انضم إلينا
اغلاق
التكنولوجيا العسكرية.. هل يعزز التطور دموية الحروب أم يقلل عدد الضحايا؟

التكنولوجيا العسكرية.. هل يعزز التطور دموية الحروب أم يقلل عدد الضحايا؟

Foreign Affairs

مجلة سياسية
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

  

في عام 1898، نشر مصرفي بولندي وخبير عسكري مخضرم يُدعى جان بلوخ كتاب "مستقبل الحرب"، وهو محصلة هوسه الطويل بآثار التكنولوجيا الحديثة على الحرب. ببصيرة نافذة، تنبأ بلوخ بالطريقة التي عمل فيها البارود غير الدخاني، على تحسين أداء البنادق، من بين تكنولوجيات أخرى ناشئة [آنذاك] ستغير التفكير الحديث بشأن طبيعة وسلوك الحرب. (لكنه أخطأ في أمر واحد: كان يعتقد بأن التقتيل الدموي في المواجهات القتالية الحديثة سيكون مروعا لدرجة أنه "سيجعل قيام حرب مستحيلا".

 

ما تنبأ به بلوخ أمسى يُعرف بـ "ثورة الشؤون العسكرية"، ظهور تكنولوجيات تدميرية لدرجة أنها تفرض نفسها على المفاهيم والقدرات العسكرية القائمة وتستلزم إعادة تفكير في كيف، وبماذا وعبر من تشن الحرب، وهي ثورة تتكشف لنا اليوم. الذكاء الاصطناعي، والأنظمة المستقلة، والمجسات المنتشرة، والتصنيع المتقدم، وعلوم ميكانيكا الكم، كلها أشياء ستغير الحرب بشكل جذري كما فعلت التكنولوجيات التي شغلت تفكير بلوخ.

 

لكن طريقة تفكير الحكومة الأميركية في توظيف هذه التكنولوجيات الحديثة لا تتماشى مع وتيرة تطورها. وهو ما يثير قلقا من نوع خاص بما أن واشنطن ما فتئت تفصح عن الحاجة إلى التغيير، وكانت تفشل في إحداثه، مذ دعا المسؤولون في وزارة الدفاع إلى "الثورة التقنية العسكرية" المرتقبة لأول مرة في 1992.

   

كتاب "مستقبل الحرب" لـ "جان بلوخ" (مواقع التواصل)

    

كانت جذور الثورة المزعومة موجودة فيما أطلق عليه مخططو الاتحاد السوفياتي "مجمع الضربات والاستطلاع" في ثمانينيات القرن الماضي، وأطلق عليه منذ ذلك الحين "حرب الشبكة المركزية" خلال التسعينيات، ثم "التحول"، على يد وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد في 2002، فيما أسماه نائب وزير الدفاع روبرت وورك في 2014 "إستراتيجية التعويض الثالث". لكن الفكرة الرئيسية ظلت هي نفسها: تكنولوجيات ناشئة تفسح المجال أمام شبكات معاركيّة جديدة تقوم على استدخال المجسات والأسلحة لتسريع عمليات اقتناص واستهداف، وضرب التهديدات الجديدة، وهو ما يطلق عليه الجيش اسم "سلسلة القتل".

 

طوال عقدين من عمر الحرب التي شنت في 2001 فقدت فكرة الثورة العسكرية المستقبلية مصداقيتها، كما وأضر بها تقليص نفقات وزارة الدفاع في عام 2011. إنما في أثناء ذلك، كانت الولايات المتحدة تبدد أيضا مئات مليارات الدولارات في محاولات تحديث خاطئة. عوض التفكير المنظم في اقتناء سلاسل قتل أسرع وأشد فعالية يمكن أن تُصنع الآن، ضخت واشنطن الأموال لتحديث منصات عسكرية قديمة آملة اجتراح المعجزات (التي غالبا ما صارت مصدر عبء عندما لم تحقق المأمول). وكانت النتيجة هبوط سرعة وفعالية شبكات المعارك الأميركية حتى عن تلك التي كانت الولايات المتحدة تحارب بها أعداء أقل طيلة ثلاثة عقود.

   

ثمة إجماع على أن الأولوية القصوى في التخطيط الدفاعي للولايات المتحدة يجب أن تنافس القوى العظمى التي تمتلك جيوشا متقدمة، لا سيما الصين، وبأن التكنولوجيات الحديثة، الجذابة والتي تُمثّل مجازفة في الوقت نفسه، هي واقع الآن بل وأساسية لأي امتياز عسكري مستقبلي. كما بدأ قادة عسكريون كبار وخبراء في الدفاع في الاتفاق، وإن كان بشكل متأخر، بأنه عندما يتعلق الأمر بهذه التهديدات، فالولايات المتحدة متخلفة عن الركب بشكل مرعب.

  

  

الواقع يستدعي ما يفوق ثورة في التكنولوجيا، إنه يتطلب ثورة في التفكير. على أن هذا التفكير يجب أن ينصب على الطريقة التي يقاتل فيها الجيش الأميركي أكثر من عتاد الجيش الأميركي. المشكلة ليست الإنفاق غير الكافي على الدفاع، وإنما في أن الجيش الأميركي اليوم يواجه خصوما لديهم إستراتيجيات فائقة. الولايات المتحدة، بكلمات أخرى، تلعب لعبة خاسرة.

 

السؤال، بالتالي، هو ليس كيف يمكن للتكنولوجيات الحديثة أن تُحسّن قدرة الجيش الأميركي على القيام بما يقوم به سلفا، ولكن كيف يمكنه أن يقوم بما يقوم به بطرق جديدة. ما لم يجب المسؤولون في الدفاع الأميركي عن هذا السؤال، ستظل ثورة الشؤون العسكرية جارية نعم، لكنها ستجري لصالح الآخرين. إن من الممكن للولايات المتحدة أن تتأقلم وتنجح، لكن حجم التغيير المطلوب هائل.

 

فالنموذج التقليدي للقوة العسكرية الأميركية معرقل، بالطريقة التي عرقل فيها صعود أمازون ونتفليكس عمل النموذج التجاري لشركة بلوكباستر. إن جيشا مؤلفا من أعداد صغيرة من الأنظمة الضخمة والمكلفة وصعبة التعامل والاستبدال لن يتمكن من النجاة في ميادين المعارك المستقبلية، حيث حشود الآلات الذكية تحدث عنفا بمستويات أضخم وسرعة أعلى من أي وقت مضى. النجاح سيتطلّب نوعا مختلفا من الجيوش، التي تقوم على أعداد ضخمة من الأنظمة فائقة الاستقلالية، منخفضة التكلفة، والقابلة للتخلص منها. الولايات المتحدة تمتلك المال، ورأس المال البشري، والتكنولوجيا لبناء هذا النوع من الجيوش. لكن السؤال يظل هو إن كانت الولايات المتحدة تمتلك المخيلة اللازمة ومن ثم العزيمة.

    

تكنولوجيات حديثة/ مشكلات قديمة

 

سيغير الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الجديدة الأخرى الطريقة التي تُخاض بها الحرب، لكنهما لن يغيّرا طبيعتها. أكانت تتضمن القوس والنشاب أم "السورس كود"، سيظل العنف سمة الحرب الأثيرة، ستظل مُحمّلة بالدوافع السياسية، ومُؤلّفة من ثلاث وظائف أساسية يتعلمها المجندون الجدد في التدريب الأوّليّ: تحرك/ أطلق النار/ تواصل.

 

تتضمن الحركة في الحرب الاختباء والبحث (المهاجمون يحاولون تفادي الانكشاف، والمدافعون يحاولون كشف أماكنهم) والاختراق والصد (المهاجمون يحاولون اختراق مجال العدو، والمدافعون يحاولون منعهم من الوصول). لكن في عالم يستحيل مجسّا واحدا ضخما، فالاختفاء والاختراق -وهما ليسا بالأمر السهل في الحرب- سيكونان أصعب بكثير، ما لم يكونا مستحيلين. كمية البيانات التي تولدها الأجهزة على الشبكة، والتي تسمى "إنترنت الأشياء"، هي بوتيرة ستكون قد تضاعفت ثلاث مرات بحلول انتهاء الفترة الواقعة ما بين 2016 إلى 2021.

 

علاوة على ذلك، فإن وفرة المجسات التجارية منخفضة التكلفة، والتي بوسعها كشف الأشياء بدقة لا متناهية عن مسافات بعيدة تجعلها توفر مراقبة عالمية آنية أكثر من أي وقت في التاريخ. وهذا يصح بصورة خاصة على الفضاء. في الماضي، تطلبت الأثمان الباهظة لإطلاق الأقمار الاصطناعية منها أن تكون ضخمة، ومكلفة، ومصممة للدوران لعقود.

 

لكن مع انخفاض كلفة الوصول إلى الفضاء، تصبح الأقمار الاصطناعية أشبه بالهواتف المحمولة، أجهزة يتم إنتاجها بوفرة واستخدامها على مدار سنوات قليلة ومن ثم استبدالها. وتطلق شركات الفضاء الخارجي التجارية بالفعل المئات من الأقمار الاصطناعية الصغيرة رخيصة التكلفة. وعما قريب، سيكون هناك الآلاف من هذه الأقمار الاصطناعية، تكون بمنزلة العين التي لا تنام وهي تمسح بأنظارها العالم كله.

   

تكنولوجيا التخفي، ستعيش لزمن أطول من المتوقع

  

علاوة على هذا كله، فإن المجسات الكمية -التي تستخدم خصائص فريدة للجسيمات ما دون الذرية، مثل قدرتها على أن تكون في مكانين مختلفين في الوقت عينه، ستكون قادرة مع الوقت على تحديد مصادر التشويشات البيئية، مثل انزياح الهواء حول المركبات الجوية أو المياه حول الغواصات. وعلى الأرجح أنها ستكون أول تطبيق قابل للاستخدام لعلوم ميكانيكا الكم، ولا يزال أمام هذه التكنولوجيا، الكثير من السنوات، لكن ما إن تنتشر المجسات الكمية، لن يعود هناك مكان للاختباء.

 

الحركة المستقبلية سوف تمتاز أيضا بعودة هائلة للأعداد الكبيرة من المجندين إلى أرض المعركة، بعد الكثير من العقود التي كان الاتجاه فيها نحو نهج معاكس -التركيز على النوعية على حساب الكمية- مع إتاحة التكنولوجيا للمزيد من الأنظمة لأن تتحرك وتتمركز في أماكن أكثر. المجسات المنتشرة سوف تولّد كميات أكبر من البيانات تراكميا، الأمر الذي سيوجّه التطور والانتشار الميداني للذكاء الاصطناعي.

 

مع اتجاه الآلات لأن تكون أكثر استقلالية، ستتمكّن الجيوش من نشر المزيد منها في الميدان بأحجام أصغر وتكاليف أقل. ومع التطورات الجديدة في توليد الطاقة والتخزين وأنظمة الدفع فوق الصوتي ستتمكّن الأنظمة الأصغر حجما من الانتقال لمسافات أبعد وأسرع أكثر من أي وقت مضى. وعلى سبيل المثال، فيما مضى كان هناك مدمرة واحدة في عرض البحر، أما في المستقبل القريب ستكون هناك قوارب ذات أنظمة مستقلة هي أشبه ببوارج للصواريخ، جاهزة لكي تضرب الهدف فور ظهوره.

  

  

التكنولوجيا ستغير أيضا الطريقة التي تتحرك هذه الأنظمة وفقا لها؛ إذ لطالما كانت اللوجستيات بشكلها التقليدي -القدرة على إمداد القوات بالغذاء، والوقود، والقطع الإضافية- عاملا مقوّضا في الحرب. لكن الجيوش ذات الأنظمة المستقلة لن تحتاج إلى الغذاء إطلاقا، بالإضافة إلى أنها ستحتاج إلى وقود أقل. فأساليبُ التصنيع المتقدمة، مثل الطابعة الثلاثية الأبعاد، ستقلل الحاجة إلى شبكات اللوجستيات العسكرية المكلفة مما سيفسح المجال أمام إنتاج أغذية متطورة، تكون على الطلب بسرعة ويسر وتكلفة بسيطة.

 

وفي تغيير على المستوى الأعمق، سيبدو الفضاء ميدانا خاصا بالمناورات الحربية. حتى الآن، لا تزال المركبة الفضائية المزودة بالوقود مقتصرة بشكل كبير على الدوران حول الأرض. لكن مع سهولة لا فقط إعادة تزويد المركبات الفضائية بالوقود في منتصف الرحلة وإنما أيضا بناء وخدمة الأقمار الاصطناعية في الفضاء، ومعالجة البيانات في المدارات الفضائية، واستخلاص الموارد والطاقة من الفضاء لاستخدامها في الفضاء (على سبيل المثال، من خلال استخدام صفائح شمسية واسعة أو التنقيب في الكويكبات)، ستصبح العمليات الفضائية أقل اعتمادا على الأرض. ستكون المركبات الفضائية قادرة على المناورة والقتال، وأول الأسلحة المدارية التي يمكن أن تدخل أرض المعركة.

 

جيوش الغد

التكنولوجيا ستغير جذريا أيضا كيف يطلق الجنود النار، حرفيا ومجازيا. الهجمات السيبرانية، واعتراض الاتصالات، والحرب الإلكترونية، والهجمات الأخرى على برنامج أي منظومة كانت كلها ستصبح بأهمية تلك التي تستهدف منظومة مادية، ما لم تكن ذات أهمية أكبر. وتيرة إطلاق النار، أو مدى سرعة تصويب الأسلحة، ستتسارع باطراد بفضل تكنولوجيات جديدة مثل الليزر، وموجات الميكرو الفائقة، وأي أسلحة أخرى تعتمد على الطاقة.

   

  

لكن ما سيزيد وتيرة إطلاق النار حقا هي الأنظمة الذكية التي ستخفض الوقت الذي يستغرقه التعرف على الهدف والهجوم بشكل هائل، وقد تجلّت بواكير هذا المستقبل المروع للمعركة في أوكرانيا عام 2014، عندما قلصت روسيا الوقت الذي استغرقته طائراتها بدون طيار في الكشف عن أماكن القوات الأوكرانية ومسحها عن وجه الخارطة، إلى بضع دقائق.

 

جيوش المستقبل سوف تتمكّن أيضا من التصويب لمسافات أبعد عن مسافات هذه الأيام. في النهاية فإن أسلحة الدفع فوق الصوتي (وهي أسلحة تفوق سرعتها سرعة الصوت بخمس مرات) والأسلحة الموجودة في الفضاء ستكون قادرة على استهداف أي مكان في العالم بشكل شبه فوري. الأسلحة ستكون قادرة على مهاجمة نطاقات اعتُبرت محرمة فيما مضى، مثل الفضاء وشبكات الإمداد.

 

لن يعود هناك وجود لمناطق خلفية أو ملاذات آمنة بعد الآن. فحشود الأنظمة المستقلة لن تكون قادرة فقط على إيجاد الأهداف في كل مكان، بل إنها ستتمكّن أيضا من التصويب عليها بدقة. تزاوج الكم والنوع في الأنظمة العسكرية سوف تكون له آثار مدمرة، لا سيما وأن التكنولوجيا تجعل رؤوس الصواريخ القاتلة أصغر حجما.

 

أخيرا، فالطريقة التي سوف تتواصل بها الجيوش سوف تتغير بشكل هائل، لدرجة أن شبكات الاتصالات التقليدية ستختفي. عوض ذلك، ستأخذ التكنولوجيا وظائف التواصل الحيوي التقليدية إلى هوامش الشبكة. فكل نظام مستقل سيكون قادرا على معالجة والتعرف على المعلومات التي يجمعها بنفسه، دون الحاجة إلى مركز اتصال. هذا سيتيح إنشاء شبكات موزعة بشكل راديكالي تكون مرنة وقابلة لإعادة التشكيل بحسب الظرف.

 

ستغير التكنولوجيا أيضا البراديغم الحالي للقيادة والسيطرة. اليوم، حتى النظام الذي يفترض أنه لا يدار بواسطة البشر يتطلب عشرات الأشخاص لتشغيله عن بُعد، وصيانته، ومعالجة البيانات التي يجمعها. لكن ما إن تصبح الأنظمة أكثر استقلالية، حتى يكون بوسع شخص واحد فحسب أن يشغل أعدادا أكبر منها بمفرده. وقد وفرت افتتاحيات الألعاب الأولمبية الشتوية لعام 2018، في كوريا الجنوبية، صورة مصغرة عن هذه التكنولوجيا عندما تظافرت جهود 1218 طائرة بدون طيار بأنظمة مستقلة ومزودة بالضوء لتشكيل صور متشابكة في سماء الليل فوق بيونغ يانغ. الآن تخيلوا أنظمة مستقلة مماثلة تستخدم، على سبيل المثال، لحصار ناقلة جوية وتعطيلها.

   

  

إضافة إلى ذلك، فالتكنولوجيات الأخرى ستغير الاتصالات العسكرية. حيث ستتمكّن شبكات المعلومات التي تعمل باستخدام تكنولوجيا الجيل الخامس من نقل كميات أكبر من البيانات بسرعات أكبر بكثير. وعلى نحو مماثل، فإن علم ميكانيكا الكم نفسه الذي سيحسّن المجسات العسكرية سيغير وجه الاتصالات والحوسبة. إن حوسبة ميكانيكا الكم -وهي القدرة على استخدام الخصائص الفريدة للجسيمات ما دون الذرية لكي تزيد قوة المعالجة تراكميا- ستوفر أساليب تكويد عصية على التحطيم، بالإضافة إلى أنها ستعطي الجيوش القدرة على معالجة أطنان من البيانات وحل حزم من المشكلات التي تفوق قدرة الحواسيب العادية.

 

وما هو أدهى من هذا كله، ما يسمى تكنولوجيا واجهة استخدام دماغ/آلة والتي تُمكّن البشر بالفعل من السيطرة على الأنظمة المعقدة، مثل الأطراف الاصطناعية الروبوتية وحتى المركبات الجوية الآلية، بمحض إشارات عصبية. ببساطة، إنه يصبح ممكنا لعامل إنساني أن يسيطر على طائرات بدون طيار عدة لمجرد تفكيره فيما يريد من هذه الأنظمة القيام به. الخلاصة، كل هذه التكنولوجيات ستحل محل عقود، بل قرون من الافتراضات السائدة بشأن كيفية عمل الجيوش. الجيوش التي تعتنق هذه التكنولوجيات وتطورها سوف تفرض كلمتها على تلك التي لا تفعل. وفي هذا الصدد، فالولايات المتحدة في مأزق كبير.

 

لعبة خاسرة

منذ نهاية الحرب الباردة، اعتمد نهج الولايات المتحدة في نشر القوات العسكرية ضد القوى الإقليمية على سلسلة من الافتراضات بشأن كيفية سير الأمور عند نشوب الصراع. فجيش الولايات المتحدة يفترض بأن القوات ستكون قادرة على التحرك بلا عراقيل إلى مواقع متقدمة وأنها ستكون قادرة على بدء الهجوم وقتما يحلو لها. إنها تفترض أن قواتها ستعمل في بيئات متساهلة، وأن الخصوم سيكونون عاجزين عن مجاراة حرية حركتها في أي نطاق كان. إنها تفترض بأن أي ميزة كمية قد يمتلكها العدو سوف تتخطاها قدرتها الهائلة على تفادي الكشف، واختراق دفاعات العدو، وضرب الأهداف. وهي تفترض بأن قواتها ستتكبّد خسائر أقل عند المواجهة.

   

  

هذه الافتراضات أدّت إلى وجود قوات قوامها أعداد صغيرة نسبية من الأنظمة الضخمة، والمكلفة، وصعبة الاستبدال والتي تم تحسينها بحيث تتحرك بشكل غير قابل للكشف قرب أهداف العدو، والإطلاق لعدد محدود من المرات إنما بدقة عالية، والتواصل فيما بينها وهي محصنة. شيء أشبه بمركبة جوية متخفية تطير مباشرة إلى بلغراد أو بغداد.

 

علاوة على ذلك، إن هكذا نوع من الأنظمة يعتمد على الاتصالات، واللوجستيات، وشبكات الأقمار الاصطناعية التي هي في غالبها غير مجهزة دفاعيا، لأنها صُمّمت تحت اعتقاد أنه ليس هناك خصم سيكون قادرا على مهاجمتها. إن مؤسسة الجيش وافتراضاتها الجوهرية محل شك. طيلة عقدين، في الوقت الذي ركزت الولايات المتحدة على خوض الحروب في الشرق الأوسط، كان منافسوها -لا سيما الصين، وروسيا كذلك- يدرسون طريقة خوضها للحرب ويطورون ما يسمى قدرات الردع لكشف أنظمة الولايات المتحدة في أي نطاق كان ومقارعتها بانفجارات ضخمة من النيران الدقيقة. باختصار، أعداء الولايات المتحدة ينشرون كميات ضخمة من الأسلحة بتكلفة مئات ملايين الدولارات لتدمير أنظمة عسكرية تساوي مئات مليارات الدولارات للولايات المتحدة الأميركية.

 

بدأت الصين أيضا بالعمل على مشاريع ضخمة مصممة بحيث تضعها في مقدمة دول العالم فيما يخص الذكاء الاصطناعي وتكنولوجيات متقدمة أخرى. هذا لا يقتصر حصرا على الاستخدامات العسكرية، لكن كل واحد من هذه المشاريع الكبرى المتقدمة تكنولوجيا لديه تطبيقات عسكرية وفوائد لجيش تحرير الشعب عملا بعقيدة "الدمج المدني العسكري". بينما جيش الولايات المتحدة لا يزال يعامل بياناته كعوادم محركات -منتج جانبي عديم الجدوى- تتحرك الصين بحماسة سلطوية لكي تحتفظ ببياناتها وتعاملها كما لو كانت نفطا، بحيث تتمكّن من السيطرة على الأنظمة المستقلة والذكية التي تراها حاسمة للهيمنة المستقبلية على الحرب.

  

  

إن مركز الولايات المتحدة، المريع سلفا، يتآكل بسرعة. كما خلص تقرير صدر في 2017 عن مؤسسة راند، جاء فيه أن "قوات الولايات المتحدة يمكن لها، وفي ظل افتراضات معقولة، أن تخسر الحرب التالية التي تخوضها". في السنة ذاتها، الجنرال جوزيف دانفورد، رئيس هيئة الأركان المشتركة، أشاع قلقه بكلمات قاسية: "ما لم نغير المسار في ظرف سنوات قليلة، فإننا سنخسر ميزتنا التنافسية على صعيد الكم والجودة".

 

إن أعظم خطر يحدق بالولايات المتحدة هو تآكل الردع التقليدي. إن فكّر القادة في موسكو أو بكين بأنهم قد يتمكّنون من الانتصار على الولايات المتحدة في حرب، فإنهم سيجازفون بشكل أكبر ويتمكّنون من إظهار مزاياهم. سيتخذون خطوات تقوّض التزامات الولايات المتحدة تجاه حلفائها عبر إثارة شك بشأن إذا ما كانت واشنطن ستقوم حقا بإرسال جيشها للدفاع عن البلطيق، أو الفلبين أو تايوان، أو حتى اليابان أو كوريا الجنوبية.

  

سيحاولون فرض أنفسهم بأي وسيلة كانت، بدءا بالدبلوماسية القسرية والابتزاز الاقتصادي إلى التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأخرى. سيزداد نطاق تأثيرهم، مما سيحول تلك البلدان إلى مناطق أكثر تسامحا مع الأيديولوجيات السلطوية، والدول الرقابية، ورأسمالية المحاسيب. بكلمات أخرى، سيحاولون، كما أوصى إستراتيجي الحرب صن تزو "الفوز دون نزال".

 

المستقبل هنا

  

لا تزال الولايات المتحدة تراهن أنها عبر تحديث أنظمة جيشها التقليدية بوسعها أن تظل مهيمنة لعقود قادمة. هذا النهج قد يشتري الوقت، لكنه لن يسمح لجيش الولايات المتحدة أن يكسب القوة على حساب منافسيه. تجميل الوضع القائم هو بالضبط ما ينتظره خصوم الولايات المتحدة: إن أنفقت الحكومة المزيد من المال بالطرق نفسها وعلى الأشياء نفسها، فإنها سوف تبني المزيد من الأهداف لمنافسيها بالترافق مع إفلاس نفسها.

 

آن الوقت لكي نفكر بشكل مختلف، ويجب على مخططي الدفاع الأميركي البدء بتبني افتراضات أكثر واقعية. عليهم أن يفترضوا بأن قوات الولايات المتحدة ستقاتل في بيئات ذات تنافسية محتدمة وضد خصوم متطورين تكنولوجيا إلى حدٍّ كبير، بأنه سيكون عليهم تفادي التعرض للكشف في أي نطاق كان، وأنهم سيخسرون أعدادا كبيرة من الأنظمة العسكرية في المعركة.

 

واشنطن مطالبة أيضا بالتخلي عن الفكرة القائلة بأن الهدف من تحديث الجيش هو ببساطة استبدال نسخ أفضل من المنصات العسكرية التي اعتمدت عليها لسنوات، مثل المقاتلات الجوية والناقلات الجوية. عليها بدلا من ذلك أن تركز على كيف تقتني أنظمة يمكنها أن تمتزج بشبكات أو سلاسل قتل تحقق نتائج عسكرية محددة، مثل التفوق الجوي أو السيطرة على البحار. أخيرا، الاعتقاد القديم بأن مهمة البرنامج هي فقط أن يدعم العتاد يجب أن تتغير: الجيوش المستقبلية ستميزها جودة برامجها، لا سيما ذكاؤها الاصطناعي.

 

كيف سيبدو جيش مبني على هذه الافتراضات؟

   

أولا، ستكون لديه كميات أكبر من أنظمة أصغر حجما: حشود من الآلات الذكية التي تتوزع مهامها بين الرصد الفائق، والحركة، وإطلاق النار والتواصل. إن نهجا من هذا القبيل سيكبد المنافسين أثمانا باهظة. بما أنهم لن يعودوا قادرين على التركيز على أهداف كبيرة قليلة وسيحتاجون عوض ذلك إلى استهداف العديد من الأشياء في مساحات أكبر.

 

ثانيا، هذه الأنظمة ستكون رخيصة التكلفة وقابلة للتخلص منها، وهو ما سيسهّل التعافي من الخسارات الضخمة في المعركة. فإن تكبد خصوم الولايات المتحدة خسائر تفوق تكلفة استبدال الولايات المتحدة لهذه الأنظمة الحربية، فلا شك أن الولايات المتحدة ستكون قد تفوقت عليهم.

   

أخيرا، هذه الأنظمة ستكون غير مأهولة، وستكون مستقلة إلى حدٍّ مقبول أخلاقيا. حماية البشر، والحفاظ على أمنهم وراحتهم داخل الآلات مكلف، ولا أحد يرغب أن يدفع ثمن خسارة أرواح إنسانية. الأنظمة المستقلة أقل تكلفة في المعارك وهي أقل تكلفة حتى عندما تكون من الخسائر. كما أن باستطاعتها أن تحرر البشر من القيام بالأعمال التي يمكن أن تقوم بها الآلات بشكل أفضل، مثل معالجة بيانات أجهزة الاستشعار الخام أو توزيع المهام بين الأنظمة العسكرية. تحرير البشر من أعمال كهذه سيبرهن عن أهمية فائقة في إدارة مستوى وسرعة المعركة الحديثة، لكنه أيضا سيُمكّن البشر من صب تركيزهم على صنع القرارات الأخلاقية بشأن النتائج المأمولة من المعركة. بهذه الطريقة، فإن الاستقلالية الأكبر لن تحسّن من فعالية الجيش فحسب، ولكنها ستسمح أيضا للمزيد من البشر بأن يولوا انتباها أكبر لأخلاقيات الحرب.

  

  

إن بناء هكذا نوع من الجيوش ليس أمرا مرغوبا فحسب، ولكنه أيضا ممكن لناحية توفره تكنولوجيًّا. فالجيش الأميركي يمتلك سلفا عددا من البرامج التطويرية التي ستكون القاعدة لهذه القوة المستقبلية. في الوقت الحالي، ليس هناك من هذه البرامج التقليدية ما يفوق قوة المقاتلة الجوية "إف 35" أو غواصة "فيرجينيا". ولكن لا ينبغي أن يكون الهدف هو اقتناء منصات فردية أكبر وإنما اقتناء سلاسل قتل أسرع. المال المستثمر حاليا في الأنظمة القديمة يمكنه أن يكفل العشرات من الأنظمة المستقلة التي يمكن لها أن تزود الجيش بقدرات فائقة.

 

والغرض من هكذا نوع من الجيوش -تلك الجيوش التي تعتمد بثقل على حشود من الآلاف، من الأنظمة المستقلة منخفضة التكلفة التي تستطيع أن تكون في أي حقل كان لن يكون إثارة الحرب، وإنما الحيلولة دون وقوعها، عبر البرهنة على أن الولايات المتحدة تستطيع تدمير أي قوة لخصومها في أي معركة وأي نطاق، وأن بوسعها أن تعوض خسائر المعركة بطريقة أسرع وتكلفة أقل مما يستطيعون هم، بل إن الولايات المتحدة تستطيع إدامة المعركة إلى حين انتصارها عبر الإنهاك. إن الغاية من التحضير للحرب ستظل عدم الاضطرار لخوض واحدة في المقام الأول.

 

فشل في المخيلة

إن تحديث جيش من هذا النوع لن يحصل دفعة واحدة. قد تعتمد الأنظمة المستقلة على أنظمة تقليدية، بما فيها الناقلات الجوية، لبعض الوقت. لكن حتى هذا سيتطلب تغييرات كبرى في طريقة تهيئة الأنظمة التقليدية وطريقة تشغيلها. بعض الزعماء في الكونغرس وبعض التنفيذيين يريدون تنفيذ هذه التغييرات، وهو أمر مشجع. لكن في حال فشلت العملية الانتقالية -وفرص حدوث هذا الأمر مرتفعة- فإن ذلك سيحصل على الأرجح لأسباب تتعدى المعارضة الأخلاقية التي تسعى إلى "حظر الروبوتات القاتلة"، أو ضمان ألا يستفيد الجيش الأميركي من أعمال شركات التكنولوجيا التجارية.

  

  

هناك مخاوف أخلاقية جادة. فاستخدام الجيش الأميركي للتكنولوجيات المتقدمة يتطلّب جدالا معمقا، لكن علينا ألا نقصر هذا الجدال على ثنائية سيطرة الإنسان وسيطرة الآلة. إن الكثير من الأسئلة الأخلاقية والتكنولوجية التي تواجه صناع السياسة يمكن أن يجيب عنها القانون القائم، إن صيغت بالشكل الواضح. على سبيل المثال، المفهوم القانوني "مناطق أعمال عدائية نشطة"، الذي يستوجب استخداما محدودا للقوة في الأماكن الجغرافية الضيقة، يمكن له أن يوفر إجابات ذات فائدة عن الإشكالات الأخلاقية التي يطرحها استخدام الأسلحة القاتلة ذات الأنظمة المستقلة.

 

إن فشلت الولايات المتحدة في الاستفادة من هذه الثورة الجديدة في الشؤون العسكرية، سيكون الأمر لأسباب تتعدى الأسئلة الأخلاقية إلى أخرى تتعلق بالحفاظ على الوضع القائم وعقلية تجنب المخاطر التي هيمنت على المؤسسات الداخلية للجيش. وقد فسر روبيرت غيتس، وزير الدفاع الأميركي السابق ذلك في مذكراته "الواجب" (Duty):

 

"إن أقسام الجيش تطور ميزانياتها كل خمس سنوات، بينما تتطلب معظم برامج التمويل سنوات أكثر -ما لم تكن عقودا من الزمن- من اتخاذ القرار حتى إرسال الأموال. كنتيجة، تظل البرامج والميزانيات على الرفوف لسنوات، وفي أثناء ذلك، تستنفد كل الحيل البيروقراطية الممكنة لإبقاء تلك البرامج القديمة قيد العمل والتمويل. هذا بالإضافة إلى مجهودات الشركات التي تصنّع المعدّات، وجماعات ضغط واشنطن الذين توظفهم تلك الشركات، وأعضاء الكونغرس الذين تتمركز مصانع قطع الغيار في ولاياتهم أو مقاطعاتهم. لذا فإن أي تهديد يتربص بتلك البرامج الطويلة المدى غير مرحب به". وهو ما أسماه السيناتور جون ماكين، الجمهوري من أريزونا، ذات مرة "المجمع الصناعي العسكري البرلماني"، وتعتمد كل حياته على التطوير، والإنتاج، والاستحواذ، واستدامة أنظمة الدفاع التقليدي بطرق تقليدية.

  

إن اجتياز هذه العقبات يتطلب القيادة على أعلى مستويات الحكومة لكي تضع أولويات واضحة، وتقود التغيير في المؤسسات العنيدة، وتعيد هيكلتها، وصياغة ثقافتها. قد يبدو ما أقوله فوق التوقعات، لا سيما إن تحدثنا عن نخبة واشنطن السياسية الفاسدة. إن هناك العديد من القادة في الكونغرس، والبنتاغون، وشركات القطاع الخاص الذين يعرفون أن أنظمة الدفاع الحالية بحاجة إلى التغيير. لكن عادة ما يكون الأقدر على حل الأزمات هو الأبعد عن زمام الحكم الذي يمتلكه أولئك الذين لا يملكون أدنى فكرة عن المشكلة أو الحل. وهذا يشير إلى مشكلة من نوع أعمق، إلى ضعف فادح في المخيلة. قادة الولايات المتحدة ببساطة لا يعتقدون أن هناك من يمكن أن يزيحها عن عرش القوة العسكرية العالمية، فهم يفتقرون للرؤية وحس التصرف المطلوبين لتغيير الوضع القائم.

------------------------------------------------------------

ترجمة: فرح عصام.

هذا المقال مأخوذ عن Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار