انضم إلينا
اغلاق
الثوار أم العسكر.. من يقطف الثمرة الأخيرة للثورة السودانية؟

الثوار أم العسكر.. من يقطف الثمرة الأخيرة للثورة السودانية؟

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض

في معظم الأوقات؛ يبدو الاعتصام الحاشد خارج مقر الجيش السوداني في قلب العاصمة الخرطوم -وبشكل إيجابي- أشبه بمهرجان صيفي للثقافة السودانية أكثر من كونه ساحة احتجاج، فمن مشاهد الموسيقيين الذين يعزفون على أوتار الكمان والساكسفون، إلى عروض الصوفيين بأرديتهم الملونة وتراتيلهم العذبة، كما يصفها محررا النيويورك تايمز "ديكلان والش" و"جوزيف جولدشتاين"، وليس انتهاء(1) بشاشات العرض الكبيرة التي يتم نصبها لمشاهدة مباريات الكرة الأوروبية، يقطع ذلك خطابات حماسية وقصائد شعرية يلقيها الشباب والشابات المعتصمون، في مشهد يكسر الصورة النمطية للاحتجاجات الغاضبة، وبشكل يصعب معه للمتابع البعيد أن يتخيل أن تلك الساحة نفسها شهدت قبل أيام قليلة مواجهة دامية بين المتظاهرين السلميين وقوات الأمن السودانية أسفرت عن سقوط عشرات الضحايا.

 

على النقيض من ذلك تماما، يبدو المشهد داخل مقر الجيش السوداني أكثر اضطرابا منذ قرر المتظاهرون ضرب اعتصامهم أمام المقر في السادس من أبريل/نيسان الحالي، بعد أربعة أشهر من الاحتجاجات المتواصلة التي بدأت في ديسمبر/كانون الأول نهاية العام المنصرم 2018، مطالبين العسكر بالانحياز إلى الثورة وإبعاد البشير ورموز نظامه، اضطراب ذاق المعتصمون السلميون أول لعناته في الثامن من أبريل/نيسان بعد يومين فقط من اعتصامهم؛ إثر قيام قوات الأمن الموالية للحكومة والوحدات التابعة لجهاز المخابرات والأمن بإطلاق النار على المعتصمين السلميين، وهو ما تسبب في ظهور أولى علامات الانقسام داخل الأخطبوط الأمني لنظام البشير، خاصة مع انحياز(2) بعض أفراد ووحدات الجيش لصفوف المتظاهرين وقيامهم بإطلاق النار دفاعا عنهم.

   

    

بالنسبة إلى عمر البشير، كانت تلك إشارة كافية ليدرك الجنرال السبعيني أنه فقد السيطرة أخيرا على رؤوس أفاعي "الهيدرا الأمنية" التي صنعها على عينه على مدار ثلاثة عقود، لذا -وكما نقلت(3) منصة "الخليج الجديد" عمن أسمتهم بـ "مصادر مطلعة"- فإن البشير لم يبد مقاومة كبيرة حين أخبره قادة الأجهزة الأمنية منذ أقل من أسبوعين، في الساعات الأولى من صباح الحادي عشر من أبريل/نيسان، أن تنحيه عن السلطة كان "ضرورة لإنقاذ البلاد" على حد وصفهم، ونتيجة لذلك كان من المفترض أن يصدر البيان الأول معلنا تنحي الرئيس بإرادته، ولكنّ المعتصمين كان عليهم أن ينتظروا بضع ساعات أخرى في انتظار بيان الجيش الفعلي الذي صدر بعد الظهيرة، والذي جاء مرتبكا بشكل واضح، ومعلنا عن إطاحة الجيش بالبشير وتشكيل مجلس عسكري انتقالي لإدارة شؤون البلاد لمدة عامين يرأسه قائد الانقلاب، ونائب البشير ووزير الدفاع السابق "عوض بن عوف".

 

لم يلب بيان الجيش الأول تطلعات المعتصمين أمام مقر الجيش، حيث رأوا فيه قفزا على الإرادة الشعبية وإعادة إنتاج(4) لنظام البشير، دون البشير نفسه، ولكن على النقيض من البشير الذي استغرق حكمه 30 عاما لإزاحته، لم يصمد حكم خلفه "بن عوف" أكثر من ثلاثين ساعة، وكان الغضب الشعبي كفيلا بإجبار جنرالات الجيش على تغيير خططهم في نهاية المطاف، ليس فقط عبر استبدال "بن عوف"، وهو الوجه المرتبط بنظام البشير، لصالح "عبد الفتاح البرهان"، قائد القوات البرية السابق والوجه الأكثر قبولا، ولكن أيضا إجراء تعديلات على خارطة طريق بن عوف ركزت(5) بشكل أكبر على قراراته الأمنية، مثل فرض حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر، وإغلاق حدود البلاد، ووقف إطلاق النار في جميع أنحاء السودان، جنبا إلى جنب مع تعطيل الدستور وحل مؤسسة الرئاسة والبرلمان، وهي تعديلات أتت في خارطة طريق البرهان المحدّثة، والتي ركزت على الحوار مع المتظاهرين والقوى السياسية، وإطلاق سراح المعتقلين وإلغاء حالة الطوارئ، وإن احتفظت بمعالم خطة سلفه نفسها، وعلى رأسها الفترة الانتقالية الطويلة التي تمتد لعامين والمجلس الانتقالي العسكري.

   

  

بقدر ما كان التغيير السريع علامة على توحد المتظاهرين وتكاتفهم في رفض خارطة الطريق الانتقالية، فإنه كان علامة واضحة أيضا على مدى الانقسام(6) داخل صفوف الجيش وبين قادة الأجهزة الأمنية، الذين يبدوا أنهم كانوا يثقون في البشير أكثر من ثقتهم في بعضهم البعض، وتعد العلامة الأبرز على هذا الانقسام هو موقف قائد قوات الدعم السريع "محمد حمدان دوقلو"، المعروف باسم "حميدتي"، والذي رفض الانضمام إلى المجلس العسكري الأول بقيادة "بن عوف" محتجا بانحيازه إلى الإرادة الشعبية.

  

في حين أنه تولى نائب منصب رئيس المجلس العسكري الذي يقوده "عبد الفتاح البرهان"، فيما بدا وأنها لعبة كراسي موسيقية لمراكز القوى، تحالف فيها البرهان المدعوم(7) من صغار الضباط في الجيش حسب مصدرين لـ "مدى مصر" الإنجليزية، مع "حميدتي" قائد الميليشيا النظامية الأبرز في البلاد، ضد قدامى العسكريين المرتبطين بنظام البشير وحزب المؤتمر الوطني وقواعده في الحركة الإسلامية، وضد جهاز الأمن والمخابرات سيئ السمعة بقيادة صلاح قوش، والذي أعلن استقالته لاحقا في الثالث عشر من أبريل/نيسان، في الوقت الذي يواصل فيه المتظاهرون السودانيون اعتصامهم وتظاهراتهم مطالبين بتسليم السلطة لحكومة مدنية، ورافضين اختطاف ثورتهم في لعبة معقدة لمراكز القوى بين الأجهزة الأمنية السودانية، وحتى بين القوى الإقليمية المهتمة بالحفاظ على نفوذها الجيوسياسي في النظام الجديد المنتظر، في دولة يعدها الأغلب المفتاح الرئيس للقارة الأفريقية ودول القلب منها.

  

كيف تكوّنت رؤوس الأفاعي السودانية؟

منذ صعوده إلى السلطة بانقلاب عسكري عام 1989، نجح البشير في وضع نفسه في مركز نظام سياسي معقد ارتدى خلاله ببراعة ثوبي الإسلامي والجنرال معا، مشيّدا نظامه على ركيزتين متناقضتين ظاهريا هما: الدعم الأيديولوجي من الجبهة الإسلامية القومية التي تحولت لاحقا إلى حزب المؤتمر الوطني الحاكم، إضافة إلى الدعم العسكري من قِبل شبكة معقدة من المؤسسات الأمنية المنفصلة التي يقع البشير وحده في مركزها، مؤسسات سعى للحفاظ على ولائها عبر نظام سخي للرعاية والمكافآت كان مضطرا للحفاظ عليه حتى في أوقات الانخفاض الشديد في موارد البلاد.

      

عمر البشير (الجزيرة)

  

كان نظام الحكم المزدوج ذاك هو ما مكّن البشير من الحفاظ على بقاء نظامه في خضم الاضطرابات الكبرى التي عصفت به، بداية من الحرب الأهلية مع السودان الجنوبي التي خسرت البلاد على إثرها ثلث مساحتها الجغرافية وثلاثة أرباع عائداتها النفطية، ومرورا بلائحة اتهام الجنائية الدولية التي اتهمته بارتكاب جرائم إبادة جماعية في دارفور، في سابقة هي الأولى من نوعها لرئيس تتم إدانته بهذه التهم وهو لا يزال في السلطة، وليس انتهاء بموجات متتالية من الاحتجاجات أبرزها احتجاجات عامي 2011 و2013، حيث أبدى البشير مرونة وقدرة على النجاة عبر استخدام مزيج متقن من المراوغة والوعود السياسية جنبا إلى جنب مع البطش الأمني.

 

وقد وفّرت خلفية البشير الإسلامية والدعم الذي تلقاه من الحركات الإسلامية المزيد من المقومات لبقائه، مقارنة بالأنظمة الأخرى في المنطقة التي واجهت معارضة شرسة من الحركات الإسلامية التي تزعمت الاحتجاجات ضد الأنظمة الشمولية والعسكرية، في حين أسس السودان على النقيض من ذلك نسخة خاصة(7) من السلطوية العسكرية والأمنية التي تغذيها الأيديولوجية الإسلامية، خاصة مع انخراط أبناء الحركات الإسلامية بقوة في صفوف الجيش وأجهزة المخابرات والأمن لضمان ولاء هذه الأجهزة للنظام والحزب الحاكم، في حين كرّس البشير جزءا كبيرا من وقته وموارده لرعاية ضباط الجيش وحضور جنائزهم وأعراسهم وإرسال الهدايا إلى عائلاتهم، في الوقت الذي خصص(8) فيه وقتا ثابتا أسبوعيا يمكن خلاله لأي ضابط الدخول إليه ومقابلته، في نهج أقرب لسلوك زعماء القبائل منه لسلوك القادة العسكريين النظاميين.

    

   

ولكن ذلك كله لم يكن كافيا ليشعر البشير بالأمان، حيث ظلت الانقلابات حاضرة في ذهن الجنرال على مدار العقود الثلاثة التي قضاها في السلطة، خاصة منذ حركة رمضان الشهيرة في 23 أبريل/نيسان عام 1990، والتي قام البشير على إثرها بإعدام 28 ضابطا اتهمهم بمحاولة الانقلاب عليه في شهر رمضان، وهو ما أقنع البشير بخطورة الاعتماد على دعم الجيش كمؤسسة عسكرية وحيدة تمتلك السلطة الفعلية، ودفعه للشروع في تأسيس شبكة متعددة الأضلاع من الأجهزة الأمنية المنعزلة عن بعضها البعض والمرتبطة بشخصه وحده.

 

كانت أولى هذه المؤسسات هو جهاز الأمن والمخابرات، الذي تم تأسيسه عام 2004 بهدف جمع جهاز الأمن الوطني المكلف بمهام الأمن الداخلي مع جهاز المخابرات السودانية المختص بالأمن الخارجي في جهاز واحد تحت قبضة البشير، مَن وضع الجهاز الجديد تحت قيادة رئيس جهاز الأمن الوطني السابق "صلاح قوش" ابن قبيلة الشايقية المرموقة، ورفيق البشير في الحركة الإسلامية، وأول مدير(9) عمليات لأجهزته الأمنية بعد انقلاب الإنقاذ عام 1989، وهو المنصب الذي قضى فيه "قوش" خمسة أعوام كاملة قبل أن يبعده البشير للمرة الأولى عام 1995، كأحد تداعيات محاولة اغتيال الرئيس المصري وقتها "محمد حسني مبارك" في أديس أبابا.

 

في أعقاب ذلك، تم تعيين "قوش" مديرا لمركز اليرموك الصناعي العسكري في العاصمة السودانية، ولاحقا مديرا لجهاز الأمن الوطني، قبل أن يتولى مسؤولية جهاز الأمن والاستخبارات منذ تأسيسه عام 2004 حتى عام 2009، ليتركه لاحقا إثر خلافات مع البشير واتهامات بتدبير محاولة انقلاب ضده، وينزوي عن الساحة السياسية لأعوام قبل أن يعود لشغل المنصب ذاته مجددا في فبراير/شباط العام الماضي، ضمن حزمة من التغييرات الحكومية التي أجراها البشير على خلفية الغضب الشعبي بفعل تدهور سعر العملة وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وهو غضب تجلى في مظاهرات غاضبة بجميع أنحاء البلاد.

  

صلاح قوش (الفرنسية)

  

وبخلاف جهاز الأمن والمخابرات الذي ظل لفترة طويلة القوة الأمنية الضاربة لنظام البشير، أقدم البشير عام 2013 على استحداث قوة جديدة مرتبطة به هدفت لاستيعاب وتقنين الميليشيات القبلية التي ساعدت في قمع التمرد في دارفور، وفي مقدمتها ميليشيات "الجنجويد" سيئة السمعة، حيث أطلق على القوة الجديدة اسم "قوات الدعم السريع"، والتي كانت تابعة خلال الأعوام الأولى لتأسيسها لجهاز الأمن والمخابرات، ولكنها اكتسبت صلاحيات موسعة لاحقا بعد أن تضخمت مهامها لتشمل حراسة الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية على الحدود مع ليبيا، فضلا عن مشاركتها في الحرب في اليمن، وهو ما دفع البشير عام 2017 إلى ترقية وضع "قوات الدعم"، ووضعها تحت إمرته شخصيا عبر فصلها عن جهاز المخابرات والأمن وإلحاقها رسميا بالجيش السوداني.

   

كان تشكيل "قوات الدعم" من بنات أفكار أحد أمراء الحرب الشباب الذين شاركوا في الحرب الأهلية في دارفور، وهو "محمد حمدان دوقلو"، المعروف بـ "حميدتي" كما ذكرنا، ويعتقد أنه من اقترح على البشير تأسيس القوة بالأساس لتعمل كجناح أمني موازٍ وموالٍ له بشكل شخصي، وقد لاقت الفكرة استحسان البشير على ما يبدو، ودفعته لتعيين حميدتي (43 عاما)، ابن قبيلة الرزيقات العربية المنتشرة في إقليمي دارفور وكردفان، على رأس القوة، رغم أنه لم يلتحق(10) قط بالمؤسسة العسكرية ولم يكمل حتى تعليمه، حيث انقطع عن الدراسة في سن مبكرة وانخرط في تجارة الإبل وحماية القوافل من قطاع الطرق واللصوص، منتقلا في ذلك بين معقله في دارفور وبين تشاد ومصر وليبيا، حيث نجح في تكوين ثروة كبيرة، وشكّل ميليشيا مسلحة أثارت انتباه النظام السوداني الذي كان حريصا على الاستفادة من جهود حميدتي ضمن تحالف الميليشيات القبلية الموالية للنظام، والتي خاضت الحرب في دارفور.

 

لم تلبث قوة الدعم السريع طويلا حتى توسعت أعدادها لتتجاوز اليوم 30 ألف شخص، مع تسليح جيد ينافس القوات البرية السودانية، وكان البشير يأمل في استخدام القوة لخلق مركز موالٍ له موازٍ للجيش لوأد أي فرصة لقيام انقلاب عسكري ضده، ولتكون القوة، جنبا إلى جنب مع الوحدات الأمنية لجهاز المخابرات والأمن وقوات الشرطة التقليدية وقيادة الجيش، أذرعا أربعة مستقلة لأخطبوط البشير الأمني الذي صممه بعناية لضمان بقائه الشخصي، لكن ما لم يحسب البشير حسابه على ما يبدو أن ذلك الأخطبوط الأمني يمكن أن ينقلب عليه في نهاية المطاف، وأن رؤوس تلك الهيدرا الأمنية، وعلى الرغم من الخلافات والصراعات المكتومة بينهم والتي حرص البشير دوما على إذكائها وتغذيتها، يمكن أن يتفقوا في نهاية المطاف على شيء واحد، وهو التهام البشير أولا، قبل أن يتفرغوا للصراع فيما بينهم على نصيب كلٍّ منهم من كعكة السودان خلال حقبة ما بعد البشير.

   

الصراع الحالي لمراكز القوى
من اليمين: عوض محمد أحمد بن عوف * محمد حمدان دقلو (حميدتي) * كمال عبد المعروف الماحي * صلاح عبد الله محمد صالح (صلاح قوش) * عبد الفتاح البرهان عبد الرحمن * (الجزيرة)

    

ظهرت تلك اللحظة النادرة لاتفاق الشركاء المتشاكسين في الأخطبوط الأمني السوداني بتجلٍّ في مشهد عزل البشير، فعلى الرغم من ركاكة مشهد الانقلاب وسوء إدارته الواضح، خاصة في الفترة التي سبقت صدور بيان "بن عوف" الأول، فإن الرجل كان حريصا على إيضاح أن قرار عزل البشير وما تبعه تم اتخاذه بالتوافق بين القوات المسلحة وجهاز المخابرات وجهاز الشرطة إضافة إلى قوات الدعم السريع، وأن الأجهزة الأمنية الأربعة ستُشكّل معا حكومة عسكرية انتقالية تحكم البلاد لمدة عامين، في إحدى أغرب صيغ تقاسم السلطة، لكن الخلاف بين رؤوس الأجهزة الأمنية لم يلبث أن ظهر إلى العلن بعد رفض قائد قوات الدعم السريع الانضمام إلى المجلس العسكري الذي يقوده "بن عوف"، وهو ما أدى إلى انهيار هذا الترتيب في غضون يوم واحد، والإعلان عن المجلس الجديد الذي يقوده "عبد الفتاح البرهان".

 

فعلى الرغم من أن الجيش السوداني يعد هو الفرع الأقوى بين مراكز القوى الأمنية والعسكرية، فإنه لا يتمتع بهيمنة مطلقة عليها كما هو الحال في أماكن أخرى، ولا يوفر وحده القوة اللازمة لدعم سيطرة الحكومة على البلاد، وهي سيطرة تأتي بشكل رئيس من جهاز المخابرات الذي يتمتع بشبكة نفوذ ومراقبة واسعة، ليس فقط داخل السودان ولكن حتى خارجها، في أوروبا والولايات المتحدة، إضافة إلى قوات الدعم السريع المتضخمة، لذا فإن الانقسام الواضح(11) في صفوف ضباط الجيش -خلال الأشهر الأخيرة للاحتجاجات- بين قدامى الضباط الموالين للبشير وبين صغار الضباط المعارضين له لم يكن كافيا لإسقاط النظام، في الوقت الذي واصل فيه الحزب الحاكم وجهاز المخابرات وقوات الدعم السريع تقديم الدعم له، ولم يبد سقوط البشير وشيكا بشكل فعلي إلا بعد أن رفعت تلك الأجهزة الدعم عنه أو لوحت بإمكانية فعل ذلك، مع انخراط "صلاح قوش" في ترتيبات خاصة لخلافة البشير مع الولايات المتحدة وبعض القوى الإقليمية مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وحتى إسرائيل، وتعليقات "حميدتي" اللاحقة التي حملت دعما ضمنيا للاحتجاجات.

 

لكن هذا التكاتف الظاهري بين أجهزة الأمن سرعان ما انهار(12) عقب إزاحة البشير عن المشهد، وظهر بوضوح أن رؤوس الهيدرا الأمنية كانوا يثقون في البشير أكثر بكثير من ثقتهم في بعضهم البعض، وأن جل ما اتفقوا عليه كان إزاحة حزب المؤتمر الوطني الحاكم من السلطة وتقليص نفوذ الحركة الإسلامية، حيث شرع القادة الجدد للبلاد في اعتقال رموز الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني، وعلى رأسهم نائب الرئيس الأسبق "علي عثمان طه"، والرئيس الأخير لحزب المؤتمر الوطني "أحمد هارون"، ورئيس الحكومة "محمد طاهر إيلا"، ووزير الداخلية الأسبق "عبد الرحيم حسين"، وهي اعتقالات ليس من الواضح بعد إذا ما كانت مدفوعة بمخاوف سياسية حقيقية حول قدرة هذه الشخصيات على تهديد نفوذ الحكام الأمنيين الجدد، أم أنها مجرد مغازلة(13) لكسب التأييد من الرعاة والمانحين المحتملين في مصر ودول الخليج.

   

أسفر الصراع المحموم على السلطة في الداخل السوداني عن ترتيب جديد تصدره الفريق المناوئ للبشير في الجيش والذي يُمثّله قائد المجلس العسكري الحالي "عبد الفتاح البرهان"

مواقع التواصل
   

تزامنا مع تلك الحملة، انخرطت الأجهزة الأمنية في صراعات مكتومة على تقاسم السلطة، بين الجيش الذي كان راغبا في الاستثمار بقيادة المشهد على النمطين المصري والجزائري، والذي يعاني(14) بدوره انقساما داخليا على عدة مستويات، بين الموالين للبشير والموالين للقيادة العسكرية الجديدة، وبين المؤيدين للتحالف السعودي الإماراتي والمتمسكين  بالمحور التركي القطري، وبين قوات الدعم السريع والميليشيات الأخرى التي ترى أن لديها فرصة جيدة في غرس نفوذها في مدن الأقاليم بعيدا عن العاصمة الخرطوم، لمساومة أي حكومة قادمة على صفقة أفضل، ولحماية شبكاتها التجارية والمالية لمواجهة أي نقص مالي متوقع، مع قناعتها أن أي حاكم قادم لن يكون قادرا أو راغبا في توفير المزايا نفسها التي وفرها البشير، وبين جهاز المخابرات والأمن الذي يتمتع بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة عززها التعاون في مجال "مكافحة الإرهاب" وهي بطاقة تحبها واشنطن ورعاها "صلاح قوش" كثيرا في السابق، فضلا عن تمتع الجهاز أيضا بعلاقات جيدة مع الأنظمة الإقليمية الراعية للثورات المضادة، وفي مقدمتها مصر والسعودية والإمارات.

 

وقد أسفر هذا الصراع المحموم على السلطة في الداخل السوداني عن ترتيب جديد مثير للجدل تصدره الفريق المناوئ للبشير في الجيش والذي يُمثّله قائد المجلس العسكري الحالي "عبد الفتاح البرهان"، من يبدو أنه دخل في تحالف مع قائد قوات الدعم السريع "حميدتي"، كما تم تهميش جهاز المخابرات والأمن الذي استقال رئيسه التاريخي "صلاح قوش" بعد ساعات من تولي "البرهان" السلطة، ليحل محله الفريق أبو بكر مصطفى الذي حظي أيضا بعضوية المجلس العسكري الانتقالي كممثل عن جهاز المخابرات، تزامنا مع الإعلان عن حملة تطهير واسعة في صفوف الجهاز استجابة لمطالب المحتجين.

 

جدول أعمال الثورات المضادة

لكن الصراع حول مستقبل الانتقال السياسي في السودان لا يبدو مقتصرا على الصدامات الداخلية بين الأجهزة الأمنية، أو حتى صراع الإرادات بينها وبين المتظاهرين السلميين المتمسكين بنقل السلطة لحكومة مدنية، لكنه أصبح فيما يبدو محطة في الصراع الأوسع نطاقا حول الربيع العربي والتغييرات السياسية والاجتماعية المرتبطة به في المنطقة، بين الشعوب المتطلعة للحرية والديمقراطية، وبين الأنظمة الإقليمية الأوتوقراطية السلطوية التي تحمل جدول أعمال واضحا مناهضا للديمقراطية والحكم الشعبي.

   

  

يبدو ذلك الصراع أكثر وضوحا بالنظر إلى قائمة المؤيدين المبكرين للحكم العسكري الجديد في السودان، والتي شملت الأنظمة في الإمارات والسعودية والبحرين، إضافة إلى القاهرة التي قدمت ترحيبا خجولا ربما بسبب موقعها كرئيس للاتحاد الأفريقي، وهو اتحاد طالبت مفوضيته العامة بسرعة تسليم السلطة للمدنيين، فيما أمهل مجلس السلم والأمن الأفريقي المجلس العسكري السوداني 15 يوما لتسليم السلطة للمدنيين، وهو توجه يبدو منطقيا بالنظر إلى العلاقات(15) التي تجمع النخبة العسكرية الحالية بهذه الدول، بما يشمل "البرهان" نفسه الذي كان مشرفا على المشاركة السودانية في حرب اليمن بحكم منصبه كقائد للقوات البرية، بما يعني أنه معروف بشكل جيد للسعوديين والإماراتيين، وحتى "حميدتي" الذي شارك 14 ألفا من مقاتليه في الحرب السعودية في اليمن، وتلقوا رواتب سخية من السعوديين والإماراتيين.

 

في واقع الأمر، لم تكن الرياض أو أبو ظبي راضيتين بشكل تام عن التوجهات السياسية لنظام البشير خاصة في العامين الأخيرين، رغم أن البشير قد بذل الكثير من أجل استرضاء الحلف الخليجي، بداية من دعمه المبكر للحرب في اليمن ومشاركته العسكرية الفاعلة فيها، وليس انتهاء بانقلابه على علاقاته التاريخية مع إيران وقطع العلاقات معها في يناير/كانون الثاني عام 2016 من أجل مغازلة المال السعودي.

 

أرسل البشير آلاف المقاتلين السودانيين -ونسبة كبيرة منهم أطفال ومراهقون- لدعم الحرب التي تقودها السعودية في اليمن، وعلى الرغم من أن السعوديين والإماراتيين يمولون معظم الحرب ويقومون بمعظم الغارات الجوية، فإن المحللين أشاروا إلى أن المقاتلين السودانيين غالبا ما يقومون بمعظم ما يسمى في المعارك بـ "العمل القذر" بما يشمل القتال البري المباشر، ويعني ذلك أن كثيرا من ضحايا الحرب في اليمن هم من السودانيين، ولكن البشير لم يكن يمانع في دفع ذلك الثمن من دماء شعبه مقابل مليارات الدولارات من المساعدات والاستثمارات الخليجية المتزايدة، والتي بلغت ذروتها عام 2016 مع تصدر السعودية قائمة الدول العربية المستثمرة في السودان بإجمالي استثمارات قدرت بنحو 15 مليار دولار.

   

   

ولكن الاستياء المحلي من مشاركة السودان في الحرب في اليمن كان ينمو شيئا فشيئا، وظهر إلى العلن في عام 2017 مع بث الحوثيين صورا لجنود سودانيين قُتلوا أثناء المواجهات، في خطوة هدفت بوضوح لتقليل الدعم المحلي السوداني للحرب، والضغط على الحكومة السودانية لسحب قواتها من المعركة، وهو تكتيك حافظ عليه الحوثيون خلال العام التالي، حيث قاموا في أبريل/نيسان للعام الماضي ببث صور لعشرات القتلى من الجنود السودانيين، ما تسبب في تعالي الأصوات المنددة بالحرب، ودفع حكومة البشير لإعلان إعادة تقييم دورها في الحرب.

 

جاء هذا التراجع السوداني متزامنا مع نقض(16) السعودية لوعودها بالاستثمار في السودان، وفشل السعوديين والإماراتيين في الوفاء بوعدهم بإقناع واشنطن برفع اسم السودان من قوائم الدول الراعية للإرهاب، رغم نجاحهم في إقناع إدارة ترامب برفع معظم العقوبات الموقعة على البلاد، وهو ما دفع البشير للبدء في ممارسة لعبته الأثيرة في الرقص على الحبال، والشروع في التقرب من الحلف تركيا وقطر، مانحا البلدين الإدارة المشتركة لميناء سواكن الإستراتيجي، مع تواتر الأنباء عن اتفاق حول استخدام تركيا للميناء كقاعدة عسكرية، وفي الوقت الذي أصبح فيه نظام البشير أقرب إلى تركيا، فإنه صار أكثر جرأة في انتقاد المملكة بعد واقعة قتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في القنصلية السعودية في إسطنبول على يد فريق أمني سعودي، وهي واقعة رأى مساعد البشير "إبراهيم السنوسي" أنها فرصة مواتية لإنهاء الحرب في اليمن.

 

لم تغفر السعودية للبشير ذلك السلوك أبدا فيما يبدو، ورغم انضمام السودان لاحقا إلى تحالف البحر الأحمر الإستراتيجي الذي أعلنت عنه الرياض نهاية عام 2018، فإن التحالف لم يكن في جوهره إلا محاولة لاحتواء النفوذ التركي في السودان، عبر إنشاء نظام أمني للمنطقة تتحكم فيه الرياض ويمكنها من خلاله تحجيم أي وجود عسكري محتمل لأنقرة في سواكن والبحر الأحمر، وهو ما أثار مخاوف البشير ودفعه للتوجه إلى قطر طلبا للمساعدة في يناير/كانون الثاني الماضي بعد أسابيع من اندلاع الاحتجاجات المطالبة برحيله.

       

يأمل المحور الخليجي المصري أنه سيكون قادرا في نهاية المطاف على تثبيت أركان نظام عسكري جديد موالٍ له ومعادٍ للإسلاميين في السودان

وكالة الأناضول
   

بالنظر إلى هذه الخلفية، لا يبدو من المستغرب أن ترحب الإمارات والسعودية ومن خلفهما القاهرة باستغلال الانتفاضة الشعبية من أجل دعم الإطاحة العسكرية بالبشير، فرغم كراهية هذه الدول للهبات الشعبية بشكل عام، يبدو أن السودان كان استثناء مغريا مع ما ينطوي عليه من الإطاحة بنظام يبدو أنه كان ينخرط في تحالف سريع مع المحور المناوئ للتحالف الخليجي المصري، فضلا عن إغراء أن إبعاد البشير يعد في أحد أشكاله تقليصا لنفوذ الإسلام السياسي في السودان، بحكم خلفية البشير الإسلامية ونظام حكمه المدعوم أيديولوجيا من الحركة الإسلامية، فضلا عن كون التدخل المبكر للعسكريين للاستيلاء على السلطة وإبعاد البشير وتقديم بعض التنازلات المحدودة للمتظاهرين يبقى وصفة مثلى لاحتواء الاحتجاجات الشعبية ومنعها من التطور واكتساب آفاق أعلى، أسوة باحتجاجات الربيع العربي عام 2011.

 

ويأمل المحور الخليجي المصري أيضا أنه سيكون قادرا في نهاية المطاف على تثبيت أركان نظام عسكري جديد موالٍ له ومعادٍ للإسلاميين في السودان، البلد الذي تم حكمه من قِبل نظام إسلامي عسكري لأكثر من ثلاثة عقود، ويسعى المحور لاستغلال نفوذه السياسي الحالي في أميركا لمنع واشنطن من تسمية الاستيلاء العسكري على السلطة على أنه "انقلاب"، بما قد يتبع ذلك من احتمالية تقديم أي مساعدات اقتصادية وأمنية، وبالتالي ضمان الدعم الأميركي للنظام الجديد بعد التخلص من الوجوه القديمة وعلى رأسهم الموضوعون على قوائم العقوبات الأميركية.

 

ومن خلال تأمين الدعم الأميركي لقفز العسكريين على السلطة والإرادة الشعبية، يأمل محور السعودية والإمارات ومصر في كسب المعركة الجيوسياسية حول الانتقال السياسي مبكرا، ويبقى هذا السيناريو أحد أكثر السيناريوهات الكابوسية لثورة السودان التي يراد لها اليوم أن تنتهي خلال أسابيعها الأولى بين مخالب الثورة المضادة، لكن يبقى الأمل في أن ثوار السودان اليوم، وعلى عكس ثوار الربيع العربي الذين أخذهم محور الثورات المضادة على غرة أحيانا وبقلة وعي منهم أحيانا أخرى، يبدون أكثر وعيا بتجربتهم، وهم متمسكون بتسليم السلطة بشكل فوري إلى حكومة مدنية، ما يعني أن الأسابيع القادمة ستشهد صراع إرادات بين المتظاهرين السودانيين الشباب الذي خرجوا لاستعادة بلادهم من أيدي نظام استبدادي، وبين الطغمة العسكرية والقوى الإقليمية التي تسعى لاختطاف ثمار الثورة السودانية وإعادة السودان إلى نظام شبيه بنظام البشير أو ربما أكثر منه سوءا، وهو صراع متكرر في بحر الربيع العربي المستمر للآن، لكن طرفه السلمي قد أصبح أكثر وعيا ونضجا عن سابقيه في دول الربيع الأخرى، وبشكل أكبر بكثير مما كانوا عليه في السنوات السابقة.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار