عمّان عام 1973، والحاصل على شهادة الدكتوراه في الحديث من كليّة العلوم الشرعية بالجامعة الأردنية عام 2001، ورغم أن تاريخ "العريدي" في الجهاد يعد قصيرا نسبيا ويقتصر على تجربته في صفوف جبهة النصرة بعد وصوله إلى سوريا إبّان الثورة السورية، فإنه عدّ الحليف الأقوى للجولاني بعد إعلان البغدادي قيام "الدولة الإسلامية"، حيث ساهم في تثبيت كتلة الجهاديين الأردنيين تحت مظلّة النصرة، بعدما بدأت طلائع المهاجرين بمبايعة البغدادي والانضمام إلى تنظيم الدولة، وهذا ما دعا الجولاني لاعتباره ممثّل النصرة في المسائل الشرعية والعقائدية (12).

     

أبو همام الشامي (يمين) وسامي العريدي (مواقع التواصل)

  

وبخلاف "الشامي" و"العريدي"، يضم مجلس شورى تنظيم حراس الدين شخصيات أخرى لها باع في العمل الجهادي، مثل أبو عبد الرحمن المكّي وأبو القسام الأردني وأبو خديجة الأردني وأبو عبد الكريم المصري، غير أن الاسم الأكثر إثارة للانتباه في القائمة هو ابن مدينة الزرقاء الأردنية إياد الطوباسي، أو "أبو جليبيب الأردني"، صهر أبو مصعب الزرقاوي نفسه.

  

كان الطوباسي قد التحق بتنظيم القاعدة في العراق بعد الغزو الأميركي، وكان من المؤسسين لجبهة النصرة بعد مجيئه إلى سوريا في عام 2011 حيث تولى قيادة فرع النصرة في الجنوب السوري، قبل أن ينتقل إلى الشمال في عام 2015، وكان من أبرز معارضي الجولاني في قضية فك البيعة مع القاعدة، لتنتهي قصّته بمقتله بعد خداع المهرّب الذي تكفّل بنقله إلى الجنوب مع اثنين من رفاقه أوائل عامنا الحالي (13).

  

وبخلاف هؤلاء القادة، ينضوي تحت لواء "حرّاس الدين" اليوم العديد من المجموعات الجهادية، التي عمل أغلبها سابقا في إطار تحرير الشام، منها "جيش الملاحم"، و"جيش الساحل"، و"جيش البادية"، و"سرية كابل"، و"جند الشريعة"، إضافة إلى بقايا "جند الأقصى"، الفصيل المقرّب من تنظيم الدولة. وفي حين تسيطر كتلة الجهاديين الأردنيين على قرار التنظيم من خلال مجلس الشورى، يُمثّل المقاتلون من شبه الجزيرة العربية ومن المغرب العربي قرابة نصف تعداد مقاتلي التنظيم الذين يتراوح عددهم ما بين 2000 إلى 2500 مقاتل، فيما تعود أصول معظم السوريين في التنظيم إلى مناطق حماة وريفها الشمالي وتحديدا طيبة الإمام، ومعرزيتا وسراقب وسرمين بريف إدلب، بينما توجد مقرّات التنظيم بشكل أساسي في مواقع متقدّمة على خطوط التماس مع قوات النظام، وتحديدا في ريف حماة الشمالي، وجبل التركمان بريف اللاذقية، وريف حلب الجنوبي، بالإضافة إلى جبل باريشا وجبل الزاوية بريف إدلب الغربي (14).

    

تخبرنا طريقة توزيع تنظيم حراس الدين لجبهاته القتالية بالقرب من نقاط المراقبة التركيّة، وتفضيله التحرّك في الطرق الدوليّة، إلى كون التنظيم يركز انتشاره على مقاومة النظام بالأساس

مواقع التواصل
  

وبينما يغلب على أبجديات تنظيم الحراس طابع الانعزال عن المجتمعات المحليّة ونبذ الاقتتال الداخلي، لكن ذلك لم يحل دون وجود توجّه بين الحين والآخر لفرض الصورة المتخيّلة للمجتمع الإسلامي لدى الجهاديين وبعض العوام على أرض الواقع، وهو ما ظهر في حوادث عدّة، منها على سبيل المثال حادثة اقتحام جامعة إيبلا الخاصة في مدينة سراقب بريف إدلب في مايو/أيار العام الماضي، تحت دعوى "منع الاختلاط بين الجنسين وفرض الالتزام باللباس الشرعي" كما سميت، غير أن تحرير الشام عملت في الآونة الأخيرة على تحجيم تدخّل الحراس في الشأن المدني، مستندة إلى الرفض الشعبي للتشكيلات العسكرية بالعموم والإسلامية بالخصوص، إضافة إلى تصاعد العداء والكره للمقاتلين غير السوريين "المهاجرين" (15).

  

ميدانيا، تخبرنا طريقة توزيع التنظيم لجبهاته القتالية بالقرب من نقاط المراقبة التركيّة، وتفضيله التحرّك في محيط الطرق الدوليّة مثل "دمشق- حلب"، و"اللاذقية- حلب"، إلى كون التنظيم يركز انتشاره يركز انتشاره في مناطق حسّاسة في سياق مواجهة النظام بشكل أساس، وتحرير الشام بشكل ثانوي كما حدث خلال الشهرين الماضيين، غير أن التنظيم يدرك جيدا ضعف قدرته العسكرية ومحدودية قدرته على التأثير في مصير إدلب السياسي، لذا فإنه يبقى مترددا في تطوير مناوشاته إلى معارك عسكرية كبرى قد تدفع هيئة تحرير الشام لتقليم أظافر التنظيم الجديد.

  

وأمام المستقبل المجهول للتسوية السياسية في منطقة إدلب ومحيطها، تتأرجح العلاقة بين حراس الدين وهيئة تحرير الشام، مدّا وجزرا، في الوقت الذي تسعى فيه الهيئة لإدارة ملف حراس الدين على المستويين المحلي والدولي بما يخدم مصالحها، فمن جهة فإنها تستثمر جهودها في مواجهة أي تصعيد من قِبل النظام، ومن جهة ثانية تزايد الهيئة على وجود حراس الدين لدفع تهمة الإرهاب عنها، وتوجيه الأنظار إلى الحراس بوصفهم ذراع القاعدة في بلاد الشام، في الوقت الذي تعيد فيه الهيئة تقديم نفسها كفصيل محليّ ذي مشروع سياسيّ يمكن التفاهم معه.

    

  

وفيما يستظّل الحراس بعلاقتهم الإيجابية مع الفصائل الأخرى، وعلى رأسها "جيش العزّة"، الذي ساهم في فتح مقرات وتقديم الدعم للتنظيم في الأشهر الفائتة، يستعد التنظيم لاحتمالية المواجهة مع الهيئة خاصة مع رفضه الانصياع لقراراتها بتثبيت مخرجات اتفاق سوتشي (16)، مع وجود احتمالية -وإن كانت ضئيلة- لأن يتوصل الطرفان إلى صيغة تفاهم تتضمن حل تنظيم الحراس سلميا وإلحاق عناصره بتشكيلات أخرى، وهو ما يعني الاعتراف بأن "الهيئة" تقوم مقام الدولة في المناطق التي تسيطر عليها، بينما تدير علاقاتها المحليّة مع "ميليشيات" مسلّحة في مناطق سيطرتها، محاولة استثمارها كقوات حرس للحدود، مقابل تفرّغها لإدارة مشهد الحوكمة الداخلية من جهة والمفاوضات الخارجية من جهة ثانية.

    

وتبقى المعضلة المركزية في هذا الصدد هي التكهّن بمصير قادات التنظيم المتبقين من رموز القاعدة المتصلّبين على مواقفهم، والذين يدركون أن قبولهم بمثل هذا الطرح سيعيدهم إلى المربّع الأولى منذ تأسيس فتح الشام، وهو التوقيع على دفن مشروع تنظيم القاعدة في سوريا، وهو ما سيضع الجولاني أمام خيار صعب، فإما التدخل لتصفية أو سجن رفاق الأمس في قاعدة الجهاد، وإما الحفاظ على شعرة معاوية بينه وبينهم، واحتمال ذلك الصداع السياسي والتنظيمي إلى حين حسم مصير إدلب الواقعة في قلب أكبر لعبة عرائس سياسية وعسكرية تمسك بخيوطها عشرات القوى المحلية والإقليمية والدولية.

المصادر

تقارير متصدرة


آخر الأخبار