انضم إلينا
اغلاق
ليس عليك أن تحب جوليان أسانج لكي تدافع عنه

ليس عليك أن تحب جوليان أسانج لكي تدافع عنه

The Atlantic

مجلة أميركية
  • ض
  • ض

لن تحتاج إلى قضاء وقت طويل مع جوليان أسانج في الغرفة نفسها لكي تدرك أنه شخص صعب، لكنك ستحتاج إلى وقت طويل لكي تدرك مدى صعوبة التعامل معه. كان هذا هو الدرس الذي تعلمته في عام ٢٠١٠، حيث عملت أولا مع أسانج، ثم لديه، في منظمة ويكيليكس، حيث قمنا بنشر رزمة وراء رزمة من المعلومات الفاضحة عن أنشطة حكومة الولايات المتحدة التي سرّبتها تشيلسي مانينج (المعروفة سابقا ببرادلي مانينج قبل تحوّله إلى امرأة).

    

بداية التسريبات

كان ذلك هو العام الذي صعد فيه أسانج -وموقعه ويكيليكس- إلى الشهرة العالمية. كان أوّل تسريب نشره الموقع هو الفيديو المسرّب الشهير الذي يظهر هجوما عنيفا من قِبل طائرات هليكوبتر عسكرية أميركية في العراق على مجموعة من المدنيين، من بينهم صحفيان من وكالة رويترز، موقعا العديد من القتلى والجرحى في صفوفهم.

   

في الحقيقة، كان هذا التسريب هو الأول في سلسلة من التسريبات الأوسع والأكثر دراماتيكية للوثائق السريّة للغاية، فقام بتسليط الضوء بشكل غير مسبوق على الطريقة التي تدير بها الولايات المتحدة حروبها ودبلوماسيتها واعتقالاتها، من وثائق الحرب الأفغانية والعراقية إلى السجلات والبرقيات الدبلوماسية الأميركية، مرورا بملفات معتقل غوانتانامو. تم نشر هذه الوثائق بالشراكة مع بعض من أكبر الصحف المرموقة في العالم، بما فيها النيويورك تايمز والغارديان ولوموند. لكن هذه المنظمات سرعان ما أدركت أن أسانج لم يكن من نفس طينة الأشخاص الذين اعتادت التعامل معهم.

   

جوليان أسانج  (غيتي)

  

على المستوى الشخصي، لم يستحبه المحررون والصحفيون. كان يحضر في غرفهم الإخبارية مرتديا سترة دون قميص تحتها، ويخبر النكات البذيئة، ويطلب أشياء غير معتادة بل وقحة أحيانا، فبدأوا يتذمّرون منه، في بعض الأحيان في العلن. على الرغم من ذلك، لم تكن تلك الشكاوى هي المشكلة الأكبر، إذ سرعان ما واجهت هذه الصحف قضايا مبدئية خطيرة مع أسانج، خاصة فيما يتعلّق بكيفية التعامل مع المواد المسرّبة وكيفية تنقيحها (المترجم: أي ما الذي يجب نشره وما الذي يجب حجبه حماية للأشخاص الأبرياء).

 

أرادت ويكيليكس، كمؤسسة تؤمن بالشفافية، وضع جميع المواد في متناول الرأي العام. لكنّ الصحفيين أرادوا تنقيح المعلومات في التقارير وحجب تلك التي قد تعرّض الأشخاص الذين وردت أسماؤهم فيها، ومعظمهم ممن لم يرتكبوا أي جريمة، للخطر. أصبح الاشتباك حول هذه النقطة مع أسانج مريرا، ولكن أسانج، بما أنه كان قد قام بالفعل بتسليم المواد المسرّبة في حينها، وجد نفسه مقيّدا في ما بدا وكأنه زواج مصيره الفشل مع شركائه الناشرين.

 

لكن كل هذا هو مجرّد رأس الجليد فيما يتعلّق بالعلاقات الصعبة بين أسانج وأولئك الذين عمل معهم، لأن المشكلة الحقيقية كانت أعمق بكثير. فبالتوازي مع ازدياد أهمية وشهرة ويكيليكس بفضل مجموعة المستندات التي قامت بتسريبها، بدأ موقع ويكيليكس ينهار داخليا. كان هناك اختلاف كبير في الرأي بين الأشخاص الستة الذين اضطلعوا بمعظم مهام الموقع، ويمكن استنتاج الكثير من حقيقة أن أسانج كان في النهاية الناجي الوحيد في الموقع بعد ما اعتبره تمرّدا ضده. في نهاية المطاف، أصبح موقع ويكيليكس بمنزلة فرقة موسيقية مؤلفة من رجل واحد، فأجبر على توظيف "أتباع جدد" كان معظمهم في أوائل العشرينيات من العمر (كنت أنا من بينهم) لتشغيل الموقع، لكن هذا الفريق كان عديم الخبرة بشكل هزلي وغير مؤهّل لإدارة عمل هو بالفعل بالغ التعقيد.

   

  

حدث كل هذا قبل ظهور عقبة كبرى فيما يتعلّق بالعمل مع أسانج، عندما قُبض عليه في أواخر عام ٢٠١٠ بتهمة الاعتداء الجنسي والاغتصاب، وهي اتهامات نفاها بغضب، وزعم أنصاره أنها محاولة متعمّدة لتشويه سمعته من قِبل "الدولة العميقة". لكن هذا التطوّر وضع أولئك الذين كانوا يعملون معه ولديه في موقف محرج، حيث أصبح يتعيّن عليهم العمل من أجل قضية مرتبطة ارتباطا غير قابل للفصل برجل متهم بارتكاب جرائم جنسية خطيرة.

 

ثم كان أن دخل عنصر آخر على الخط --- كأن كل ذلك لم يكن كافيا! إذ تبيّن أن أحد المقربين من أسانج، والذي كان قد تم تقديمه إليّ وزملائي وشركاء آخرين باسم "آدم"، هو في الواقع "إسرائيل شامير"، إحدى الشخصيات المؤيدة لبوتين والمعادية للسامية، وقد تم تصويره لاحقا وهو يغادر وزارة الداخلية في بيلاروسيا بعد أيام فقط من إعطائه مئة ألف برقية أميركية سريّة! في عالم يحبّ أن تكون الأخلاق فيه واضحة بالأبيض والأسود، ويحب أبطاله وأشراره أن يكونوا قابلين للتمييز، كان من الصعب وضع أسانج في إحدى الخانتين في عام ٢٠١٠. كان الرجل مصدر إزعاج مؤكدا ومجرما محتملا، ولكنه كان أيضا رجلا ابتكر نوعا جديدا من التعاون الصحفي والشفافية، وكشف عن قصص لم تكن معروفة من قبل عن الحروب الأميركية الوحشية.

 

الجدل حول أسانج

في الظاهر، أصبح أسانج منذ ذلك الحين شخصية أكثر قابلية للتصنيف من الناحية الأخلاقية. فعلى الرغم من مزاعمه أنه كان يريد الهرب من الملاحقة الأميركية من خلال اللجوء إلى السفارة الإكوادورية في لندن، فإن القضية التي كان يواجهها في ذلك الوقت كان مصدرها السويد، وتتعلّق بتهم الاغتصاب والاعتداء الجنسي التي كانت تلاحقه. وبعد أن استنفد كافة الوسائل القانونية لمحاربة محاولات تسليمه إلى الولايات المتحدة، استغلّ المواطن الأسترالي الأصل لجوءه للتهرب من الاعتقال، فقام بحرمان امرأتين من حقّهما في محاكمة عادلة. لقد تم إسقاط إحدى تلك الدعوتين ضدّه منذ ذلك الحين، فيما يبقى من غير المرجح أن يتم البتّ في الدعوى الأخرى بعد أن أصدرت الولايات المتحدة تهما ضده بالتآمر لارتكاب جريمة قرصنة بشكل سوف يأخذ الأسبقية على التهم الأخرى ويعطيها الأفضلية فيما يتعلّق بتسليمه.

    

   

لكن أسانج ذهب أبعد من الهرب من القضاء، فهو بحسب لوائح الاتهام المقدمة من قِبل فريق روبرت مولر، قام بتحويل ويكيليكس إلى قناة لجهود الاستخبارات الروسية للتلاعب بالانتخابات الرئاسية الأميركية في عام ٢٠١٦، من خلال نشره لرسائل البريد الإلكتروني التي تمت قرصنتها من حواسيب الحزب الديمقراطي المنافس لترامب. وإذا قمنا بإضافة ذلك إلى ما أُفيد عن وجود مراسلات عبر تويتر بين ويكيليكس ونجل دونالد ترامب، سوف يتبدّى لنا كم أصبح أسانج بعيدا عن القاعدة الليبرالية التي كانت تؤيده في يوم من الأيام. في الواقع، وعلى كل مستوى تقريبا -سواء أكان ذلك المستوى شخصيا أو مهنيا أو عقائديا- خسر أسانج معظم رفاقه منذ فترة طويلة وربح الكثير من الأعداء والخصوم الذين يحتقرونه بلا هوادة.

 

هل يعني ذلك أن نتجاهل إعادة اعتقاله وجهود التسليم التي سوف تتبع ذلك؟ يأمل خصوم أسانج في المؤسسات الحاكمة على جهتي المحيط الأطلسي اليوم ألا يقوم الكثير من الناس بالالتفاف حول الرجل، كما يبدو أن المدعين، من خلال التركيز على تهم تتعلّق بإساءة استخدام الكمبيوتر بدلا من الاعتماد على قوانين التجسس، يحاولون تجنب الظهور بمظهر من يعتدي على حرية التعبير وحرية الإعلام.

   

   

لا ينبغي السماح لهذه المحاولات الخبيثة بالنجاح. فالتهم الموجهة ضد أسانج تنبع من تسريبات مانينغ في عام ٢٠١٠، والتي تم اعتبار نشرها ضرورة للصالح العام من قِبل بعض ناشري الأخبار الأكثر أهمية والأكثر اعتبارا في العالم، الذين نشروا بعض تلك التسريبات في صحفهم. تم تلقي هذه المواد من مصدر كان يتصرف في سبيل المصلحة العامة، ولم يكن دافعه هو الكيد أو المكسب الشخصي.

 

يُشكّل التوافق بين المخبرين ذوي الدوافع الأيديولوجية (وليس المالية) والمعرفة الوثيقة بالمواد المسرّبة إلى جانب الحصافة التحريرية حجر الرحى بالنسبة للصحافة التي تهتم بالمصلحة العامة. إن أي محاولة لهدم هذه المعادلة أو تجريمها عن طريق ربطها بالقرصنة بناء على أسس سطحية، ستهدد الصحافة الرصينة وحرية الإعلام. بكلمات بسيطة، فإنه في حين أن جوليان أسانج قد يستحق العقاب على أشياء أخرى اتُّهم بارتكابها في حياته، فإنه لا يستحق أن يُعاقب على ما نشره في عام ٢٠١٠، وهو لا يستحق تسليمه إلى أميركا، ولا يستحق أن يُحاكم من أجل عمله في ويكيليكس. قد يكون أسانج شخصا نذلا، لكن علينا أن ندافع عنه على أي حال!

------------------------------------------------------------------

ترجمة: كريم طرابلسي

هذا المقال مترجم عن The Atlantic ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار