انضم إلينا
اغلاق
هيبة أميركا المهدورة.. من حول الدبلوماسية الأميركية إلى "صراخ الحواري"؟

هيبة أميركا المهدورة.. من حول الدبلوماسية الأميركية إلى "صراخ الحواري"؟

Foreign Affairs

مجلة سياسية
  • ض
  • ض

قد تكون الدبلوماسية واحدة من أقدم المهن في العالم، وهي أيضا واحدة من أكثر المهن التي يُساء فَهْمُها. يُمكن وصف الدبلوماسية بأنها عمل حثيث ومتواصل، هادئ معظم الوقت، ولا يشوبه التباهي والصلف، وغالبا ما يُمارس بسرية في القنوات الخلفية، وبطرق قد لا يتصورها العقل أحيانا. لكن الازدراء الذي يبديه الرئيس الأميركي دونالد ترامب لتقاليد الدبلوماسية الاحترافية ولمن يمارسونها -بالإضافة إلى ولعه بالمغازلات السياسية غير المدروسة مع الزعماء الاستبداديين مثل الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون- سلّط الأضواء على هذه المهنة، التي لم تعتد الأضواء، وأكّد أيضا أهمية تجديدها. 

  

وللإنصاف، فإن الإهمال والتشوه الذي لحق بالدبلوماسية الأميركية ليس ابتكارا ترامبيا بحتا، بل تولّد من المقاربة الأميركية تجاه العالم منذ نهاية الحرب الباردة. إلا أن إدارة ترامب ساهمت إلى حدٍّ كبير في تفاقم المشكلة، فقد جاءت ممارسات الإدارة التي تخلّت بشكل أحادي عن سلاح الدبلوماسية في توقيت سيئ للغاية تُمثّل فيه الدبلوماسية الأميركية أهمية غير مسبوقة للمصالح الأميركية. إذ لم تعد الولايات المتحدة القوى العظمى التي تتفرد ببسط سلطتها الجيوسياسية في العالم، ولم يعد بإمكانها الحصول على كل ما تريده بمعزل عن الآخرين، أو باستخدام القوة فقط.

    

الرئيس الأمريكي "دونالد ترمب" (رويترز)

     

على الرغم من أن عصر الهيمنة الفردية الأميركية على المسرح العالمي قد انتهى، فإن الولايات المتحدة لا تزال تتمتع بفرص أفضل من أيٍّ من منافسيها. إذ إن لديها الفرصة لتثبيت مكانتها في العالم باعتبارها قوة محورية، كما أنها أقدر من غيرها على صياغة المشهد الدولي المُتغير قبل أن يشرع آخرون في ذلك أولا. وإذا ما أرادت الولايات المتحدة اغتنام هذه الفرصة وحماية مصالحها وقيمها، فسوف يتعين عليها إعادة بناء الدبلوماسية الأميركية وجعلها الوسيلة التي تلجأ لها في المقام الأول، بدعم من نفوذها الاقتصادي والعسكري.

     

عصر آخر

أتذكر بوضوح اللحظة التي شاهدت فيها الدبلوماسية والقوة الأميركية في ذروتها. حدث ذلك في خريف عام 1991، ولم يكن قد مضى بعد عقد على بدء مسيرتي المهنية، وقد كنت جالسا خلف وزير الخارجية آنذاك، جيمس بيكر، في افتتاح مؤتمر مدريد للسلام، وهو اجتماع دعت لعقده إدارة الرئيس الأسبق جورج بوش الأب في محاولة لإحراز تقدم بشأن الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. وجلس حول طاولة ضخمة في القصر الملكي الإسباني مجموعة من القادة الدوليين، وللمرة الأولى ممثلين عن كلٍّ من إسرائيل والفلسطينيين والدول العربية الرئيسية. غير أن ما جمعهم لم تكن القناعة المشتركة تجاه السلام الإسرائيلي-الفلسطيني، بل الاحترام المشترك الذي كنّه الجميع لقوة ونفوذ الولايات المتحدة. فقد ساعد انتصار المعسكر الغربي على المعسكر الشيوعي في الحرب الباردة الولايات المتحدة لتصبح القوة العظمى الوحيدة في العالم، كما أنها أشرفت على إعادة توحيد ألمانيا، وألحقت بصدام حسين هزيمة مذهلة في العراق.

 

بدا في ذلك اليوم في مدريد أن الاتجاهات العالمية تؤشر إلى فترة طويلة من الهيمنة الأميركية. فقد كنا نأمل أن يتمكن النظام الليبرالي الذي أرست الولايات المتحدة قواعده وقادته بعد الحرب العالمية الثانية من استيعاب الإمبراطورية السوفيتية السابقة، وكذلك عالم ما بعد الاستعمار الذي لطالما تنافس عليه كلا الجانبين. وفي الوقت الذي عانت فيه روسيا من الضعف والوهن، وركزت الصين اهتمامها على الداخل، لم تواجه الولايات المتحدة وحلفاؤها في أوروبا وآسيا سوى عدد قليل من التهديدات الإقليمية، بل وعدد أقل من المنافسين الاقتصاديين. وازدادت العولمة قوة بسبب تشجيع الولايات المتحدة على مزيد من الانفتاح في التجارة والاستثمار. وفي ذلك العهد بدأت بوادر ثورة المعلومات في الظهور، كما كان الحال مع الاكتشافات الطبية والإنجازات العلمية الهائلة. وبدأت حقبة جديدة من التقدم الإنساني، ساهمت في تعزيز الشعور بأن "السلام الأميركي" الذي نشأ حديثا سيصبح دائما.

     

مؤنمر مدريد للسلام 1991 (رويترز)

   

بيد أن بعض التبصرات العقلانية ساهمت في الحد من زهو الانتصارات في تلك الحقبة. وقد أعربت عن هذه الأفكار في المذكرة الانتقالية المُقدمة إلى وزير الخارجية الجديد، وارن كريستوفر، في بداية عام 1993، أقول فيها: "بالتزامن مع العولمة التي يشهدها الاقتصاد العالمي، يجنح النظام السياسي الدولي دون كابح صوب مزيد من التشرذم". وعلى الرغم من أن الانتصار الذي تحقق في الحرب الباردة أثار موجة من التفاؤل الديمقراطي، فإنه "لم ينهِ التاريخ ولم يقربنا من حافة التوافق الأيديولوجي". وبات تعثر الديمقراطيات التي فشلت في تحقيق نتائج اقتصادية وسياسية حتميا. ورغم أن تلك كانت المرة الأولى منذ نصف قرن التي لم يكن فيها لدى الولايات المتحدة خصم عسكري عالمي، فقد كان "من المحتمل تماما أن تؤدي عودة الاستبداد في روسيا أو تصاعد القوة العدائية في الصين إلى إحياء مثل هذا التهديد العالمي".

 

وأصبح السؤال إذن ليس عما إذا كان على الولايات المتحدة أن تنتهز فرصة كونها القطب الأوحد في العالم، بل كيف يُمكنها ذلك وإلى أي مدى. فهل ينبغي للولايات المتحدة أن تستخدم قوتها غير المسبوقة لتوسيع نطاق هيمنتها العالمية؟ أم أنها، بدلا من رسم المعالم الرئيسية للنظام العالمي الجديد من جانب واحد، ينبغي لها أن تقود العالم بتطويع الدبلوماسية لكي تتمكّن من تشكيل نظام يكون فيه للمنافسين القدامى مكان وللقوى الناشئة مزايا؟ اختار بوش وبيكر الخيار الثاني، وسعيا إلى تسخير النفوذ الهائل للولايات المتحدة لتشكيل النظام الجديد بعد الحرب الباردة. لقد جمعا بين التواضع، والشعور الطموح بإمكانيات القيادة الأميركية، والمهارة الدبلوماسية، في لحظة تمتعت فيها البلاد بنفوذ منقطع النظير.

 

انحراف دبلوماسي

وثبت مع الوقت أن الحفاظ على التزام ثابت بالدبلوماسية أصعب مما يبدو عليه. ففي حين عمل وزراء الخارجية المتعاقبون والدبلوماسيون التابعون لهم بكل جهد، وتمكّنوا من تحقيق نجاحات ملحوظة، فقد ازدادت الموارد ندرة، ولاحت في الأفق أولويات أخرى. وسعت الولايات المتحدة، التي ركنت إلى التهاون والتراخي بسبب المشهد الدولي الذي يبدو أكثر اعتدالا، إلى الاستفادة من مكاسب السلام الذي حققته بعد الحرب الباردة. وتركت عضلاتها الدبلوماسية تضمر. فقد افتتح بيكر عشرات السفارات الجديدة في دول الاتحاد السوفيتي السابق دون أن يطلب المزيد من المال من الكونغرس، وأفضت ضغوط الميزانية خلال الفترة التي تولت فيها وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت إلى الحد من قدرة السلك الدبلوماسي. كما تقلصت ميزانية وزارة الخارجية بمقدار النصف تقريبا في الفترة بين عامي 1985 و2000. ثم بعد الصدمة التي لحقت بها في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، ركزت واشنطن على القوة بدلا من الدبلوماسية، بدرجة أكثر مما كانت عليه بالفعل، ووقعت في خطأ بسيط أفضى إلى نتائج كارثية، وهو حرب العراق. وحاول المسؤولون إقناع أنفسهم أنهم يمارسون "الدبلوماسية القسرية"، ولكن النتيجة كانت مزيدا من العنف وقليلا من الدبلوماسية.

    

 أحداث الحادي عشر من سبتمبر (رويترز)

   

على مدى الحروب الطويلة في أفغانستان والعراق، شغل الدبلوماسيون الأميركيون أنفسهم بالهندسة الاجتماعية وبناء الدول، وهي مهام تفوق قدرة الولايات المتحدة (أو أي قوة أجنبية أخرى في هذا الشأن). فقد ساهم السعي نحو الاستقرار، ومكافحة التمرد، ومواجهة التطرف العنيف، وجميع المفاهيم الغامضة الأخرى التي نشأت في هذه الحقبة، في إحداث خلل بالمهمة الأساسية للدبلوماسية الأميركية، التي تتمثّل في: التقارب والإقناع، والترهيب والتهديد، ودفع الحكومات الأخرى والزعماء السياسيين لتنفيذ سياسات تتفق مع مصالح الولايات المتحدة. وكثيرا ما بدا أن وزارة الخارجية تحاول تكرار الدور الذي اضطلعت به القوات الاستعمارية البريطانية في القرن التاسع عشر.

  

سعى الرئيس باراك أوباما خلال فترتَيْ ولايته إلى عكس هذه الاتجاهات، مؤكدا من جديد أهمية الدبلوماسية كجزء لا يتجزأ من الحُنْكة السياسية الأميركية. وبدعم من النفوذ الاقتصادي والعسكري، والأثر المضاعف للتحالفات والائتلافات، ولذا أسفرت نتائج مهمة عن النهج الدبلوماسي الذي اتبعه أوباما، بما في ذلك الانفتاح على كوبا، والاتفاق النووي الإيراني، واتفاق الشراكة الاقتصادية الإستراتيجية عبر المحيط الهادئ، واتفاق باريس للمناخ.

  

ومع ذلك، فقد ثبت أنه من الصعب التخلص من الاعتماد على الأدوات العسكرية. فقد ازداد عدد هجمات الطائرات بدون طيار والعمليات الخاصة أضعافا مضاعفة، والتي غالبا ما حققت نجاحا كبيرا في نطاق عسكري محدود، ولكنها ساهمت في تعقيد العلاقات السياسية وتسببت عن غير قصد في وقوع إصابات في صفوف المدنيين والحث على تجنيد المزيد من الإرهابيين. وفي الميادين الوعرة للسياسة البيروقراطية في واشنطن، عانت وزارة الخارجية في كثير من الأحيان من التهميش: فقد تعرض الأمناء المساعدون المسؤولون عن المناطق الحرجة للإقصاء من حضور الاجتماعات التي تُعقد في غرف العمليات، حيث اكتظت المقاعد الخلفية بالموظفين التابعين لمجلس الأمن القومي. وصار التزام إدارة أوباما بالدبلوماسية مرهونا بالتحيز السياسي الحزبي الخبيث في الداخل. كما شن أعضاء الكونغرس معارك حادة حول ميزانية وزارة الخارجية ونظّموا عروضا مذهلة، مثل جلسات الاستماع التي طغى عليها الطابع السياسي إلى حد كبير بشأن الهجمات التي أودت بحياة أربعة أميركيين في بنغازي، في ليبيا.

    

رئيس الولايات المتحدة الأميركية السابق "أوباما" (رويترز)

    

ومع تحول الربيع العربي إلى الشتاء العربي، عاودت الولايات المتحدة السقوط مرة أخرى في مستنقع الشرق الأوسط، ووقع جهد أوباما الطويل الأجل في سبيل إعادة التوازن لإستراتيجية البلاد وأدواتها ضحية للتحديات المستمرة قصيرة الأجل. وأصبح من الصعب على الرئيس الهروب من إرثه المُتمثل في: مجموعة متنامية من المشكلات يصعب إخضاعها بدرجة كبيرة للقوة الأميركية في عالم لم تعد تمتلك فيه الولايات المتحدة الكثير من هذه القوة.

 

تجريد الذات من سلاح الدبلوماسية

ثم جاء ترامب. دخل المكتب البيضاوي حاملا قناعة راسخة لا تستند إلى التاريخ، مفادها أن الولايات المتحدة أصبحت رهينة النظام الذي أوجدته. تحولت البلاد إلى جاليفر، الذي كان عليه أن يتحرر من أسر الأقزام منذ وقت طويل. وأمست التحالفات عبئا، بينما تحولت الاتفاقيات والترتيبات متعددة الأطراف إلى قيود، بدل أن تكون مصادر قوة وأوراق ضغط، وأصبحت الأمم المتحدة والكيانات الدولية الأخرى تشتيتا وأثرا من الماضي عفا عليه الزمن. أطلقت شعارات "أميركا أولا" التي رفعها ترامب العنان لتشكيلة فاسدة من الأحادية السياسية والميركانتيلية (مذهب التجاريين) والقومية المهترئة. وفي غضون عامين فقط، قلصت إدارته نفوذ الولايات المتحدة وفرّغت أفكارها من مضمونها، وزادت من انقسام سكانها حول دور الولايات المتحدة العالمي.

 

قلبت إدارة ترامب منطق المصلحة الذاتية المستنير الذي حرك السياسة الخارجية الأميركية على مدار 70 عاما رأسا على عقب، وادَّعت مظهرا قويا باطشا، كما لجأت إلى التأكيدات الخالية من الحقائق لإخفاء التراجع الجاري على صعيد الشؤون الخارجية. وفي تتابع سريع، انسحبت من اتفاق باريس للمناخ، ومن الصفقة النووية الإيرانية، ومن الشراكة عبر المحيط الهادي، إضافة إلى عدد كبير آخر من الالتزامات الدولية. جاء ذلك في الوقت الذي نجحت فيه في تحقيق بعض الإنجازات الحقيقية، مثل دفع شركاء حلف الناتو لإنفاق المزيد على الدفاع، وهو ما كان يجب أن يجري منذ وقت طويل، ومحاولات تحسين شروط التجارة مع منافسين مثل الصين. واستمر الموظفون الدبلوماسيون ببذل جهد مشكور في أماكن صعبة حول العالم. لكن النمط العام كان مثيرا للقلق ومزعجا للغاية، فيما بدت الاضطرابات والجلبة الصادرة عن الإدارة وكأنها لغرض إثارة الاضطراب، دون أن تخضع المآلات سوى لقليل من التفكير. وبالنظر للصورة كاملة، فإن مقاربة ترامب ليست مجرد نوبة عاطفية، بل هي رؤية مميزة وهوبزية للعالم. لكنها أبعد ما تكون عن إستراتيجية مكتملة.

   

  

سابقا، حمَّلَت إدارة ترامب وزارة الخارجية عبء غطرستها الأيديولوجية وعجزها وعنادها، لأنها عدّتها مجموعة من المتمردين العنيدين الذين يعملون لدى الدولة العميقة. فرض البيت الأبيض أكبر اقتطاعات في ميزانية الوزارة في التاريخ، حيث سعى لخفض تمويلها بمقدار الثلث. وقلص وزير الخارجية ريكس تيلرسون من عدد موظفي وزارة الخارجية بأكثر من النصف، وفصل العديد من كبار موظفي الوزارة وقياداتها الوسطى بزعم "إعادة الهيكلة" المعيبة. وظلت مناصب مهمة للسفراء في الخارج ومناصب رئيسية في الوزارة في واشنطن شاغرة. وبدأت الجهود السابقة التي سعت لزيادة التنوع الجنسي والعرقي في الوزارة بالانتكاس. كما تمثّلت الممارسات الأكثر ضررا وخبثا في استهداف مسؤولين بعينهم لمجرد أنهم عملوا على قضايا معينة مثيرة للجدل خلال فترة رئاسة أوباما، مثل صفقة إيران النووية، مما خفض المعنويات إلى أدنى مستوى لها منذ عقود. وأدار خَلف تيلرسون، وزير الخارجية الحالي مايك بومبيو، علاقته مع الرئيس بحذق، لكنه لم يحقق نجاحا كبيرا في إصلاح الأضرار الهيكلية التي أصابت الوزارة.

 

أكد ترامب بينما يقف بجوار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أثناء اجتماع القمة الذي جمعهما في هلسنكي في يوليو/تموز 2018 أنه من أنصار "التقليد الفخور للدبلوماسية الأميركية الجريئة". لكن رؤية ترامب للدبلوماسية نرجسية، وليست مؤسسية. عندما يرى مستبدون مثل بوتين حاجته القهرية إلى الاهتمام والمديح، وهجومه المتواصل على سلفه وخصومه السياسيين، وميله للارتجال في اللقاءات رفيعة المستوى، يرون نقاط ضعف وثغرات للتلاعب به.

 

الورقة الأولى

على الرغم من كل الأضرار التي سببتها الولايات المتحدة لنفسها، فإن الفرصة ما زالت سانحة أمامها للمشاركة في بناء نظام دولي جديد أكثر ديمومة. ورغم أنها لم تعد اللاعب المهيمن كما كانت بعد الحرب الباردة، فإن الولايات المتحدة تظل قوة محورية. إذ تنفق سنويا على الدفاع أكثر من الدول السبع التالية في الترتيب مجتمعة. ولديها حلفاء وشركاء محتملون أكثر من أيٍّ من نظرائها أو خصومها. ويظل اقتصادها هو الأكبر والأكثر تكيّفا وريادة في العالم، رغم مخاطر التضخم وزيادة تفاوت توزيع الثورة المحدقة به. كما يقدم قطاع الطاقة اليوم مزايا تنافسية متعددة، بعدما كان نقطة ضعف ذات يوم، ومع مساهمة التكنولوجيا في اكتشاف مصادر هائلة للغاز الطبيعي وتسارع نمو قطاعات الطاقة النظيفة والمتجددة. تكمن المهمة الآن في استخدام هذه المزايا، وما تبقى من الهيمنة الأميركية التاريخية، لتحديث النظام الدولي ليعكس الحقائق الجديدة. وهو ما سيتطلب بالضرورة استعادة الفن المفقود للدبلوماسية الأميركية.

   

تعتبر إعادة تثبيت جذور الدبلوماسية الأميركية ضرورة حقيقية في الوقت الراهن، لكنها غير كافية لتصبح وزارة الخارجية مستعدة وفعالة في العصر الجديد

وكالة الأنباء الأوروبية
   

يجب أن نبتدر هذا المسعى بإعادة الاستثمار في أساسيات المهنة: الحكم السياسي الذكي، ومهارات اللغة، والشعور بالدول الأجنبية التي يعمل فيها الدبلوماسيون، وإدراك الأولويات المحلية التي يمثّلونها. وصف جورج كنان زملاءه الدبلوماسيين بأنهم مثل "البستانيين" الذين يبذلون وسعهم للعناية بالفرص المتاحة وبالحلفاء، متيقظين لأي مشكلات ضارة يجب التعامل معها. قد لا يتناسب هذا الوصف المبتذل مع ملصقات التوظيف، لكنه لا يجانب الصواب حتى اليوم. دبلوماسيونا هم مترجمو العالم لواشنطن ومترجمو واشنطن للعالم، هم خط المراقبة الأول لرصد الأخطار والفرص وبناة ومصلحو العلاقات. تتطلب كل هذه المهام معرفة دقيقة بالتاريخ والثقافة، وحذقا في المفاوضات، وقدرة على ترجمة المصالح الأميركية بطريقة تقنع الحكومات الأخرى أن هذه المصالح تتسق مع مصالحهم الخاصة، أو على الأقل لا تتعارض معها. وهو ما يتطلب بدوره توسعة وزارة الخارجية، حتى يكون بإمكانها، على غرار الجيش، تخصيص وقت وأفراد للتدريب دون التضحية بالجاهزية والأداء.

 

تعتبر إعادة تثبيت جذور الدبلوماسية الأميركية ضرورة حقيقية في الوقت الراهن، لكنها غير كافية لتصبح وزارة الخارجية مستعدة وفعالة في العصر الجديد. على الوزارة أن تكيّف أساليبها كما لم تفعل من قبل، وأن تحرص على الاستعداد لتجاوز الاختبارات المستقبلية المتعاقبة، لا العقبات الدبلوماسية الحالية فحسب. ويمكنها في هذا الجانب أن تسترشد بموهبة الجيش الأميركي في الاستبطان؛ دأب البنتاغون لمدة طويلة على الإعلاء من شأن دراسات الحالة وتقارير ما بعد الحدث، وأرسى أسس ثقافة التدريب المهني. في المقابل، يفخر الدبلوماسيون الوظيفيون بقدرتهم على التكيف سريعا مع الظروف المتغيرة، بدلا من التركيز الممنهج على الدروس المستفادة والتفكير بعيد المدى.

 

على وزارة الخارجية إذن، في عملية إعادة التشكل في حقبة ما بعد ترامب، أن تولي اهتماما جديدا للمهنة وإعادة اكتشاف التاريخ الدبلوماسي وصقل مهارات التفاوض، وإتاحة الدروس المستفادة من المفاوضات الناجحة والفاشلة على السواء لممارسي المهنة. مما يعني أن عليها إدراك الإمكانات الكامنة في المبادرات الجديدة مثل مركز ممارسة الدبلوماسية التابع لمعهد الخدمات الخارجية، والذي يُمكِّن الدبلوماسيين من فحص دراسات الحالة الحديثة.

   

وزير الخارجية الأميركي "مايك بومبيو" (الجزيرة)

    

على الحكومة الأميركية أيضا تطوير قدراتها الدبلوماسية فيما يخص قضايا السياسة الخارجية المستجدة في القرن الحادي والعشرين مثل التكنولوجيا والاقتصاد والطاقة والمناخ. ضم جيلي والجيل الذي يسبقنا الكثير من الخبراء في مجال الأسلحة النووية وقضايا الطاقة التقليدية. لم تكن مفاهيم الحمولة الإطلاقية للصواريخ وآليات تسعير النفط غريبة عن الدبلوماسيين. لكن خلال سنواتي الأخيرة في الحكومة، قضيت وقتا طويلا في اجتماعات الدور السابع في وزارة الخارجية وفي غرفة دراسة الوضع في البيت الأبيض إلى جانب زملاء مخلصين وأذكياء، بينما ندّعي جميعا إدراكنا لتعقيدات الحرب السيبرانية أو جيوسياسة البيانات.

 

سيزداد التقدم التكنولوجي في مجالات الذكاء الصناعي وتعلم الآلة والبيولوجيا الاصطناعية تسارعا في السنوات القادمة، وسيُفقد الدول والمجتمعات قدرتها على ابتكار طرق لتعزيز منافع هذا التقدم وتقليل أضراره وخلق قواعد دولية فعالة للتعامل معه. ولمواجهة هذه التهديدات، على وزارة الخارجية تولّي زمام المبادرة كما فعلت إبان العصر النووي، وتشكيل أطر قانونية وعرفية جديدة وتعريف كل دبلوماسي جديد بهذه القضايا المعقدة.

 

كما يجب عليها أيضا أن توظف مواهب ومهارات جديدة. في السنوات القادمة، ستواجه وزارة الخارجية منافسة شرسة من البنتاغون والمخابرات المركزية الأميركية ووكالة الأمن القومي، ناهيك بالقطاع الخاص، لاستقطاب وتوظيف طاقم من التقنيين. على الوزارة، والجهات التنفيذية بشكل عام، أن تصبح أكثر مرونة وإبداعا لجذب المواهب التقنية. عليها أن تخلق وظائف مؤقتة وتطلق برامج توظيف متخصصة لملء الهوة المعرفية الحيوية. بإمكان الوزارة كذلك طرح زمالات جديدة لاستغلال الهيبة والمكانة التي يتمتع بها السلك الدبلوماسي كأداة توظيفية، لكن في النهاية عليها إجراء تغييرات كبيرة في آليات التوظيف والتعويضات المالية، لمراكمة وبناء الخبرات الخاصة بالوزارة.

   

  

وسيكون على وزارة الخارجية كذلك أن تصبح أكثر حذقا وبراعة. لدى الدبلوماسيين الأميركيين قدرة مميزة على الإبداع والريادة. لكن على مستوى المؤسسة، نادرا ما توصف وزارة الخارجية بالمرونة أو المبادرة. على الدبلوماسيين أن يطبقوا مهاراتهم الخاصة في البستنة على مؤسستهم لتشذيبها واقتلاع النباتات الضارة منها.

 

على سبيل المثال، يتسم النظام الداخلي لإدارة الموظفين في وزارة الخارجية بالجمود وعدم مواكبته للحظة الراهنة. كما أن عملية التقييم برمتها غير قادرة على تقديم تقييم صادق أو تحفيز الأداء؛ الترقيات بطيئة ودوريات الخدمة تفتقد المرونة، وآليات تسهيل المسار الوظيفي للآباء العاملين عفا عليها الزمن. علاوة على أن عملية تداول الرأي واتخاذ القرار الداخلية في الوزارة بطيئة ومتحفظة للغاية، وتضم طبقات عديدة من الموافقات وتراتبية السلطة.

 

خلال الشهور الأخيرة التي عملت فيها نائبا لوزير الخارجية، تلقيت مذكرة عن مسألة سياسية اعتيادية، يبلغ حجمها نصف صفحة، ملحقا بها صفحة ونصف من الموافقات. كل قسم يمكن تخيله في الوزارة قد راجع المذكرة، من بينها مكاتب لا يمكنني تصور أي رابط بينها وبين القضية. يمكن لبذل الجهد في سبيل تقليل عدد الطبقات في الوزارة؛ جهد يقلل المسؤولية في واشنطن ويزيدها عند السفراء في الخارج، أن يحسن من عمل الجهاز البيروقراطي الذي كثيرا ما يُمثّل عقبة في الطريق.

   

فرصة لا مأساة

أيًّا كان شكل الإصلاح الذي ستخضع له وزارة الخارجية، فإن ضخ دماء جديدة في الدبلوماسية الأميركية مهمة مستحيلة إذا لم تقترن باتفاق محلي جديد. يجب أن يتضمن هذا الاتفاق المحلي شعورا عاما مشتركا بدور الولايات المتحدة في العالم، وبالرابط بين القيادة في الخارج ومصالح الطبقة الوسطى في الداخل. بدأ الرؤساء الثلاثة الذين سبقوا ترامب فترات حكمهم بالتركيز على "إعادة بناء الأمة في الداخل"، وعزموا على خفض الالتزامات الدولية. ومع ذلك عانى كلٌّ منهم بدرجات متفاوتة في الوفاء بوعوده بهذا الشأن، وانتهى بهم الأمر لتولي مزيد من المسؤوليات الدولية دون عائد يُذكر. يدرك معظم الأميركيين غريزيا الرابط بين القيادة الأميركية المنضبطة في الخارج ورفاهية مجتمعهم في الداخل. لكنهم عادة ما يشكّكون في قدرات المؤسسة السياسية في واشنطن، بغض النظر عن توجّهاتها الحزبية، على ممارسة هذا النوع من القيادة.

    

  

نقطة البداية لعكس هذا الشعور هي الصراحة والوضوح، ابتداء من الرئيس نزولا إلى أسفل، حول أهداف وحدود السياسة الأميركية في الخارج. أحد العوامل المهمة أيضا هو جعل القيادة الأميركية في الخارج ذات منافع ملموسة في الداخل. عندما تلعب وزارة الخارجية دورا مهما في عقد صفقات تجارية كبيرة في الخارج، نادرا ما يبرز دور الدبلوماسية في خلق آلاف فرص العمل في المدن والبلدات الأميركية. هناك فرص متزايدة أمام الدبلوماسيين للتعاون مع حكام الولايات وعمد البلدات داخل البلاد، الذين ينشط العديد منهم في الترويج للتجارة والاستثمار في الخارج. وعلى صناع القرار أن يُظهروا أن الدبلوماسية الذكية تبدأ من الداخل، من نظام سياسي واقتصادي قوي، وتنتهي هناك أيضا، في شكل وظائف أفضل وازدهار اقتصادي ومناخ صحي وأمن مستتب.

  

ستمتلك الإدارة القادمة فرصة ضئيلة، لا ينبغي تجاهلها، لإجراء تحولات كبيرة تنقل وزارة الخارجية إلى القرن الحادي والعشرين وإعادة توجيه السياسة الأميركية نحو قضايا وتحديات أكثر أهمية. وعلى الرغم من الأضرار الفادحة التي تسبب فيها تجاهُل ترامب للدبلوماسية، فإنه أبرز ضرورة بذل الجهد للتجديد في ظل وضع دولي تنافسي عديم الرحمة.

  

ما تعلمته مرارا وتكرارا خلال مسيرتي الطويلة في السلك الدبلوماسي هو أن الدبلوماسية هي الورقة الأميركية الأقوى وسرها المكنون. ورغم تضررها في عصر ترامب، فإنها لم تكن يوما أداة أكثر حيوية لاستعادة النفوذ الأميركي. سيتطلب الأمر جيلا كاملا لعكس تأثير ضعف الاستثمار والعثرات والتجاوزات التي عانت منها الدبلوماسية الأميركية في العقود الأخيرة، ناهيك بالتخريب المتعمد في السنوات الأخيرة. لكن انبعاثها من تحت الرماد ضرورة لخلق إستراتيجية جديدة لعقد جديد، مليء بالأخطار والمكاسب العظيمة لأميركا.

-------------------------------------------------------------------

ترجمة: فريق الترجمة.

هذا المقال مترجم عن Foreign Affairs ولا يعبر بالضرورة عن موقع ميدان.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار