انضم إلينا
اغلاق
معركة في القلب.. كيف ستؤثر انتخابات إسطنبول على مستقبل العدالة والتنمية؟

معركة في القلب.. كيف ستؤثر انتخابات إسطنبول على مستقبل العدالة والتنمية؟

نهى خالد

محرر سياسي
  • ض
  • ض

"إذا خسرنا أسَنيورت، سنخسر القدس.. سنخسر الإسلام ونخسر مكة..". هكذا تحدث (1) رئيس بلدية "أسنيورت" "علي مراد علاء-تپه" قبل شهرين من الانتخابات البرلمانية والرئاسية التي جرت في يونيو/حزيران للعام الماضي 2018، مؤكدا أهمية فوز الحزب الحاكم بالأغلبية في بلدية "أسنيورت" الواقعة في أقصى غرب مدينة إسطنبول، والتي طالما حصل فيها "العدالة والتنمية" على نسبة الأصوات الأكبر والمركز الأول في كافة الانتخابات التي جرت منذ أصبحت بلدية مستقلة عام 2008. لكن سابقة أولى من نوعها وقعت عام 2017، حين صوّت قاطنو "أسنيورت" ضد التعديلات الدستورية -التي حوّلت تركيا من النظام البرلماني إلى الرئاسي- بفارق نحو عشرين ألف صوت، لتظهر البلدية لأول مرة باللون الأحمر -لون الرفض- على خريطة إسطنبول الانتخابية وقتها.

  

لم يدُم قلق الحزب الحاكم كثيرا، فقد عادت "أسنيورت" للتصويت له ولرئيسه "رجب طيب أردوغان" بالفعل العام الماضي، ولكنها منحته فعليا 39% من أصواتها، في حين تفرقت أصوات المعارضة بين حزب "الشعب الجمهوري" العلماني وحزب "الشعوب الديمقراطي" الكردي وحزب "الخير" المنشق عن القوميين، وهو تشتت لم يدم طويلا حين حلّ موعد الانتخابات المحلية قبل أيام قليلة، وقررت "أسنيورت" هذه المرة قلب الطاولة، مانحة حزب "الشعب الجمهوري" الأفضلية بفارق 25 ألف صوت عن العدالة والتنمية، ومانحة رئاسة البلدية لمرشح الحزب "كمال دنيز بوزكورت". وما إن ظهرت النتائج للنور حتى عاد تسجيل رئيس البلدية السابق وتصريحه حول خسارة القدس إلى الانتشار بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، ولكن للسخرية من التصريح هذه المرة.

 

     

يعرف العرب المترددون كافة على إسطنبول "أسنيورت" جيدا، ويستوي في ذلك أثرياؤهم المهتمون بالاستثمار العقاري، ولاجئوهم الباحثون عن السكن في إسطنبول بأرخص الأسعار، فلأن البلدية بعيدة عن قلب إسطنبول، ولا تطل على بحر مرمرة أو البحيرات القريبة منه مثل البلديات المجاورة لها، فإن ذلك يجعلها جيبا سكانيا غير مرغوب فيه من معظم سكان المدينة القادرين على العيش في أماكن أفضل. ليس غريبا إذن أن تملك "أسنيورت" أرخص سعر للمتر المربّع السكني في إسطنبول، ومن ثم فهي تجتذب أيضا شرائح واسعة من الشباب التركي البسيط الواقع في أسفل السلم الوظيفي، ولا سيّما حديثي الزواج منهم، تماما كما تستقطب أعدادا كبيرة من الأكراد الذين باتت "أسنيورت" إحدى نقاط تمركزهم في إسطنبول، وبطبيعة الحال تتركز أعداد كبيرة من السوريين في البلدية للأسباب نفسها، وإن كانت أعدادهم غير مؤثرة سياسيا نظرا لعدم تمتّع السواد الأعظم منهم بالجنسية التركية.

 

شهدت "أسنيورت" نموا سريعا على مدار السنوات الخمس الماضية بلغ ربع مليون نسمة ليقارب التعداد السكاني لها 900 ألف مواطن، ولتصبح البلدية الأكثر اكتظاظا بالسكان في إسطنبول كلها، ومن ثم تجاوزت أعداد الناخبين فيها نصف مليون ناخب، أي أكثر من 5% من ناخبي إسطنبول. وتشي الإحصاءات الرسمية بأن الشرائح الأكثر تركزا في "أسنيورت" هي الشباب حديثو الزواج، فالذين تتراوح أعمارهم بين 30 و34 عاما، ثم 25 و29 عاما، يُشكّلون معا خُمس سكان البلدية تقريبا لتصبح الأكثر شبابا(2) في إسطنبول، كما أن الأطفال الذين لم يبلغوا الخامسة بعد تتجاوز نسبتهم فيها الـ 10%، وهي ثاني أعلى نسبة لتلك الفئة من الأطفال بين بلديات إسطنبول، وتُشكّل تلك الشرائح العمرية الثلاث الفئات الأكثر عددا.

   

   

بالإمكان أن نقارن تلك الأرقام مع بلدية أخرى لا تقل أهمية هي "باغجيلار"، ثالث أكبر بلديات إسطنبول من حيث تعداد السكان فيها بـ730 ألف مواطن (كانت الأولى قبل خمس سنوات فقط)، وهي بلدية أقدم من حيث تشكّلها، إذ حصلت على صفة البلدية المستقلة عام 1992، وقد شكّلتها(3) هجرات الأتراك من الأناضول إلى إسطنبول خلال الثمانينيات والتسعينيات، وهو أمر ينعكس على طبيعة سكانها المحافظة في أغلبها، والتي تمنح حزب العدالة والتنمية أصواتها بنسب كبيرة. أما الشريحة الأكبر في "باغجيلار" فتتراوح أعمارها بين 35 و39 عاما، كما أن الفئات العُمرية الأربع الأصغر (دون الخامسة؛ ومن 5 إلى 9؛ ومن 9 إلى 14؛ ومن 15 إلى 19) تتساوى تقريبا، ليشكل كلٌّ منها رُبع نسبة القُصَّر في البلدية، على العكس من "أسنيورت" حيث الغلبة لمن هم دون الخامسة ويشكلون ثُلث القُصَّر هناك.

 

تتكون "باغجيلار" إذن من فئات سكانية أقدم قليلا وأكثر استقرارا اجتماعيا واقتصاديا، ومن ثم لم يكن غريبا أن تكون هي البلدية الوحيدة التي حافظت على نمط التصويت المعتاد من بين بلديات إسطنبول السبع الأكثر تعدادا، لتمنح العدالة والتنمية نحو 58% من أصواتها، وليستمر مرشح الحزب الحاكم "لقمان جاغِرجي" في مباشرة مهامه رئيسا للبلدية، في حين حصل مرشح المعارضة "محمد بايرام" على 20% فقط. وبالمقارنة فإن "كمال دنيز بوزكورت" مرشح المعارضة لـ "أسنيورت" قد حصل على أكثر من نصف الأصوات هناك، في حين حصل مرشح العدالة والتنمية "عزمي أكينجي" على 45%، مع زيادة طفيفة في أعداد المصوّتين عن يونيو/حزيران للعام الماضي، وهي زيادة تُعزى لتحالف الحزب الحاكم مع حزب الحركة القومية الذي حصد نحو 40 ألف صوت في 2018 ولم يرشح منافسا في أسنيورت هذه المرة.

  

 

إذن؛ وبينما تتعرض الفئات الشبابية الأكثر احتياجا للضغوط الأشد جراء هبوط الليرة التركية على العكس من فئات أكثر ثراء، وبينما تعاني كذلك من معدلات البطالة المتزايدة وارتفاع الأسعار أكثر من غيرها وهي في بداية حياتها، يبدو وأن الديمغرافيا الكُردية لأسنيورت قد لعبت دورا حاسما أيضا، وهو دور من السهل حسابه ببساطة عبر مقارنة الأحزاب التي صوّت لها سكان أسنيورت في السنوات الأخيرة. فبالمقارنة مع الانتخابات المحلية التي أُجريت عام 2014، وحصل فيها حزب الشعوب على 34 ألف صوت تقريبا مقابل 120 ألفا لحزب الشعب و162 ألفا لحزب العدالة والتنمية، شهدت الانتخابات العامة التي أُجريت بعد أربع سنوات من النمو السكاني السريع تضاعف أصوات الأكراد ثلاث مرات، ليرتفع نصيب حزب الشعوب إلى نحو 102 ألف صوت في 2018، في حين ارتفع نصيب حزب العدالة إلى 182 ألفا بزيادة قدرها عشرون ألف صوت فقط، وأخيرا هبط قليلا حزب الشعب إلى 105 ألف، وهي خسارة قد تُعزى لظهور حزب الخير الذي حصد 28 ألف صوت آنذاك.

 

قبل أيام، كانت المفاجأة بقفزة حزب الشعب الجمهوري بأكثر من مئة ألف صوت، ليحصد 227 ألف صوت، مقابل 202 ألف لحزب العدالة والتنمية، في غياب لحزب الشعوب عن ترشيح نفسه بالبلدية، وكذلك حزب الخير المتحالف رسميا مع المعارضة، مما استتبع تصويت أنصارهما بالأعداد نفسها تقريبا لصالح "أكرم إمام أوغلو" مرشح المعارضة لعمودية إسطنبول، وهي إستراتيجية من حزبي الشعوب والخير منحت الأفضلية لـ "إمام أوغلو"، وسمحت لحزب الشعب بأن يسجل انتصاره لأول مرة في "أسنيورت".

 

على الجانب الآخر، لم تنخفض أصوات الحزب الحاكم إذن، لكنها استقرت نسبيا مع زيادة سكانية من شرائح ديمغرافية شبابية وكردية التفت حول الحزب الأقدم في تركيا بدلا من تفتيت أصواتها، ونجحت في توجيه ضربة إن جاز القول للحزب الحاكم في أكبر بلديات إسطنبول، وهي ضربة لعلها كلّفته عمودية إسطنبول كلها، حيث إن خسارة الحزب الحاكم لم تتجاوز فارق عشرين ألف صوت في إسطنبول؛ وهو الفارق نفسه في أعداد المصوتين لصالح حزب الشعب في أسنيورت فقط، وإن كنا ما زلنا بانتظار إعادة الفرز التي طلبها الحزب الحاكم لتحديد الفائز والخاسر بالعمودية، وهي إعادة لا تزال جارية ومتوقفة الآن عند فارق 17 ألف صوت تقريبا لصالح المعارضة(4).

  

    

كيف صوّت الإسطنبوليون؟

لم تكن "أسنيورت" البلدية الوحيدة التي ساهمت في خسارة "العدالة والتنمية" المرجحة حتى الآن، بل أتت جارتها "كوجوك جكمجه" -ثاني أكثر بلدية اكتظاظا بالسكان بتعداد يتجاوز 750 ألفا- لتوجه ضربة ثانية بمنحها الصدارة لحزب الشعب على غير العادة، فقد كان الفارق لصالح الحزب الحاكم نحو 50 ألف صوت خلال انتخابات 2018، بعد أن تشتت بعض مصوّتي حزب الشعب لصالح حزب الشعوب الكردي (60 ألف صوت) وحزب الخير (45 ألف صوت)، لتنخفض أصوات حزب الشعب من 175 ألف في محليات 2014 إلى 129 ألفا فقط، لكنها هوة سرعان ما تداركها الحزب بتحالفه مع حزب الخير واجتذابه للأكراد، لترتفع أصواته في محليات 2019 إلى ما يقارب 227 ألف صوت، في حين زاد العدالة والتنمية من رصيده بعشرين ألف صوت فقط ليقف عند 199 ألفا، فيما يبدو أنه نجاح غير مكتمل في حصد بعض أصوات القوميين التي تقارب الـ 40 ألفا في العادة، وانخفض إجمالي المصوتين في البلدية بنحو 25 ألفا، وهم على الأرجح قوميون عزفوا عن التصويت للحزب الحاكم.

 

على خطى "باغجيلار"، حافظت بلديات عدة على ولائها للحزب الحاكم، ومنحته عدد الأصوات نفسه التي حصدها قبل في العام الماضي بنسب تتراوح بين 42 و65%، غير أن بعضها شهد مرة أخرى تكتُّلا لأصوات الأكراد باتجاه حزب الشعب الجمهوري، ومن ثم تضاؤلا في الفارق التصويتي بينه وبين الحزب الحاكم. وقد كانت بلدية "بنديك" الرابعة من حيث التعداد السكاني والواقعة في شرق إسطنبول الآسيوية واحدة من تلك البلديات، حيث قفز نصيب حزب الشعب بنحو 70 ألف صوت (هي تقريبا مجموع الأصوات التي حصل عليها الحزب الكردي وحزب الخير في 2018) ليقتنص 41%، مقابل ارتفاع طفيف في أصوات حزب العدالة والتنمية بلغ 11 ألفا ومنحه نحو 55%، وهو ارتفاع قد يُعزى لتضاؤل أصوات حزب السعادة الإسلامي الذي هبط من 17 ألف صوت إلى 11 ألفا، في إشارة مجددا إلى عزوف الكثير من أنصار الحزب القومي عن التصويت للحزب الحاكم، رغم تحالفه الرسمي معه؛ والذي حصل على 47 ألف صوت في 2018 لا يبدو أنها ذهبت باتجاه العدالة والتنمية.

  

  

على المنوال نفسه تأتي بلدية "عمرانية" الخامسة سكانيا، والتي ارتفع فيها نصيب العدالة والتنمية بمقدار ثمانية آلاف صوت فقط، في حين قفز نصيب حزب الشعب بـ 50 ألف صوت، جاءت على الأرجح من مصوّتي حزب الخير في العام الماضي (36 ألفا)، وبعض أنصار حزب الشعوب الكردي (42 ألفا)، ومجددا لا يبدو أن التحالف القومي يؤتي أكله للحزب الحاكم، حيث حصل القوميون في 2018 على 38 ألف صوت اختفت تقريبا في العام الحالي، بينما هبطت أعداد المصوتين الإجمالية بنحو 35 ألفا في إشارة إلى عزوف معظمهم عن التصويت وعدم اقتناعهم بالعدالة والتنمية. وتجدر الإشارة هنا إلى عودة حزب الاتحاد الكبير "القومي ذي الميول المحافظة" إلى الظهور بعد اختفائه عام 2018، حيث حصل على 5800 صوتا أتت على الأرجح من صفوف القوميين، وهي أصوات لا يمكن أن تكون كردية بأي حال، ولا يمكن أن تكون من أنصار حزب الشعب أيضا وأصحاب التوجه العلماني بالنظر إلى بعض الميول الإسلامية الموجودة بحزب "الاتحاد".

 

وبإلقاء نظرة على بلديات "أسكودار" و"بهتشلي أولر" و"سلطان غازي" التالية من حيث التعداد السكاني -تتجاوز كلٌّ منها النصف مليون بقليل- يظهر نمط مماثل، فالعدالة والتنمية لم يخسر أصواتا، لكنه يواجه تحديا أكثر صلابة من ذي قبل بالتفاف المعارضة حول حزب الشعب، والذي تبدو تحالفاته الرسمية مع حزب الخير، وغير الرسمية مع الأكراد، ناجعة في إسطنبول على الأقل، بالمقارنة مع تحالف العدالة والتنمية مع الحركة القومية والذي لم يحقق المأمول منه، في حين أنه تحالف قد صرف عن الحزب الحاكم عشرات الآلاف من المصوتين الأكراد، وإن لم تتجه أصواتهم جميعا بالضرورة إلى حزب الشعب الجمهوري مباشرة، لا سيّما وأن تاريخ الحزب الطويل في دعم سياسات الدولة ضدهم لم يُنسَ بعد، وبالأخص بين الفئات الأكبر سنا، بيد أنها فئات تتجه للأفول وتتضاءل نسبتها، في حين تتزايد أعداد الأجيال الجديدة والتي تسمع من أجدادها عن سياسات التهجير والتتريك في حين ترى بعينها سياسات مماثلة اليوم يتزعمها العدالة والتنمية، أو هكذا تنظر إليها.

  

لم يخسر العدالة والتنمية سوى "أسنيورت" و"كوجوك جكمجه"، وهي خسارة حسمت النتيجة لصالح المعارضة لثقل هاتين البلديتين

غيتي إيميجز
  

وهنا؛ تلفت الأنظار بلدية "سنجاق تبه"، والتي تُظهِر تشابها مع "أسنيورت" بل ويمكن اعتبارها "أسنيورت" الآسيوية، إذ تملك أرخص سعر للمتر في إسطنبول الآسيوية ونسبة مماثلة للأطفال دون الخامسة، وقد تزايد التعداد فيها بشكل سريع خلال خمس سنوات برقم بلغ مئة ألف مواطن (و75 ألف ناخب)، وهي زيادة لم تكن كلها من نصيب العدالة والتنمية الذي رفع أصواته بنحو ثلاثين ألفا من 2014 إلى 2019، بل كان للأكراد نصيب الأسد فيها، إذ ارتفع تعدادهم بشدة كما يظهر في نتائجهم بين محليات 2014 وبرلمان 2018، فقد حصل حزب "الديمقراطية والسلام" المنحل في الأولى على 9700 صوت، في حين حصد الشعوب الديمقراطي في الثانية 45 ألفا، وبالنظر إلى ارتفاع نصيب حزب الشعب الجمهوري من 55 ألفا إلى 108 آلاف خلال عام واحد، يبدو جليا أن أكراد "سنجاق تبه" مثلهم مثل أكراد "أسنيورت" قد صوّتوا بالجملة للمعارضة العلمانية.

 

في المُجمَل؛ لم يخسر العدالة والتنمية سوى "أسنيورت" و"كوجوك جكمجه"، وهي خسارة حسمت النتيجة لصالح المعارضة لثقل هاتين البلديتين، بيد أن هنالك بلديات عديدة -حافظ عليها الحزب الحاكم- قد حقق فيها حزب الشعب نسبا تصويتية مرتفعة، وقلّص فيها الفارق بشكل ملحوظ مقارنة بـ2018، مثل "أسنلر" و"غازي عثمان باشا" و"كونكورَن" و"زيتون بورنو" و"توزلا" و"بِك أوغلو" و"أرناؤوط كوي" وغيرها، لتمثل هذه النماذج انتصارات ليست بالمطمئنة بأي حال للعدالة والتنمية، وإنما هي مكاسب إستراتيجية للمعارضة التركية على المدى الطويل كما يرجح.

 

    

معاقل الشعب الجمهوري تعود إليه

كعادته؛ فاز حزب الشعب الجمهوري بسهولة في بلديتي "قاضيكوي" و"بشيكطاش" المعروفتين بولائهما للحزب منذ عقود، وهما بلديتان من الأكبر سنا في إسطنبول كلها، إذ تُشكّل فئات السكان فيهما نُخَب إسطنبول القديمة والملتزمة بسرديات الجمهورية العلمانية التقليدية. فعلى سبيل المثال، يقع عُمر خُمس سكان "قاضيكوي" فوق الخامسة والستين، مثلها في ذلك مثل بشيكطاش التي تبلغ فيها نسبة تلك الفئة سُبع عدد السكان الإجمالي، ولكنها تظل الفئة الأكثر عددا.

 

في بلدية "باقركوي" أيضا، وهي أحد معاقل حزب الشعب، تغلب الأعمار المُسنة وتُشكّل فئة من يزيدون على 65 عاما الفئة الأكثر عددا، وإن كانت بنسبة أقل من قاضيكوي وبشيكطاش (نحو عُشر سكان البلدية)، بيد أن أعداد المصوّتين للحزب قد انخفضت في السنوات الأخيرة بعد أن حصل على مئة ألف صوت في الانتخابات المحلية لعام 2014، إذ هبط الرقم لسبعين ألفا مع حصول حزب الشعوب الكردي على عشرين ألف صوت، وحزب الخير على 17 ألف صوت في 2018، وقد ارتفع الرقم قليلا لـ77 ألفا في محليات 2019، مع هبوط حزب الخير لـ12 ألف صوت، وغياب الحزب الكردي الذي لا يبدو أن أصواته ذهبت بالجُملة لحزب الشعب كما حدث في بعض البلديات، إلا أن اللافت هنا هو حضور لا بأس به لحزب اليسار الديمقراطي الذي حصد نحو تسعة آلاف صوت، وهو عدد يرجح أن يكون منه أكراد بالنظر لاتجاههم المعتاد نحو اليسار.

  

 

تفوق حزب الشعب أيضا في "شيشلي" أحد معاقله التقليدية، حيث يبلغ عُشر سكانها أكثر من 65 عاما أيضا، وهم الشريحة الأكثر عددا هناك مع أعداد معتبرة لمن هم بين الأربعين والستين -رُبع البلدية- تفوق أعداد أي فئة من فئات القُصَّر (جميع القُصَّر يُشكّلون الخُمس فقط)، في حين هبطت أصوات العدالة والتنمية لـ33 ألفا بعد أن كانت تتجاوز الأربعين، إضافة إلى ذلك بلدية "ساريَر" المجاورة لها والتي يفوز بها حزب الشعب عادة، وإن كان حزب العدالة قد نجح في الحصول على المركز الأول فيها قبل تسعة أشهر -بفارق ضئيل- حين ذهب أربعون ألف مصوّت لحزبي الخير والشعوب الكردي، وهي أصوات عادت لحزب الشعب الجمهوري في محليات 2019 مع زيادة طفيفة لأصوات العدالة والتنمية. على الشريط الساحلي الآسيوي الواقع إلى جنوب "قاضيكوي" تقع أيضا بلديات تنتمي لمعسكر الشعب الجمهوري هي "مالتبه" و"كارتال" و"أتاشهير"، وهي بلديات نجح حزب الشعب في الحفاظ على الريادة فيها، بل وزيادة حصته فيها لتتجاوز 50% مقارنة بانتخابات 2014، لا سيما كارتال وأتاشهير اللتين تصدر فيهما العدالة والتنمية -على غير العادة- العام الماضي بعد تفتت جزء من قاعدة حزب الشعب التصويتية لصالح حزب الشعوب الكردي وحزب الخير.

 

وبالمثل حافظ الحزب على معاقله الواقعة بالساحل الغربي وهي "بويوك جكمجه" و"بيليك دوزو" و"أوجيلار،" ورُغم أن بعض معاقل الشعب الجمهوري التقليدية في العموم قليلة التعداد السكاني، فإنها تظل محورية سياسيا بالنظر إلى ثراء سكانها وامتلاكهم لنصيب كبير من رأس المال في إسطنبول باعتبارهم امتدادا للطبقة العُليا المنحصرة فيهم حتى وقت قريب، لا سيما قاضيكوي وشيشلي وبشيكطاش وسارير وباقركوي، وهي أغنى خمس بلديات وفق دراسة (5) لوكالة التنمية بإسطنبول.

   

  

أخيرا، خسر حزب الشعب بلديتين فقط في أقصى غرب إسطنبول كبيرتين حجما ولكن ضئيلتي التعداد السكاني هما "تشاتلجه" و"سيليفري"، وهما ثالث وخامس أقل بلديات إسطنبول اكتظاظا بالسكان على الترتيب، حيث فاز العدالة والتنمية بالأولى وحليفه حزب الحركة القومية بالثانية، لتكون أول مرة يفوز فيها القوميون برئاسة بلدية داخل إسطنبول، وكان الفارق بين حزبي العدالة والتنمية والشعب في كلتا البلديتين قد تضاءل بالفعل خلال انتخابات 2018.

 

على هامش المحليات: السوريون بأمان

تجدر الإشارة هنا إلى أن ملف السوريين لم يكن محورا للانتخابات أو محددا من محددات نتيجتها، فقد هيمنت الأزمة الاقتصادية عليها علاوة على النهج السياسي للحزب الحاكم، في حين ارتكزت دعايا حزب الشعب الجمهوري على فكرة الإصلاح والتغيير، وابتعدت عن تسليط الضوء على السوريين واستغلال النعرة القومية، لا سيّما وأن الحزب قد مال لليسار قليلا بإستراتيجية الاتفاق الضمني مع حزب الشعوب الكردي، ومن ثم كان ليتضرر من استغلال البطاقة القومية ضد السوريين بأي حال ولذلك لم يفعل، مثله في ذلك مثل الحزب الحاكم الذي رُغم تحالفه مع القوميين فقد ظلت دعاياته في السنوات الأخيرة مركزة ضد تجاوزت الحركة السياسية الكردية، وابتعد عن استهداف السوريين بأي شكل. وللمفارقة، فقد كانت هنالك محاولة (6) لاستهداف السوريين في بلدية فاتح من مرشحة حزب الخير المنشق عن الحزب القومي "إلاي أقصوي"، والتي شوهدت لافتات دعائية محسوبة عليها تقول "لن نسلّم فاتح للسوريين"، مما أثار جدلا شديدا لم يثمر انتخابيا بأي شكل لحزب الخير، حيث كانت بلدية فاتح الأقل تصويتا للحزب فيما بدا وأنه رفض جماعي من أتراك فاتح لحملة أقصوي.

   

لا يزال حزب العدالة والتنمية ممثلا لأغلبية غير مسنّة من الشرائح العمرية تتراوح أعمارها بين الثلاثين والخمسين عاما

وكالة الأناضول
  

تعني نتائج تلك الانتخابات أن السوريين -على عكس بعض الهواجس المتوقعة- بوضع آمن في إسطنبول وخارجها أيضا، فالبلديات الخمس التي يتركّز فيها السوريون أكثر من غيرها في إسطنبول (أسنيورت-كوجوك جكمجه-باغجيلار-فاتح-سلطان غازي) قد صوّت ثلاث منها للعدالة والتنمية كعادتها، في حين كان فوز المعارضة في الأخريين كما أوضحنا متعلقا بفئات الأكراد والشباب، وهي فئات لا يمكن بأي حال أن ترتبط بأجندة قومية في تلك اللحظة. يُضاف إلى ذلك خسارة القوميين لولايتي أضنة ومرسين -خامس وسادس أكثر ولايتين يتركّز فيهما سوريون- وعودة حزب الشعب الجمهوري لرئاسة الولايتين (7).

 

بين أردوغان وإمام أوغلو

لا يزال حزب العدالة والتنمية ممثلا لأغلبية غير مسنّة من الشرائح العمرية تتراوح أعمارها بين الثلاثين والخمسين عاما، وبعضها كذلك أقل من الثلاثين، ومن ثم فمن المبكر للغاية الحديث عن أفول عصر "أردوغان" وما شابهها من جمل تبدو مبالغا فيها بأي حال، إذ إن الديمغرافيا التي يعبر عنها الحزب، والتي كانت أكثر شبابا حين وصل للسلطة، لا تزال في منتصف عمرها، وستظل محورية اقتصاديا لعشر سنوات قادمة على الأقل.

 

وبالمقارنة، يقع حزب الشعب الجمهوري الآن بين شقي رحى النُّخَب القديمة من ناحية، والتي يُمثّلها في إسطنبول كما كان دوما وتتركز في البلديات "المُسنة" والثرية في آن مثل قاضيكوي وبشيكطاش وشيشلي، وبين طبقة من الشباب البسيط المتضرر اقتصاديا والمهمّش عمرانيا الحانقة على سياسات الحزب الحاكم، وهي فئة يُشكّل الأكراد نسبة كبيرة منها، ويتضاعف غضبها جراء توقف عملية السلام منذ أربعة أعوام، كما أن تلك الفئة من الشباب عموما لا تحمل على عاتقها إرث "المظلومية الإسلامية" التي شكّلت وعي الأجيال الأكبر سنا في التسعينيات بالتحديد، إذ إنها كانت تعيش طفولتها آنذاك، ومن ثم لم تترسخ في ذاكرتها سياسات محاربة الحجاب وإقصاء الإسلاميين وغير ذلك، لكنها بطبيعة الحال فئة بعيدة كل البُعد عن نظيرتها العلمانية القديمة.

  

بعض داعمي حزب الشعب الجمهوري في تركيا (وكالة الأناضول)

 

بينما تتجه شمس العدالة والتنمية على الأرجح وكما تشي الانتخابات المنصرمة للأفول البطيء جدا، على عكس ما قد يرغب به أعداؤه من سقوط سريع لا تتوفر أي عوامل له على الأرض، يتجه حزب الشعب الجمهوري، الحزب الجدير بالمتابعة في السنوات الأربع المقبلة وحتى انتخابات 2023، نحو مفترق طرق سيحدد مستقبله، وطبيعة التحدي والمنافسة اللذين قد يُشكّلهما للعدالة والتنمية، وعلاقته بمختلف فئات المجتمع التركي، وهو مفترق بين طريق استمراره في تشكيل أيديولوجيته التقليدية والتعبير عن مصوّتيه العلمانيين؛ وهو طريق سيجعل أفوله حتميا وسريعا لأسباب ديمغرافية واضحة، وسيمنح العدالة والتنمية ربما قدرة على الاستمرار منفردا حتى عام 2028، أو طريق آخر قد يعيد فيه تعريف نفسه عبر نقلة التحالف التكتيكي بينه وبين الأكراد حاليا، وشعبيته الجديدة بين فئات من الشباب لم تعد تعجبها سياسات العدالة والتنمية، وهو طريق سيوطد من صيغة التحالف الذي حمل "إمام أوغلو" إلى رئاسة بلدية إسطنبول حتى اللحظة إن لم يجد جديد في إعادة الفرز، وطريق ربما يُشكّل تحديا يعقّد من حسابات الانتخابات العامة في عام 2023.

 

في هذا الصدد، يُعَد صعود نجم "إمام أوغلو" محفزا قويا ليسلك الحزب الاختيار الثاني، فشخصية الرجل القادم من خلفية محافظة مثله مثل أردوغان نفسه، وسنّه الصغيرة نسبيا -لم يبلغ الخمسين بعد- كانتا عاملين حاسمين في رواجه كمرشح لعمودية المدينة التركية الأهم والأكبر، مقابل مرشح العدالة والتنمية "بن علي يلدرم" وزير النقل السابق، والذي لا تبدو صلابته وأحاديثه الروتينية ملائمة لمنصب محلي شديد الديناميكية مثل عمدة إسطنبول.

  

أكرم إمام أوغلو، سياسي تركي يشغل منصب العمدة الحالي لإسطنبول (رويترز)

 

ورُغم احتمالية ضئيلة باقية بأن يخرج "يلدرم" منتصرا بعد إعادة الفرز التي طلبها العدالة والتنمية ولا تزال جارية، فإن النتيجة الأولية كافية تماما لتدشين ميلاد "إمام أوغلو" كنجم جديد في سماء السياسة التركية. أما إن كان نجمه سيأفُل سريعا أم سيستمر في الظهور فهي مسألة تعتمد على العملية السياسية الجارية داخل أروقة حزب الشعب الجمهوري، وهي أروقة تعلم جيدا الآن حجم الفرصة التي يُشكّلها "إمام أوغلو" للوصول بالحزب إلى مواقع لم يصلها من قبل، لكنها أروقة قد تخشى أيضا من الثورة التي قد يحدثها الرجل داخل الحزب. وفي الأخير؛ يظل نجم أردوغان ساطعا حتى حين، أو كما كشفت محليات 2019، وسيظل لفترة ليست بالقصيرة حتى تتضافر جهود معارضيه بما يكفي -إن حدث ذلك- لكي يكون نجمُها أكثر سطوعا عنه ولو بفارق ضئيل، وهو حلم رئيس للمعارضة لا يبدو أنه سيتحقق في وقت قريب بأي حال.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار