انضم إلينا
اغلاق
الصراعات (اليهودية - اليهودية).. هل اقتربت لحظة التخلي الأميركي عن إسرائيل؟

الصراعات (اليهودية - اليهودية).. هل اقتربت لحظة التخلي الأميركي عن إسرائيل؟

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض

تبدأ القصة بما نعرفه جميعا الآن؛ فلم تكد نائبة ولاية مينيسوتا الديمقراطية "إلهان عمر" تمضي بضعة أسابيع في موقعها الجديد بمجلس النواب الأميركي؛ حتى نجحت في إثارة عاصفة من الجدل فاقت ذلك الجدل الذي صاحب فوزها بالمقعد قبل أشهر قليلة -نهاية العام الماضي- كأول لاجئة صومالية مهاجرة وواحدة من امرأتين مسلمتين فازتا لأول مرة بمقعد تشريعي في مجلس النواب الأميركي، وكان الجدل هذه المرة بفضل تغريدة أطلقتها "عمر" عبر حسابها الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، وهي تغريدة يبدو أن "إلهان" تجاوزت عبرها بشكل مبكر أحد الخطوط الحمراء القليلة للمشرعين الأميركيين، عبر انتقادها لتأثير ونفوذ اللوبي الإسرائيلي في الحياة السياسية الأميركية، وهو خط أحمر لم يجرؤ أكثر السياسيين المخضرمين في واشنطن على تجاوزه في أي وقت.

 

ففي تغريدة لها في فبراير/شباط المنصرم، قالت "عمر" إن دفاع السياسيين الأميركيين عن إسرائيل "يتعلق دوما ببنجامين"، في إشارة إلى ورقة المئة دولار التي تحمل صورة الرئيس الأميركي الأسبق "بنجامين فرانكلين"، وكانت "عمر" تقصد(1) على ما يبدو الأموال التي تدفعها لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية الشهيرة "آيباك"، وقد أثارت التغريدة انتقادات واسعة وسط اتهامات للنائبة المسلمة بمعاداة السامية، انتقادات لم تقتصر على الرئيس دونالد ترامب والذي طالبها وقتها بالاستقالة من موقعها رغم اعتذارها عن التغريدة وحذفها في وقت لاحق، ولكنها شملت أيضا العديد من قيادات الحزب الديمقراطي نفسه، وفي مقدمتهم زعيمة الأغلبية بمجلس النواب والديمقراطية المخضرمة "نانسي بيلوسي"، والتي قالت إنها تحدثت إلى "إلهان" وطالبتها بالاعتذار عن موقفها.

      

      

وعلى الرغم من أن المشهد وقتها بدا وكأنه بمنزلة إجماع سياسي على انتقاد إلهان عمر، وتأكيد للخطوط الحمراء التي تمنع ما ينظر إليه سياسيو واشنطن كـ "عبث" بالقواعد الضمنية للعلاقة بين اللوبيات الداعمة لإسرائيل وبين السياسيين الأميركيين، حتى لو تطلّب ذلك توظيف معاداة السامية مجددا كسلاح(2) لإسكات منتقدي دولة الاحتلال؛ برغم ذلك فيبدو أن تغريدة النائبة الديمقراطية -والنقاش الذي أثارته- قد كشفت النقاب عن خلاف يختمر في الولايات المتحدة منذ فترة طويلة حول طبيعة علاقة البلاد مع إسرائيل، والأسس التي تقوم عليها هذه العلاقة، وعما إن كان الدعم غير المسبوق الذي قدمته واشنطن لتل أبيب على مدار سبعة عقود تقريبا له ما يبرره أم لا، وهو خلاف يدور بشكل رئيس ضمن صفوف قواعد الناخبين الديمقراطيين، ويتسبب يوما بعد يوم في انقسام واضح بين صفوف سياسيي الحزب الديمقراطي.

   

كان هذا الانقسام واضحا في اجتماع التاسع من يونيو/حزيران لعام 2016، حين عقدت اللجنة المكلفة بصياغة وثيقة مبادئ سياسية جديدة للحزب الديمقراطي اجتماعاتها باليوم الثاني في فندق "أومني شورهام" في حي "وودلي بارك" الراقي في واشنطن، وتهدف الوثيقة التي تتم إعادة كتابتها كل 4 أعوام -على رأس كل انتخابات رئاسية- إلى التعبير عن توافق الآراء بين الديمقراطيين حول القضايا الرئاسية، وقد تضمنت الجلسة المسائية في اليوم المذكور نقاشا حول ما ينبغي أن يتم إدراجه حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وكان على الديمقراطيين حينها أن يختاروا بين تجديد موقف الحزب الرسمي المؤيد بقوة لإسرائيل، وبين تقديم بعض التنازلات للفلسطينيين.

 

قبل أيام فقط من تلك الجلسة -التي روت(3) وقائعها صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية- كان من الواضح أن "هيلاري كلينتون" في طريقها لتأمين العدد الكافي من المندوبين لضمان بطاقة الترشح عن الحزب في الانتخابات الرئاسية المنتظرة، غير أن "بيرني ساندرز" لم يكن قد رفع الراية البيضاء بعد، وقررت اللجنة الوطنية الديمقراطية -التي عادة ما تقوم باختيار اللجنة المنوطة بصياغة هذه الوثيقة- أنها ستسمح للمرشحين الرئيسيين باختيار معظم أعضاء اللجنة البالغ عددهم 15 عضوا، حيث تم السماح لساندرز باختيار 5 أعضاء، بينما كانت حصة كلينتون 6 أعضاء، فيما اختارت اللجنة نفسها الأعضاء الباقين "4".

     

بيرني ساندرز  (الفرنسية)

  

لاحقا، اجتمعت اللجنة المختارة في قاعة أخرى داخل الفندق نفسه بحضور المندوبين الذين اختارهم كلا المرشحين، وللوهلة الأولى ظهر التباين الواضح بين المندوبين الذين اختارهم كلا المرشحين، حيث فضّل "ساندرز" اختيار مندوبيه من الأقليات مثل الأكاديمي الأميركي صاحب الأصول اللبنانية "جيمس زغبي"، رئيس المعهد العربي الأميركي، إضافة إلى الناشطة الأميركية "ديبورا باركر"، و"كورنيل ويست" وهو أستاذ جامعي من أصل أفريقي، فيما كان معظم الذين اختارهم كلينتون لتمثيلها من اليهود الأميركيين، مثل عضو الكونغرس المتقاعد "هوارد بيرمان"، ووكيل وزارة الخارجية السابق "ويندي شيرمان".

 

بالإضافة إلى ذلك، قام كلٌّ من "ساندرز" و"كلينتون" بتحديد شخص واحد لتقديم شهادته كخبير، وكان خبير ساندرز هو "مات دوس" الذي كان آنذاك رئيسا لمؤسسة سلام الشرق الأوسط، أما كلينتون فقد اختارت "روبرت ويكسلر" وهو عضو كونغرس يهودي سابق عن ولاية فلوريدا وأحد الداعين لعلاقات أبدية بين واشنطن وتل أبيب، وقد تحدث "ويكسلر" كمؤيد لحل الدولتين ورافض لوضع كلمات "الاحتلال" و"المستوطنات" في برنامج الحزب، كما انتقد حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات "بي دي إس" والتي تسعى لممارسة ضغوط دائمة على إسرائيل لإنهاء احتلال الأراضي الفلسطينية، محتجا بأنه في الوقت الذي تتزايد فيه معاداة السامية حول العالم، فإن الديمقراطيين عليهم محاربة أي جهود تهدف إلى عزل إسرائيل بدلا من إضفاء الشرعية عليها.

 

في المقابل، تحدث "دوس"، الخبير المعين من قِبل ساندرز، مُنوّها بأهمية الصداقة مع إسرائيل، لكنه انتقد في الوقت نفسه "الاحتلال الإسرائيلي" المستمر للأراضي الفلسطينية والقيود التي تفرضها على الحريات السياسية والمدنية للشعب الفلسطيني، قائلا إن الصراع يضر بالمصالح الأميركية ومستشهدا بملاحظات لجيمس ماتيس قائد القيادة المركزية الأميركية -والذي سيصبح وزير الدفاع لاحقا- في عام 2013، والتي قال فيها إن الولايات المتحدة "دفعت ثمن تحيزها لإسرائيل من أمنها العسكري".

    

جيمس ماتيس (غيتي)

  

وجاءت كلمة "كورنيل ويست" المعين من قِبل ساندرز لتصب في السياق ذاته؛ حيث انتقد تمسك الحزب الديمقراطي طويل الأمد بـ"آبياك" التي لا تأخذ حقوق الفلسطينيين بالجدية الكافية، ومُنوّها بأن الحزب يمر بنقطة تحوّل في قواعده الجماهيرية، وأن هذا هو السبب وراء دعمه لحركة مقاطعة إسرائيل "بي دي إس"، قائلا إن الأمر لا يتعلق بمعاداة السامية التي لا يجب أن تستخدم كذريعة للتقليل من معاناة الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية.

 

كانت الغلبة في نهاية المطاف لصالح فريق كلينتون، حيث لم يشر النص النهائي إلى المستوطنات وتم استبعاد لفظ "الاحتلال"، فيما تمت الإشارة إلى القدس بوصفها عاصمة لإسرائيل وحدها، وتمت إدانة أي جهد لنزع الشرعية عن إسرائيل عبر حملات المقاطعة، غير أن تلك الصيغة الصارمة والمنحازة لم تفلح في إخفاء حقيقة صارت واضحة وضوح الشمس؛ وهي أن هناك انقساما لا يمكن تجاهله داخل الحزب بين فريقين كبيرين يضم أحدهما القيادات الروتينية المتمسكة بالعلاقة التقليدية مع إسرائيل واللوبيات الموالية لها، وهي قيادات ترى أن أي انحراف عن هذا الموقف يمكن أن يتسبب في خسائر كبيرة للحزب، ليس فقط على مستوى الممولين الذين يُشكّل اليهود الأميركيون نسبة كبيرة منهم، ولكن أيضا على المستوى الجماهيري في ظل الاستقطاب المتزايد مع الجمهوريين.

 

فيما يضم الفريق الآخر القيادات الأكثر تقدمية التي تأخذ بالاعتبار التغيرات المتزايدة في الأسس التي قامت عليها العلاقات الأميركية الإسرائيلية، والمشهد المتغير لقواعد الناخبين الديمقراطيين الذين أصبحوا بمرور الوقت أقل تمسكا بإسرائيل وأكثر تشككا بممارساتها وسردياتها، وهو موقف لا يقتصر على الأقليات التي اكتسبت نفوذا متزايدا في المجتمع الأميركي، ولكنه يصل إلى قواعد الدعم الأصيلة لإسرائيل من اليهود الأميركيين، الذين كانوا تاريخيا -ولا يزالون- أكثر ولاء لمبادئ الديمقراطيين من ولائهم المفترض لإسرائيل.

  

إن السؤال حول السبب الحقيقي وراء هذا الدعم الأميركي يبقى مثيرا للجدل للغاية، ليس فقط في الشرق الأوسط ولكن حتى في أميركا نفسها

رويترز
    
نوادي أصدقاء إسرائيل

غالبا ما يعتبر الدعم المفتوح وغير المحدود لإسرائيل إحدى الركائز الكلاسيكية للسياسة الخارجية الأميركية، بالنظر إلى الدعم الاقتصادي الواسع الذي قدمته واشنطن للدولة العبرية والذي بلغ رقما غير مسبوق تجاوز(4) 121 مليار دولار منذ تأسيس إسرائيل عام 1948 وحتى عام 2014، وهو رقم من مساعدات يتخطى مجموع ما قدمته الولايات المتحدة لدول العالم بأسرها في الفترة الزمنية نفسها، وبالنظر أيضا إلى كون واشنطن قدمت شيكا مفتوحا من الدعم السياسي للممارسات الإسرائيلية شمل عشرات التدخلات في مجلس الأمن لمنع إدانة أيٍّ من ممارسات دولة الاحتلال عبر تاريخها.

  

ورغم ذلك، فإن السؤال حول السبب الحقيقي وراء هذا الدعم الأميركي يبقى مثيرا للجدل للغاية، ليس فقط في الشرق الأوسط ولكن حتى في أميركا نفسها، حيث تتفاوت الإجابات غالبا بين المبررات السياسية التي تركّز على دور إسرائيل كحليف للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وتأثير اللوبي المؤيد لإسرائيل على السياسة الداخلية في واشنطن، وتأثير تدفقات أموال المانحين اليهود على توجهات السياسيين في العاصمة الأميركية، وبين الأسباب الأيديولوجية التي تشير إلى وجود تعاطف بين الجمهور الأميركي وإسرائيل، ليس فقط من قِبل اليهود الأميركيين، ولكن من المسيحيين الإنجيليين المتدينين الذين يعتقدون أن الله قد منح أرض فلسطين للشعب اليهودي.

 

لكن الحقيقة أن البلدين لم يكونا(5) دوما قريبين بالشكل الذي يبدو عليه الحال اليوم، خاصة خلال الأعوام التي سبقت تأسيس الكيان المحتل بشكل رسمي، فحتى ذلك التوقيت، كانت واشنطن في خضم جدل داخلي محتدم لتشكيل البنية التحتية الأيديولوجية والسياسية لمواقفها تجاه "الدولة" المنتظرة، في وقت لم تكن فيه إسرائيل أو الصهيونية قد صارت بعد قضية كبيرة في الجدل السياسي الأميركي، باستثناء اليهود والصهاينة الأميركيين الذين أسسوا المجلس الصهيوني الأميركي عام 1939 كائتلاف يضم جميع المنظمات الصهيونية الأميركية، فيما انخرط معظم أعضاء هذه المنظمات في الحزب الديمقراطي خلال رئاسة "فرانكلين روزفلت" في الثلاثينيات والأربعينيات، حيث ظل المجلس يعتمد بشكل رئيس على الروابط التي تمتع بها بعض أعضاء منظماته البارزين مع الرئيس "روزفلت" نفسه، مثل قاضي المحكمة العليا "لويس برانديز"، والحاخام "ستيفن وايز".

    

فرانكلين روزفلت، رجل دولة وزعيم سياسي أمريكي شغل منصب الرئيس الثاني والثلاثين للولايات المتحدة (مواقع التواصل)

 

حتى عام 1944، كان معظم مؤيدي إسرائيل في الولايات المتحدة أعضاء في الحزب الديمقراطي، ولكن الأمور بدأت في التغير(6) في ذلك العام مع توّلي حاخام كليفلاند "هيليل سيلفر" رئاسة المجلس الصهيوني الأميركي، حيث سعى لأول مرة للحصول على دعم الحزبين لخطة تأسيس الدولة اليهودية، وكان انخراط اليهود الصهاينة مع الحزب الجمهوري للمرة الأولى شكلا من أشكال الضغط على إدارة الرئيس "هاري ترومان" الديمقراطية لتقديم كل دعم ممكن لتأسيس دولة إسرائيل، وهو حدث بالفعل بعد خسارة العرب للحرب ضد العصابات الصهيونية في فلسطين، والإعلان رسميا عن تأسيس الكيان في مايو/أيار عام 1948.

 

ومع تأسيس دولة الاحتلال رسميا، كثف اللوبي الإسرائيلي في واشنطن عمله -انطلاقا من إستراتيجية "سيلفر"- لرعاية مصالح إسرائيل في واشنطن، لكن ذلك لم يمنع الولايات المتحدة من الوقوف ضد تل أبيب في عهد الرئيس "أيزنهاور" خلال أزمة السويس عام 1956 عندما شنت عدوانها الثلاثي بصحبة بريطانيا وفرنسا ضد مصر احتجاجا على قرار القاهرة بتأميم القناة.

 

وفي عام 1963، جرت عملية إعادة تشكيل للمجلس الصهيوني الأميركي -الذي كان يخضع لتحقيق أميركي للاشتباه بعمله كوكيل أجنبي سري- ليتحول إلى لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية "آيباك"، لتتولى أعمال الضغط لخدمة مصالح إسرائيل في واشنطن، وكانت اللجنة تعمل في البداية بالمشاركة مع مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأميركية الكبرى -الذي تأسس بدوره عام 1954- ولكن في حين أن مؤتمر الرؤساء كان يركز جهوده على البيت الأبيض، فإن "آيباك" اختصت بالضغط على الكونغرس في البداية، وبحلول الثمانينيات، كانت "آيباك" قد هيمنت على المشهد وحدها بشكل متزايد.

  

       

آتت جهود "آيباك" والمنظمات الإسرائيلية أُكلها على ما يبدو، فعلى مدار أكثر من نصف قرن منذ تأسيس دولة الاحتلال دعم كلا الحزبين في الكونغرس وجميع الرؤساء تقريبا إسرائيل، ماليا وسياسيا، رغم أن ذلك الدعم لم يمنع من حدوث خلافات حول قضايا محددة، كما حدث عام 1981 حين عارض 36 من أصل 46 ديمقراطيا في مجلس الشيوخ بيع نظام الإنذار والتحكم المحمول جوا "أواكس" إلى المملكة العربية السعودية استجابة لضغوط "آيباك" وإسرائيل، وهو البيع الذي وافق عليه معظم النواب الجمهوريين في المجلس.

 

حتى ذلك التوقيت إذن، ورغم أن دعم إسرائيل كان قد تحوّل منذ عقود إلى قضية مجمع عليها بين الحزبين، ظل الديمقراطيون الجناح السياسي الأكثر تأييدا لإسرائيل في واشنطن، حيث قاد الديمقراطيون الليبراليون معظم منظمات الضغط، وأخذوا بزمام المبادرة في حماية مصالح إسرائيل في حالات الخلاف كما قضية أواكس، لكنّ تغييرا بدأ يصيب هذه الحقيقة منذ مطلع الثمانينيات وحتى أوائل الألفية، وهو تغيير أسهم في تغيير خريطة التأييد السياسي لإسرائيل في أميركا، حيث بدأت تميل بشكل متزايد إلى كفة الجمهوريين وبعيدا عن الديمقراطيين.

 

كان ذلك التغيير راجعا(7) بالأساس لعاملين رئيسيين، أولهما متعلق بالداخل الإسرائيلي وهو نهاية سيطرة حزب العمل اليساري على السياسة الإسرائيلية مع نهاية السبعينيات، بعد 4 عقود تقريبا احتكر خلالها "العمل" قيادة دفة السياسة المحلية للكيان، تاركا القيادة لحزب الليكود المحافظ الذي هيمن على السلطة لمعظم الوقت منذ ذلك الحين. وفي حين أن حزب العمل كان أقرب أيديولوجيا إلى الديمقراطيين، كان الليكود أقرب إلى الجمهوريين في سياساته الداخلية والخارجية التي صبغها التشدد المتزايد تجاه حقوق الفلسطينيين وجيران إسرائيل الإقليميين، وقد جاء هذا التطور متزامنا مع تطور مماثل في السياسة الأميركية مع سيطرة الجمهوريين على البيت الأبيض ومجلس الشيوخ عام 1980، ثم سيطرتهم لاحقا للمرة الأولى على غرفتي الكونغرس (النواب والشيوخ) عام 1994.

  

     

كان هذا التحوّل في السيطرة على مجلس النواب -المسؤول عن تخصيص واعتماد المساعدات الخارجية- مهما لـ "آيباك" على وجه الخصوص، نظرا لأن إستراتيجية المنظمة كانت تدور بشكل أساسي حول ضمان الدعم المالي الأميركي لإسرائيل، وهو ما يعني أن "آيباك" كان عليها أن تتعامل مع مشهد سياسي جديد تماما في واشنطن منذ مطلع الثمانينيات -وبشكل أكثر إلحاحا بعد عام 1994- بهدف الوصول إلى القيادات الجمهورية الجديدة، وهو تطور استجابت له المنظمة بزيادة نشاطها داخل الحزب الجمهوري بهدف كسب اليهود الأثرياء إلى مصاف الحزب، وفي مقدمتهم قطب الكازينوهات الشهير الملياردير الأميركي "شيلدون أديلسون" والذي أصبح أبرز ممولي الحزب، كما قامت "آيباك" بتعديل هيكلها التنظيمي عبر تصعيد القيادات المقربة من الجمهوريين وحزب الليكود، حيث اختارت المنظمة جمهوريا كرئيس لها لأول مرة عام 1982، فيما قامت عام 1993 بطرد مديرها التنفيذي الديمقراطي "توماس داين" ليحل محله عام 1995 الجمهوري "هوارد كور" الذي لا يزال يشغل منصبه إلى اليوم.

 

في ذلك الوقت، بدأت علامات الانقسام الحزبي حول إسرائيل في الظهور لأول مرة، ففي الوقت الذي رحب فيه الرئيس الديمقراطي "بيل كلينتون" برئيس الوزراء الإسرائيلي المنتمي لحزب العمل "إسحاق رابين" ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية "ياسر عرفات" في البيت الأبيض لتوقيع اتفاق أوسلو، كان الجمهوريون في الكونغرس وقادة "آيباك" أكثر تعاطفا مع معارضة الليكود للمعاهدة، وهو ما دفعهم لإصدار ما يُعرف بقانون "سفارة القدس" الذي اعترف بالقدس كمدينة واحدة غير مجزّأة، ودعا الإدارة لنقل السفارة الأميركية إليها، وهي الخطوة التي اختار جميع الرؤساء الأميركيون منذ عهد كلينتون تأجيلها بموجب مراسيم إدارية، حتى قدوم "دونالد ترامب" الذي قام بنقل السفارة فعليا خلال العام الماضي 2018.

 

بعد اغتيال رابين عام 1995، بدأ الصراع الحزبي الأميركي يُلقي بظلاله على السياسة الإسرائيلية نفسها، حيث اصطف كلٌّ من الديمقراطيين والجمهوريين مع المرشحين المتنافسين في انتخابات عام 1996، فدعم الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون مرشح العمل شمعون بيريز، في حين دعم الجمهوريون منافسه الليكودي نتنياهو الذي نجح في حسم السباق لصالحه، وتكرر المشهد مرة أخرى في انتخابات عام 1999 المبكرة حيث دعم كلينتون مرشح العمل "إيهود باراك" الذي نجح هذه المرة في إزاحة "نتنياهو" من منصبه قبل أن يكمل ولايته الأولى.

    

إيهود باراك، عاشر رئيس وزراء لإسرائيل ووزير الدفاع من 1999 إلى 2001 (رويترز)

 

لم ينس "نتنياهو" وقوف الديمقراطيين ضده أبدا، ومع عودته للسلطة مجددا عام 2009 كان الملك "بيبي" كما يُعرف قد ألقى برهاناته الأميركية كلها على الحزب الجمهوري، ورغبة منه في رد الصاع للديمقراطيين الأميركيين على ما يبدو، فقد قام باستضافة المرشح الرئاسي الجمهوري "ميت رومني" في إسرائيل قبيل انتخابات عام 2012، لكن مقامرة نتنياهو فشلت ونجح الديمقراطي باراك أوباما في الفوز بولاية ثانية، ولاية وصلت خلالها الخلافات العلنية بين الولايات المتحدة وإسرائيل لمستوى لم يعرفه البلدان على مدار تاريخهما.

 

كان أوباما قد بدأ يضيق ذرعا بنتنياهو، كما بغيره من سائر حلفاء الولايات المتحدة التقليديين الذين لم يراهم(8) أوباما أبدا كحلفاء ولكن كأعباء ورثتها أميركا مع حكمها للنظام العالمي الجديد الذي تشكّل في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وانطلاقا من رؤيته الخاصة، كان أوباما عازما على المضي قدما للوصول لاتفاق مع إيران، وهي الرغبة التي تكللت بالتوقيع على اتفاق مؤقت عام 2013، وهو اتفاق عارضته حكومة نتنياهو ومؤيدوها الجمهوريون بقوة لأنه لم يشمل تفكيكا كاملا للمنشآت النووية الإيرانية كما أرادت إسرائيل، وقد تسبب هذا الخلاف حول إيران، إضافة إلى الخلاف الآخر الكبير الناجم عن معارضة إدارة أوباما للسياسات الاستيطانية الإسرائيلية؛ تسببا في وصول العلاقات بين أوباما ونتنياهو إلى مسار مسدود، خاصة بعدما قام نتنياهو في مارس/آذار 2015، بدعم من الجمهوريين في الكونغرس، بإلقاء خطاب أمام المجلسين انتقد خلاله سياسة أوباما تجاه إيران، وهي خطوة رأتها(9) إدارة أوباما تدخلا إسرائيليا سافرا يهدف لتقويض سياسات إدارته، وتجاوزا لكل الأعراف السياسية الممكنة، حتى مع السقف الدبلوماسي الأكثر ارتفاعا المسموح به لتل أبيب في واشنطن.

 

الصراع "اليهودي-اليهودي"

في خضم هذه الخلافات السياسية، بدا من الواضح أن الدعم الديمقراطي لإسرائيل في أميركا قد بدأ يتزعزع بوضوح، وقد بدأ هذا الانقسام في السياسة الأميركية حول إسرائيل يأخذ طابعا مؤسساتيا منذ ولاية أوباما الأولى عام 2008، مع قيام "جيرمي بن عامي" مساعد بيل كلينتون السابق بتأسيس لوبي يهودي إسرائيلي ديمقراطي جديد في واشنطن -باسم "جي ستريت"- بهدف العمل كقوة موازنة(10) لـ "آيباك"، وقد اصطف "جي ستريت" مع مواقف إدارة أوباما المعارضة لنتنياهو، خاصة بعد انهيار محادثات السلام مع الفلسطينيين ربيع عام 2015، وهو ما دفع "جي ستريت" للمطالبة باستقالة نتنياهو وإلغاء زيارته للولايات المتحدة.

  

جيرمي بن عامي مساعد بيل كلينتون السابق (مواقع التواصل)

  

واليوم، تمتلك "جي ستريت" مصادرها المالية الخاصة وشبكة علاقات مستقلة عن "آيباك" في الكابيتول هيل، وهي تقدم نفسها بوصفها موطنا "للأميركيين المؤيدين لإسرائيل والمؤيدين للسلام"، ورغم أن نفوذها لا يزال محدودا مقارنة بـ"آيباك" وتاريخها، فإنها تُعدّ اليوم علامة بارزة على أن الانقسام حول إسرائيل في الداخل الأميركي الآن ليس مجرد انقسام سياسي حزبي، ولكنه انقسام يمتد إلى قواعد الدعم التقليدية الأميركية الشعبية لإسرائيل، والتي تشمل نحو 5.7 مليون يهودي يعيشون اليوم في الولايات المتحدة.

 

على مدار تاريخهم، كان معظم اليهود الأميركيين غير مبالين بالحركة الصهيونية حين ظهرت لأول مرة، بل وللمفارقة فإن الكثير منهم كانوا معارضين لها في البداية، انطلاقا(11) من تلك الطريقة الخاصة التي شرعها اليهود الأميركيون لأنفسهم منذ اجتماع "بيتسبرغ" الشهير عام 1885 والذي نتج عنه ما يُعرف اليوم بـ"منهاج بيتسبرغ" وهو لاهوت الديانة اليهودية الأميركية، لاهوت يعتبره اليهود التقليديون أشبه بديانة جديدة، حيث يبقى لاهوت اليهود الأميركيين أقل تركيزا على العودة إلى "أرض إسرائيل الموعودة"، في الوقت الذي يُعنى فيه بشكل أكبر بالانخراط مع العالم و"إصلاحه" ليصبح أكثر مساواة وأكثر تسامحا.

 

يتعارض هذا المعتقد -كما يظهر- بشكل جوهري مع المعتقدات اليهودية التقليدية التي تؤمن بحتمية اجتماع اليهود فيما يسمونه بـ "أرض الميعاد"، وهو يكفي أيضا لتفسير لماذا كان يهود أميركا أقل مبالاة بالصهيونية وأندر إقبالا على الهجرة لإسرائيل -بعد أن رسخوا أنفسهم في وطنهم اجتماعيا واقتصاديا- مقارنة بسائر اليهود حول العالم، لكن ذلك لم يمنعهم من لعب دور بارز في تأمين الدعم لتأسيس دولة إسرائيل استجابة لأصداء الهولوكوست وتداعيات الحرب العالمية الثانية، قبل أن يعودوا من جديد للتركيز على احتياجاتهم الاقتصادية وحراكهم الاجتماعي دون بذل اهتمام كبير لكيان الشرق الأوسط اليهودي الناشئ.

   

بوصفهم أقلية وسط المجتمع المسيحي الأميركي، كان اليهود الأميركيون دائما أكثر ليبرالية مقارنة بنظرائهم في إسرائيل

غيتي
  

تغير (12) هذا الموقف بشكل ملحوظ مع النصر الذي حققته إسرائيل على خصومها العرب في حرب الأيام الستة عام 1967 حيث وقع اليهود الأميركيون في حب إسرائيل التي صار يُنظر إليها بعد ذلك بفعل دعايات اللوبيات بوصفها الطرف المستضعف في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وبوصفها أيضا مجتمعا مثاليا ديمقراطيا على النمط الغربي في قلب الشرق المتأخر، ومنذ ذلك الحين تحوّل دعم إسرائيل إلى القضية الأكثر إجماعا بين صفوف اليهود الأميركيين، وتم دمج المكون الإسرائيلي الجديد في قلب "الدين المدني" لليهود الأميركيين.

 

ولكن بوصفهم أقلية وسط المجتمع المسيحي الأميركي، كان اليهود الأميركيون دائما أكثر ليبرالية(13) مقارنة بنظرائهم في إسرائيل، وظلوا دوما أقل تشددا في مقاربتهم للصراع مع الفلسطينيين، خاصة اليهود الشباب الأقل تأثرا بذكريات الهولوكست -تلك الحقيقية والأخرى المبالغ فيها- وفصول الصراع حول تأسيس إسرائيل، وهم شباب بنوا مواقفهم تجاه إسرائيل بشكل خاص على مواقف الدول العبرية الأكثر تشددا تجاه الفلسطينيين خلال العقود الأخيرة، وعلى عكس آبائهم الذين رأوا إسرائيل الطرف الأضعف في الصراع العربي، وتأثروا بالدعايات التاريخية وأصداء "الهولوكوست"، يرى اليهود الشباب اليوم -للمفارقة- "إسرائيل" الطرف الأقوى في الصراع، ويرونها الطرف الذي يصر على استخدام القوة الباطشة وغير المتكافئة ضد الفلسطينيين، والطرف الذي يتمسك باحتلال الأراضي الفلسطينية التي يعترف بها أغلب العالم كأرض محتلة.

 

نشأ هؤلاء الشباب معتنقين نظامين متكاملين للاعتقاد، هما "الليبرالية السياسية" و"اليهودية"، ما جعلهم يجدون صعوبة في التوفيق بين قيم المساواة السياسية الأميركية، وبين الدولة اليهودية الأكثر يمينية التي تمنح معاملة تفضيلية لليهود على حساب مواطنيها من غير اليهود؛ كما تفعل إسرائيل مع العرب على وجه التحديد، لذا فإن خلاف الشباب اليهودي الأميركي الأقل تدينا مع إسرائيل بدأ يتسع ليتجاوز ممارسات إسرائيل إلى طبيعتها وهويتها وتعريفها لذاتها كدولة يهودية كما يصر نتنياهو، وفي حين أن هذا الجيل الجديد يبقى بعيدا عاطفيا وزمنيا عن الهولوكوست وأجواء تأسيس الدولة اليهودية وهيمنة فكرة "اضطهاد اليهود"، فليس من المستغرب أن مواقفهم تجاه إسرائيل تتباعد بشكل متزايد عن مواقف الأجيال الأكبر سنا.

  

  

يظهر ذلك بوضوح في استطلاعات الرأي، فعلى سبيل المثال، أظهر (14) استطلاع للرأي أجراه مركز "بيو" في عام 2013 أن ربع اليهود الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و29 عاما فقط هم من يرون أن حكومة نتنياهو "جادة في التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين"، كما أن نحو 54% منهم أكّدوا أن المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية "تقوض أمن إسرائيل ولا تساعده"، في حين أن 9% منهم فقط أيّدوا سياسة الاستيطان، مقابل نسبة تأييد بلغت 40% للقضية نفسها في شرائح اليهود الأكبر سنا.

 

تظهر المفارقة نفسها في استطلاع أحدث تم إجراؤه العام الماضي 2018 على اليهود في مدينة سان فرانسيسكو، المدينة الأهم بعد "لوس أنجلوس" بولاية كاليفورنيا، حيث وجد أن أقل من 40% من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عاما هم من يشعرون بالارتياح لفكرة الدولة اليهودية، في حين أن النسبة ترتفع بشكل ملحوظ بين صفوف المشاركين الأكبر سنا، وهو ما يُظهِر حجم الصعوبات التي يتكبّدها الشباب اليهودي لإظهار الدعم لـ "دولة" يرونها اليوم تمييزية وغير ضرورية، وفي الوقت نفسه فإن ارتباطهم باليهودية اليوم هو ارتباط ثقافي أكثر من كونه ارتباطا إثنيا.

 

من وجهة نظر (15) "دوف واكسمان" مؤلف كتاب "أزمة في القبيلة.. لماذا ينقسم اليهود الأميركيون حول إسرائيل"؛ فإن هذا الخلاف المتزايد أدّى في النهاية إلى ظهور أربعة معسكرات أيديولوجية كبرى داخل المجتمع اليهودي الأميركي، أولها هو معسكر يمين الوسط المتمثل في لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية "آيباك"، مَن تُلقي باللوم في الصراع على الفلسطينيين نظرا لرفضهم القبول بـ "حق إسرائيل في الوجود كدولة يهودية"، وتقبل المجموعة -نظريا- إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح في الضفة الغربية وإخلاء بعض المستوطنات، طالما أن هذه الإجراءات ستأتي عبر اتفاق سلام تفاوض عليه الطرفان مباشرة دون شروط.

  

بعض اليهود يحمّلون إسرائيل المسؤولية الأساسية عن إدامة الصراع ويسعون للتوفيق بين الصهيونية وبين حق الفلسطينيين في دولة مستقلة

مواقع التواصل
  

وإلى أقصى اليمين، تقف في المقابل منظمة الصهاينة الأميركيين "زد أو إيه"، التي تعارض قيام أي دولة فلسطينية بشكل مطلق، وترفض أي تنازل عن المستوطنات الإسرائيلية وتنادي بتوسيعها، في الوقت الذي تنبذ فيه عملية السلام بشكل كلّي، ولا تريد تقديم أي شيء للفلسطينيين سوى حكم ذاتي محدود تحت الوصاية الإسرائيلية.

 

أما على اليسار، يقف فصيلان متباينان أيضا، أولهما هو "يسار الوسط" ممثلا في "جي ستريت"، وهؤلاء يحمّلون إسرائيل المسؤولية الأساسية عن إدامة الصراع ويسعون للتوفيق بين الصهيونية وبين حق الفلسطينيين في دولة مستقلة، وينادون بوقف الاستيطان وإخلاء المستوطنات الحالية، ويعتبرون أن حل الدولتين وتقسيم القدس هي الصيغة الأمثل لحل القضية.

 

وعلى النقيض، فإن منظمة "صوت اليهود من أجل السلام" الواقفة في أقصى اليسار ترى إسرائيل كدولة عنصرية تنتهك القانون الدولي، وهي تدعم حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات العقوبات ضد إسرائيل، المعروفة باسم "بي دي إس"، وتعارض تصدير الأسلحة الأميركية إلى إسرائيل، وتُشكّك في حل الدولتين، وهي ترى أن نشوء دولة ديمقراطية واحدة ثنائية القومية من البحر المتوسط إلى نهر الأردن هو المخرج الوحيد المحتمل للصراع. واليوم، يتمركز معظم اليهود الأميركيين على يمين ويسار الوسط، حيث يدعم أغلبهم حل الدولتين، ولكنهم منقسمون على المستويين الأيديولوجي والسني، ففي حين يميل الأكثر تدينا والمحافظون سياسيا والأكبر سنا إلى اليمين مختارين الانحياز لإسرائيل ومعارضة التسوية مع الفلسطينيين، يميل اليهود الأكثر ليبرالية والأقل تدينا والأصغر سنا إلى اليسار، وهم أقل ارتباطا عاطفيا بإسرائيل وينادون بالانسحاب الإسرائيلي من الضفة الغربية.

    

  

تآكل الدين الإسرائيلي

في هذا السياق، يمكننا ببساطة أن نلحظ المفارقة في تحوّل دعم إسرائيل إلى قضية خلافية في صفوف الديمقراطيين، في الوقت نفسه الذي تحولت فيه إسرائيل إلى قضية مثيرة للاستقطاب في صفوف اليهود الأميركيين، ويمكننا أن ندرك حجم المفارقة فقط مع معرفة أن التحوّلين جاءا متزامنين تقريبا وبدآ تدريجيا مع سيطرة حكومات الليكود في أواخر سبعينيات القرن الماضي، وخيبة الأمل التي أصابت الليبراليين واليساريين والأقليات الأميركية تجاه ممارسات الحكومة الإسرائيلية.

 

يصبح هذا الارتباط المشار إليه أكثر وضوحا مع إدراك أن معظم اليهود الأميركيين اليوم لا يزالون موالين بشدة للحزب الديمقراطي، وهو الحزب الذي لا يزال مفضلا للأقليات العرقية والدينية، حيث صوّت (16) 79% منهم لصالح الديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس منذ خمسة أشهر، وقبلها في الانتخابات الرئاسية عام 2016، حيث منح (17) 70% منهم أصواتهم لهيلاري كلينتون.

 

ولكنّ التغير بالنسبة للديمقراطيين لا يقتصر على اليهود فحسب، حيث يمتلك الحزب قاعدة انتخابية ديناميكية ومتغيرة من الناخبين الشباب من أبناء جيل الألفية والأقليات الدينية العرقية والأصوات التقدمية، مقارنة بقاعدة الدعم الجمهوري الثابتة نسبيا التي تتشكّل من الناخبين القوميين البيض الأكبر سنا والإنجيليين المتدينين، وكان هذا واضحا في الانتخابات الرئاسية الأخيرة أيضا، حيث(18) حصلت هيلاري كلينتون على 55% من أصوات ناخبي جيل الألفية مقابل 37% لدونالد ترامب، رغم الإحباط المتزايد الذي شعر به الشباب الديمقراطي حول ترشح كلينتون في المقام الأول.

  

   

تُظهِر هذه الأرقام حجم التأثير غير الهين الذي تُحدثه تحولات الأجيال البطيئة في الولايات المتحدة على الطريقة التي ينظر بها الشباب الأميركي إلى إسرائيل، ويرجع ذلك إلى عدة عوامل متداخلة(19)، أولها أن هؤلاء الشباب لديهم تجربة تاريخية مختلفة تجاه إسرائيل مقارنة بالأجيال السابقة كما ذكرنا، وهم أقل تأثرا بذكريات ودعايات المحرقة والحروب العربية الإسرائيلية التي عرّضت وجود إسرائيل ذاته للخطر، بما يعني أن التاريخ المشحون للدولة العبرية ربما يكون قد انتهى قبل تشكّل تصوراتهم السياسية، وهي تصورات تهيمن عليها ذاكرة تدخلات إسرائيل الباطشة لوأد الانتفاضات الفلسطينية، والاستخدام المفرط للقوة من قِبل الجيش الإسرائيلي، والتمييز المنهجي ضد العرب والفلسطينيين.

 

على جانب آخر، تشير الاتجاهات الحديثة إلى أن الشباب الأميركيين يصبحون أقل تدينا مع مرور الأجيال، فيما يُعدّ الدين عاملا رئيسا في تشكيل المواقف تجاه إسرائيل، حيث يأتي الدعم الأكبر لإسرائيل في الولايات المتحدة اليوم من البروتستانت الإنجيليين البيض المتدينين -يُمثّلون 25% من قاعدة الناخبين الأميركيين تقريبا- المتحالفين مع اليهود الأرثوذكس المتدينين، ومع انحسار تأثير الآراء الدينية بين الأجيال الأكثر شبابا، من المرجّح أن تفقد إسرائيل أحد أكبر مسوغات الدعم الأيديولوجي في الولايات المتحدة.

 

إضافة إلى ذلك -وكما يشير موقع التحليلات الاستخباراتية "ستراتفور"- فإن نسبة متزايدة من الشباب المتدينين في أميركا اليوم هم من المسلمين، وهؤلاء من غير المرجح أن يقبلوا بالمزيد من السياسة المنحازة تجاه إسرائيل، وهم يتكتّلون اليوم في مجتمعات كبيرة بما يكفي لإحداث تأثيرات ملحوظة على العملية السياسية الأميركية، بما في ذلك ممارسة النفوذ على الانتخابات التمهيدية للحزبين وخاصة الحزب الديمقراطي، وكذلك على انتخابات المشرعين في مجلس النواب.

  

  

يمكن لهذه الحقائق البسيطة أن تُفسّر بوضوح الفجوة المطّردة حول دعم إسرائيل بين الحزبين في واشنطن اليوم، والتي تظهر في استطلاع أجراه مركز "بيو" المرموق للأبحاث منذ أقل من ستة أشهر، وأظهرت نتائجه أنه بينما يتعاطف 79% من الناخبين الجمهوريين مع إسرائيل، فإن 27% فقط من الديمقراطيين يحملون رأيا مماثلا، وهي أكبر فجوة في وجهات النظر بين الطرفين حول القضية منذ أُجري الاستطلاع نفسه لأول مرة عام 1978، وقد ظهرت الفجوة نفسها مع جواب المستطلعين حول إذا ما كان ترامب "يحقق التوازن الصحيح" في علاقته مع إسرائيل، حيث قال 73% من الجمهوريين إن ترامب يحقق التوازن الصحيح، في حين كانت النسبة 21% فقط في حالة الديمقراطيين.

 

تظهر(20) الحقيقة نفسها بشكل مختلف في استطلاع القضايا الحرجة الذي تجريه جامعة "ميريلاند" دوريا، والذي أُجري بين سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول الماضيين على عينة تمثيلية مكونة من 2352 أميركيا مع هامش خطأ 2%، وقد أظهر أن 40% من الأميركيين (56% من الديمقراطيين) يؤيدون فرض عقوبات أو تدابير ضد إسرائيل حال استمرارها في سياسة الاستيطان في الضفة الغربية، في الوقت الذي يشعر فيه 55% من الديمقراطيين أن الحكومة الإسرائيلية لديها تأثير أكثر مما ينبغي على السياسة الأميركية، في مقابل نسبة 38% لديهم وجهة النظر نفسها بين عموم الأميركيين.

 

ورغم كل ذلك، فإن هذه النتائج لا تُشير حتما إلى ارتفاع لما يسمى بمعاداة السامية أو العداء لليهود في هذه الشرائح من الأميركيين مثلا، بقدر ما تعكس انقساما حادا في وجهات النظر الشعبية واليهودية حول إسرائيل، وتصاعدا للغضب تجاه السياسات الإسرائيلية، حيث تشير الدلائل إلى أن الأميركيين يحتفظون بمواقف جيدة تجاه اليهود واليهودية، حيث يشير استطلاع للرأي أُجري في نوفمبر/تشرين الثاني لعام 2015 أن 81% من الأميركيين لديهم وجهات نظر إيجابية عن الدين اليهودي، مقارنة بـ37% لديهم رأي إيجابي عن الإسلام، في حين أبدى 89% من المشاركين آراء إيجابية عن اليهود، مقابل 53% أبدوا آراء جيدة حول المسلمين، وفي استطلاع آخر أُجري في يونيو/حزيران 2016، قال 69% من المشاركين إنهم على استعداد للتصويت لمرشح يهودي (ترتفع النسبة إلى 72% في حالة الديمقراطيين)، مقابل 37% فقط قالوا إنهم لا يمانعون التصويت لمرشح مسلم.

  

  

عصر ترامب

يمكننا إذن أن نُجمل الأسباب الرئيسية حول الانقسام الأميركي الكبير، والديمقراطي على وجه التحديد، حول إسرائيل؛ بين الأسباب الديمغرافية المرتبطة بتغير خريطة الناخبين الديمقراطيين، وهي خريطة حالية يتمتع فيها الشباب الأقل سنا وأبناء الأقليات وأصحاب الآراء التقدمية بنفوذ كبير، وبين الأسباب الأيديولوجية التي تشمل شعور هذه القاعدة المتنوعة من الناخبين بأن هناك صداما واضحا في القيم مع إسرائيل، يتجاوز حتى "الاحتلال" وصولا إلى شخصية إسرائيل نفسها كدولة يهودية تمييزية، وانتهاء إلى الأسباب السياسية مع كون الحكومة الإسرائيلية الحالية هي الأقل قبولا عبر الطيف السياسي الأميركي، وهي حكومة مرتبطة بشكل لصيق بالحزب الجمهوري وسبق أن تدخّل رئيسها في الكونغرس بهدف إحباط سياسات رئيس ديمقراطي.

 

لم يكن من المستغرب إذن أنه وفي الوقت الذي انخفضت فيه شعبية واشنطن وراء ترامب في العالم بأسره، كانت إسرائيل واحدة من الدول القليلة التي تحسّنت(21) فيها صورة الولايات المتحدة منذ قدومه للرئاسة، حيث أعرب 69% من الإسرائيليين عن ثقتهم في ترامب، ارتفاعا من نسبة 49% كانوا يثقون في "باراك أوباما" عام 2015 وفقا لبيانات مركز "بيو"، فعلى النقيض من يهود أميركا الذين لا يثقون في ترامب، ويعتبرونه(22) تهديدا وجوديا لهم بسبب موجات التعصب القومي التي زكاها والمؤدية لزيادة جرائم الكراهية المعادية لليهود في عهده، يرى يهود إسرائيل أن ترامب يعترف بتهديداتهم الوجودية، وأنه من خلال الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، ونقله السفارة الأميركية إلى القدس، واعترافه بشرعية سيطرة إسرائيل على هضبة الجولان السورية المحتلة، من خلال كل ذلك فإنه في نظرهم قد فعل كل ما تمنّته حكومة "نتنياهو" من أي رئيس أميركي أن يفعله، وخلال عامين فقط من حكمه.

 

على الجانب الآخر، يمكن لهذه الحقيقة أن تمنحنا إشارة حول الأسباب الحقيقية التي تقف وراء دعم ترامب المطلق وغير المحدود لإسرائيل، فبالإضافة إلى رغبته في الظهور بمظهر الرئيس الفريد الذي أقدم على خطوات لم يجرؤ عليها أيٌّ من أسلافه، فإن ترامب -عبر تقديم الدعم المطلق لإسرائيل ونتنياهو- يغازل (23) شريحة عريضة من ناخبيه الأصليين من المسيحيين الإنجيليين المحافظين، والذين يُمثّلون اليوم قاعدة الدعم الرئيسية لتل أبيب في واشنطن.

  

الرئيس الأمريكي دونالد ترمب مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو (رويترز)

 

في ضوء ذلك، لا يمكن (24) اعتبار دعم ترامب المطلق لإسرائيل اليوم انعكاسا لإجماع سياسي واضح في الولايات المتحدة كما قد يبدو عليه الأمر للوهلة الأولى، ولكنه في المقابل يعكس حالة واضحة من الانقسام السياسي، انقسام يرغب الرئيس الأميركي في استغلاله مستخدما دعم إسرائيل كسلاح سياسي (25) لرسم صورة أكثر تباينا عن الديمقراطيين، وهو ما ظهر بوضوح في تصريحات ترامب ضد النائبة إلهان عمر، وهجومه على الحزب الديمقراطي ووصفه بأنه "معادٍ لإسرائيل ومعادٍ لليهود".

 

من ناحية أخرى، لا يمكن اعتبار الدعم الأميركي الحالي لإسرائيل، المدعوم بالدوافع الانتخابية على كلا الجانبين والمعزز بالعلاقات الحميمية بين ترامب ونتنياهو؛ لا يمكن اعتباره وحده مؤشرا على مستقبل العلاقات بين البلدين في ظل تحولات الأجيال السابق الإشارة إليها بالداخل الأميركي، والتي تتزامن مع تحولات نقيضة تماما في إسرائيل، حيث ينمو الجيل الشاب الإسرائيلي ليصبح أكثر قومية وتدينا بفعل تأثير الحكومات اليمينية المتعاقبة، وهي حكومات زادت من نفوذ المجتمعات الأرثوذكسية الإسرائيلية المتطرفة، التي تتمتع اليوم بمعدلات مواليد يفوق سائر المجتمعات اليهودية الكبرى، مع نفوذ قاعدي كبير في وحدات جيش الاحتلال.

 

ومن المرجح أن يخلق هذا التباين بين التغيرات الديمغرافية في الولايات المتحدة ونظيرتها في إسرائيل حالة من التناقض الإستراتيجي طويل المدى بين الطرفين، ففي الوقت الذي ستدفع فيه النخبة المستقبلية الإسرائيلية الأكثر تدينا وتشددا نحو سياسات أكثر عدوانية وإقصائية ضد الفلسطينيين، فإن النخب المستقبلية الأميركية -خاصة الديمقراطية منها- ستجد نفسها أقل ارتباطا مع الدولة العبرية، وأكثر تشككا تجاهها، مما سيفتح الباب أمام نقاش أوسع حول أسس وجدوى التحالف الأميركي-الإسرائيلي، والقيمة الإستراتيجية التي تُمثّلها إسرائيل بالنسبة إلى أميركا، وهو نقاش سيتجدد مع كل دورة انتخابية في واشنطن، ومع مرور الوقت، ربما يصبح السياسيون الأميركيون أقل مبالاة تجاه إسرائيل، وأكثر تقبلا للحركات المعادية لها، وربما أكثر انتقادا للسياسات الإسرائيلية.

 

 

ولتعويض هذا التحول المحتمل، وكما يشير تحليل ستراتفور، فإن إسرائيل ربما تستأنف الاتجاه ذاته الذي بدأته خلال عهد أوباما، عبر السعي لتنويع محفظة تحالفاتها العسكرية والاقتصادية مع القوى الأخرى -مثل الصين وروسيا- للحصول على استقلال أكبر في متابعة سياساتها الإقليمية، كما ستحرص على تعزيز علاقاتها مع القوى الإقليمية مثل مصر ودول الخليج وربما تركيا، رغم أن هذه المحفظة من التحالفات الإقليمية ستبقى غير مستقرة ولا يعتمد عليها على المدى الإستراتيجي الطويل في أفضل الأحوال، ما سيضع إسرائيل أمام اختبار حقيقي لاستقلال ومرونة نظامها السياسي، ومدى قدرته على تجديد العلاقة المتقلبة مع واشنطن، وسواء نجحت إسرائيل في ذلك أم لا، ورغم مشاهد المغازلات الحميمية بين ترامب ونتنياهو اليوم، تبقى الحقيقة التي تدركها إسرائيل يوما بعد يوم هي أن الإجماع السياسي الذي وحّد الأميركيين على مدار عقود ينهار يوما بعد يوم، وأن عليها أن تستعد لمواجهة مشهد سياسي مختلف تماما، وربما أسوأ، عن ذلك الحميمي الذي عرفته على مدار العقود السبعة الماضية.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار