انضم إلينا
اغلاق
نهاية الجمهورية المصرية.. تعديلات دستورية أم تفويض أبدي؟

نهاية الجمهورية المصرية.. تعديلات دستورية أم تفويض أبدي؟

شريف مراد

محرر في قسم رواق
  • ض
  • ض

"نؤيد سيادتك لفترة جديدة

نكمل خلالها المسيرة السعيدة

و بالمرة فيها نبيع الحديدة

مفيش حاجة تانية نبيعها خلاص

***

نؤيد سيادتك لأجل المزيد

من اللي تحقق بفضلك أكيد

بقينا خلاص ع الحميد المجيد

و ربك لوحده ف إيده الخلاص"

(أحمد فؤاد نجم)

    

في فيلم "السقوط" (Downfall) عن الأيام الأخيرة للرايخ، وداخل أحد المخابئ، يجلس هتلر وزعماء وقيادات الحزب النازي قبل أيام من دخول الحلفاء برلين، ووسط كل الحطام الذي صارت إليه ألمانيا، تحدث أحد قيادات الجيش الألماني مع الزعيم النازي جوبلز، وزير الدعاية السياسية، عن المسؤولية الأخلاقية والتاريخية للنازيين وما تسببوا فيه من معاناة للشعب الألماني، ليرد جوبلز ببساطة: "قد يكون هذا مفاجأة لك، لكن أنا ليس لدي أي أوهام حول هذا الأمر، الناس جلبوا هذا لأنفسهم، نحن لم نجبرهم على شيء، لقد منحونا تفويضا وهم الآن يدفعون ثمنه".

   

بداية أبريل/نيسان الحالي، فوجئ العديد من المصريين بحملة دعائية سياسية ضخمة، صاحبها نقاش إعلامي وحكومي عن تعديلات دستورية مزمع إجراؤها على الدستور الحالي، وتدعوهم الحملة للاستفتاء عليها في نهاية الشهر نفسه، كانت المفارقة الأولى أن التعديلات لم يتم النقاش حولها علنا إلا قبل ثلاثة أيام من موعد الاستفتاء الشعبي عليها، المفارقة الثانية، وهي الأهم، أن تلك التعديلات الدستورية التي وُصفت بأنها الأخطر في التاريخ الدستوري المصري كله تأتي في ظل حالة تكاد تكون تامة من الركود السياسي والاجتماعي في مصر لم تشهدها منذ ثورة 1919، أي منذ قرن كامل في تاريخ مصر الحديثة، بل ذهبت بعض التعليقات(1) إلى أن التعديلات ستُمثّل التتويج الأبدي لذلك الركود.

       

الرئيس المصري " عبد الفتاح السيسي" (وكالة الأنباء الأوروبية)

  

مطلع هذا العام وأواخر العام الماضي، كانت ثمة تسريبات صحفية(2) عن حراك في أروقة أجهزة المخابرات العامة والرئاسة المصرية بشأن تعديلات دستورية جديدة، وصاحبت التسريبات توقعات أنها تعديلات ربما تسمح للسيسي بإطالة فترة رئاسته، أو تقنن الوضعية الاستثنائية التي تتمتع بها المؤسسة العسكرية، إلا أن ما ظهر مع توالي التسريبات وأكده الإعلان الرسمي للمواد نفسها كشف عن حقيقة صادمة تحملها التعديلات المقترحة، والتي ربما تطيح بالنموذج الدستوري الجمهوري، لتتحول الدولة المصرية إلى نموذج فريد من الدولة الشمولية، يجمع في بنائه الدستوري أكثر سمات النظم القمعية انحطاطا.

   

التأسيس للفاشية الأبدية

بحسب أستاذ العلوم السياسية شريف يونس(3)، أحد أبرز المنظرين السياسيين لنظام السيسي، "فإن هذه التعديلات الدستورية لا يمكن تفسيرها إلا في ضوء منطق النظام الذي بدأ في التشكل لحظة عزل الإخوان عن السلطة، النظام الذي أصدر الدستور الحالي وبنيت في إطاره الدولة الجديدة في 2013-2014 على شرعية مستجدة يمكن أن نطلق عليها "شرعية التفويض"، إشارة إلى الحدث الذي أسسها، وهو تفويض "السيسي" حين كان وزيرا للدفاع". جوهر التفويض كان بالأساس لإعادة سيطرة الدولة المصرية على المجال العام، بعد حالة الانفلات الواسع التي أعقبت ثورة يناير، وهو التفويض الذي وفر الشرعية عبر الغطاء الشعبي لأكبر حملة قمعية في تاريخ مصر الحديث، الحملة التي طالت كل القوى السياسية في مصر تقريبا بما ذلك القوى المحافظة والإصلاحية حتى تم تصفية المجال السياسي المصري بشكل كامل.

    

"نبوس إيد سيادتك ورجلك كمان

تخليك معانا يا ريس عشان

وجودك ضرورة فرضها الزمان

و من غير وجودك حقيقي نضيع"

(أحمد فؤاد نجم)

      

  

أول التوقعات الصحيحة في التعديلات الدستورية تمثّل في التعديلات المتعلقة بزيادة مدة الرئاسة(4) لتكون ست سنوات بدلا من أربع، وذلك مع الإبقاء على الحد الأقصى لفترتين ومنح الرئيس صلاحيات سيادية أوسع، فالتعديل المقترح حسب المادة ١٤٠ و٢٤١ مكرر يسمح للسيسي ببدء ولايته الرئاسية من جديد لفترتين متتاليتين بالإضافة إلى منح السيسي عامين إضافيين كتعويض بأثر رجعي عن المدتين السابقتين التي حكم خلالهما كرئيس ولايته أربع سنوات فقط، والمادة ٢٥٠ التي تكفل له الحق في تعيين ثُلث أعضاء مجلس الشيوخ الجديد، المجلس الذي سيكون بلا صلاحيات إلا كقوة تصويتية برلمانية يعيّن الرئيس ثُلث أعضائها مما يضرب في صلب فكرة السلطة التشريعية كسلطة تشريعية منتخبة من عموم الناس تراقب أداء الحكومة وتنحاز لناخبيها.

    

إلا أن الصدمة -بحسب مراقبين- وما جاء خارج التوقعات هو التوسع غير المسبوق فى سلطة الرئيس بما ينتهك ما تبقى من استقلالية -ولو ظاهريا- هيئات الحكم السيادية الأخرى، حيث يراد تشكيل مجلس أعلى للهيئات القضائية يرأسه الرئيس نفسه، وهو المجلس الذي سيقرر شؤون القضاء، وليس مجلس القضاء الأعلى المنتخب من القضاة أنفسهم، وأن يكون للرئيس سلطة تعيين رئيس المحكمة الدستورية العليا التي قد تنظر في دستورية القوانين التي وقعها، أي إن الذي سيعينه السيسي هو ذاته الذي سيفصل في دستورية أعماله. كما أن سلطة الرئيس ستمتد لتعيين النائب العام، بعد أن كان مجلس القضاء الأعلى هو من يحدده. ويمتد الأمر لتحجيم دور مجلس الدولة في مراجعة القوانين، وهو تطور متوقع بعد الحكم التاريخي للمجلس في قضية تيران وصنافير على عكس مراد النظام السياسي.

   

طوال تاريخ مصر الدستوري، وتحديدا خلال العهدين الملكي والجمهوري، كان مبدأ الفصل بين السلطات هو التقليد الدستوري المعياري كجزء من تقليد دستوري تاريخي وعالمي، وأحد أهم معايير الدولة الحديثة العصرية(5)، وهو المبدأ الذي صاغه المفكر السياسي الفرنسي مونتسيكو في القرن السادس عشر. شذ عن هذه القاعدة لأسباب تاريخية وثقافية مختلفة عدد من الدول والنظم السياسية الاستثنائية كالنظام الفاشي في إيطاليا والنازي في ألمانيا ونظام الولي الفقيه في إيران.

     

  

وبالعودة لشريف يونس، فإن النظام المصري الحالي -كما يؤكد شريف نفسه- يستند بشكل أساسي إلى شرعية التفويض الذي تم في العام 2013 وإلى شخص عبد الفتاح السيسي تحديدا، بوصفه المالك الأول للتفويض، والرمز الأول للنظام الذي تشكّل بموجبه، فبمجرد حصوله عليه -يوضح يونس- يعلو السيسي كزعيم ورمز على جهاز الدولة ككل، فقد رفعه الشارع بالتفويض فوق كل القوى والمؤسسات. وعمليا، ارتضت بالفعل الجماهير التي عجزت عن تنظيم نفسها في أحزاب وحركات مدنية وجماعات ضغط ومصالح بتسليم القيادة لفرد واحد، يصبح هذا الفرد تجسيدا للدولة المصرية، وتجسيدا لهذه القوى التي تريد إعادة بناء الدولة، "أصبح السيسي إذن تجسيدا للدولة -لا النظام فحسب- وحاملا للشرعية السياسية، والمسؤول السياسي الأوحد أمام الجماهير في شأن كيفية أداء الدولة وقيامها بمهماتها المختلفة. لقد أصبح السيسي حامل الشرعية ومرتكزها الرئيسي، ومصدر شرعية كل المؤسسات الأخرى".

 

في كتابه "البهيموت: بنية الاشتراكية القومية (النازية) وممارستها 1944-1933"، يوضح عالم الاجتماع الألماني والمنظر الماركسي فرانز ليوبولد نيومان أن دولة الزعامة هي حيث يصبح المجتمع عبارة عن جماهير فحسب، لا طبقات وقوى اجتماعية وسياسية تدير مصالحها داخل عقد اجتماعي عام، جماهير من القطعان الهائمة ملتفة حول زعيم أوحد، لتصبح مؤسسات الدولة كلها ملتفة وتابعة بدورها لشخص الزعيم، بوصفه التجسيد المباشر والحي لإرادة الشعب ومصدر الشرعية للدولة ككل، مردفا أن شرعية الزعامة ليست ظاهرة شعبوية فحسب، بل هي تعبير عن عجز في إيجاد تبريرات عقلانية للسلطة ولمؤسسات الدولة، بمعنى أن مؤسسات الدولة أصبحت بلا أي معنى أو شرعية، وأنها عاجزة عن توليد خطاب مقنع يبرر وجودها وتدخلها في حياة الأفراد، وحده الزعيم -ممثلا في هتلر في ألمانيا النازية أو السيسي بعد التعديلات الجديدة- هو ما يضفي على المؤسسات المختلفة للدولة المعنى والشرعية والمبرر الشرعي للقمع والتحكم.

  

ما يضعنا هنا أمام حقيقة تاريخية صادمة، فالدولة المصرية بحسب شريف يونس، وبعد أن استنفدت كل إمكانات توليد خطاب عقلاني يؤسس لشرعيتها، أصبحت تعتمد بشكل أساسي على شرعية الزعامة التي اكتسبها السيسي من التفويض الشعبي منتصف عام 2013، مما يفسر حسب وجهة النظر هذه طبيعة التعديلات الدستورية التي تنسف بصورة حاسمة مبدأ الفصل بين السلطات كمبدأ معياري في الدولة الحديثة، لتصبح السلطة القضائية والتشريعية والتنفيذية خاضعة بالكامل لشخص عبد الفتاح السيسي؛ ما أسماه شريف يونس "مأسسة شرعية التفويض".

  

    

مصر.. في مواجهة الأبد

"نبايع سيادته وابنه وحفيده

مفيش زي فكره قديمه وجديده

خرابك يا مالطة حيحصل بإيده

ومين فيكي يعني بيسمع أذان"

(أحمد فؤاد نجم)

    

في السياق ذاته، لم يكن التعديل الدستوري الجديد المتعلق بالمادة 200 مفاجأة رغم كارثيته، وحسب الدكتور خالد فهمي، تنص المادة صراحة على السماح للقوات المسلحة المصرية بالتدخل في السياسة، ما يعني التهديد بالانقلاب العسكري أو القيام به إن رأت القيادات العسكرية ذلك، بدعوى "صون الدستور والديمقراطية والحفاظ على المقومات الأساسية للدولة ومدنيتها"، ويوضح فهمي أن التعديلات ليست تتويجا لانتصار الثورة المضادة فقط، والتي بدأت بالانقلاب العسكري، لكنها حسم للتوتر التاريخي الذي صاحب جمهورية يوليو العسكرية منذ تأسيسها بين مؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية، حيث تأتي تلك التعديلات ليس باعتبارها انتصارا للجيش أمام مؤسسة الرئاسة التي يسيطر عليها رجل الجيش والمخابرات الحربية عبد الفتاح السيسي، بل سيطرة الجيش على كل مفاصل وأجهزة الدولة، يتضح هذا أكثر إذا ما وضعنا مادة الجيش المتعلقة بتوسيع نطاق المحاكمات العسكرية للمدنيين مع باقي المواد المتصلة بتقليص صلاحيات البرلمان في تشكيل الحكومة وسحب الثقة منها ومحاسبة كلٍّ من رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية، فضلا عن النسف التام لاستقلال السلطة القضائية كما أسلفنا ممثلة في المحكمة الدستورية والمجلس الأعلى للقضاء.*

   

في السياق الأوسع الذي تتم فيه التعديلات، يحذر الباحث والأكاديمي أشرف الشريف أن أخطر ما يقوم به نظام السيسي هو تجذير الحكم دون أي نوع من الوساطة السياسية، وهو ما صرح به السيسي نفسه أكثر من مرة أن حكمه هو حكم الدولة وليس حكم نظام سياسي، ويوضح شريف أنه حتى في أعتى الديكتاتوريات التاريخية، الستالينية والنازية والفاشية، كان الحكم يتم بواسطة الحزب النازي أو الفاشي كما في ألمانيا وإيطاليا أو الحزب الشيوعي في روسيا الستالينية، أما السيسي فيحكم بشكل مباشر بواسطة أجهزة الدولة المختلفة (العسكرية والأمنية والمخابراتية والبيروقراطية)، أي يحكم بالسيادة لا بالسياسة؛ ما يلغي أي إمكانية للتفاوض، فضلا عن الإصلاح السياسي أو أي تعاطٍ إيجابي مع الدولة.

    

  

ينقل المثقف والمناضل السوري ياسين الحاج صالح تحذير أشرف إلى سياق تحليلي أوسع، موضحا أن دول ما بعد الربيع العربي دخلت في طور جديد من تاريخها التعيس، يسميه صالح "دولة الأبد"(6): "الأبد جوهريا هو نفي حركة التاريخ، نفي التغير الاجتماعي والسياسي، وفرض حاضر دائم لا يتغير. يجري تنظيم الدولة خلاله كجهاز مسلح للحرب الشاملة والمستمرة على المستقبل، لمنعه من القدوم. هناك زمن، زمن خام فيزيائي، تعاقب الليل والنهار، الشهور والسنوات، والعقود والأجيال. دولة الأبد هي جهاز المنظم، دوره الوحيد هو حذف كل كوامن التغيير السياسي في المجتمع أولا بأول داخل تتابع الزمن، ويقمع، بل يستأصل في سبيل ذلك الأفراد والمجموعات المنظمة الذين يعملون من أجل التغيير العام، ليصبح الواقع مجرد زمن خام بلا تاريخ".

   

"دي مصر بتاعتك واحنا ضيوفك

كفايا علينا يا ريس نشوفك

وعاذرين سيادتك وفاهمين ظروفك

عليك بس تؤمر وإحنا نطيع"

(أحمد فؤاد نجم)

    

   

لا يوجد مصداق لتحليل ياسين الحاج صالح سوى الترتيبات التي جرى التحضير لها مسبقا في أروقة المخابرات العامة والحربية ومؤسسة الرئاسة عن ما تم تسميته "المجلس الأعلى -الأبدي- لحماية الدستور"، حيث كشف مصدر داخل الرئاسة لموقع مدى مصر أنه خلال جلسة بين ممثلي أجهزة سيادية مختلفة داخل قصر الاتحادية طرح أحد الحضور تعديلا مثيرا للجدل لم يتم التوافق عليه، وهو وضع مادة انتقالية في الدستور تنص على إنشاء ما يسمى بـ "المجلس الأعلى لحماية الدستور"، تكون له صلاحيات واسعة في الحفاظ على هوية الدولة وحماية الأمن القومي للبلاد في حالة تولي قيادة سياسية جديدة.

   

وبرر صاحب هذا الاقتراح بأن سيناريو صعود الرئيس الأسبق محمد مرسي إلى الحكم قد يتكرر، فيأتي رئيس من خارج دولاب الدولة، أو برلمان لا يعبر عنها، وهو ما يستدعي وجود جهة تحمي الدولة ولو لعدد محدد من السنوات أو العقود، ويقترح نص المادة تعيين عبد الفتاح السيسي رئيسا لهذا المجلس مدى الحياة، بعد تركه للرئاسة بوصفه الأقدر على القيام بهذه المهمة؛ وهو ما يدعم وجهة نظر شريف يونس بمأسسة شرعية التفويض، وتحليل ياسين الحاج صالح عن دولة الأبد التي يتم تأسيسها الآن في مصر.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار