انضم إلينا
اغلاق
موسكو بعد "البشير".. هل خسرت روسيا نفوذها الإفريقي للأبد؟

موسكو بعد "البشير".. هل خسرت روسيا نفوذها الإفريقي للأبد؟

هيثم قطب

محرر ومسؤول القسم السياسي بميدان
  • ض
  • ض

على مدار التسع سنوات الماضية؛ كان على الأنظمة الأوتوقراطية من المحيط للخليج أن توجّه رسائلها لشعوبها بأكثر الصيغ وضوحا ودموية في سبيل إيقاف ما اعتبرته أهم محاولة جادة لهدم "العقد الاجتماعي" طويل المدى بينها وبينهم، وهو عقد بسيط ينص على أن تلك الأنظمة مستمرة للأبد عن طريق نخب منتقاة من رجال الأعمال والعسكريين والملوك والأمراء، وشبكات منتفعين كبرى تغير مقاعدها فيما بينها، ودعم دولي يختلف من نظام لآخر، وقد كان الربيع العربي بمنزلة تحدٍّ صارخ لذلك العقد، الأمر الذي استدعى وجوب مواجهته بكل الوسائل اللازمة، سواء بهدم تلك الثورات في بدايتها، أو بتحويل بلدانها لمسارح حروب أهلية لا تنتهي، أو بدعم أنظمة عسكرية تستطيع حصار أي حراك جماهيري وسحقه حتى يختفي تماما، ولم يكن -بالتأكيد- نظام الرئيس السوداني "عمر البشير" وداعموه استثناء من كل ذلك.

    

لذا، وعندما ضربت أمواج الربيع العربي شواطئ العاصمة السودانية الخرطوم في الأيام الأخيرة من العام الماضي 2018؛ أتت استجابة (1) نظام "البشير" لانتفاضة السودانيين من دليل الديكتاتوريين مباشرة، حيث قمعت أذرعه الأمنية مئات التظاهرات، متسببة في مقتل أكثر من 30 سودانيا وإصابة العشرات، ونشطت تلك الأذرع بالمسارعة لاعتقال مئات المتظاهرين وبعض فاعلي المعارضة، وصولا لبدء التحضير لمرحلة إقامة إعدامات علنية لبعض رموزهم، وهي مرحلة كان يفترض لها أن تبدأ في أبريل/نيسان المنصرم، إلا أن داعم "البشير" الأقوى (الجيش السوداني) -وأحد مكوّنات نظامه الأساسية- استبق ذلك وأطاح برئيس البلاد التاريخي. وبجانب تفاصيل الخُطة السابقة، تمثّل الأمر الأكثر إثارة للاهتمام، حيث إن تلك الخطة التصاعدية للتعامل مع الثورة السودانية الرابعة لم تكن من بنات أفكار شبكة "البشير" الأمنية، أو حتى أحد داعميه الإقليميين، وإنما أتت الخُطة عابرة للحدود؛ من قلب الكرملين تحديدا.

      

"فلاديمير بوتين" و"عمر البشير" (رويترز)

    

مع تزايد وتيرة الاحتجاجات، كان "البشير" يواجه نهايته بشكل متسارع، إلا أن الرهان الروسي في بداية الحراك اتجه لصالح ترجيح نجاة الرئيس السوداني في حال طبَّق نظامه سياسة العصا والجزرة الروسية بحِرفية، لكن الرهان أصبح بمرور الوقت موضع شك كبير، وفي أوائل أبريل/نيسان الماضي 2019، بدا الأمر واضحا للروس: نظام "البشير" في طريقه لمعركة استنزاف لن يكون قادرا على الخروج منها بسلام. وبالنسبة للكرملين؛ كانت الأولوية القصوى متمثّلة في الحفاظ على مصالحه هناك، لذا فقد تولى "يفغيني بريجوزين"، أحد معاوني الرئيس الروسي المفضلين والملقب بـ "طاهي بوتين"، أمر تنفيذ الخطوة الأخيرة في محاولات الحفاظ على "البشير" عن طريق شركته "إم-إنفيست"، كما كشفت الوثائق التي وصلت لمكتب الملفات الخاصة في لندن (منظمة مملوكة لرجل الأعمال الروسي المعارض ميخائيل خودوركوفسكي تتخصص في تتبع ملفات فساد الكرملين والنافذين فيه)، ليرسلها المكتب بدوره نهاية الشهر الماضي لشبكة "سي إن إن" الأميركية، والتي راجعتها وتأكدت أنها وثائق أصلية وطابقتها بأقوال مصادر محلية سودانية أيضا، منها أحد مسؤولي نظام البشير السابقين، والذي قال إن خبراء "إم-إنفيست" وضعوا "مانيفستو" لمواجهة الاحتجاجات السودانية معنونا ضمنيا بـ "خسائر أرواح طفيفة ومقبولة".

   

كان على "بريجوزين" أن يحمي استثمارات بلاده في السودان، وهي استثمارات ليست بالهينة، بدءا من التنقيب عن الذهب وصولا للنفط، لذا فقد اقتضت الخطة بالبدء في تشويه الحراك، ونشر حملة دعائية واسعة تنال من المتظاهرين بالتدريج عبر معلومات مضللة عنهم على وسائل التواصل الاجتماعي في محاولة لتفتيت إحدى وسائل الحشد الرئيسة. تبدأ الحملة بالقول إنهم يهاجمون المساجد والمستشفيات، وإنهم أعداء للقيم الإسلامية والمحافظة بزرع أعلام لونية مؤيدة للشذوذ الجنسي في أوساط بعض التظاهرات، وهو أمر جلل لا يمكن الاستهانة بتأثيراته، خاصة لدى الكتلة الصامتة السودانية، فضلا عن اقتراح ضمني عرضته الخطة لنشر شائعة قوية بأن إسرائيل تدعم المحتجين، وهو ما تم بالفعل عبر إلقاء اللوم على "طابور خامس إسرائيلي يريد زرع الفتنة في السودان" حد تعبير بعض ألسنة نظام البشير منذ ديسمبر/كانون الأول الماضي. تتزامن هذه الحملة مع فتح البشير ونظامه لحوارات متواصلة مع المعارضة بهدف إطالة الوقت وعزل قادة الحراك، ومن ثم تفريغه من زخمه تدريجيا، مع إعطاء الفرصة لحملة التشويه ثلاثية الأبعاد لإحداث أثرها المطلوب.

    

  

وبجانب التشويه والقمع، كان للحشد الإلكتروني أيضا حضور لافت في الخطة الروسية، وهو حضور يُمثّل ملمحا مميزا لكل ما يحمل بصمات طاهي بوتين الأثير، وهو الأمر ذاته الذي تسبب في إدخاله لقائمة المحقق الأميركي الخاص "روبرت مولر" المكونة من 13 روسيا والمتهمة بالتدخل في سير الانتخابات الرئاسية الأميركية. ضمت تلك الخُطوة الروسية إنشاء حسابات مزيفة في مجموعات من 40 إلى 50 شخصا لتشتيت مطالب التظاهرات وتحويلها لألعاب فئوية يسهل السيطرة عليها، حيث تتبنى كل مجموعة زائفة أجندة ثورية مختلفة، ومن ثم يصبح الحراك السوداني بمرور الوقت أشبه بكحول خفيف سريع الاشتعال، سريع التطاير أيضا.

 

لا يُعرف على وجه التحديد ما السبب الذي منع نظام "البشير" من تنفيذ توجيهات موسكو بالكامل في وقت مبكر من تصاعد الحراك قبل تحوّله إلى ثورة شعبية عارمة، لكنه عندما بدأ بالفعل في تنفيذ بنود منها، مثل اعتقاله للطلاب واتهامهم بمحاولة إثارة حرب أهلية، كان ذلك متأخرا وضئيل التأثير، حتى إن "بريجوزين" أرسل رسالة إلى البشير في 17 مارس/آذار الماضي تذمر فيها من تقاعس الحكومة السودانية، الأمر الذي ساهم في تأجيج الاحتجاجات. ومضيفا بحرص شديد أن "تقاعس الحكومة الجديدة في تنفيذ خطوات فعالة سيؤدي إلى عواقب سياسية أكثر خطورة"، بلا تحديد لماهية تلك الخطوات الفعالة، ثم أرسل رسالة أخرى في السادس من أبريل/نيسان المنصرم يحث فيها الرئيس السوداني على اتخاذ إجراءات اقتصادية فورية لحل الأزمة، إلا أنه بعد خمسة أيام فقط من الرسالة الثانية والأخيرة؛ أطاح الجيش بالبشير مرة واحدة، وللأبد.

   

لسنوات طويلة، نظر الكرملين إلى السودان كقاعدة مهمة لإستراتيجيته الشاملة في أفريقيا، وقد اعتقد بوتين -حتى وقت قريب- أنه امتلك بعض مفاتيح القارة الرئيسة بالفعل، وكان السودان نموذجا تجريبيا مثاليا له لتوسيع نفوذه في مواجهة النفوذ الأميركي متمثّلا في القيادة العسكرية الأميركية الأفريقية "أفريكوم"، بعدما أثبت نظام "البشير" مرارا قدرته على استيعاب المصالح الروسية والعمل بتناغم معها، خاصة في أسوأ أوقاته عندما تزايد التضييق الدولي عليه بإيعاز من واشنطن، وكانت الإستراتيجية الروسية بسيطة وفعّالة، إلا أن الإطاحة بالبشير قلبت موازين تقييمات الكرملين، وقد ترسل بالنفوذ الروسي في السودان إلى محطته النهائية، حيث لا عودة لموسكو إلى هناك، على الإطلاق.

    

"يفغيني بريجوزين" أحد معاوني الرئيس الروسي المفضلين والملقب بـ "طاهي بوتين" (وكالة الأنباء الأوروبية)

    

أبناء "سوتشي"

حتى في أسوأ أوقات نظام البشير، وهي الفترة الكائنة بين عامي 2005 و2012، كانت موسكو حليفا موثوقا يعتمد عليه له ولنظامه، وفي خضم جرائم دارفور كانت روسيا تبيع أسلحتها لقوات الرئيس السوداني مع احتدام الحرب الأهلية، وتستخدم الفيتو في مجلس الأمن لمنع توسيع بعثات الأمم المتحدة في جنوب السودان، وهو التعاون الذي لم يقتصر فقط على الإطار العسكري والدبلوماسي، وإنما تشارك معه الجانبان الرؤية ذاتها لبعض المؤسسات العابرة للحدود وعلى رأسها "المحكمة الجنائية الدولية"، فبينما لم يعترف البشير بالمحكمة ككيان مؤسساتي بأي حال تبعا لتصنيفها له كـ "مجرم حرب" على خلفية اتهامات له ولقواته بالتورط في انتهاكات إنسانية واسعة بدارفور، وهو تصنيف أتى على هيئة مذكرتين دوليتين "عامي 2009 و2010" تطالبان بتسليم البشير للخضوع للمحكمة، ليصبح أول رئيس ما زال يشغل منصبه مطلوب لها، الأمر الذي اتفق مع رؤية روسيا -ورغم كونها من الدول الموقعة على معاهدة روما التي أُنشئت بموجبها المحكمة الجنائية الدولية- التي لم تصدق على المعاهدة، وظلّت على ذلك حتى سحبت توقيعها عام 2016.

   

أتاح ذلك لبوتين استقبال البشير في مدينة "سوتشي" الروسية الساحلية، في نوفمبر/تشرين الثاني عام 2017، دون أن تتعرض موسكو لعقوبات كونها في استقبال شخص مطلوب دوليا، وكانت تلك زيارة الرئيس السوداني الأولى لروسيا في منصبه، وقد حفلت الزيارة بكل الرسميات المعتادة واتفاقات التعاون الاقتصادي والعسكري، لكن ما أثار الضجة حينها كان هجوم البشير على واشنطن، وطلبه الضمني للحماية الروسية من التدخلات الأميركية واصفا نفسه والسودان بمفتاح أفريقيا، ومتفقا مع بوتين بأنه "لا سلام بسوريا بدون الأسد"، وهي وجهة نظر عزاها البشير أيضا للتدخلات الأميركية، حيث قال إن العراق واليمن وسوريا هي أمثلة حية على ما يفعله التدخل الأميركي المستمر بشؤون الشرق الأوسط، مضيفا -في مقابلة حصرية مع وكالة سبوتنيك الروسية وقتها- امتلاكه معلومات بأن واشنطن "طموحها تقسيم السودان لخمس دول".

   

كان السؤال (2) حينها حول سر اختيار البشير مهاجمة الولايات المتحدة بهذه الحدة وأثناء زيارته الاستثنائية لأحد غريميها التقليديين -بجانب الصين- وطلبه الحماية منها، بعد أسابيع قليلة من رفع الأولى لعدد من العقوبات الاقتصادية الأساسية المفروضة على السودان منذ عقود، وفي خضم محاورات رفيعة المستوى بين العاصمة الأميركية والخرطوم لتطبيع العلاقات مرة أخرى. إجابة هذا التساؤل تتضح حين معرفة أن البشير كان على علم برغبة واشنطن في مغادرته لمنصبه، وأنها لن تؤيده في مسعاه لترشيح نفسه في انتخابات 2020، والتي اشترطت رحيله لرفع السودان من القائمة الأميركية لــ "الدول الراعية للإرهاب"، وأيضا لرفع بقية العقوبات الاقتصادية وتطبيع العلاقات بشكل كامل، وبعثت بتلك الإشارات الضمنية مع "جون.ج. سوليفان" -وكيل وزارة الخارجية حينها أثناء زيارته للخرطوم- ليوصلها لوزير خارجية البشير "إبراهيم غندور" (رغم نفي غندور فيما بعد تلك الرغبة)، وتجنب فيها سوليفان لقاء "البشير" نفسه، ما أثار حنق الأخير وخيبة أمله في الأميركيين بشكل أكبر.

      

تباطأت السعودية في دفع تعهداتها المالية للبشير، ومع إشارات واشنطن شبه الواضحة الراغبة في رحيله، كانت خلاصة الرجل بسيطة: الوقوف مع روسيا وإيران بدلا من الولايات المتحدة والسعودية

رويترز
   

لم يخل الأمر أيضا من توتر شامل مع مهندسي التقارب السوداني الأميركي في كلٍّ من الرياض وأبو ظبي، وهو تقارب أتى بعد استجابة البشير للأجندة السعودية عام 2016 وقطعه للعلاقات مع إيران، وكذا خروج آلاف المقاتلين السودانيين البالغين والقُصر للقتال في حرب اليمن مشكّلين جبهة السعودية الأولى هناك، وقد أتت تلك الاستجابات بعد تعهد الرياض بحزم مساعدات مالية كبرى لنظامه، وتعهدها أيضا باستخدام رافعة نفوذها للضغط على إدارة ترامب للبدء بتطبيع العلاقات بين واشنطن والخرطوم كما ذكرنا، وهو ما تحقق جزئيا.

   

لكن السعودية تباطأت في دفع تعهداتها المالية للبشير، ومع إشارات واشنطن شبه الواضحة الراغبة في رحيله، كانت خلاصة الرجل بسيطة: الوقوف مع روسيا وإيران بدلا من الولايات المتحدة والسعودية، وبالنسبة للرياض فقط صرح البشير في سوتشي أنه "سيعارض أي حرب عربية ضد إيران"، ما عنى أنه قد تحول لعقبة أمام التحالف الخليجي بقيادة السعودية والإمارات، أما بالنسبة لروسيا فقد شهد البشير بنفسه نجاح موسكو في الإبقاء على "بشار الأسد" في السلطة ومماطلة الأميركيين هناك، لذا فقد اعتقد الزعيم السوداني على الأرجح أن موسكو يمكنها أن تفعل الشيء نفسه معه حتى انتخابات 2020 في وجه الاحتجاجات، إلا أنه وموسكو لم يقدّرا تأثيرات تلك الاحتجاجات حق قدرها، ومدى قدرتها على الضغط على حلفائه وشبكته الأمنية بالإضافة إلى شبكة أصدقاء الأمس أعداء اليوم في المنطقة، وهو ضغط وصل بمركز نظامه في الجيش للتحرك نحو إسقاط البشير دون تردد.

   

ناسب توجه "البشير" المعاكس طموح بوتين بشدة، خاصة مع اعتماده على إستراتيجية ترعى مزيجا من المصالح الحكومية والخاصة (رجال الأعمال) بما يُفضي في النهاية إلى تحقيق مكاسب واسعة لكلا الطرفين "الكرملين - النخبة الروسية"، وهي أيضا إستراتيجية منخفضة التكلفة، لا تتضمن استثمارات كبيرة أو التزامات عسكرية أكبر، وقد تبناها الرئيس الروسي ونخبته كعقيدة لازمة، لذا لم يكن محتملا أن يفلت "بوتين" تلك الفرصة، خاصة وأن البشير هو حليف يوازي في أهميته لموسكو نظام الرئيس المصري الحالي "عبد الفتاح السيسي"، ما يعني أن أمام روسيا فرصة ذهبية لزراعة نفسها في الأراضي السودانية، وتحويل السودان إلى بوابة لمصالحها في أفريقيا الوسطى، والأهم: الحصول على مفتاح شديد الأهمية للبحر الأحمر.

   

الماس الدموي

  

على مدار العام الماضي، لم يأل الرئيس الروسي أي جهد في اقتناص أي فرصة لتعزيز مصالح موسكو في الصراع الدائر على مساحات النفوذ في القرن الأفريقي، وخاصة تلك المتمحورة حول الوصول السريع للبحر الأحمر والتحكم في نطاق التحركات التجارية والعسكرية هناك. وبطبيعة الحال، لم يكن هناك خيار أنسب من جيبوتي التي تحوّلت إلى أرض القواعد العسكرية الأجنبية في أفريقيا، حيث تحتوي على أكبر قاعدة أميركية في أفريقيا "مقر قيادة أفريكوم"، وأهم قاعدة فرنسية في القارة، فضلا عن قواعد لليابان وإيطاليا والصين، وحتى السعودية قريبا بعد الاتفاق معها.

  

لذا، فقد كانت جيبوتي الاختيار الأول لبوتين، محاولا إقامة أول قاعدة عسكرية روسية على البحر الأحمر منذ نهاية الحرب الباردة، إلا أن نظام الرئيس "عمر غيلة" رفض إقامتها على أراضيه على إثر معارضة أميركية صارمة (3)، ورغم توجّه موسكو لإثيوبيا فإن الأخيرة اكتفت بالموافقة على معسكر لا قاعدة، فقد كان الخيار الثاني والأفضل أمام الروسيين -وربما الوحيد- هو "بورت سودان"، وهي مدينة تناسب موسكو الراغبة في الحفاظ على مصالحها النفطية بالربط بين جنوب السودان الذي ينتج النفط، والسودان الذي يمتلك البنية التحتية الوحيدة لتصديره، وتعززت تلك الرغبة لدى الروسيين  خاصة بعدما وقّع وفد من جنوب السودان في أكتوبر/تشرين الأول للعام الماضي مذكرة تفاهم مع ثلاث من أكبر شركات النفط الروسية: "جازبروم" و"روزنفت" و"زاروبزنفت"، تزامنا مع اهتمام روسيا بإنشاء مصفاة تكرير نفط بطاقة 200 ألف برميل يوميا تستفيد من الوصول الروسي المستقبلي للبحر الأحمر من سواحل السودان.

   

كان بوتين قد ألقى بالفكرة أثناء اجتماعه مع البشير في سوتشي، وعلى الأرجح فإن البشير انتظر ليرى نتائج التعاون الروسي من الناحية المبدئية، وبعد مرور عام ونيف على الزيارة، وفي أوائل يناير/كانون الثاني الماضي أقر رئيس الوزراء الروسي "دميتري مدفيديف" مسودة اتفاقية تسمح لبحرية كلا البلدين بدخول موانئ الأخرى والرسو دون طلب سابق والسماح للبحّارة بدخول مدينة أي ميناء بدون سلاح، وهي اتفاقية شملت جميع طرز السفن القتالية بجميع الأسلحة عدا الكيميائية والنووية، وكانت بمنزلة تمهيد مباشر لإقامة قاعدة بحرية عسكرية روسية في مدينة "بورت سودان" الساحلية، وهو ما أعلنه اللواء "الهادي آدم موسى" رئيس لجنة الدفاع بالبرلمان السوداني وقتها صراحة، حيث قال إن الاتفاقية "ستمهد الطريق لتعاون أكبر بين الخرطوم وموسكو وعلاقات إستراتيجية أقوى.. ربما يصل لإقامة قاعدة روسية على البحر الأحمر"، ولم يكن "الهادي" مخطئا، حيث استمرت المفاوضات بين الجانبين على مدار الأشهر التالية، وكان آخرها زيارة الجنرال "أوليج ماكاريفيتش" نائب قائد البحرية الروسية للسودان قبل الإطاحة بالبشير بشهر واحد فقط، إلا أن رحيل الرئيس السوداني التاريخي جَمّد حُلم القاعدة الروسية لأجل غير مسمى.

     

  

ورغم ذلك، فإن مصالح موسكو تتعدى خسارة حلم إنشاء قاعدة بحرية لم تر النور في أي دولة أخرى في القارة أيضا. لذا، على الأرجح لم تكن خسارة مشروع نظري هي الهاجس الأهم لرجال الكرملين، وإنما على ما يبدو ظل هاجسهم بالنسبة للسودان متمحورا حول كونها بوابتهم الأهم إلى أفريقيا الوسطى، التي تمتلك فيها روسيا مصالح أكثر عمقا وأهمية من الماس إلى اليورانيوم، وهي المصالح التي فتحت الباب لوجود المرتزقة الروس في السودان منذ منتصف العام الماضي، عكس ما يُشاع باعتبار أن أول ظهور لهم كان أوائل العام الحالي لمساعدة أذرع نظام البشير الأمنية في مواجهة الاحتجاجات، حيث ذكر تقريران (4) لراديو "دابانجا" السوداني المحلي، أواخر يوليو/تموز 2018، عن وجود نحو 500 من المرتزقة الروس الذين عملوا في معسكر يبعد نحو 15 كيلومترا جنوب مدينة أم دافوج في دارفور، بالقرب من الحدود السودانية مع أفريقيا الوسطى، وأضاف محررو منصة الراديو الإنترنتية أن المرتزقة قضوا خمسة أشهر منذ مارس/آذار للعام نفسه في تدريب متمردي سيلكا وقوات سودانية (5)، قبل أن يرحلوا في يوليو/تموز.

   

في ذلك الوقت أيضا، كانت أعين نظام البشير مسلطة على الجارة الأفريقية الغنية بثرواتها الطبيعية، وفي خضم الأزمة الاقتصادية التي يمر بها السودان، كان على الرئيس السوداني البحث عن مورد غير تقليدي له ولنظامه، لذا فقد أتت زيارة نهاية العام الماضي لسوريا كحلٍّ نادر للبشير في خضم تلك الأزمة، حيث سافر في 16 ديسمبر/كانون الأول إلى دمشق، وكانت تلك المرة الأولى التي يقوم فيها زعيم عربي بذلك منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011 وقمعها من قِبل قوات بشار الأسد وحزب الله وسلاح الجو الروسي. وبعكس الشائع، لم يكن لدى البشير أي نية للعمل كـ "مارونيت" (6) في عملية إعادة تأهيل "بشار" الروسية، لذا، وبعد أن عبّر عن المواقف المعتادة حول الحاجة إلى الوحدة العربية ضد إسرائيل وما شابه، ووفقا لمصادر قريبة من الرئاسة السودانية نقلا عن مصادر استخباراتية، فإن هدفه الأساسي من الزيارة تمثّل في مناقشة التعاون المحتمل مع الروس (الذين لم يلتقوا به مباشرة هذه المرة) واستكشاف كيفية العمل معا في أفريقيا الوسطى، خاصة في قطاع الماس، مع استمرار نفاد الخزانات المالية في الخرطوم بشكل واضح كما ذكرنا.

   

ورغم الوجود الروسي الراسخ في أفريقيا الوسطى، فإن ذلك الحصار الجغرافي لم يكن يناسب طموحات الرئيس الروسي على ما يبدو، خاصة مع التوسع الأميركي في القارة وبدء التفات واشنطن لها مع التحول التاريخي الجديد في إستراتيجية الأمن القومي الأميركي، واستبدالها مواجهة النفوذين الصيني والروسي في كل مكان بالعالم بـ "مواجهة الإرهاب"، لذا كان على بوتين ورجاله أن يطوروا خطة أكثر اتساعا، مرسلين بالنفوذ الروسي لعمق القارة الأفريقية، ومن قلب السودان أيضا.

  

كل مرتزقة بوتين

  

للوهلة الأولى، بدت الخُطة الروسية ذكية رغم بساطتها واتباعها لدليل ألعاب الكرملين ذائع الصيت، فبناء على أوامر مباشرة من "بوتين"، قام طاهيه الأثير "بريجوزين" بزرع خبراء تقنيين سياسيين في أكثر من 20 دولة أفريقية، على رأسها السودان، في عملية واسعة أرادت منها موسكو تثبيت مسار تكوين حلمها الإمبراطوري جنوب الصحراء الكبرى، وتمثّلت مهمة أولئك الخبراء في المساعدة بكل الوسائل الممكنة على استمرار الأنظمة الأفريقية الحليفة لروسيا، أو التأكد من فوز رؤوسها حال قدوم موعد أي انتخابات في أي دولة، وهو ما كشفه تحقيق مطول (7) تابع لمؤسسة "بروجكت" الروسية، وهي مؤسسة إعلامية استقصائية مستقلة.

   

وضع "بيتر بيتشكوف"، الخبير السياسي الروسي، أساسات الخطة مع فريقه التقني، وفيها يعمل شعب الكرملين في تلك الدول على مسارين اثنين: إما دعم الأنظمة الحالية والتأكد من بقائها على درجة الولاء نفسها لبوتين (إن لم يكن زيادة هذا الولاء أيضا)، وإما العمل أثناء الانتخابات على فرز وهندسة شبكة المرشحين لكل بلد، ودعم من يعتقد بيتشكوف وفريقه أنه قابل لإخضاعه لسيطرة الكرملين، ومن ثم العمل على إيصاله لمقعد الحكم. وعلى الجانب الآخر يشرف "بريجوزين" على تلك الجهود بنفسه، وبالإضافة إلى عمله على أعلى مستوى في قطاعات التموين الروسية بعقود مباشرة مع الحكومة، فإنه يموّل أيضا كيانا أخطر عرفه العالم ببصماته التي تنكشف ببطء يوما بعد يوم: "مجموعة فاجنر"، شركة المرتزقة الروسية الشهيرة والأبرز على ساحة الشرق الأوسط حاليا، والتي يتورط مقاتلوها في ثلاث دول على الأقل بشكل مؤكد هي سوريا واليمن والسودان (8)، وبينما ينكر كل المسؤولين الروس تقريبا علاقتهم بـ "يفغيني" وجهوده في أفريقيا تحديدا، فإن المرجح أن طاهي بوتين لا يعمل إلا بتنسيق كامل مع القيصر الروسي نفسه وأذرعه المقربة.

   

تبدو الإستراتيجية الروسية إذن واضحة (9) في مقابل النفوذ الأميركي الواسع والإنفاق الصيني شديد الضخامة، فبينما تخطط الصين لإنفاق 60 مليار دولار في غضون السنوات الثلاث المقبلة فقط على البنى التحتية في أرجاء أفريقيا، وتضغط واشنطن بسلاح العقوبات بالإضافة إلى مساعدات طبية وإنسانية يتجاوز حجمها ثمانية مليارات دولار، وفي الوقت الذي لا تنفق فيه موسكو الشيء الكثير، حيث تنفق بحسب التحقيق المذكور رقما يبلغ متوسطه 15 مليون دولار في كل دولة من دول مشروعها الطموح "الاتحاد الأفريقي الرمادي" (تعبير يطلق على حلم الإمبراطورية الروسية في القارة)، ليُمثّل ذلك المتوسط رقما ضئيلا مقارنة بما يدفعه المنافسان الرئيسان، ويعكس ذلك إما عدم رغبة موسكو في دفع المزيد، وإما عدم قدرتها على ذلك، في الوقت نفسه فإن إستراتيجية الروس تركّز تماما على جذب النخب الفاسدة والجنرالات وأمراء الحرب ورؤساء مدى الحياة (10) الذين لا يتورعون عن فعل أي شيء في سبيل تحقيق رغباتهم الشخصية، وهي رغبات تظل دوما أقل كلفة بأشواط من محاولة الاستثمار في احتياجات شعوب دولهم.

    

عندما أطاح الجيش السوداني بالبشير في وقت قياسي؛ وقفت العناصر الروسية في السودان عاجزة عن التدخل لإنقاذ حليفها الرئيس هناك

الجزيرة
   

لذا تبدو الإستراتيجية الأميركية في التعامل مع توسع النفوذ الروسي بمنزلة تربيتة حنونة على كتف بوتين، الذي يعلم يقينا أن تعامل واشنطن معه بهذه الصورة يضع بلاده ونظامه بالتبعية كقوة سياسية عظمى مما يساهم في ترسيخ نفوذه الداخلي، ويسمح لحلفائه الأفارقة باستخدام الفزاعة الأميركية أيضا في خلق أجندة دعائية مضادة لها صلاحية ليست بالقصيرة داخل بلادهم مما يمنع وجود احتجاجات مستمرة على الأوضاع المتردية، وبالتالي استمرار مصالحهم ومصالح موسكو المتبادلة.

   

لفترة طويلة نظرت موسكو للسودان كمفتاح لتلك العملية، وكمفتاح أهم للبناء الهندسي الأمني الروسي الممتد من سوريا إلى أفريقيا الوسطى، لكن عندما أطاح الجيش السوداني بالبشير في وقت قياسي؛ وقفت العناصر الروسية في السودان عاجزة عن التدخل لإنقاذ حليفها الرئيس هناك، وقد أعطى ذلك نتيجة عكسية ورسالة ضمنية شديدة السوء لدول القارة الأخرى مفادها: إن وصل الأمر للتدخلات العسكرية فإن موسكو لا تستطيع حمايتكم، ما عنى تعرّض خطة بوتين لضربة لا يستهان بها، فضلا عن بيان مدى هشاشة الجهد الروسي من الناحية التقنية، وأنه مهما بلغت براعة أساليب الاختراق والزخم الإلكتروني واستخدام التكنولوجيا للتأثير في مسار العمليات السياسية المحلية سواء الثورية أو الانتخابية، ومهما كانت تلك الأساليب فعّالة لجيش قراصنة موسكو في أي دولة أخرى، فإنها ليست بتلك الفاعلية على الإطلاق في قارة تشهد أراضيها يوميا أعاصير سياسية وعسكرية لا تنتهي مثل أفريقيا.

   

وفي ظل التحالف الحالي بين ثنائي "الرياض - أبو ظبي" في محاولات تسيير التغيير السوداني الحالي في اتجاه عملية سياسية يشرف عليها الجنرال "حميدتي"، نائب رئيس المجلس العسكري الحالي وصاحب العلاقات الجيدة على أدنى التقديرات بالبلاط الملكي السعودي والنظام الإماراتي بعد تعاون ليس بالقصير بين قواته وحملة الثنائي الخليجي العسكرية في اليمن، في ظل ذلك فإن واشنطن -الراعي الرئيس للثنائي الخليجي- تبدو وكأنها ربحت تلك الجولة من لعبة النفوذ، ونجحت بالفعل في تحجيم طموحات موسكو الأفريقية وتجميد أحد أهم مفاتيحها في القارة لوقت غير معلوم، مفتاح أعطاه البشير لبوتين وربما يعطيه حميدتي الآن لواشنطن، وحينها سيكون على موسكو بذل الكثير جدا لاسترجاع إحدى أهم بواباتها وأكثرها خطورة في أفريقيا.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار