انضم إلينا
اغلاق
حرب الخليج المحتملة.. هل يضحي العرب باستقرارهم لأجل مخاوف الرياض؟

حرب الخليج المحتملة.. هل يضحي العرب باستقرارهم لأجل مخاوف الرياض؟

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

لا يمكن لأحد أن يتكهّن بما يمكن أن يُسفر عنه صراع الألعاب النارية الحالي بين الولايات المتحدة وإيران، حيث يبدو أن دورة التصعيد الحتمي والسريع دخلت طور التنفيذ وبدأت مع اللحظة التي قررت واشنطن فيها -في أبريل/نيسان الماضي- تصنيف الحرس الثوري الإيراني "منظمة إرهابية"، في خطوة غير مسبوقة لتصنيف مؤسسة رسمية لدولة خصم على قوائم الإرهاب الأميركية، واستمر ذلك التصعيد بإلغاء واشنطن لإعفاءات مشتري النفط الإيراني المستثنين من العقوبات المفروضة على مستورديه (ثماني دول)، مع رغبة معلنة لتخفيض صادرات النفط الإيراني إلى الرقم صفر، ولم ينته فيما يبدو مع إرهاصات التصعيد العسكري التي شملت نشر أميركا حاملة طائرات بمجموعتها القتالية الكاملة وسفينة هجومية برمائية وقاذفات هجومية، فضلا عن أكثر من 1500 جندي جديد في الشرق الأوسط.

 

في المقابل، لم تكتف إيران بالمشاهدة، حيث أعلنت مطلع الشهر الحالي -وللمرة الأولى منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي العام الماضي- أنها ستعلق بعض التزاماتها بموجب الاتفاق، وأمهلت أوروبا والقوى الأخرى الشريكة في الاتفاق 60 يوما للوفاء بالتزاماتها في إيجاد حل لتخفيف القيود على الصادرات النفطية والمعاملات المصرفية الإيرانية وإلا فإنها سوف تستأنف برنامجها النووي بشكل كامل، قبل أن تتطور حرب التصريحات إلى إرهاصات نزاع فعلي مع الإعلان عن تخريب أربع سفن نفطية قبالة ساحل ميناء الفجيرة الإماراتي في 12 مايو/أيار بدون معرفة الفاعل بصورة رسمية حتى الآن، وبعدها بيومين فقط تم استهداف خط أنابيب نفطي حيوي في السعودية بطائرات بدون طيار أطلقها الحوثيون من اليمن.

   

  

وفي الوقت الذي يقترب فيه البَلَدان -نظريا- من صراع مفتوح، فإن عواقب نشوب مثل هذا الصراع لن تكون مقتصرة على إيران أو الولايات المتحدة وحدهما، ولكن من المؤكد أن منطقة الخليج كاملة، بشكل خاص، والمنطقة العربية الأوسع ستتأثر بتداعيات هذا الصراع بدرجات متفاوتة، ومع اختلاف نظرة دول المنطقة إلى إيران ومدى التهديد الذي يُشكّله نشاطها الإقليمي، ومع اختلاف موقعها من سباقات القوة والنفوذ مع الجمهورية الإسلامية، ومع تباين مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية، فإن بعض الدول العربية -المحورية على رقعة الصراع "الأميركي الإيراني"- طورت بالتبعية مواقف متباينة من الحرب عكست الأولويات والمخاوف الإستراتيجية الخاصة لكل منها.

 

السعودية والإمارات.. معضلة الضعف الإستراتيجي

كانت السعودية والإمارات على وجه التحديد، ومن خلفهما البحرين باعتبارها امتدادا شبه طبيعي للسياسة السعودية، في طليعة القوى المطالبة بموقف أميركي أكثر حزما ضد إيران، ورغم أن الدولتين لم تعارضا علنا الاتفاق النووي الذي وقعته إدارة أوباما مع طهران ودخل حيز التنفيذ مطلع عام 2015، فإنهما غالبا ما نظرتا إلى الاتفاق على أنه غير كافٍ لدرء مخاوفهما تجاه إيران، نظرا لأنه فشل في معالجة النقاط الجوهرية حول نفوذ إيران الإقليمي في محيطهما الإستراتيجي وتمويل طهران للوكلاء في البلدان العربية المجاورة، وأخيرا برنامجها الصاروخي الذي تنظر إليه الدولتان على أنه تهديد مباشر ليس فقط لمصالحهما الاقتصادية، ولكن لسلامة أراضيهما.

  

ونتيجة لذلك، رحبت الرياض وأبوظبي بشدة بوصول "دونالد ترامب" إلى البيت الأبيض، ورحبتا بحملته الشرسة لتشويه الاتفاق النووي وصولا لقراره بالانسحاب من الاتفاق بشكل تام في مايو/أيار العام الماضي 2018، والذي أعلن شن حملة سُميت بـ "أقصى ضغط" شملت عقوبات اقتصادية متصاعدة تهدف في جوهرها لحرمان إيران من عائداتها النفطية بشكل تام، وقد أبدت الرياض وأبوظبي استعدادهما لتعويض أي نقص في الإمدادات النفطية قد يسببها العجز الإيراني، وأعلنت السعودية تحديدا أنها مستعدة(1) لإنتاج 12 مليون برميل من النفط يوميا، صعودا من المستويات الحالية البالغة أقل من 10 ملايين برميل، رغم أن ذلك سوف يقلل بشكل خطير من هامش الاحتياطي الإنتاجي الذي تملكه المملكة وتستخدمه لضبط السوق في حال تناقص الإمدادات لأي سبب طارئ.

    

  

لم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، فمع التغييرات الجوهرية التي صعدت بـ "المتشددين" إلى مواقع المسؤولية في إدارة ترامب، وبالأخص مستشار الأمن القومي "جون بولتون" ووزير الخارجية "مايك بومبيو"، ومع الحملة المنظمة التي شنها رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" لإقناع الولايات المتحدة بتصعيد ضغوطها ضد إيران وصولا للتدخل العسكري، يبدو أن الدولتين الخليجيتين يمتلكان أملا الآن بأن واشنطن يمكن أن تتدخل نيابة عنهما لإبعاد خصمهما ومنافسهما الرئيس على النفوذ الإقليمي وتمكين الهيمنة السعودية الإماراتية على المنطقة، وأن واشنطن -في نظرهما- على استعداد لتصعيد ضغوطها وصولا للإطاحة بالنظام الإيراني عسكريا إذا لزم الأمر.

 

غير أن الارتباك والتردد الذي ميز الأداء السياسي لإدارة ترامب، والمعارضة الداخلية النشطة من نواب الكونغرس لسياسات الإدارة ضد إيران وبالأخص عمليات الانتشار الأميركي النشط التي تم تصميمها كرسالة تهديد عسكري لـ "الجمهورية الإسلامية"، فضلا عن حساسية الرأي العام الأميركي تجاه الحروب، وتراجع الضغوط الإسرائيلية بعد نجاح رئيس الوزراء الإسرائيلي في تحقيق هدفه بالفوز بولاية خامسة، كلها كانت عوامل أقنعت الدولتين الخليجيتين على ما يبدو بعدم واقعية طموحاتهما في تدخل أميركي شامل ضد طهران، حيث بدأت هذه الدول في إدراك حدود(2) ما قد تكون واشنطن مستعدة لفعله ما لم تتعرض مصالحها لهجوم حيوي يجعل الحرب خيارا لا مفر منه، وأن شن حرب شاملة على غرار غزو العراق عام 2003 ليس في حسابات أميركا في الوقت الراهن، فضلا أن الدخول في سلسلة من الاشتباكات العسكرية غير الحاسمة مثل الضربات الجوية لن يمكّنها من فرض تغيير جوهري على دولة كبيرة ذات نظام صلب مثل إيران، ولا يمكن أن تتسبب هذه الإجراءات الجزئية إلا في جعل الوضع الأمني والإستراتيجي للقوتين الخليجيتين أسوأ مما هو عليه الآن بالفعل.

 

وقد ساهمت العمليات التخريبية المحدودة -التي يعتقد محللون أميركيون أن إيران وحلفاءها قاموا بها مؤخرا بدون دليل قاطع- في تعزيز هذا التصور لدى دولتي الخليج العربي. ومن خلال استهداف ناقلات النفط قرب سواحل ميناء الفجيرة الإماراتي تزامنا مع قيام الحوثيين -حلفاء إيران في اليمن- باستهداف خط أنابيب نفطي حيوي في السعودية، من خلال ذلك يبدو أن السعودية والإمارات تم تذكيرهما بضعفهما الإستراتيجي والأمني رغم المظلة العسكرية والاستخباراتية الأميركية، وتم تذكيرهما أيضا بمدى قدرة إيران على استهداف مصالحهما النفطية الحيوية فيما يتجاوز حتى مضيق هرمز الإستراتيجي الذي تتحكم فيه الأخيرة، وهددت بإغلاقه في أكثر من مناسبة.

   

   

يُعد ميناء الفجيرة هو الميناء الوحيد في الإمارات الذي لا يقع على الخليج العربي ولكنه يقع على بحر عمان بعد مضيق هرمز، وقد استثمرت(3) أبوظبي طويلا في تجهيزه وتوسعته ليكون قادرا على شحن أكثر من نصف صادرات النفط الإماراتية، وليوفر مسارا بديلا حال تعطلت موانئ الخليج لأي سبب. وبالمثل فإن خط أنابيب "شرق - غرب" السعودي يوفر أحد البدائل القليلة للسعودية لتصدير نفطها عبر البحر الأحمر بعيدا عن موانئ الخليج الشرقية، وهي موانئ تستأثر بمعظم صادرات النفط السعودي وتخضع جميعها لحرية الملاحة في مضيق هرمز الذي تتحكم فيه طهران، والذي يعبر فيه أكثر من 17.5 مليون برميل من النفط ونحو 3.3 مليون برميل من المشتقات النفطية يوميا، في حين تغطي جميع الطرق البديلة على بحر عمان والبحر الأحمر أقل من 4.4 مليون برميل يوميا من السعة المتاحة حال الاضطرار إلى تحويل مسار صادرات النفط، أي إن المسارات البديلة لا تغطي أكثر من 20% من المرور اليومي في هرمز تقريبا.

 

يمكن لهذا الوضع الإستراتيجي الخطير أن يفسر التعامل المنضبط(4) لأبوظبي والرياض، وللأولى تحديدا، مع الاستفزازات الإيرانية منخفضة الشدة في الأسابيع الأخيرة، وحرص الإمارات على عدم إلقاء اللوم على إيران ووكلائها بشكل مباشر في الهجمات التي تمت على السفن النفطية قبالة سواحلها، وكذا تأكيدات السعودية على لسان وزير الشؤون الخارجية "عادل الجبير" أنها لا تريد الحرب، على الرغم من أن الرسائل القادمة من الرياض تبدو مختلطة(5) بين التصريحات الدبلوماسية التي تميل إلى التهدئة، وبين التغطيات الإعلامية الشعبوية التي تطالب بعمليات عسكرية "جراحية" ضد طهران كما جاء في موقع عرب نيوز السعودي الناطق بالإنجليزية، إلى التغطيات السعودية أيضا التي تقلل من احتمالية حدوث حرب، وتروج للاكتفاء بردع دولي يجبر طهران على العودة إلى مائدة التفاوض، كما جاء في مقال "سلمان الدوسري" في صحيفة الشرق الأوسط على سبيل المثال.

   

قطر والكويت وسلطنة عمان.. البحث عن توازن القوى

في المقابل، لا تحمل دول الخليج محدودة المساحة وتحديدا قطر والكويت وسلطنة عمان ذات المخاوف تجاه هيمنة إيران، ويرجع ذلك بالأساس لأن الحجم الجغرافي لهذه الدول لا يؤهّلها لامتلاك تطلعات إستراتيجية للهيمنة الإقليمية أسوة بالسعودية على سبيل المثال، والتي تُشكّل مع إيران طرفي ديربي النفوذ في منطقة الخليج والعالم الإسلامي الأوسع. ولكن على النقيض من ذلك فإن عضوية هذه الدول طويلة الأمد في مجلس التعاون الخليجي، وتجاربهما المتكررة في مواجهة محاولات الوصاية السعودية والإماراتية وآخرها الحصار الذي فُرض على قطر لإجبارها على تغيير سياساتها منتصف عام 2017؛ فإن كل ذلك يجعل هذه البلدان أكثر ارتياحا لوجود قوى إقليمية كبرى تنافس تطلعات الرياض التوسعية، حتى وإن كانوا لا يتوافقون بشكل تام مع أجندة تلك القوى، حيث يبدو أن هذه الدول الثلاث قبلت(6) منذ وقت طويل دور إيران كلاعب محوري في المنطقة، بدلا من النظر إليها كعدو كنظرة السعودية والإمارات.

   

  

تظهر تجليات هذا القبول في حالة قطر على وجه الخصوص، فبوصفها الدولة الأكثر معاناة من "التسلط" السعودي الإماراتي، استفادت الدوحة من علاقاتها بطهران لإيجاد متنفس لها بعيدا عن الحصار الخليجي، سواء عبر إيجاد طرق جديدة لخطوطها الجوية أو توفير مصدر بديل لإمدادات البضائع الأساسية والغذاء وقت الحصار، بخلاف العلاقة الإستراتيجية طويلة الأمد التي تفرضها الجغرافيا بحكم تشارك البلدين في حقل الشمال / حقل بارس النفطي للغاز، الذي يمد الدوحة بمعظم إنتاجها من الغاز، وبالتبعية بمعظم إيراداتها المالية.

  

ونتيجة لذلك فإن الدوحة لا ترى أي مصلحة في حرب أميركية إيرانية تزعزع استقرار المنطقة وتقوّض نفوذ إيران لصالح السعودية، ويمكن أن تؤثر في نهاية المطاف على إنتاجها من الغاز سواء عبر تعطيل حقل الشمال، أو عبر إغلاق مضيق هرمز الذي يمر من خلاله 112 مليار متر مكعب من الغاز المُسال سنويا، معظمها متوجهة من قطر إلى عملائها الآسيويين، خاصة مع معرفة الدوحة بالأطماع السعودية في حقل الشمال والتي وصلت بالرياض لتجهيز خطة استيلاء عسكرية على الحقل وحيزه الجغرافي داخل الدوحة، وهي خطة أكد بعض المسؤولين الأميركيين والسعوديين والقطريين المطلعين على وجودها وتفاصيلها لكنهم غير مخولين بالتحدث علنا وفقا لتواصل صحيفة "وول ستريت جورنال" الشهيرة معهم منذ أسبوع واحد، وقد أوقفت واشنطن خطة الغزو السعودي الجزئي للحدود القطرية قبل أن تُنفّذ، بعد أن أقنعوا البلاط الملكي السعودي بأنها ستكون "خرقا للنظام الدولي"، ولذا أتى الحصار بديلا عنها.

   

  

بالمثل تحمل سلطنة عمان مخاوف مماثلة تجاه الهيمنة السعودية، وسبق لعمان أن هدّدت بالانسحاب من مجلس التعاون إذا تم تحويله لاتحاد بين الدول الست خوفا من هيمنة السعودية عليه، كما عطلت مشروع الوحدة النقدية الخليجية أيضا للمخاوف نفسها، ولا تعد علاقة عمان مع الإمارات أفضل حالا، خاصة بعد إعلان السلطنة في ثلاثة الأشهر الماضية القبض على وبدء محاكمة أفراد شبكة تجسس إماراتية ثانية في البلاد (كانت الأولى في 2011 وتم تفكيكها أيضا)، وتتزايد مخاوف السلطنة تجاه جارتيها الخليجيتين على وجه الخصوص بسبب الحرب في اليمن، وهي حرب تراها(7) عمان -في أحد أوجهها- محاولة سعودية إماراتية لتطويق السلطنة عبر زيادة وجودهما في محافظة المهرة اليمنية المحاذية لمحافظة ظفار العمانية، وكذلك في جزيرة سقطرى، وهو وجود تنظر له عمان بعين الريبة بالنظر لحدودها التي تمتد بطول 228 كم على سواحل اليمن، وبالنظر لعلاقاتها التاريخية مع سكان وقبائل المهرة، وربما يكون هذا الحصار الخليجي هو ما دفع عمان لتسريع مساعيها للبحث عن حلفاء سياسيين جدد، سواء عن طريق إثبات فائدتها للولايات المتحدة عبر استقبال رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أو عن طريق توقيع(8) اتفاقية الدعم التي سمحت للبحرية الإيرانية بوصول منتظم إلى الميناء الإستراتيجي في عمان مطلع مايو/أيار الحالي.

 

ومع وجود هذه المخاوف طويلة الأمد للسلطنة تجاه جيرانها الخليجيين، ومع حتمية الجغرافيا التي وضعت عمان وإيران مقابل بعضهما البعض على مضيق هرمز الإستراتيجي، حرصت مسقط تاريخيا على الحفاظ على علاقات دافئة مع طهران للعمل كثقل موازن للنفوذ السعودي، وهي علاقة تعود إلى زمن الشاه حين ساعدت طهران مسقط على مواجهة تمرد الماركسيين في ظفار في الستينيات، وهي العلاقة التي استمرت عقب "الثورة الإسلامية" ومكّنت السلطنة من لعب دور الوسيط الرئيس بين الغرب وإيران، كما حدث في عام 2007 حين توسطت مسقط لإقناع طهران بالإفراج عن أفراد من سلاح البحرية الملكي البريطاني، ولاحقا عام 2010 حين توسطت أيضا للإفراج عن سياح أميركيين، والأهم أن مسقط استضافت العديد من الاجتماعات التحضيرية الحيوية للاتفاق النووي في عهد إدارة أوباما، وهو الدور الذي يبدو أن عمان تتطلع(9) للعبه مجددا كما ظهر من تحركاتها الأخيرة، فبعد تلقي السلطان قابوس اتصالا من وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو منذ أقل من أسبوعين (15 من الشهر الحالي)، فإنه سارع لإرسال وزير خارجيته "يوسف بن علوي" إلى طهران بعدها بخمسة أيام فقط، قبل أن تستضيف مسقط أخيرا نائب وزير الخارجية الإيراني "عباس عراقجي" في وقت مبكر من هذا الأسبوع، فيما بدا أنها مساعٍ عمانية لتوفير قناة خلفية للاتصال بين واشنطن وطهران بدلا من الحرب والتصعيد.

   

  

لا يختلف الحال كثيرا في الكويت، حيث يبدو أن الإمارة لم تعد تثق كثيرا في القيادة السعودية لمجلس التعاون الخليجي، خاصة منذ حصار قطر، في حين تعاني علاقاتها مع السعودية توترا مكتوما منذ زيارة ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" غير الناجحة(10) إلى الإمارة في سبتمبر/أيلول الماضي، وفشل البلدين في التوصل لحل حول إنتاج النفط في المنطقة المحايدة. وفي المقابل، ورغم أن الكويت لديها تاريخ طويل من المخاوف والتوترات مع إيران منذ "الثورة الإسلامية"، وفي منتصف الثمانينيات بشكل خاص حين اتهمت الكويت طهران بالتورط في محاول اغتيال أمير البلاد الأسبق "جابر الأحمد الصباح"، فإن الأحداث التي تلت ذلك، وأهمها الغزو العراقي للكويت مطلع التسعينيات وديموغرافيا البلاد التي يُشكّل الشيعة ربع مواطنيها، أقنعت الكويت في النهاية باعتناق الحوار والدبلوماسية كوسيلة وحيدة لتسوية المنازعات مع طهران، وبخلاف ذلك فإن الكويت تخشى من تأثير أي مواجهة محتملة بين واشنطن وطهران على قدرتها على تصدير النفط عبر الموانئ الخليجية التي يمر معظم النفط الكويتي عبرها، ورغم أن الكويت لديها وصول لخط أنابيب سوميد الذي يمتد من ميناء السخنة على البحر الأحمر في مصر، فإنها لا تزال تحتاج إلى نقل نفطها عبر مضيق هرمز للوصول إلى السواحل المصرية.

   

مصر والعراق.. تقليل الأضرار

لطالما كانت العلاقات بين القاهرة وطهران إشكالية في معظم الأوقات، وظلّت التوترات السمة الغالبة عليها منذ عهد الرئيس المصري الراحل "جمال عبد الناصر" حين انضمت طهران إلى حلف بغداد، ورغم تحسّن العلاقات نسبيا في عهد الرئيس الراحل "أنور السادات" مع انضمام القاهرة للمدار الأميركي، فإنها عادت للتدهور مع اندلاع "الثورة الإسلامية" في طهران عام 1979، ولاحقا مع دعم مصر للعراق في حربها ضد إيران، واستمرت التوترات المكتومة في زمن الرئيس المخلوع "محمد حسني مبارك" الذي قارب العلاقة مع طهران من منظور أمني أكثر من كونه سياسيا، خاصة(11) منذ عام 2004 حين اتهمت القاهرة الحرس الثوري الإيراني بتدبير محاولة اغتيال لشخصيات مصرية لم تسمها حينها ولا فيما بعد.

   

وقد شهدت العلاقة بين البلدين انفراجة نسبية قصيرة في أعقاب الربيع العربي ووصول الرئيس محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة، ورغبته في فتح قناة سياسية مع "الجمهورية الإسلامية" لموازنة تصاعد النفوذ السعودي، لكن الخلافات في الملف السوري حالت دون تطوير هذه العلاقات، والتي سُرعان ما انتهت على كل حال مع صعود الجنرال "عبد الفتاح السيسي" إلى السلطة بعد انقلاب عسكري أطاح بنظام "مرسي" منتصف عام 2013.

   

  

وعلى مدار معظم سنوات حكمه، فشل السيسي في تطوير مقاربة مستقلة للتعاطي سياسيا مع طهران، وظلت العلاقات المصرية الإيرانية مرهونة بشكل كبير بمواقف دول الخليج الكبرى، خاصة السعودية والإمارات اللتين تعتبران أهم الداعمين الماليين والسياسيين لنظامه العسكري، وسبق أن أعلن السيسي في أكثر من مناسبة أن مصر لن تقبل أن يتعرض أمن الخليج للخطر، وأن مصر "ستحرّك قواتها لحماية الأشقاء في الخليج من أي تهديد مباشر"، فيما بدت وأنها تصريحات مدفوعة الأجر موجهة خصيصا إلى طهران.

 

لكن تحركات السيسي لم تكن أبدا على قدر تصريحاته، وظل الدعم المصري للحرب السعودية في اليمن على سبيل المثال محدودا بشكل كبير، واقتصر على تكثيف الوجود البحري لتأمين الممرات المائية التي تهم مصر في المقام الأول، حتى إن القاهرة أبدت ترددا واضحا في إعلان ترحيبها بالتحالف الإستراتيجي للشرق الأوسط المعروف إعلاميا باسم "الناتو العربي" والذي ترعاه إدارة ترامب ضد طهران، قبل أن تنشر وسائل الإعلام مؤخرا أنباء أن القاهرة أبلغت واشنطن رسميا أنها لن تستطيع المشاركة في التحالف، والذي فشل تقنيا حتى الآن.

 

ويعد الانسحاب المصري إشارة واضحة أن القاهرة لا ترحب بأي خيار عسكري في مواجهة إيران، سواء أكان هذا التدخل العسكري من قِبل الولايات المتحدة وحدها أو بمشاركة حلفائها العرب، ويرجع ذلك بالأساس إلى أن القاهرة لا تعتبر إيران تهديدا وجوديا، ولا ترى جدوى من معاداة طهران بالكامل من خلال دعم حرب عسكرية لخدمة مصالح دول أخرى، كما يعكس الانسحاب المصري عدم ثقة النظام المصري في القيادة السعودية ممثلة في "ابن سلمان"، رغم اعتماد القاهرة على الدعم السعودي، ويبدو عدم الثقة المصرية أيضا حاضرا في سياسات إدارة ترامب، الذي يبدو أن السيسي يشعر بشكوك كبيرة حول فرص إعادة انتخابه عام 2020.

   

  

بخلاف ذلك، من الواضح أن مصر أرادت أن تقطع(12) الطريق مبكرا أمام أي تبعات يمكن أن تقع عليها حال قيام حرب أميركية ضد إيران، وربما تشمل هذه التبعات طلب مشاركة قوات مصرية في الحرب أسوة بمشاركة مصر في عملية عاصفة الصحراء لتحرير الكويت عام 1990، وهو ما يمكن أن يضع علاقات القاهرة الحميمية مع الولايات المتحدة والسعودية على المحك إذا رفضت الاستجابة للطلب، فضلا عن مخاوف القاهرة من تبعات هذه الحرب على مصر حتى وإن لم تكن طرفا مباشرا فيها، وأقلها الارتفاع المحتمل في أسعار النفط وما يصاحبه من زيادة في فاتورة استيراد الوقود المرهقة للاقتصاد المصري، فضلا عن التأثير المحتمل للحرب على أمن الممرات المائية في المنطقة وحركة الشحن عبر البحر الأحمر وقناة السويس.

 

على صعيد الأضرار الجانبية، يبدو العراق صاحب الموقف الأكثر حرجا في خضم التصعيد الأميركي الإيراني، حيث تحتفظ إيران بنفوذ كبير في العراق وتمول العديد من الفصائل والأحزاب السياسية والميليشيات الشيعية المسلحة هناك، والكثير منها مرتبط بالدولة والحكومة، وفي الوقت نفسه فإن الولايات المتحدة تحتفظ بـ5200 جندي موزعين في سبع قواعد عسكرية في البلاد، كما تمتلك واشنطن كتيبة مدفعية ثقيلة وسرب طائرات أباتشي يقوم بحماية المصالح الأميركية الحيوية في البلاد وعلى رأسها السفارة الأميركية في المنطقة الخضراء، وسبق أن انخرطت القوات الإيرانية والأميركية الموجودة بالعراق في قدر من التنسيق أثناء المعارك ضد "تنظيم الدولة الإسلامية" المعروف بـ "داعش" خلال العامين الماضيين.

 

ولكن بالنظر إلى كون العراق هو المنطقة الأبرز التي تحوي وجودا أميركيا وإيرانيا متقاربا، فإنه يبقى الأكثر عرضة للخطر حال اندلاع مواجهة بين البلدين، لذا فمن المنطقي أن تكون بغداد الأكثر تشبّثا بسياسة الحياد في التصعيد القائم، بل والأكثر حرصا على القيام بدور الوساطة لنزع فتيل التوترات المحتملة، وهو ما ظهر في عرض العراق بشكل رسمي التوسط بين واشنطن وطهران خلال مؤتمر صحفي جمع وزير الخارجية العراقي مع نظيره الإيراني مطلع الأسبوع الحالي، وكذا في الاتصالات المكثفة التي تجريها بغداد مع كل من واشنطن وطهران استباقا لأي مواجهة عسكرية محتملة بينهما.

   

  

ولا تمتلك الحكومة العراقية رفاهية الانحياز في حرب بين أميركا وإيران، حيث تعد إيران المزود الرئيس للسلع الأساسية للعراق بما في ذلك الغاز والكهرباء، في حين تعد واشنطن المزود الرئيس للأسلحة والخدمات الأمنية للجيش وقوات الشرطة الرسمية، ولا تمتلك الحكومة العراقية الهشة السيطرة على تحركات أيٍّ من الدولتين على أراضيها، حيث يمكن للميليشيات المسلحة الموالية لإيران استهداف المصالح الأميركية في بغداد دون إذن الحكومة بطبيعة الحال، وفي المقابل فليس هناك ما يمنع القوات الأميركية من استخدام قواعدها في العراق لشن هجمات ضد إيران خاصة القواعد الموجودة في إقليم كردستان، وبخلاف ذلك فإن قيام حرب بين الولايات المتحدة وإيران يمكن أن يهدد التوافق السياسي الهش الذي تقوم عليه الحكومة العراقية حال اختارت الأحزاب الموالية لإيران الانحياز إليها، على غير رغبة التيارات القومية المعادية لإيران -وللوجود الأميركي أيضا- وفي مقدمتها التيار الصدري الذي يتمسك بالحياد في الأزمة، كما يمكن أن تتسبب في زيادة التوترات بين الحكومة المركزية التي يهيمن عليها الشيعة، وبين حكومة إقليم كردستان حال سمح الأكراد للولايات المتحدة باستخدام الإقليم كقاعدة لشن هجمات ضد إيران.

 

وأخيرا، فإن لدى الحكومة العراقية جميع الأسباب للقلق حول مستقبل صادراتها النفطية حال إغلاق مضيق هرمز، حيث يعتمد العراق بشكل حصري على ميناء البصرة الخليجي، ولا تصدر البلاد سوى كمية صغيرة من نفطها عبر خط أنابيب يمتد إلى ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط، بما يعني أن صادرات العراق النفطية، وبالتبعية إيرادات الحكومة، ستعاني بشدة حال قيام أي مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، حتى لو نجحت بغداد من ألف سيناريو محتمل يمكن أن يزج بها في قلب هذه المواجهة التي لا يمكن التكهن بعواقبها.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار