انضم إلينا
اغلاق
ألعاب الحرب.. هل تستطيع واشنطن إخضاع إيران؟

ألعاب الحرب.. هل تستطيع واشنطن إخضاع إيران؟

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع
  
تقديم
تحركات عسكرية مستمرة حتى يومنا هذا، وتصريحات عدائية أميركية وأخرى إيرانية مضادة، وشرق أوسط على وشك الاشتعال في خضم تحالف إقليمي يرغب في رؤية الولايات المتحدة تسوّي بإيران الأرض ويعاملها باعتبارها تهديدا وجوديا، وفي هذه الأطر فإن المادة التالية تتناول ما حدث ويحدث بين الأطراف الفاعلة في هذا المشهد، ومدى احتمالية قيام حرب تشعل الشرق الأوسط، والأهم أنها تشرح تكلفة الحرب المحتملة على الولايات المتحدة وإدارة ترامب، وأنها لن تكون كأي حرب احتلال أو تغيير نظام قامت بها أميركا في تاريخها، خاصة وأن الطرف المقابل "إيران" خصم أقوى وأكثر ثقلا بكثير.

 

نص التقرير

لا يمكن لأحد أن يحدد بدقة اللحظة الأولى التي بدأت فيها ألعاب الحرب في منطقة الخليج، والتي بلغت ذروتها الأسبوع الماضي مع عدة حوادث وضعت المنطقة على شفا الحرب حقيقة لا مجازا. لكن، لا أحد أيضا يمكنه المُجادلة باعتبار أن قرار الرئيس الأميركي "دونالد ترامب" وإدارته بالانسحاب بشكل أحادي من الاتفاق النووي مع إيران -في مايو/أيار من العام الماضي 2018- كان مفصليا في الوصول لهذه الدرجة الحرجة، قرارٌ تصاعدت معه الأمور تدريجيا في دورة اشتعال ذاتية تغذي نفسها، رغم تأكيد جميع الأطراف بشكل معلن حرصهم ألا تؤول الأمور في النهاية لمواجهة عسكرية مباشرة لا يمكن التنبؤ بعواقبها.

 

على مدار غالبية الأشهر الماضية، كان التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران لسانيا في المقام الأول، وفي حين أن واشنطن قررت إعادة فرض العقوبات على طهران بداية من نوفمبر/تشرين الثاني للعام الماضي، فإنها منحت إعفاءات مؤقتة من العقوبات لكبار مشتري النفط الإيراني، ما منح "الجمهورية الإسلامية" متنفسا مؤقتا كَتَم شرارة الحرب لفترة من الزمن، لكن إعلان إدارة ترامب عزمها عدم تجديد الإعفاءات النفطية ومنع إيران من تصدير النفط بالكلية في أبريل/نيسان الماضي تسبب في عودة أشباح الحرب مجددا، أشباح غذّاها القرار الأميركي في الشهر نفسه بتصنيف الحرس الثوري الإيراني كمنظمة إرهابية أجنبية، في سابقة أميركية هي الأولى من نوعها لتصنيف مؤسسة رسمية في دولة كخصم على قوائم "الإرهاب".

   

  

على مدار الأسابيع التالية لهذا التصنيف، صارت نيّات ترامب أكثر وضوحا، حيث بلغت حملة "أقصى ضغط" التي تبنّتها إدارته ضد إيران مستويات غير مسبوقة، مع توسيع دائرة العقوبات لتشمل القطاعات الصناعية الإيرانية غير النفطية، فضلا عن رفض واشنطن تمديد أجل اثنين من الإعفاءات الحرجة الممنوحة لطهران بموجب الاتفاق النووي، أولهما يسمح لإيران بتصدير فوائض الماء الثقيل إلى عمان، والثاني يسمح لها بتبادل مخزونها من اليورانيوم منخفض التخصيب (فوق حد الـ300 كم المسموح لها بالاحتفاظ به بموجب الاتفاق النووي) مقابل اليورانيوم الأصفر الخام، بما يعني فرض المزيد من القيود النووية على طهران فوق ما وضعه الاتفاق النووي الذي تم توقيعه عام 2015 في المقام الأول.

 

لم تكتفِ الولايات المتحدة بتشديد الضغوط على إيران فحسب، ولكنها قامت بنقل المواجهة لمستوى جديد(1) في الخامس من مايو/أيار الحالي؛ حين أعلن مستشار الأمن القومي الأميركي "جون بولتون"، أحد أبرز الصقور المعادين لإيران في الإدارة الأميركية والذي سبق أن دعا إلى قصف إيران قبل انضمامه للإدارة، أعلن تسيير حاملة الطائرات الأميركية "إبراهام لينكولن" والمجموعة المقاتلة المرافقة لها إلى الشرق الأوسط، وادّعى بولتون أن ذلك التحرك جاء ردا على انخراط إيران المزعوم في عدد من "الأنشطة المقلقة والمتصاعدة" كما وصفها بدون أن يقدم تفاصيل عنها، زاعما أن هدف الإدارة هو "إرسال رسالة واضحة لا لبس فيها إلى النظام الإيراني مفادها أن أي هجوم على مصالح الولايات المتحدة أو على مصالح حلفائها سيواجه بقوة لا هوادة فيها".

   

جون بولتون (رويترز)

  

في تلك اللحظة؛ يبدو أن إيران قررت، للمرة الأولى منذ اندلاع الأزمة، تجاوز سياسة التصعيد الخطابي واقتحام دائرة الفعل السياسي. ففي الثامن من مايو/أيار -الذي يوافق الذكرى السنوية الأولى لانسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي- أعلن(2) الرئيس الإيراني "حسن روحاني" أن إيران ستعلّق بعض التزاماتها بموجب الاتفاق، وأنها لن تقصر بعد الآن تخصيب مخزونات اليورانيوم المنخفض التخصيب على 300 كيلوغرام فقط، أو مخزونات المياه الثقيلة على 130 طنا متريا كما نص الاتفاق، في رد مباشر على قرار ترامب عدم تجديد الإعفاءات، كما أكد "روحاني" أن إيران ستمنح الأطراف الباقية في الاتفاقية (ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة وروسيا والصين) 60 يوما للوفاء بالتزاماتهم تجاه قطاع النفط والقطاع المصرفي الإيراني الذي تفهمه إيران على أنه جزء لا يتجزأ من الصفقة النووية، وإلا فإنها سوف تقوم باستئناف برنامجها النووي بشكل كامل.

 

في المقابل، جاء رد إدارة ترامب على الرد الإيراني سريعا وذلك عبر تسريب معلومات استخبارية تفيد بأن إيران كانت تعد لهجمات صاروخية محتملة ضد المصالح الأميركية وتحذر طهران علنا ​​من القيام بأي عمل عسكري، بل وذهبت واشنطن لأبعد من ذلك وقامت بتسريب معلومات بأنها تعد خطط طوارئ لإرسال ما يصل إلى 120 ألف جندي إلى المنطقة، رغم نفي ترامب لذلك لاحقا. لكن بعد ساعات قليلة من النفي الرئاسي، واصلت واشنطن خطواتها التصعيدية، حيث أعلن البنتاغون بشكل مفاجئ تسيير السفينة البرمائية الكبيرة "يو إس إس أرلينغتون" إلى المنطقة مع نشر مجموعة جديدة من بطاريات أنظمة الدفاع الصاروخي "باتريوت" فيها، وتحمل السفينة البرمائية "أرلينغتون" عادة فرقا من مُشاة البحرية الأميركية ومجموعة من الطائرات الهجومية وطائرات الهبوط وأسلحة الهجوم البرمائي وفرق العمليات الخاصة، في حين تعمل صواريخ "باتريوت" كنظام دفاعي ضد الصواريخ الباليستية والطائرات الهجومية، وقال البنتاغون إن تحركه يهدف للرد على "مؤشرات على استعداد إيران المتزايد للقيام بعمليات هجومية ضد القوات الأميركية ومصالح الولايات المتحدة".

 

كانت التحركات الأميركية إذن نابعة فيما يبدو من مخاوف من أن إيران يمكنها الرد على العقوبات المشددة عبر استهداف الأصول الأميركية في الشرق الأوسط، أو إعاقة مرور النفط عبر مضيق هرمز الذي هددت طهران بإغلاقه أكثر من مرة، وبعد يومين فقط من إعلان البنتاغون عمليات الانتشار الأخيرة -وتحديدا في الثاني عشر من مايو/أيار- بثّت وسائل الإعلام أنباء عن تعرض ناقلات نفطية لعمليات "تخريب" قرب ميناء الفجيرة الإماراتي، منهم سفينتان سعوديتان إحداهما كانت في طريقها لتسليم النفط لأميركا إضافة إلى سفينتين أخريين إحداهما نرويجية والأخرى إماراتية، مما تسبب في تسريب نفطي كبير نسبيا رصده رادار لشركة الرصد الفنلندية "آي سي"، وهو تخريب غامض لم تعلن أي جهة عن تنفيذه فضلا عن تبنيه، وإن سارعت واشنطن لاتهام طهران مباشرة في يوم الحادث ذاته.

   

  

وبعد يومين آخرين -في الرابع عشر من مايو/أيار- ازدادت الأمور اشتعالا مع اختراق سبع طائرات بدون طيار تابعة لجماعة الحوثي اليمنية للحدود السعودية، وقيامها باستهداف إحدى المحطات على طول خط أنابيب "شرق - غرب" الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية في السعودية إلى ميناء "ينبع" على الساحل الغربي، ما تسبب في حدوث انفجارات وإغلاق خط الأنابيب بشكل مؤقت، وأخيرا وليس آخرا، تم استهداف السفارة الأميركية في بغداد بصاروخ موجه سقط بالقرب من مبنى السفارة دون وقوع أضرار.

 

كانت هذه المناورات والألعاب العسكرية المتبادلة كافية لرفع حرارة التصعيد في أراضي ومياه الخليج إلى مستوى غير مسبوق منذ غزو العراق عام 2003، مع أجواء حرب جديدة واسعة تلوح في الأفق بين أميركا ومن خلفها حلفائها الإقليميين وفي مقدمتهم السعودية والإمارات وإسرائيل الذين قرروا رفع حرارة المواجهة حتى تركيع النظام الإيراني تماما، وبين إيران وحلفائها من الميليشيات في لبنان والعراق وسوريا واليمن؛ الذين يراهنون على قدرتهم على الصمود وفرض تكاليف كبرى على خصومهم في حرب غير متكافئة، حرب يحرص كلا الطرفين على تأكيد رغبتهم في تجنبها، رغم أن أفعالهم تجعلهم أكثر قربا منها في كل لحظة، مع عواقب وخيمة لا يمكن التنبؤ بها كليا، ليس لأطراف المواجهة الرئيسين فقط "إيران والولايات المتحدة"؛ ولكن لدول الخليج بأسرها والمنطقة، وربما للعالم بأسره.

 

رهان ترامب

منذ وصوله إلى البيت الأبيض مطلع عام 2017، كان من الواضح أن الرئيس الأميركي الجديد لم يكن راضيا بحال عن الاتفاق النووي مع إيران، معتبرا إياه أحد "المخلّفات السيئة" حد وصفه الدائم لسلفه الرئيس السابق "باراك أوباما"، لذا فإن ترامب لم يُنهِ عامه الأول قبل أن يعلن عزمه الانسحاب من الاتفاق النووي وإعادة توقيع العقوبات الأميركية على طهران.

   

  

يمكننا إذن القول إن الحملة الأميركية المسماة بـ "أقصى ضغط" ضد طهران بدأت بشكل فعلي مع انتصاف عام ترامب الأول في السلطة حينما أقرّ قانون "مكافحة أنشطة إيران المدمرة" بهدف فرض عقوبات إضافية على أنشطة إيران الباليستية ودعمها النشط للوكلاء المسلحين (المليشيات) في الشرق الأوسط، لكن الخطوة الأكثر جوهرية في مسار الضغط الأميركي وقعت في مايو/أيار من العام الماضي، حين رفض ترامب التصديق على إقرار إدارته بالتزام إيران بشروط الاتفاق النووي (رغم تأكيد وكالة الطاقة الذرية امتثالها)، ليقرر الانسحاب بشكل رسمي من الاتفاق وإعادة فرض العقوبات على "الجمهورية الإسلامية" بحلول نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

   

ولكن مع وجود عدد كبير من المُشترين الدوليين للنفط الإيراني، قررت إدارة ترامب منح إعفاءات مؤقتة لثماني دول من العقوبات المرتبطة بشراء النفط الإيراني، وهو ما وفر متنفسا ضيقا لطهران لتصدير النفط وإن انخفضت كميات صادراتها بشكل حاد، لكن واشنطن لم تُطل في منح تلك الإعفاءات، وأعلنت في أبريل/نيسان المنصرم عزمها عدم تجديدها للدول الستة تزامنا مع تصنيف الحرس الثوري الإيراني كـ "منظمة إرهابية" وفرض عقوبات على القطاعات الإيرانية غير النفطية، وهو مسار تسبب في دفع إيران إلى الزاوية تماما، مع أثر تدميري هائل على اقتصاد البلاد قارنه القادة الإيرانيون مؤخرا بأثر الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات.

 

كانت إدارة ترامب تُدرك جيدا أن طهران لن تتحمل هذا الضغط الهائل لفترة طويلة، لذا فإن المنطق الإستراتيجي وراء العقوبات المكثفة -كما أعلن ترامب نفسه في أكثر من مناسبة- كمن(3) في تقليص موارد إيران المالية إلى الحد الأدنى بما يكفي لدفعها إلى طاولة الدبلوماسية مجددا من أجل التفاوض، ولكن هذه المرة بشروط أفضل للولايات المتحدة وحلفائها، شروط لا تشمل فقط برنامج طهران النووي، ولكن أيضا برنامجها الخاص للصواريخ الباليستية ودعمها للميليشيات المسلحة وسائر أنشطتها التوسعية في المنطقة.

    

    

لكن الجناح الأكثر تشددا داخل الإدارة الأميركية، والذي يُمثّله "بولتون" ومعه وزير الخارجية "مايك بومبيو" ومن خلفهما حلفاء واشنطن من دول الخليج العربية وإسرائيل، ظلوا يستبطنون تصورا مفاده أن العقوبات المكثفة ستكون كافية في وقت من الأوقات لإفشال النظام الإيراني تماما وتعجيزه عن القيام بمهامه الأساسية بالقدر الكافي لإثارة انتفاضة شعبية تطيح به في نهاية المطاف.

 

ولكن العقوبات لم تنجح مباشرة في تحريك إيران في أيٍّ من الاتجاهين، فلم يهرول القادة الإيرانيون للتفاوض مجددا مع أميركا، وبدلا من ذلك تم دفع جميع مكونات النظام الإيراني نحو مربع أكثر تشددا في مواجهة الضغط الأميركي، بعد أن كان هناك توجهان إيرانيان حقيقيان، أحدهما معتدل "توجه روحاني" يرى الدبلوماسية حاضرة في المشهد الشرق أوسطي، والآخر "متشدد" بقيادة الحرس الثوري الإيراني. إلا أن القرار الأميركي بتصنيف الحرس الثوري كـ "منظمة إرهابية" ساهم في تقليص الجدالات المحتدمة داخليا حول الحرس ودوره السياسي والاقتصادي، مما أكسبه نفوذا متزايدا كرمز للمقاومة ضد الضغوط الأميركية، ووحّد التيارين المختلفين في الداخل الإيراني.

  

كما أن الاحتجاجات الاقتصادية المتوقعة بدا أن النظام الإيراني وظّفها لاستدعاء براعته القديمة في استخدام العقوبات كوسيلة لحشد الدعم الداخلي في مواجهة الضغوط الدولية، وفي الوقت نفسه كانت طهران حريصة على إثبات أن الضغوط الأميركية لن تثنيها عن مواصلة انخراطها النشط في صراعات الشرق الأوسط -مع تجنب استفزاز واشنطن بشكل مباشر- وهو ما دفع أميركا لرفع سقف الضغوط عبر التلويح بالخيار العسكري بتنفيذ عدة عمليات متتالية للانتشار في المنطقة، وتعد هذه النقطة التي ينتهي عندها الوفاق الأميركي الداخلي حول التعامل مع طهران، وتبدأ وجهات النظر المتباينة والخلافات الـ "أميركية-أميركية" في قيادة دفة الأحداث، وهي خلافات للمفارقة غير مألوفة بين ترامب وأقرب مستشاريه.

   

  

فوفقا لما أوردته(4) صحيفة واشنطن بوست الأميركية، فإن تعزيز الانتشار العسكري الأميركي في المنطقة لم يكن بالنسبة لترامب أكثر من وسيلة ردع لتحذير طهران من مغبّة أي تصعيد يستهدف المصالح الأميركية، وهو الهدف الذي ورد في بيان الانتشار الذي أذاعه بولتون بالفعل، غير أن الرئيس الأميركي كان في قرارة نفسه يشعر بـ "الغضب والإحباط" -حسب مصادر الصحيفة الشهيرة- من أن بعض مستشاريه -وفي مقدمتهم بولتون- يدفعونه دفعا نحو مواجهة عسكرية مع إيران خلافا لوعوده الانتخابية والرئاسية الخاصة بالابتعاد عن الحروب الخارجية المُكلفة، وهي المواجهة التي لا يكن لها ترامب أي ارتياح لأنها تُذكّره بتجربة التدخل الأميركي للإطاحة بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين، وهو تدخل يراه الرئيس الأميركي خطأ كبيرا كلّف بلاده الكثير.

 

ونتيجة لذلك، حرص ترامب سريعا على نفي التقارير الإعلامية حول نية إدارته نشر 120 ألف جندي إضافي في الشرق الأوسط، ووصفها بأنها "أخبار كاذبة"، مضيفا أنه "لا يريد حربا ضد إيران"، رغم أنه عاد وأكد في تغريدة أنه في حال قيام حرب بين بلاده وإيران "فسوف تكون النهاية بالنسبة لها" قاصدا طهران بالطبع، وهو تناقض يعد مؤشرا واضحا على الارتباك السياسي الأميركي في التعامل مع النظام الإيراني، وهو ارتباك يُلقي بظلاله أيضا على التحركات العسكرية الأميركية، في الوقت الذي يبدو فيه العسكريون أنفسهم منقسمين بين رغبتهم في تجنب الدخول بمواجهة مفتوحة مع إيران، وقلقهم بشأن المعلومات الاستخباراتية التي تشير إلى تكثيف إيران لنشاطها العسكري، بما يشمل وجود تهديدات للمنشآت العسكرية الأميركية في بغداد وأربيل، وقيام طهران بنقل صواريخ على متن سفن صغيرة في الخليج، وصدور توجيهات للحرس الثوري والميليشيات بالوكالة بالاستعداد لتنفيذ عمليات بعينها، وهي تحركات رأتها واشنطن بوصفها تهديدات محتملة للعسكريين والدبلوماسيين الأميركيين تستوجب إجراءات أكثر حزما تتجاوز مجرد الضغط الاقتصادي وفرض العقوبات.

 

صبر إيران الإستراتيجي

على الجانب الآخر، لم تكن العقوبات طويلة الأمد على الصادرات النفطية، خاصة إذا كانت هذه العقوبات تهدف لحرمان إيران من عائدات النفط تماما عبر تخفيض صادراتها إلى الصفر، لم تكن شيئا يمكن أن تتحمله طهران طويلا دون رد، حيث يعد النفط هو المحرك الأساسي(5) للاقتصاد الإيراني، ويُمثّل 90% من إجمالي مدخولات البلاد من العملات الأجنبية التي تغطي فواتير واردات كل شيء تقريبا؛ من السلع الأساسية إلى المعدات الصناعية، إلى منتجات الرفاه والسلع الفاخرة التي أصبح الحصول عليها أكثر صعوبة، مما أدى إلى زيادة حالات عدم الاستقرار بين الطبقات المتوسطة والعليا في البلاد. وفي حين أن عائدات تصدير النفط تُمثّل 40% من ميزانية الحكومة الإيرانية، فإن التراجع في مدخولات النفط من المرجح أن يكون له تأثير كبير على الاقتصاد وسيُجبر الحكومة على تغيير سلوكها السياسي لتجنب أو إعادة توجيه الاضطرابات المحتملة ذات الدوافع الاقتصادية.

   

  

يأتي ذلك في وقت تواجه فيه إيران قيودا كبيرة على صادراتها غير النفطية أيضا، ورغم أنها تمتلك قطاعا حيويا غير نفطي واقتصادا أكثر تنوعا مقارنة بمُصدّري الطاقة الآخرين في الشرق الأوسط، فإن العقوبات الأميركية والدولية المتواصلة صعّبت مهمة الجمهورية الإسلامية في تطوير صادراتها غير النفطية، وفي ظل ارتباط العديد من الشركات والمؤسسات الاقتصادية الإيرانية بالحرس الثوري والكيانات المحلية الأخرى الواقعة تحت طائلة العقوبات، فإن العديد من الشركات الأجنبية أحجمت عن التعامل مع نظيرتها الإيرانية خشية الوقوع تحت طائلة العقوبات الأميركية بشكل أو بآخر.

 

ورغم سعي إيران -التي يبلغ عدد سكانها اليوم أكثر من 80 مليون نسمة- طويل الأمد لتحصين نفسها ضد العقوبات الأجنبية من خلال الوصول إلى حد الاكتفاء الذاتي من السلع الأساسية -وخاصة الغذاء- منذ الأعوام الأولى لقيام الثورة الإسلامية عام 1979، فإنها لم تحقق هذا الهدف تماما باستثناء بعض المحاصيل مثل القمح، ويعتقد برنامج الأغذية العالمي أن إيران لم تحقق سوى 50% من الاكتفاء الذاتي من الغذاء حتى عام 2016، بما يعني أنها تحتاج إلى استيراد نصف احتياجاتها من الغذاء ونسبة تفوق ذلك من حاجاتها من الدواء، ورغم أن العقوبات لم تشمل هذه السلع، فإن أزمة العملات الأجنبية الناتجة عن انهيار عائدات النفط ستُعقّد جهود طهران في فعل ذلك على المدى الطويل.

 

بخلاف ذلك، من المرجح أن تتسبب العقوبات المضاعفة في دخول إيران في دائرة مفرغة من التردّي الاقتصادي مع زيادة أكبر في معدلات التضخم وانخفاض ملحوظ في قيمة الريال، ووفقا للبيانات الرسمية، فقد ارتفع معدل التضخم في الفترة من 21 مارس/آذار إلى 20 أبريل/نيسان الماضيين، أي خلال الشهر الأول من العام الفارسي، إلى 50% على أساس سنوي، في حين ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 85% مقارنة بالفترة الزمنية نفسها من العام الماضي.

   

  

كانت هذه التداعيات الاقتصادية المُلحّة هي ما دفعت طهران للتخلي عن سياساتها المتصلبة والدخول في مفاوضات مع واشنطن حول برنامجها النووي في المقام الأول، حيث لم يُنظر إلى هذه المفاوضات كونها فقط مجرد حل يساعد "روحاني" على الوفاء بوعوده في رفع العقوبات الدولية وتحسين الحياة اليومية للإيرانيين، لكنها كانت وسيلة لإعادة توزيع(6) السلطة بين مراكز القوى الإيرانية عبر حل الأزمة التاريخية في العلاقة بين البلدين، وهي علاقة كانت قلب المبرر الذي استخدمه الحرس الثوري تاريخيا لتعزيز سيطرته على البلاد عسكريا وسياسيا واقتصاديا.

 

ومع ضغوط العقوبات الدولية المكثفة وهواجس الانهيار المالي؛ نجح "روحاني" في انتزاع دعم علني نادر من المرشد الأعلى للثورة "خامنئي" للمفاوضين النوويين الإيرانيين، كما نجح في إقناع الحرس الثوري بالتزام الصمت تجاه الاتفاق والتخلي -مرحليا- عن حلم القنبلة النووية طويل الأمد، على أمل الاستفادة من انفتاح الاقتصاد الإيراني على الاستثمارات الأجنبية، ونتيجة لذلك فإن الحرس الثوري لم يتدخل لإفساد الاتفاق رغم أنه لم يُباركه أو يدعمه علنا في أي وقت.

 

على مدار العامين التاليين لدخول الاتفاق حيز التنفيذ في عام 2015، حافظت إيران بصرامة على التزاماتها بموجب الاتفاق النووي لجلب الدعم الدبلوماسي الدولي من القوى الراعية للاتفاق، واستفادت طهران بشكل مؤقت من رفع العقوبات والانتعاش النسبي لخزائنها المالية بفعل زيادة صادراتها النفطية، غير أن انسحاب إدارة ترامب من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات الأميركية تسبب في عكس موجة التحسن النسبي للاقتصاد الإيراني، وفي الوقت نفسه فإنه تلاعب مجددا بمواقع مراكز القوى الرئيسة في الداخل، حيث فقد "روحاني" ونخب التكنوقراط الموالية له كل رأس مالهم السياسي الذي استثمروه في الاتفاق، حتى إن "خامنئي" اضطر للتراجع والاعتراف -في خطوة نادرة أيضا- أنه كان مخطئا في السماح بالمفاوضات النووية، فيما كان الحرس الثوري أقل المتضررين السياسيين بطبيعة الحال، حيث أثبت الانسحاب الأميركي ظاهريا صوابية رؤيته في عدم جدوى التفاوض مع الأميركيين، وأن الطريق الوحيد لحماية إيران سيبقى دائما في حوز المزيد من القوة ووسائل الردع، وهو ما ظهر في تصريحات قائد الحرس الثوري آنذاك الجنرال "محمد علي جعفري" الذي هنأ الإيرانيين على الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي؛ وأكّد رؤية الحرس الراسخة بأن "الأميركيين ليسوا جديرين بالثقة".

   

  

ورغم هذا التباين السياسي الذي أحدثه الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي، يبدو أنه كان هناك توافق ضمني بين مختلف التوجهات في الداخل الإيراني على التزام الصبر الإستراتيجي(7) والتهدئة حتى آخر لحظة، وقَصْر التصعيد على المناوشات الخطابية والسعي لإنقاذ الاتفاق عبر الضغط على الأطراف الأخرى (أوروبا والصين وروسيا) للوفاء بتعهداتها، وهندسة ردود دبلوماسية دقيقة على الإجراءات الأميركية الصارمة. فعلى سبيل المثال، وفي مواجهة تصنيف الحرس الثوري كـ "منظمة إرهابية"، اكتفت طهران بإعلان القيادة المركزية الأميركية كـ "منظمة إرهابية"، وهي مجرد خطوة دعائية إيرانية لا تحمل أي عواقب سياسية عكس التصنيف الأميركي، كما التزمت طهران الصبر الإستراتيجي ذاته تجاه عدم تجديد إعفاءات مشتري النفط الإيراني وحظر تصدير اليورانيوم وفرض عقوبات على القطاعات غير النفطية، ولم تتخذ أي تدابير للرد على هذه الإجراءات بخلاف التنديد بها إعلاميا.

 

كانت سياسة الصبر الإيرانية تهدف(8) على ما يبدو لمنح مهلة زمنية للقوى الشريكة في الاتفاق للقيام بدورها في الضغط على واشنطن لتخفيف العقوبات أو إيجاد قنوات بديلة للتعامل المالي مع طهران بعيدا عن العقوبات الأميركية، وفي الوقت نفسه فإن طهران ترغب في تقديم نفسها للعالم بوضوح بوصفها الطرف الأكثر انضباطا وصبرا والتزاما بتعهداته حتى النهاية، وربما كانت طهران تسعى أيضا للحفاظ على حالة الصمود لأطول فترة ممكنة حتى انتخابات عام 2020 على أمل رحيل ترامب عن البيت الأبيض وقدوم رئيس أكثر توازنا ودبلوماسية، ولكن مع إدراك إيران أن الولايات المتحدة لا تُبدي أي مرونة للتراجع، وأن أوروبا عاجزة عن فعل شيء لمجاراة العزم الأميركي، ومع نقل واشنطن لضغوطها من مربع السياسة والدبلوماسية إلى مربع العسكرية والتلويح بالحرب، فإن طهران أدركت أنها لم تعد(9) تملك رفاهية أن تكون هي الطرف الوحيد الذي يلعب وفقا لقواعد الاتفاق النووي، وبالنسبة للرئيس "روحاني" على وجه الخصوص، كان الالتزام بقيود الاتفاق النووي مع غياب أي فوائد ملموسة من هذا الالتزام يعد انتحارا سياسيا، لذلك فإن إيران وجدت نفسها مجبرة على تقييم إستراتيجيتها من جديد وتعديلها لتتلاءم مع التحركات الأميركية المكثفة والسريعة.

 

طبول الحرب

  

في ذلك الوقت، بدأت إيران تدرك أن أفضل رهان لها في مواجهة الضغط الأميركي ليس التحمل والصبر؛ ولكن إجبار أميركا على مواجهة بعض مخاطر سياستها التصعيدية عبر ممارسة قدر تدريجي من الضغط لاختبار نيّات واشنطن، ولكن دون المخاطرة بالدخول في صراع أوسع، أو على حد تعبير المحللة الإيرانية الأميركية "تيريسا بارسي"، كانت الخطة هي تسريع الأمور نحو النقطة التي ينبغي لترامب أن يقرر فيها بشكل شبه نهائي إذا ما كان يريد حربا مع إيران أم لا.

 

كانت البداية(10) في 21 أبريل/نيسان الماضي مع قرار المرشد الأعلى "خامنئي" استبدال قائد الحرس الثوري الجنرال "جعفري" وتعيين نائبه الأكثر تشددا "حسين سلامي" بدلا منه، في أحدث خطوة إيرانية في التكيف مع بيئة التهديدات الجديدة الناشئة، وجاء تعيين "سلامي" بعد أسبوعين من تصنيف الحرس الثوري كـ "منظمة إرهابية" في أميركا، وقبل فترة وجيزة من قرار واشنطن إنهاء الإعفاءات لمشتري النفط الإيراني.

 

لم يمض وقت طويل قبل أن يضع "سلامي" بصماته، وفي 8 مايو/أيار الحالي ذكرت مصادر استخباراتية أميركية لشبكة "سي إن إن" أنه تم رصد قيام إيران بنقل صواريخ باليستية قصيرة المدى (صواريخ كاملة مجمعة) على متن قوارب صغيرة في الخليج، ورجحت أنها تقوم بنقل هذه الصواريخ إلى وكلائها في العراق واليمن، وعلى وجه الأخص إلى الحوثيين لاستخدامها في استهداف السفن الأميركية في مضيق باب المندب، وهو ما فسّرته مصادر أميركية على أنه خطة طوارئ محتملة لفتح جبهات متعددة حال الدخول في صراع مفتوح مع واشنطن، وفي وقت لاحق تم الحديث عن جهود مكثّفة إيرانية لحشد أذرعها لحرب محتملة بالوكالة؛ مع أنباء عن زيارة الجنرال "قاسم سليماني" -قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني- إلى العراق، ولقائه قادة الميليشيات الشيعية هناك وحشدهم لحرب ضد المصالح الأميركية وفق ما أوردته صحيفة الغارديان البريطانية.

   

الجنرال "قاسم سليماني" -قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني (مواقع التواصل)

   

وعلى إثر وصول أنباء هذه التحركات الأخيرة إلى السفارة الأميركية في العراق، قررت واشنطن إجلاء موظفيها "غير الضروريين" في بغداد وأربيل ورفعت مستوى التأهب في قواعدها العسكرية في العراق ومنطقة الخليج، لكن تحركات إيران لم تقف عند هذا الحد في عيون الأميركيين، حيث سرعان ما تم استهداف أربع ناقلات نفط قرب ميناء الفجيرة الإماراتي كما ذكرنا، وبينما اتهمت واشنطن طهران مباشرة فإن إيران نفت مسؤوليتها عن الحادث، ثم أتى استهداف الحوثيين -حلفاء إيران المقربين- لخط أنابيب محوري سعودي بطائرات بدون طيار، رغم أنه أيضا من غير المؤكد بعد أن الاستهداف الحوثي تم بالتنسيق مع طهران.

 

إلا أن تلك الأهداف بدت مختارة بعناية لخدمة الرسائل(11) التي ترغب طهران في تعزيزها، حيث تم تجنب إلحاق الأضرار بالمصالح الأميركية بشكل مباشر، وبدلا من ذلك فإن الضربات تم توجيهها لحكومتي الرياض وأبوظبي في محاولة على الأرجح لزرع الشقاق داخل التحالف الأميركي الخليجي، وتذكير البلدين الخليجيين بضعفهما الشديد وتهتك بنيتهما الأمنية رغم الأسلحة المتطورة والمظلة الأمنية الأميركية، كما تم تركيز الرسائل -غير المعلوم فاعلها للآن بشكل قاطع- على قطاع النفط مع مراعاة حجم الهجمات بدقة لتكون مُركزة ومؤثرة ومحدودة الأضرار في الوقت نفسه، ولا يتوقع أن يعلن أي طرف (إيران في المقام الأول) مسؤوليته عن أية هجمات ماضية أو قادمة محتملة لكي لا تُجبر الولايات المتحدة على إعلان رد عسكري مباشر أيضا.

 

في ضوء ذلك، يمكن قراءة التحركات الإيرانية الأخيرة على أنها "محاولة يائسة"(12) لتجنب الحرب عبر التلويح برفع تكاليفها أكثر من كونها اندفاعا نحوها، وهو ما تؤيده تصريحات "خامنئي" منذ أقل من أسبوعين والتي أكد فيها أنه "لن تندلع أي حرب، فنحن لا نسعى إلى الحرب وهم لا يسعون إليها لأنهم يعلمون أنها ليست في مصلحتهم"، وهو ما يعضده أيضا امتناع إيران حتى الآن عن اتخاذ أي خيارات كبرى يمكن أن تجعل الحرب خيارا حتميا أو مرجحا مثل استهداف المصالح الأميركية والأفراد الأميركيين بشكل مباشر، أو دفع حزب الله لقصف إسرائيل بالصواريخ مثلا، أو استهداف حركة النفط عبر إغلاق مضيق هرمز تماما، أو الطلب من حلفائها الحوثيين استهداف السفن في مضيق باب المندب.

   

   

بدلا من ذلك، تحتفظ(13) طهران بخياراتها المعتادة والأكثر هدوءا مثل شن الهجمات بالوكالة وتكثيف جهود الحرب الإلكترونية ضد المؤسسات والشركات الأميركية، والمناوشات المحدودة مع الدول الخليجية الهشة بالقدر الذي لا يستفز أي تدخل أميركي، مع الاحتفاظ بورقتها الدبلوماسية الأكبر وهي الانسحاب النهائي من الاتفاق النووي الإيراني، وهي ورقة ستكون خيارا مرجحا لطهران في النهاية للاستفادة من الورقة النووية مجددا على طاولة أي مفاوضات محتملة مستقبلية مع الإدارة الأميركية الحالية أو إي إدارة قادمة.

 

في المقابل، فإن واشنطن ورغم تاريخها الطويل(14) في استفزاز خصومها وشن الحروب على أساس تهديدات واهية أو مصطنعة، كما فعلت إدارة "ريغان" حين استخدمت المناورة العسكرية والانتشار العسكري قرابة سواحل ليبيا لاستفزاز القذافي من أجل افتعال المواجهة في خليج "سرت"، وكما فعلت لاحقا في غزو العراق الذي استندت فيه إلى معلومات "استخباراتية خاطئة" حول امتلاك نظام صدام حسين لأسلحة دمار شامل، ورغم الانتشار العسكري الأخير والتصعيد الخطابي الواضح ضد إيران، رغم ذلك كله؛ لا يبدو أن الإدارة الأميركية أو ترامب تحديدا سيميل لخوض حرب مفتوحة في عام الانتخابات، كما لا يبدو أيضا أن تيار الصقور في الإدارة يملك ما يكفي من النفوذ لبدء الحرب في الوقت الراهن، خاصة مع أنباء الخلافات بين ترامب وبولتون وبين بولتون وبومبيو أيضا، وهي خلافات باتت معها أيام مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض معدودة(15) على كل حال.

   

  

بخلاف ذلك كله، لا تعد الحرب ضد إيران قرارا هينا بحال، ولن تكون(16) الضربات الجوية وحدها كافية لإسقاط النظام حال قررت واشنطن اللجوء إليها، حيث تمتلك الحملات الجوية سجلا فقيرا في إحداث تحولات سياسية أو دفع الأنظمة السياسية إلى الاستسلام، وغالبا ما يحتاج هذا النوع من التحولات إلى الغزو البري وحروب الاحتلال مثل التحركات الأميركية في فيتنام أو العراق أو أفغانستان، وبالنظر لطبيعة النظام الإيراني وقدراته العسكرية والجغرافيا السياسية للبلاد والعداء المتأصل للولايات المتحدة؛ فمن المرجح أن تكون تكلفة هذه الحرب أكبر من أي حرب احتلال أخرى خاضتها الولايات المتحدة عبر تاريخها، وستكون عواقبها وخيمة على حلفاء واشنطن الإقليميين قبل العاصمة الأميركية نفسها.

 

في ضوء ذلك، لا يبدو أن الدورة الحالية من التصعيد الأميركي الإيراني تستند إلى تصورات دقيقة حول رغبة أي من النظامين في شن الحرب، ولكن يمكن اعتبار أن تحركات كل طرف كانت مبنية بشكل كبير على إدراكه الخاص -وغير الدقيق غالبا- لنيّات الطرف الآخر، ففي الوقت الذي كثّفت فيه واشنطن عقوباتها على طهران، تغير إدراك إيران للضغوط الأميركية من كونها مصممة على إضعاف إيران وتقليص نفوذها الخارجي وإجبارها على تقديم تنازلات؛ إلى كونها مُقدمة لافتعال مواجهة عسكرية تسعى للإطاحة بالنظام الإيراني بأكمله رغم نفي ترامب مؤخرا لرغبة الولايات المتحدة في تغيير النظام الإيراني ورغبته في التحدث معهم في حال أرادوا، في حين نظرت واشنطن إلى رد الفعل الإيراني لا على أساس كونه استجابة للحملة العدائية الأميركية، ولكن على أنه خطة ممنهجة لإلحاق الضرر بالمصالح الأميركية في المنطقة، ولكن كما العادة في كثير من الحروب، كثيرا ما تكون الأعمال العدائية مستندة إلى تصورات متراكمة من سوء التقدير ومتوالية من الأفعال وردود الأفعال التي تقود في النهاية إلى حروب ضخمة، رغم تأكيد أطرافها مرارا وتكرارا أن الحرب لم تكن على جدول أعمالهم في أي وقت منذ البداية.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار