انضم إلينا
اغلاق
معركة طرابلس.. هل يتحول حلم "حفتر" إلى كابوس؟

معركة طرابلس.. هل يتحول حلم "حفتر" إلى كابوس؟

فريق التحرير

مجموعة محررين
  • ض
  • ض

ليست العادة أن ترن هواتف المسؤولين والوزراء مهما كانت مناصبهم في أي دولة ليجدوا رئيس الولايات المتحدة يحدثهم على الناحية الأخرى، فلطالما قصرت تقاليد الرئاسة الأميركية ما يُعرف في أروقة السياسة الدولية بـ "مكالمة البيت الأبيض"(1) على زعماء الدول، وحتى مع ذلك الاقتصار فليس كل الدول أيضا، بل تلك التي تندرج تحت عنوان "حلفاء واشنطن" والتي تعترف بها العاصمة الأميركية فقط، وقد كان ذلك ما أثار الاستغراب قبل نحو عام من الآن؛ حين هاتف الرئيس الأميركي "دونالد ترامب" نظيرته التايوانية التي لا تعترف أميركا بدولتها منذ أربعة عقود، لذا، فقد كانت المفاجأة التي حدثت قبل أيام قليلة أشد وطأة، حين قرر ترامب مهاتفة، لا رئيس دولة غير معترف بها أو مسؤول استخباراتي أو سياسي مهم دون رأس الدولة، بل طرف غير معترف به في نزاع أهلي مشتعل منذ ثمانية أعوام؛ نزاع يُفترض فيه انحياز الموقف الرسمي الأميركي للطرف المضاد.

   

ففي مساء يوم الجمعة الماضية، أعلن البيت الأبيض في بيان رسمي له عن مكالمة هاتفية تمت -يوم الاثنين الخامس عشر من (أبريل/نيسان) الحالي- بين "ترامب" و"خليفة حفتر"، زعيم ما يسمى بـ "الجيش الوطني الليبي"، وهو مكوّن ميليشياتي يسيطر فعليا على شرق وجنوب ليبيا، مقابل سيطرة خصمه الأساسي الممثل في الحكومة الوطنية برئاسة فايز السراج على العاصمة طرابلس والشمال الغربي للبلاد، الصغير من حيث المساحة الجغرافية والمركزي سياسيا واقتصاديا نظرا لتركز أهم المؤسسات السياسية والمالية فيه، علاوة على وجود النسبة الأكبر من التعداد السكاني الليبي هناك. وشملت المكالمة إقرار ترامب بـ "جهود حفتر في مكافحة الإرهاب وحماية النفط" (أشار إليه البيان الرسمي بـ "المشير حفتر")، وشملت أيضا نقاشا بين الرجلين حول ما وصفه البيان الرسمي بـ "رؤية مشتركة لانتقال ليبيا إلى نظام سياسي ديمقراطي مستقر" (2).

       

   

لم تكن المكالمة مفاجئة فقط بسبب خرقها للبروتوكول الأميركي الصارم في ماهية الأشخاص الذين يهاتفهم البيت الأبيض، بل ولأنها أتت في وقت قرر فيه حفتر ضرب عملية التفاوض الجارية برعاية المجتمع الدولي عرض الحائط؛ والشروع في الزحف على طرابلس للسيطرة عليها ومن ثم بسط سلطانه على ليبيا بأكملها، في عملية عسكرية مستمرة منذ بداية الشهر الجاري راح ضحيتها حتى الآن أكثر من 250 شخصا وأكثر من أربعة أضعافهم جرحى، دون حدوث تقدم ملموس لقوات حفتر بوجه تحالف القوات الداعمة للحكومة، والذي يصد هجومه حتى اللحظة، أرضًا وجوًّا.

   

كانت المكالمة مفاجئة أيضا لأنها تتعارض مع ما يُفترض أنه موقف المؤسسات الرسمية الأميركية الدبلوماسية والعسكرية فيما يخص الملف الليبي، حيث تدعم واشنطن حكومة طرابلس المعترف بها من الأمم المتحدة، يُضاف إلى ذلك صلاتها القوية بقوى مصراتة كما تُعرف (ومركزها مدينة مصراتة الواقعة على الساحل الليبي إلى الشرق من طرابلس)؛ وهي واحدة من أهم دعائم حكومة طرابلس سياسيا وماليا وعسكريا، لذا، فقد كان الكاتب المعروف "ديفيد كيركياتريك" محقا عندما وصف ما حدث بقوله: "ترامب يقلب السياسة الرسمية" في مقاله(3) بصحيفة نيويورك تايمز، مقارنا مكالمة ترامب بتصريحات معاكسة قالها وزير خارجيته "مايك بومبيو" إبان هجوم حفتر قائلا فيها إن "الإدارة على أعلى مستوياتها.. تعارض الهجوم العسكري".

 

في فبراير/شباط الماضي، كشف موقع "أفريكا إنتلجنس"(4) الاستخباراتي استمرار الجهود الأميركية لدعم طرابلس، بالإضافة إلى دعم مساعي الحكومة فيها للإمساك بزمام الوضع المالي، وفي خضم تلك الجهود قام المبعوث الأميركي إلى ليبيا "بيتر بود" بزيارة طرابلس يناير/كانون الثاني المنصرم، حيث التقى وزير الداخلية الليبي والقيادي المصراتي المهم "فتحي باشاغا"، قبل أن يتم استقبال الأخير في واشنطن بعد أسابيع قليلة ليلتقي بدوره مسؤولين بوزارتي الخارجية والدفاع الأميركيتين، وقد حملت تلك الزيارات تأكيدا أميركيا على أن واشنطن لن تسمح لـ "حفتر" بانتزاع طرابلس، لكنها لا تريد من القوات المصراتية أيضا أن تشن هجوما وقائيا من ناحيتها لدفع خطر حفتر بعيدا.

    

المبعوث الأميركي إلى ليبيا "بيتر بود" (رويترز)

  

لم يخل الدور الأميركي من دبلوماسية مالية، حيث قامت "ستيفاني وليامز"، المسؤولة الرفيعة ببعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، والقائمة بأعمال السفير الأميركي في ليبيا سابقا؛ قامت بفتح الطريق أمام النائب العام الليبي في طرابلس "الصديق الصور" (مصراتي أيضا) لوضع أعضاء بالمؤسسة الليبية للاستثمار (وأصولها تُقدّر بـ69 مليار دولار) قيد التحقيق، والقبض على رئيسها ومديرها التنفيذي "علي محمود حسن"، والسيطرة فعليا على الصندوق السيادي الليبي الخاضع سابقا لرئيس الحكومة فايز السراج بعد انتقادات للأخير بتعيين حلفائه السياسيين في إدارة الصندوق.

 

عوّلت واشنطن إذن -ولا تزال- على نفاذها بين قوى مصراتة للسيطرة على الوضع المالي في طرابلس بعيدا عن أي شُبهات بضلوع "إسلاميين" في تمويل "أنشطة جهادية"، وأيضا تحريك دفة المفاوضات عن طريقهم والوصول لتسوية بين الحكومة في طرابلس وقوات حفتر، بالنظر لمركزية قوات مصراتة في الدفاع عن طرابلس وتوليهم لمناصب عسكرية وسياسية رفيعة ليس أقلها "باشاغا" كوزير للداخلية، وكذلك "سالم جُحا" المُعيَّن مؤخرا في منصب معاون رئيس الأركان في طرابلس، وكان سابقا رئيسا لمجلس مصراتة العسكري وضالعا في مفاوضات مباشرة مع قوات حفتر، علاوة على مشاركته في جهود لتوحيد قوات الشرق والغرب برعاية مصرية عام 2017، وعمله بمنصب الملحق العسكري بالسفارة الليبية بالإمارات لخمس سنوات قبل استقالته على خلفية التدخلات الإماراتية في ليبيا.

  

بذلك، فإن مصراتة مثّلت دوما محور الدور الأميركي الرافض لمشروع خليفة حفتر المنشغل بالسيطرة العسكرية، لكنه دور بعيد أيضا عن بعض الميليشيات الإسلامية الموجودة بطرابلس، وأكثر ميلا لخلق تسوية مع حفتر تُقِر بدوره في الشرق؛ لكنها تُبقي كذلك على المسافة بينه وبين طرابلس لتحول دون سيطرته على مفاتيح الدولة الليبية بأكملها كما يسعى هو وبعض حلفائه في المنطقة. وبينما مثّلت مكالمة ترامب لحفتر دفعة معنوية، في خضم خلافات الأول المعتادة مع الاتجاه الرسمي للمؤسسات الأميركية، وهي خلافات لم تغيّر من الموقف الرسمي الفعلي في معظم الملفات مثلما جرى في أزمة قطر وقرار سحب القوات من سوريا، فإن حفتر يبدو في هجومه الأخير على طرابلس مرتكزا دوليا على الدعم الفرنسي المكثّف منذ صعود ماكرون للرئاسة عام 2017، وهو دعم مثّل على الأرجح ركيزة هجمة حفتر الحالية الكبرى.

 

الفرنسيون من بنغازي والإيطاليون من طرابلس

  

لا يحظى الفرنسيون دوما بما يريدونه في معارك السياسة الدولية باعتبارهم قوة كولونيالية (استعمارية) غربت شمسها منذ وقت طويل، لكن الأحداث الأخيرة في أوروبا فتحت لهم الباب على مصراعيه لتحقيق ما لم يكن ممكنا بالأمس، فعلى خلفية انسحاب بريطانيا المعقد من الاتحاد الأوروبي، قُطب أوروبا السياسي الأبرز بجانب الفرنسيين، والخفوت المعتاد للدور الألماني في ملفات الشرق الأوسط؛ تسلمت باريس مؤخرا زمام الأمور في مواقف رسمية عديدة، خاصة بعد أن هُزم فيها اليمين في معركة الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي انتزع فيها "إيمانويل ماكرون" مقعد الرئاسة، ودشّن سياسة خارجية طموحة إحدى ركائزها محاربة "الجهاديين" في منطقة الصحراء الكبرى بأفريقيا لضمان استمرار مصالح الشبكات الفرنسية هناك، وهي حرب وجدت فيها باريس حليفا مهما بشرق ليبيا هو "حفتر" نفسه.

 

ترى فرنسا في حفتر نموذجا مثاليا لإعادة الاستقرار إلى ليبيا كقائد عسكري معادٍ لـ "الإسلاميين" الذين تحارب الكثير منهم في منطقة الصحراء، تماشيا مع الرأي السائد في دوائر السلطة الفرنسية بأن نموذج "الرجل القوي" في الشرق الأوسط هو الحل الناجع لمواجهة الجماعات المسلحة الإسلامية والتحكم في موجات الهجرة المتجهة لأوروبا، وهو تصوّر تتشارك فيه باريس مع حلفاء حفتر الإقليميين الممثلين في الأنظمة المصرية والإماراتية والسعودية، علاوة على الدور الروسي المرتكز ضمنيا على المنهجية نفسها تجاه التغيير في الشرق الأوسط (5).

 

تباعا، اندفع الفرنسيون لتأمين زحف قوات حفتر في كافة أنحاء جنوب ليبيا قبل أشهر وتزويده بالدعم العسكري لمواجهة قبائل "التِبو" الموجودة بالجنوب والمتمردين التشاديين ممن عبروا الحدود الليبية، لتصبح قواته ظهيرا لدور فرنسا العسكري المتزايد في تلك المنطقة، وهو ما دفع حفتر في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي لطلب(6) الحصول على عضوية مجموعة "الدول الخمس الساحلية" (G5 Sahel) دون أن يبالي ربما بأنه ليس على رأس دولة بالفعل، وهي مجموعة مُشكّلة بقيادة فرنسا عام 2014 وتضم مالي وتشاد والنيجر وموريتانيا وبوركينا فاسو على خلفية رسمية هي تصاعد العنف في المنطقة كنتيجة جزئية لانفجار الصراع الليبي.

   

   

على النقيض، يقع الموقف الإيطالي الذي يشهد توترا غير مسبوق مع فرنسا والاتحاد الأوروبي برمّته على خلفية تشكيل ائتلاف من تيارين شعبويَّين للحكومة في روما؛ توتر تقع ليبيا في القلب منه حيث تتركز مصالح الإيطاليين وصلاتهم التاريخية بطرابلس العاصمة باعتبارها المركز السياسي، بالإضافة إلى تبني الحكومة الإيطالية لموقف متشدد(7) تجاه مراكب الهجرة القادمة من ليبيا إلى إيطاليا -ومعظمها من غرب ليبيا- الأمر الذي دفع الإيطاليين تحت قيادة وزير الداخلية ونائب رئيس الوزراء المعادي للهجرة "ماتيو سالفيني" والعضو بحزب يميني للتنسيق الموسّع مع القوات التابعة للحكومة في طرابلس والسيطرة على موجات الهجرة تلك.

 

بالإضافة إلى ملف الهجرة، تبدو روما غير مرتاحة لمحاولة ماكرون خطف الأضواء الدبلوماسية في بلد يعتبرونه مساحة طبيعية للنفوذ الإيطالي؛ مستخدما في ذلك انفرادا شبه مطلق لباريس بملف شمال وغرب أفريقيا داخل الاتحاد الأوروبي، بينما يظل الألمان بعيدين عن القارة الأفريقية، وينشغل البريطانيون بالانسحاب من الاتحاد برمّته، ويُهمَّش الإيطاليون نتيجة حكومتهم اليمينية غير المرغوب فيها في بروكسل. وبينما تصاعد الخلاف الفرنسي الإيطالي، عقد الطرفان مؤتمرات ومؤتمرات مضادة لأطراف الأزمة الليبية عززت من الفرقة بدلا من رأب الصدع كما يروج لها، كان آخرها في فرنسا بقمة باريس مايو/أيار للعام المنصرم، وهي قمة قاطعها الإيطاليون وكذلك تحالف مصراتة، وكان آخرها في إيطاليا قمة باليرمو التي قاطعها حفتر. وأخيرا، يخشى الإيطاليون من فقدان نفوذهم في قطاع النفط حيث تتمتع شركتهم "إيني" (Eni) بعقود ضخمة لاستخراج النفط الليبي لصالح مؤسسة النفط الوطنية الكائنة في طرابلس.

 

بين الجزائر والسعودية

لم يكن الدعم الفرنسي الصلب المستحوذ على زمام المبادرة الأوروبية وتهميش الإيطاليين وتذبذب الأميركيين بين رئيسهم ومؤسساته وحدهم الذين فتحوا الطريق أمام تحرّك حفتر عسكريا، بل كانت هنالك بالتوازي تغيّرات إقليمية مالت بالموازين لصالحه، أبرزها الحراك الشعبي في الجزائر؛ الدولة العربية المركزية الأقل حماسا تجاه حفتر.

     

حظي حفتر باستقبال لا يليق إلا برؤوس الدول في السعودية، حيث التقاه الملك سلمان نفسه في 27 مارس المنصرم إلى جانب ولي العهد ووزير الداخلية والمدير العام للمخابرات

وكالات
    

لا يمتلك النظام الجزائري أي ولع بالإسلاميين كما هو واضح من تاريخه السياسي القريب ليفسّر انحيازه لمحور طرابلس-مصراتة، كما لا ينحاز بالضرورة إلى غرب ليبيا وحكومتها من منطلق تأييد الشرعية الدولية أو غيرها من مُثُل، فالجزائر تقف خلف طرابلس من منطلق براغماتي محافظ يتخوّف من انفراط العقد في الساحل الغربي إذا ما قرر حفتر السيطرة عليه معارضا في ذلك رغبة معظم القوى المحلية هناك، وهي قوى تملك معها الجزائر علاقات جيّدة، وما قد يستتبعه ذلك من حدوث اضطرابات أمنية يمكن أن تصل بسهولة إلى الجزائر نفسها (8).

 

كان الحراك الشعبي في بلد منطقة المغرب العربي الرئيس سببا كافيا انشغل به جنرالات الجزائر عن دورهم المعتاد في ليبيا، في الوقت نفسه الذي ظهر فيه السعوديون على الخط لمساندة حفتر بوضوح أكثر من ذي قبل، بل وتقديم دعم مادي ملموس قبل أيام من تحرّك حفتر طبقا لصحيفة وول ستريت جورنال (9). ومجددا، حظي حفتر باستقبال لا يليق إلا برؤوس الدول في المملكة، حيث التقاه الملك سلمان نفسه في 27 مارس/آذار المنصرم إلى جانب ولي العهد ووزير الداخلية والمدير العام للمخابرات، وكانت تلك أول مرة يلتقي فيها ملك السعودية مع قيادة ليبية منذ عهد الملك إدريس السنوسي الذي انتهى بانقلاب القذافي عام 1969. وطبقا لمصادر سعودية رفيعة المستوى، تعهدت السعودية خلال تلك الزيارة بتقديم دعم مالي لحفتر يستطيع به تمويل تحرّكه العسكري، بل ودفع الأموال إلى فصائل معارضة عديدة لشراء ولائها أثناء معركته من أجل طرابلس.

   

تجدر الإشارة إلى أنه في ضوء الدور السعودي الذي بدا خافتا في ليبيا مقارنة بالدورين الإماراتي والمصري، فإن عددا كبيرا من المقاتلين في صفوف قوات حفتر هُم من السلفيين المدخليين المناوئين للإخوان المسلمين وغيرهم من الإسلاميين، والمدعومين من الرياض بشكل رئيس، وهي كُتلة تعوّل عليها أبوظبي كذلك نظرا لالتزام المدخليين بالخط المعادي للثورات والإسلاميين، ومن ثم يحظى المدخليون في كافة دول شمال أفريقيا لا ليبيا فقط بدعم إماراتي، يُضاف إلى ذلك الدعم العسكري المباشر المعتاد من الإمارات والمركز للقوات الجوية الضالعة في هجوم حفتر الأخير، إذ أشارت بعض المصادر منذ أيام قليلة إلى رؤية طائرات بدون طيار تابعة لتلك القوات في سماء طرابلس شاركت في عملية قصفها إلى جانب قوات حفتر.

  

    

في الأخير، يأتي الدور المصري المحوري عموما لسيطرة حفتر على شرق ليبيا، لكنه بدا وأنه قد تراجع خطوات في ظل الهجوم الأخير غير المعلوم بدقة دعم أو معرفة القاهرة له من عدمه، وإن كان يناسب النظام المصري حاليا ترسّخ قوة حفتر وحصوله على دور سياسي مركزي في بنية الدولة الليبية، فإن تركيز القاهرة يظل منصبا على شرق ليبيا المتاخم لها وأولوية تأمينه وإحكام السيطرة المُطلقة لحفتر فيه ليكون حائط صد يُبعِد عنها شبكات الجهاديين المنتشرة في منطقة الصحراء، الأمر الذي يجمع بين الأجندات المصرية والفرنسية والروسية، لكنه ربما يخلق اختلافا بين مصر من ناحية وأبوظبي والرياض من ناحية نتيجة توجّس القاهرة من تنامي سطوة السلفيين المدخليين، إذ تُفضّل مصر أن تقتصر قوة حفتر على قوات بعيدة تماما عن الميليشيات الإسلامية على اختلاف أنواعها، بالنظر لصعوبة رسم الخط الفاصل بينها وبين إمكانية اختراقها من قِبل الأجندات الجهادية وما سيُشكّله ذلك من تهديد لحدود مصر الشرقية(10).

 

حصن طرابلس

تبدو إذن الموازين السياسية الدولية والإقليمية حاليا في صالح "حفتر"، لكن تلك الموازين وحدها ليست كافية لحسم المعركة ما لم تتدخل إحدى القوى المناصرة بشكل مباشر على الأرض مثلما يفعل الروس والإيرانيون في سوريا، وهو سيناريو غير مرجح حتى الآن، ومن ثم تظل قواته بحاجة إلى خوض المعركة وحدها وإن تسلحت بالعتاد الفرنسي والروسي؛ وهي معركة ليست بالسهلة على الإطلاق كما يشي بذلك سيرها على الأرض حتى اليوم.

    

   

تُعَد قوات طرابلس ومصراتة التي قرر حفتر مواجهتها قبل أسابيع الامتحان الأصعب لقواته بالنظر لتعدادها الكبير نسبيا وتدريبها وعتادها المتطور، إضافة إلى ذلك خوضها معارك طويلة نجحت فيها، مثل المعركة الرئيسة مع نظام القذافي والتي كانت قوات مصراتة رأس الحربة فيها، قبل أن تتنقل نيرانها لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" ونقطة تمركزه الأساسية في مدينة "سِرت" عام 2016. ولا تتمتع تلك القوات بخبرة طويلة وعتاد جيّد فقط، بل وتُشكّل الطبيعة الحضرية والمعقدة لطرابلس -باعتبارها المدينة الأكبر في ليبيا- حصنا طبيعيا لها في مواجهة "حفتر"، على العكس من البلدات الصحراوية الشاسعة ضئيلة السكان التي أمكن لحفتر السيطرة عليها الواحدة تلو الأخرى على مدار الأعوام الماضية، دون أن تضعه معاركه فيها في مأزق التعامل مع التشكيلات السكانية الكثيفة نسبيا ومُعضلات قصف المدنيين ومناطق سكنهم، وهي معضلات يُمكنها أن تضرب صورته في أوساط الليبيين قبل أن تجلب استهجانا واسعا في صفوف المجتمع الدولي(11).

 

يُضاف إلى ذلك ما تُمثّله طرابلس ومصراتة من حاضنة طبيعية للقوات المتمركزة فيهما لحساب الحكومة، حيث تدافع الأخيرة دون تكبُّد عناء تحريك قواتها، على العكس من قوات حفتر المتمركزة في الشرق والجنوب والتي تحتاج إلى التحرُّك لمسافات طويلة والحفاظ على خطوط إمدادها بعرض الصحراء الليبية قبل أن تقرع أبواب طرابلس؛ خطوط مكشوفة يمكن قصفها بسهولة كما فعلت قوات الحكومة الطرابلسية بالفعل خلال الأيام الماضية، حين قصفت منطقة الجُفرة الخاضعة لسيطرة حفتر والمهمة لتمركز قواته.

    

تباعا، كان حفتر في حاجة إلى تسجيل انتصار عسكري حاسم وسريع خلال تحرّكه المفاجئ قبل أسابيع، وهو أمر راهن عليه ربما بالنظر للظروف الإقليمية والدولية المواتية له، قبل أن يخفق فيه كما تكشف المعركة المستمرة جنوب طرابلس. ويضاعف ذلك الإخفاق في خطف انتصار سريع من احتمالات فشل هجوم حفتر في تحقيق أهدافه بنهاية المطاف، نظرا للتكلفة الضخمة التي يتكبدها يوميا للإبقاء على خطوط الإمداد الطويلة المكشوفة جويًّا، بالمقارنة مع قوات طرابلس المصطفة في مدينتها الأم والمحمية نسبيا من خطر القضاء الحاسم عليها عبر الطيران، وهي قوات لن يضيرها طول المعركة مثل حفتر، وهو ما ثبت بالفعل عندما أجبرت قوات طرابلس قوات حفتر على التقهقر 60 كيلومترا للوراء جنوب غربي العاصمة بالأمس القريب، مستردا بلدة العزيزية مرة أخرى بحسب فريق وكالة "رويترز" الميداني على أرض طرابلس.

   

   

باتجاهه نحو طرابلس؛ يخوض حفتر معركة تختلف إستراتيجيتها تماما عمّا خاضه سابقا من أجل السيطرة على الشرق والجنوب، إذ تختبر قدرة عنصر المشاة في قوته العسكرية والمهمة لانتزاع طرابلس أكثر من أي مدينة أخرى، بل والمهمة أيضا للسيطرة طويلة المدى على المدينة بالتوازي مع كامل مساحة ليبيا، فبينما يتحرك حفتر نحو طرابلس ومحيطها الأكثر كثافة بقوات يُفترض ألا يعود معظمها إلى مواقعه السابقة إذا ما حقق هدف السيطرة على الساحل الغربي المهم، ستسلط المعركة الحالية بالضرورة الضوء على ما قد يجِد في سيطرته على الشرق والجنوب بينما تنشغل قواته بالغرب.

 

حروب النفط

تبدو إجابة سؤال الحرب بديهية إذن؛ فالرجل يريد سيطرة قواته على كامل ليبيا لينتزع الاعتراف بسلطانه المتزايد ويفرض نفسه كأمر واقع على حكومة طرابلس التي ستصبح دون أي قيمة سياسية إن سقطت عاصمتها في يد حفتر. بيد أن السيطرة الجغرافية ليست وحدها ما يُهِم حفتر لتصبح قواته بالفعل جيش ليبيا الأوحد، إذ تتركز أعين الرجل على طرابلس العاصمة نظرا لتركّز مفاتيح الإدارة السياسية والمالية فيها، بما في ذلك مفاتيح تصدير النفط والتصرُّف في عائداته؛ مركزية دشنها القذافي ولا يزال المجتمع الدولي مصمما عليها لسهولة خضوعها للرقابة في تلك الحالة، بالمقارنة مع فوضى التهريب والنهب القادرة على ضرب قطاع النفط في ليبيا إذا ما اهتز احتكار المؤسسة الوطنية للنفط والبنك المركزي الليبي لإدارة اقتصاد النفط.

  

تُشرف المؤسسة الوطنية للنفط على إنتاجه من كافة الحقول الليبية -ومعظمها في الشرق- كما تتحكم في مبيعات النفط قبل أن تتجه عوائده المالية عبر البنك المركزي الليبي ومن ثم تُستخدم من جانب الحكومة للإنفاق العام. وتكمُن هنا معضلة حفتر الذي نجح على مدار عامين تقريبا في انتزاع السواد الأعظم من حقول النفط وموانئ تصديره المهمة، لكنه يضطر إلى التعاون مع الحكومة في طرابلس ليتمكن من تصديره والحصول على نصيبه من عوائده حتى اليوم، لا سيّما وقد فشل في حيازة الاعتراف الدولي بمؤسسة نفط وطنية وبنك مركزي موازيين دشنهما في "بنغازي" دون جدوى، نظرا لوجود قرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يحظر بيع النفط إلا عبر مؤسسات طرابلس (12).

     

يعتقد الإيطاليون بأن حفتر لن ينجح في الحصول على ولاء قبائل التِبو والطوارق المنتشرة في الجنوب، وكذلك القوى المحلية الموجودة بالساحل الغربي

رويترز
   

تمنح طرابلس أيضا نقلة كبيرة لحفتر؛ من طرف في نزاع أهلي يتفاوض للحصول على اعتراف رسمي وانتزاع منصب ثقيل الوزن كوزير الدفاع -مع إمكانية أن يفتح ذلك الباب لانقلابه عسكريا بسيطرته على الجيش- إلى القائد الأوحد في ليبيا مباشرة إن دخل طرابلس بالفعل، وما سيجلبه ذلك من حُكم فعلي للرجل على كامل ليبيا وسيطرته على مقاليد الدولة فيها والقضاء على أي مشروع سياسي منافس له يُنهي الحرب المستمرة منذ ثماني سنوات؛ حُلم بدا سهلا للرجل على ما يبدو لكنه متعثر حتى الآن على أبواب العاصمة.

 

"لا أعتقد أن حفتر سيتمكن من ذلك.. سيظل يواجه تحديات وجودية هنالك (في طرابلس) ولوقت طويل". هكذا علّقت أستاذ العلوم السياسية والرئيسة السابقة للجامعة الأميركية بالقاهرة ليزا أندرسون في تصريح لصحيفة نيويورك تايمز، وهي التي درست ليبيا ودول شمال أفريقيا طويلا، ولا ترى في قوات حفتر القدرة على حسم المعركة من أجل السيطرة على كامل ليبيا في نهاية المطاف. وليس ذلك رأي "ليزا" وحدها، بل ورأي المسؤولين الإيطاليين ممن يعتبرون أنفسهم الأكثر دراية بليبيا باعتبارها مستعمرتهم السابقة، إذ يعتقدون بأن حفتر لن ينجح في الحصول على ولاء قبائل التِبو والطوارق المنتشرة في الجنوب، وكذلك القوى المحلية الموجودة بالساحل الغربي.

   

تتدفق إذن الأخبار الجارية من أرض المعركة حتى الآن بما يتفق مع رأي ليزا والإيطاليين، فـ"المشير" كما يُعرف بين أنصاره وداعميه، لا يملك من الصلابة ما يكفي لعبور بوابة طرابلس، ورُغم استمرار المعارك حتى اللحظة، فإن قرار حفتر بالاتجاه نحو الحسم العسكري بدلا من التفاوض يحمل في طياته مخاطرة ستكلّفه سياسيا وعسكريا الكثير إن فشل فيها، إذ إن الفشل في دخول طرابلس في نهاية المطاف والعودة إلى طاولة المفاوضات سيجلب معه ارتفاعا في سقف مطالب الحكومة التي سيتعزز موقفها بنجاحها في صد هجوم حفتر، علاوة على ترسيخ هيمنة قوات طرابلس ومصراتة بمعاقلهما لفترة طويلة بعدئذ، وعلى الأرجح تضاؤل أحلام حفتر إلى الرضا بحقيبة وزارة دفاع في نظام جديد موحد أو ربما ما دونها أيضا.

   

بمكالمة هاتفية مع الرئيس الأميركي لن تتكرر إلا إن وصل حفتر لرأس الهرم الليبي، وبكل تلك الظروف المواتية يملك حفتر فرصته الذهبية

 الأوروبية
   

لا تبدو هنالك لحظة مواتية لتحقيق حفتر انتصاره مثل هذه اللحظة، فجميع حلفائه جاهزون لدعمه ويقومون بذلك بالفعل بكُل جدية، وعلى رأسهم الفرنسيون والإماراتيون والمصريون والروس والسعوديون، والذين أقنع بعضهم على الأرجح ترامب بتجاوز البروتوكول الأميركي الصارم ومهاتفة حفتر بنفسه، في حين يتشتت حلفاء طرابلس بين عُزلة الإيطاليين داخل الاتحاد الأوروبي تحت حكومة شعبوية، وانشغال بريطاني بالخروج منه تحت حكومة تيريزا ماي، وتعطُّل للدور الجزائري جرّاء الانتفاضة الشعبية الجارية هناك، وعدم وضوح في طبيعة العلاقة بين ترامب ومؤسساته وأثر ذلك على موقف واشنطن من ليبيا بينما يستمر تراجع مركزية دورها في المنطقة، وأخيرا استنزاف للدور التركي في سوريا وشرق المتوسط ليس بالإمكان معه الدخول بحسم في معركة أخرى.

 

بمكالمة هاتفية مع الرئيس الأميركي لن تتكرر إلا إن وصل حفتر لرأس الهرم الليبي، وبكل تلك الظروف المواتية -القابلة للتغيّر حتما في المستقبل وغالبا لصالح طرابلس- يملك حفتر فرصته الذهبية، فإن لم يكن كل ذلك كافيا ليتحرّك الرجل أشواطا للأمام، فالراجح أنه سيتحرك خطوات عديدة للخلف وسينسى حلم قيادة ليبيا منفردا، وسيعود لطاولة المفاوضات بطموحات محدودة. حتى حين، يستمر رهان حفتر على الحل العسكري وتستمر المعركة على أبواب طرابلس، ويستمر انتظارنا لمعرفة ما إن كانت المعركة ستتوقف هناك كما هو مرجح، أم ستصل إلى قلبها.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار