انضم إلينا
اغلاق
"الغداء الأخير".. الدور الأسود للسعودية في تاريخ اليمن

"الغداء الأخير".. الدور الأسود للسعودية في تاريخ اليمن

منصور سليمان

باحث ومترجم
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

   

يُمثّل التحقيق الاستقصائي الذي أعدّه وأخرجه جمال المليكي في الفيلم الموسوم بـ "الغداء الأخير"، عن اغتيال الرئيس اليمني الأسبق إبراهيم الحمدي، أولى المحاولات الجادة لفتح ملفات الأسئلة المسكوت عنها في اليمن. وهو الفيلم الذي سعى لتقديم سردية متماسكة حول ملابسات الاغتيال اعتمادا على عرض شهادات ووثائق حصرية عن فترة حكم الرئيس الحمدي.

   

معروفٌ في أوساط المتابعين للشأن اليمني أن سيرة الحمدي ظلت طوال سنوات حكم الرئيس اليمني السابق علي عبد الله صالح التي امتدت ثلاثة عقود مغيبة تماما من الفضاء العام، حيث بقيت سيرة الحمدي حبيسة المجالس الخاصة؛ يتداولها اليمنيون الذين عاصروا سنوات حكمه القصيرة (1974-1977)، ثم تحولت بمرور الوقت إلى سردية شعبية تقدّم تفاصيل وحكايات تصل إلى مصاف الأسطورة. والحال كذلك، فإنّ مسألة إنتاج فيلم يوثّق سيرة زعيم في مقام الحمدي بعد مرور أربعين عاما على اغتياله -بحسب مخرج الفيلم لـ"ميدان"- لم تكن أمرا سهلا أبدا؛ ليس لأنها أول محاولة جادة لتوثيق سيرة الرئيس الحمدي فحسب، وإنما -علاوة على ذلك- أخذت هذه المحاولة على عاتقها مهمة تخليص السيرة ذاتها من شوائب المرويّات الشفوية والتقصي عن كل التفاصيل المتداولة حول الحمدي، مستندة في ذلك إلى وثائق وشهادات الشخصيات السياسية؛ اليمنية والغربية، التي كانت قريبة من مركز الأحداث.

  

وهذا ما انتبه له النقاد والأكاديميون الذين شاهدوا الفيلم، حيث تواصل معنا "ستيفن داي"، الأكاديمي الأميركي المختص بتاريخ اليمن ومؤلف كتاب "اليمن بين المناطقية والثورة"، منبها إلى أهمية الفيلم ومشيرا إلى أنه يعتبر "إضافة رائعة في مجال التوثيق، وسيكون نواة أساسية لأي باحث يروم دراسة الأوضاع السياسية في فترة الحمدي"، ويضيف "إنه يتطلع إلى رؤية نسخة إنجليزية من الفيلم حتى يتسنى له مشاركته مع طلابه والمهتمين بتاريخ اليمن".

                 

  

اتساقا مع التمهيد أعلاه، يهدف هذا التقرير إلى تسليط الضوء على الطرائق المنهجية التي اتبعت في إنتاج تلك المادة الاستقصائية عن اغتيال الرئيس الحمدي، وسيتم التركيز على ثلاثة محاور أساسية تكمّل ما ورد في الفيلم من معلومات، ذلك لأن المعالجة الفنية في مثل هذه الأفلام الوثائقية لا تتسع -عادة- لكثير من التفاصيل التي سنأتي على ذكرها في هذا التقرير التحليلي. بناء عليه، يعالج المحور الأول مسألة بقاء الحمدي في ذاكرة ووجدان اليمنيين لما يزيد على أربعة عقود، أما المحور الثاني فيتتبع الأدوار التي اضطلع بها الحمدي على الصعيدين الداخلي والخارجي، في حين يُعنى المحور الثالث بعملية اغتيال الحمدي والأسئلة المثارة حولها.

   

   

الحمدي في وجدان اليمنيين

رغم كل المحاولات الممنهجة لنظام علي عبد الله صالح في طمس اسم الحمدي من ذاكرة اليمنيين، فإنَّ هناك أسبابا عديدة جعلت الحمدي يبقى حاضرا في وجدان اليمنين؛ ولعلّ أهم تلك الأسباب -بحسب جمال المليكي- "ما اتصف به الحمدي نفسه من خصائص شخصية قوامها التواضع وقربه من البسطاء وحبهم له ونبذه للمناطقية التي مورست على الشعب من قِبل النخب السياسية والقبلية. وهي خصائص جعلت من الحمدي محل إجماع اليمنيين بمختلف توجهاتهم الفكرية، لدرجة أن المتظاهرين في المسيرات الشبابية التي انطلقت عام 2011 كانوا يهتفون باسمه ويرفعون صوره". غير أن استحضاره في منعطف خطير كالذي مثّلته الثورة الشبابية في ربيع اليمن يتجاوز الجانب العاطفي المتعلق بشخصية الحمدي للاحتفاء أكثر بالقضايا التي جسدها الحمدي في تاريخ اليمن الحديث.

  

ولعل على رأس تلك القضايا يتربع مشروع الحمدي الطموح لبناء دولة مركزية في اليمن، تسعى إلى إخراجه من دائرة الوصاية السعودية والنفوذ القبلي. وقد انتبه لهذه المكانة الباحث الأميركي ذو الأصول اليمنية "آشر عوركبي"، عندما تساءل: "لماذا رُفعت صور للحمدي في تظاهرات الثورة الشبابية في صنعاء"؟، فأجاب: لأن "الحمدي هو من حدد ما يعنيه أن يكون المرء يمنيا، وهذا يعني أن هناك جيلا كاملا من اليمنيين الذين يبحثون عن الحمدي الخاص بهم، مستلهمين من سيرته النضالية ماهية الدولة اليمنية التي ينشدونها"، ويضيف الباحث: "الجميع يتساءل أين الذي يمثّلنا؟". كل ما سبق يؤكد أن الحمدي قد تمكّن خلال سنوات حكمه الثلاث من بناء دولة جمهوريّة ظلّت راسخة في وجدان اليمنيين.

     

  

بجانب هذه المكانة الاستثنائية للحمدي في الذاكرة الشعبية، يقدّم فيلم "الغداء الأخير" العديد من الوثائق الغربية التي تتحدث عن نظرة الدبلوماسيين الغربيين وتقديرهم له. بالطبع، إن مساحة التقرير لا تحتمل الإحالة إلى كل الوثائق التي تتناول شخصية الحمدي ورمزيته في مشروع إرساء أول دولة مركزية في اليمن، فللمخرج جمال المليكي كتاب بهذا الشأن سيُطبع قريبا، لكن مع ذلك فإننا سنتجه لإبراز أكثر من وثيقة في هذا الصدد. من تلك الوثائق تقرير أرسلته السفارة البريطانية إلى الخارجية بعد وصول الحمدي للسلطة تضمن سيرة موجزة عن الحمدي، جاء فيها: "يحظى الحمدي بتقدير عالٍ من قِبل مجموعة من الوزراء الأكفاء والمعتدلين في اليمن ويعتبرونه قائدا مهما. إلى جانب ذلك، يتحلّى الحمدي بكل تأكيد بشخصية كارزمية، بنفس مستوى شخصيات مثل حسن مكي ومحسن العيني".

   

وبعد مُضي عشرة أيام على وصول الحمدي للسلطة، أي بتاريخ 23 يونيو/حزيران 1974، أرسلت السفارة ذاتها تقريرا سريا آخر إلى الخارجية البريطانية يستعرض أحداث الانقلاب الذي قاده الحمدي. وفي التقرير يقول المسؤول في السفارة ما نصه: "آمل أن يتفهم السعوديون الوضع الجديد ويواصلوا دعم الميزانية التي يحتاج إليها النظام، لأنني بصراحة لا أجد رجلا مناسبا -باستثناء الرئيس الأرياني- يكون بديلا لزعامة هذه البلاد كالحمدي. بالإضافة إلى ذلك، فإن خلفية الحمدي العسكرية تجعله أكثر قبولا لدى المواطن العربي التقليدي، لأن البلاد تحتاج إلى عسكري ناجح مثل الحمدي له اهتمام بقضايا تطوير مشاريع التنمية". أما التقرير الذي أعدّته السفارة سنة 1974، فيصف الحمدي بأنه شخص "معروف بالاستقامة وسط الناس ما جعله مقبولا لدى العلماء والسعودية. أما اهتمامه بالتنمية الريفية والحضرية، فقد جعله يحظى بإعجاب سكان المدن والأرياف على حدٍّ سواء.

  

وفوق كل شيء، فهو محبوب وسط الجيش بوصفه قائدا عسكريا قويا وناجحا ومتقد الذهن". تقرير آخر صدر من السفارة نفسها بتاريخ 5 يناير/كانون الثاني 1977، يصف الحمدي ووزراء حكومته بالقول: "من المؤكد كذلك أن الحمدي ووزراءه يعملون بجدٍّ ويحبون خدمة بلادهم، حيث يؤكدون باستمرار ضرورة تكاتف الجميع من أجل مصلحة البلاد. الحمدي نفسه يتحدث مع الناس ببساطة جيدة، وبالمعايير العربية يمكن اعتباره متحدثا لبقا دون إسهاب. إلى جانب ذلك، فالحمدي رجل وطني عنيد وبراغماتي، وبالتالي فهو مستعد للقيام بكل ما هو ضروري من أجل تأمين مصالح بلاده".

   

أما أهم فقرة تجيب بصورة مباشرة عن أسباب بقاء الحمدي حاضرا في وجدان اليمنيين، فقد وردت في تقرير سنوي أعدّته السفارة البريطانية في اليمن عام 1975، جاء فيه: "حظي الحمدي بشعبية واسعة وسط اليمنيين باعتباره قائدا ناجحا في الحرب ورجلا يعتني بمن يعملون معه وقت السلم. وقد جعلت منه تلك الصفات صاحب كاريزما داخل القوات المسلحة اليمنية، كما وجد دعما من المجتمع خصوصا وسط العلماء المحافظين بوصفه رجلا ملتزما بتعاليم الدين. إلى جانب ذلك، نال الحمدي إعجاب الطبقات والمناطق المحرومة، لثقتهم في أن تنفيذ وعوده في المساواة ستعود عليهم بالفائدة. وللسبب نفسه، حظي الحمدي بدعم الإصلاحيين البراغماتيين من تيار يسار الوسط، لكنه واجه معارضة من اليسار المتطرف لاعتقادهم بأن حكم الحمدي يعوق مشروعهم في الاستيلاء على الدولة. وبما أن الحمدي رجل صاحب عقل ثاقب ولديه موهبة في الذهاب مباشرة إلى جوهر المشكلات، فقد اعتبره الوزراء من ذوي التعليم الغربي، رجل دولة يمكن العمل تحت سلطته. وإن كانت ثمة حاجة إلى ذكر صفات أخرى، فيمكن القول إن للحمدي قدرات ذهنية عالية وموهبة في إلقاء خطابات واضحة تنبض بالوطنية. أجل، الوطنية التي تقدم مصلحة اليمن فوق كل اعتبار[1].

    

  

الأدوار الداخلية والخارجية التي لعبها الحمدي لصالح بلاده

لا شك أن الأدوار التي لعبها الحمدي طوال فترة حكمه كانت أدوارا مفصليّة ومهمة، دفعت خصومه المحليين والخارجيين إلى قناعة راسخة بضرورة التخلص منه. للتدليل على هذه الخلاصة نفرد مساحة أوسع في التحليل الحالي، لاستعراض وثائق تمت الإحالة إليها في الفيلم، وذلك بغرض توضيح تفاصيل أكثر للسياقات والملابسات التي صاحبت القرارات التي اتخذها الحمدي وأزعجت خصومه.

  

ويجدر قبل ذلك أن نبدأ باستعراض وثيقة تناولت ملابسات وصول الحمدي للسلطة، وهي بالأساس تقرير سري كتبته السفارة البريطانية بتاريخ 20 يونيو/حزيران 1974؛ ينص على: "بتاريخ 7 يونيو/حزيران 1974، تم الكشف عن مؤامرة تخريبية يتزعمها العراق واليمن الجنوبي لإسقاط الحكومة في الجمهورية العربية اليمنية. على إثر ذلك، نشب نزاع مرير في الفترة من 7-12 يونيو/حزيران بين الرئيس الأرياني (رئيس المجلس الرئاسي الثلاثي، الذي يعتبر أعلى سلطة سيادية في الدولة) وبين الشيخ عبد الله الأحمر (رئيس مجلس الشورى أو البرلمان)، حول كيفية التعاطي مع المتآمرين. في 13 يونيو/حزيران 1974، تقدم رئيس الدولة باستقالته هو والعضوان الآخران بمجلس الرئاسة إلى الشيخ عبد الله الأحمر بوصفه رئيسا للبرلمان. وفي غضون ذلك، طلب رئيس الوزراء من المقدم إبراهيم الحمدي، كبير الضباط في الجمهورية، اعتراض الطريق بين صنعاء ومناطق القبائل في شمال البلاد. في مساء اليوم نفسه، حوّل الحمدي موقفه من تنفيذ أوامر رئيس الوزراء، وقام بدلا عن ذلك بالاستيلاء على السلطة" [2].

     

  

يتبيّن من الوثيقة أعلاه أن الأوضاع المضطربة في اليمن، خصوصا النزاع بين رئيس الدولة القاضي عبد الرحمن الأرياني ورئيس مجلس الشورى الشيخ عبد الله حسين الأحمر، عجّلت في وصول الحمدي للسلطة. واللافت في الأمر أن جميع الأطراف المتناحرة قبلت في النهاية باستلام الحمدي للسلطة، ظنًّا منها إمكانية استمالته إلى جانبها في الصراع. وبالمحصلة، جرت عملية الاستيلاء على السلطة بصورة سلمية ومن دون الحاجة إلى إراقة الدماء أو سجن الخصوم على غرار ما كان يحصل في الانقلابات العسكرية التي كانت تجري -عادة- في البلدان العربية والأفريقية. في الواقع، تعتبر قضية السلمية واحدة من أبرز سمات حكم الحمدي، فمع أنه درج على إزاحة خصومه من مواقع السلطة وسعى إلى تجريدهم من نفوذهم بمختلف الوسائل، لكنه مع ذلك لم يلجأ -في حدود اطلاعنا- إلى تصفية الخصوم.

   

على الجانب الآخر، فإنّ المملكة العربية السعودية بدورها لم تكن بعيدة عن هذا المشهد، حيث تشير وثيقة بريطانية سرية إلى أنها "كانت الدولة العربية الوحيدة التي بعثت برسالة تهنئة بشأن الانقلاب، بل وحذّرت الدول الأخرى عبر إذاعة الرياض من القيام بأي خطوة تُفشل الانقلاب".

     

   

فما الذي جرى بعد ذلك؟ قام الحمدي بتوسيع عدد أعضاء المجلس القيادي للثورة [3] من سبعة أشخاص إلى عشرة. وكما ورد في الفيلم، كانت مراكز النفوذ عشية وصول الحمدي للسلطة تتوزع إلى ثلاثة محاور: محور يمثله الشيخ عبد الله حسين الأحمر ومعه الإخوان المسلمون وعسكريون من قبيلة حاشد؛ ومحور آخر يتزعمه الشيخ سنان أبو لحوم ومعه حزب البعث وقيادات عسكرية من قبيلة بكيل؛ والمحور الثالث يتزعمه إبراهيم الحمدي ومعه قيادات عسكرية شابّة مناصرة له. في غضون ذلك، كان الجميع ينتظر تشكيل الحكومة، وكان هناك تخوف من عودة محسن العيني، سفير اليمن في لندن، إلى صنعاء. وتشير وثيقة بريطانية سرية إلى أنه "إذا قرر محسن العيني ترشيح نفسه لرئاسة الوزراء، فإن ذلك قد يثير ردود فعل معادية لنظام الحمدي من السعودية ومن القيادات القبلية النافذة في البلاد، حيث لا يحظى محسن بشعبية وسط تلك الفئات".

  

ورغم معرفة الحمدي بحساسية هذه المسألة للسعودية وحلفائها في اليمن، فإنه أصر على تعيين محسن العيني رئيسا للوزراء، ربما لإيمانه بخبرة الأخير في الإدارة، أو أنه أراد أن يتقرب إلى محور الشيخ سنان أبو لحوم [4]، أو لعله أراد أن يبدأ بتحدي نفوذ المشايخ وفرض هيبة الدولة. أيًّا كان التفسير، فقد أدّى تعيين محسن العيني إلى بروز خلاف حقيقي بين الحمدي والشيخ عبد الله الأحمر والسعودية، وهو أمر تؤكده واحدة من الوثائق التي اطّلعنا عليها، وقد ورد فيها: "أما الشيخ عبد الله الأحمر، رئيس تجمع قبائل حاشد وصاحب الحظوة عند السعودية، فبعد أن دبّر مكيدة استقالة الأرياني، فقد ظن أن النتائج ستأتي بحكومة ذات طابع يميني. غير أنه فيما يبدو خُدع من قِبل الشيخ سنان أبو لحوم، منافسه القوي بين القبائل وحاكم الحديدة السابق، واتضحت له الصورة أكثر عندما قام مجلس القيادة في 15 يونيو/حزيران 1974 بالتصويت لمصلحة عودة محسن العيني".

  

وينطبق الأمر نفسه على موقف السعودية، حيث يُشير مسؤول في السفارة البريطانية في صنعاء إلى النتائج التي ترتّبت على تشكيل الحكومة بالقول: "من المؤكد أن السعودية مستاءة من الطريقة التي انتهت بها الأحداث في الجمهورية العربية اليمنية، فقد اضطلعت بدور بارز في مؤامرة إقالة الرئيس الأرياني من منصبه، لتتفاجأ بعدها بوصول محسن العيني إلى رئاسة الوزراء. ولعل أكثر ما أثار انتباهي ظهور مجلس وزراء أكثر نزوعا نحو اليسار، بدرجة تفوق ما ذكرته في مكاتباتي السابقة".

    

    

وتشير وثيقة بريطانية أخرى إلى أن محسن العيني قام بتشكيل أول حكومة [5] في عهد الحمدي بتاريخ 19 يونيو/حزيران 1974. وبتاريخ 9 يوليو/تموز غادر الحمدي صنعاء في أول زيارة خارجية له إلى الرياض بغرض إجراء مشاورات مع الملك فيصل. غير أن الأوضاع لم تستمر طويلا على هذا النحو، حيث بدأ الحمدي بإعادة ترتيب المشهد السياسي بالكامل، فقام "بعملية نقل الضباط من أجل تقوية نفوذه وسط القوات المسلحة وفي وزارة الداخلية". لكن الخطوة الأبرز حدثت في يوم 17 يناير/كانون الثاني 1975، عندما قام الحمدي بإزاحة محسن العيني نفسه من رئاسة الوزراء واستبداله بعبد العزيز عبد الغني [6].

  

وبحسب تقرير سري للسفارة البريطانية في صنعاء، فإن الحمدي لم يكتفِ بإزاحة محسن العيني فحسب، بل قام بتجريد خصومه من مواقع النفوذ. تقول الوثيقة: "تمكّن الحمدي من تجريد خصومه من مراكز القوة كافة التي يتوقع أن يُشكّلوا من خلالها تهديدا لسلطته. بدأ الحمدي الحملة بإعفاء محسن العيني من رئاسة الوزراء في يناير/كانون الثاني، وذلك نظرا لما يُشكّله من تهديد لمكانته من خلال أنصاره. كذلك قام الحمدي بتجريد الشيخ سنان أبو لحوم من صلاحياته، لخوفه من مركزه وسط أنصاره في مجموعة بكيل وفي الجيش. وحصل الأمر نفسه بالنسبة لرجال قبيلته في الجيش، حيث تم إعفاء العقداء علي ومحمد ودرهم أبو لحوم من رئاسة وحدتين في الجيش في صنعاء وتعز في أواخر أبريل/نيسان وبداية مايو/أيار. حصل الشيء نفسه مع مجاهد أبو شوارب، فتم إعفاؤه من منصبه كنائب للقائد العام وحاكم لحجة في أواخر أبريل/نيسان، وقد غضب مجاهد كثيرا من هذا الإعفاء وهو الآن [أي في تلك الفترة بحسب الوثيقة] يرابط بجوار الشيخ عبد الله الأحمر. إضافة إلى ذلك، تم إعفاء اللواء يحيى المتوكل من منصب وزير الداخلية. ولم يبقَ من خصوم الحمدي سوى الشيخ عبد الله حسين الأحمر، وهو في الواقع من أشد خصومه".

    

    

كل التقارير التي اطّلعنا عليها تُشير إلى أن الحمدي استمر على نهج تحييد الخصوم، إما عن طريق تسهيل إجراءات المنفى الاختياري أو تعيينهم في وظائف لا يُشكّل وجودهم فيها أي خطر عليه. أما زعماء القبائل فلم يبقَ لهم أي نفوذ بعد تجريدهم من الصلاحيات لدرجة أن الحمدي لم يعد يكترث لأنشطتهم المعادية لسلطته. وفي هذا الخصوص تذكر وثيقة بريطانية بأن "الرئيس الحمدي نجح في الجزء الأول من السنة في مواصلة إستراتيجياته المتصلة بتحديث وتنمية المناطق الجنوبية من البلاد، التي تُشكّل ثلثي مساحة البلاد، من خلال المساعدات وتشجيع التعاونيات المحلية. في مقابل ذلك، ترك الحمدي زعماء القبائل [7] الذين يسيطرون على المناطق الشمالية في إدارة شؤونهم بأقل قدر من التدخل واكتفى بتوزيع الهبات النقدية عليهم. وكان وسيطه في هذا المضمار القاضي الحجري [8] المحسوب على تيار المحافظين".

  

وتضيف الوثيقة: "على الصعيد الخارجي، بدأ الحمدي يساهم بدور مهم في تحسين العلاقات العربية البينية، كما واصل جهوده في تعزيز علاقات جيدة مع الدول العربية كافة وبصورة خاصة توطدت علاقته مع الرئيس السوداني جعفر النميري. إضافة إلى ذلك، مكّنه اتجاه السعودية في تبني سياسة قائمة على استرضاء النظام في جمهورية اليمن الشعبية الديمقراطية [ذات التوجه الماركسي] على تحسين علاقته معهم، دون أن يضطر إلى إزعاج السعودية التي تعتبر الممول الأساسي لبلاده".

    

   

مع ذلك، بقيت مسألة تسليح وتطوير مقدرات الجيش اليمني تؤرق الحمدي. فمن جهة، أوضاعهم لم تكن على ما يرام، فهم يتقاضون أجورا زهيدة وأسلحتهم العسكرية معظمها معدات روسية بالية، ومن جهة ثانية، كان الحمدي يريد بناء مؤسسة جيش وطنية قوية، وتحويلها من وحدات كبيرة منفصلة تدين كل واحدة بولائها لقائدها إلى كتلة واحدة متجانسة تدين بولائها للحكومة. وفي هذا الإطار، أورد فيلم "الغداء الأخير" وثيقة أميركية صدرت في 5 أبريل/نيسان 1977، جاء فيها: "يقول الحمدي إنه وزملاءه بصدد توطيد دعائم حكومة مركزية في اليمن، وهو ما لا يمكن أن يتحقق دون توفر جيش قوي في البلاد، دون ذلك سيكون بمقدور المتشددين من التيارين اليساري واليميني مواصلة ممارستهم التخريبية كقطع الطرق والقيام بجرائم الاغتيالات السياسية.

  

لكل ذلك، يجب على السعودية أن تتفهم دوافعنا من وراء هذا الأمر". هذا وكانت السعودية بالأساس تطلب من الحمدي التخلّي عن الاستعانة بروسيا في عمليات التسليح، ولكنها في الوقت نفسه ظلت تماطل في دعم الحمدي في عملية تسليح الجيش وتطويره. وتذهب وثيقة سرية إلى القول: "لم تثمر نقاشات اليمنيين الكثيرة مع السعودية والأميركيين إلى وصول أسلحة جديدة، بل كانت تؤدي إلى مزيد من النقاشات المملة. بمرور الوقت، يبدو أنهم [أي اليمنيون] سئموا من تلك النقاشات خصوصا مع تزايد أعداد الضحايا من الجيش وفرار بعض عناصره إلى الجمهورية اليمنية الديمقراطية".

  

والسؤال الذي يطرح هنا هو: لماذا كانت ترفض السعودية تزود اليمن بالسلاح الروسي ولكن في الوقت نفسه تماطل في توفير أي بدائل أخرى لحكومة الحمدي؟ تُجيب عن هذا السؤال فقرة وردت في التقرير السنوي الذي أعدته السفارة البريطانية في صنعاء عام 1977، جاء فيها ما نصه: "السعوديون من جهتهم ليست لديهم الرغبة في رؤية جيش يمني قوي وكبير في بلد مجاور. وبالتالي فإنّ إمدادات السعودية لليمن بالأسلحة الأميركية والفرنسية كانت شحيحة جدا وتخضع لمراقبة مشرفين من السعودية.

     

   

من جانبهم، أدرك اليمنيون خطر الاعتماد الكلي على الأسلحة الروسية (واستفادوا في هذا من التجربة الصومالية)، لكن مع ذلك فلا تساورهم أدنى شكوك فيما يتعلق بحماقة الاعتماد على جارتهم السعودية. ورغم ما تقدم، فإنّ الجمهورية العربية اليمنية بحاجة حقيقية إلى ترسيخ منظومة جيش فعّال ومتناغم، ليس من أجل ردع مغامرات اليمن الجنوبي فحسب، وإنما أيضا من أجل المحافظة على دولة القانون والاستقرار التي لا يمكن تحقيق أي ازدهار اقتصادي دون توفرها في البلاد. وذلك لأن انتشار الفوضى في الجمهورية اليمنية يمكن أن يؤدي بسهولة إلى انتصار التيار اليساري المتطرف وبالنتيجة توسع النفوذ الروسي في المنطقة".

    

لكل ما سلف، يخلص تقرير سري آخر أعدّته السفارة نفسها إلى القول: "من الناحية الواقعية، لا يمكن أن نتوقع من السعودية الترحيب لفكرة وجود دولة يمنية قوية ومستقلة (ناهيك بأن تكون ديمقراطية). لذلك، تسعى السعودية دائما إلى استخدام نفوذها المالي وإذا اقتضى الأمر تحرّك القبائل في الشمال من أجل خلق توازنات داخل النظام التقدمي في صنعاء".

    

     

في سياق متصل، يذكر فيلم "الغداء الأخير" أن قضية تسليح الجيش لم تكن القضية الوحيدة التي أثارت غضب السعودية تجاه الحمدي، فهناك قضية أمن البحر الأحمر والمؤتمر الذي عُقد في تعز والتقارب مع الجنوب من أجل توحيد اليمن. وقد ذكر ضيوف الفيلم تأثير هذه القضايا على علاقة الحمدي بالسعودية، فالباحث المحاضر بجامعة هارفارد آشر عوركبي أكد أن "هدف الحمدي الأكبر أو بالأحرى هدفه الرئيسي [من وراء عقد قمة تعز حول أمن البحر الأحمر] كان تحويل اليمن إلى لاعب إقليمي أساسي في السياسة المتعلقة بأمن البحر الأحمر وتوحيد شمال اليمن وجنوبه. من السهل تخمين ما أنجزه الحمدي، فقد كان جديا فعلا في توحيد الشمال والجنوب، لكنّ أيًّا من هذه الأمور لم يتحقق لأنه قُتل قبل زيارته لجنوب اليمن التي كان ينوي القيام بها في أكتوبر/تشرين الأول 1977 وإعلان خطته من هناك".

  

أما فيما يتعلق بالوحدة مع الجنوب، فقد أتاح فيلم "الغداء الأخير" تسجيلا نادرا يتحدث فيه الحمدي حول الفلسفة والآليات التي طرحوها من أجل تحقيق الوحدة بين الشمال والجنوب. يقول الحمدي في ذلك التسجيل: "نحن مع إخواننا في الجنوب نسير في طريق الرؤية فيه واضحة. ونحن نعرف أنه كان قبل الـ 13 من يونيو/حزيران تطبيل كثير للجان الوحدة وكلام كثير حوله، ولكن النتائج لم تكن كما كان يطبّل لها، وفي تقديرنا أن طريق الوحدة ليس بالدم أبدا، وإنما بالتفاهم والتكامل والنظر في المصلحة المشتركة. والخطوات التي تمت بهذا الشأن أهمها، على سبيل المثال لا الحصر، هو توحيد الكتاب المدرسي للتاريخ اليمني قبل الإسلام، وقد قامت بتأليفه لجنة مشتركة من إخواننا في الشطر الجنوبي من الوطن ومن الشطر الشمالي، والكتاب سيُطبع الآن وسيُدرّس في كل أنحاء اليمن الواحد في الجنوب والشمال".

  

هذه الرؤية العميقة لقضية محورية كقضية الوحدة في اليمن كانت تُخيف السعوديين وتدفعهم دفعا إلى معاداة الحمدي وإثارة العديد من العقبات أمامه حتى لا يتمكّن من المُضي قُدما في هذا المشروع. وهذا ما نبّه له ضيف الفيلم السفير إدوارد غنيم، نائب رئيس بعثة الولايات المتحدة في اليمن سنة 1978، عندما ذكر "أن الدور السعودي في اليمن كان دائما معقدا، والحمدي لم يكن محل إعجاب السعوديين، خصوصا في أواخر أيام حكمه، فقد وجدوا فيه وطنيا مستقلا يهدد مصالحهم في اليمن، خاصة بعد أن تمكّن من توطيد دعائم الدولة في اليمن، وهي مهمة يصعب إنجازها في بلد مثل اليمن، إلى جانب ذلك كان للحمدي جهود خاصة في تحسين العلاقات مع اليمن الجنوبي، والسعوديون كانوا قلقين جدا إزاء أي خطوة تسعى إلى توحيد شطري البلدين".

   

الأطراف المتورطة في اغتيال الحمدي

حظي هذا الجزء من فيلم "الغداء الأخير" باهتمام المشاهدين وبصورة خاصة المختصين منهم بمتابعة التاريخ السياسي اليمني الحديث، ذلك لأنه استطاع أن يقدم لأول مرة إفادات موثقة حول اغتيال الحمدي استنادا إلى شهادات ووثائق دبلوماسية. صحيح أن بعض الخلاصات التي توصل إليها التحقيق مثل تورط السعودية والعناصر الموالية لها داخل النظام اليمني كانت من الاتهامات الشائعة التي يتداولها اليمنيون سرا في مجالسهم لسنوات، لكنها كانت مجرد اتهامات في أحسن الأحوال، بل ولم تكن تخلو في غالب الوقت من التضارب في بعض تفاصيل مروياتها، ولهذا أخذ الفيلم على عاتقه مهمة وضع هذه المرويات ذاتها تحت طائلة المساءلة والتقصي الصحفي.

  

إلى جانب ذلك، سعى الفيلم إلى المطابقة بين شهادات الشخصيات التي كانت قريبة من مركز الأحداث وبين المعلومات المتضمنة في الوثائق الدبلوماسية حول الأحداث نفسها. على ضوء ذلك، اعتمد الفيلم على شهادات الضيوف التي وجدها متطابقة مع الوثائق الدبلوماسية. على سبيل المثال، ذكر مجاهد القهالي الذي عمل قائدا عسكريا في فترة الحمدي بأن قضية الوحدة كانت ضمن الأسباب التي أدت إلى اغتيال الحمدي. ويمضي القهالي إلى القول إن "السعودية كانت تضغط على الغشمي ألا يترك الحمدي يزور عدن. كان همهم ألا يذهب الحمدي إلى عدن وألا يصل الحمدي إلى عدن، لا سيما وأن الحمدي كان على وشك اتخاذ قرارات مهمة سوف تُحدِث تحولات كبيرة داخل اليمن والمنطقة بالاتفاق مع الرئيس سالم ربيع علي". تورط السعودية في الاغتيال تردد أيضا في إفادات السفير إدوارد غنيم، حيث أشار إلى أنه "كان هناك اعتقاد واسع في اليمن وسمعته من أصدقائي اليمنيين بشكل خاص بأن عملية اغتيال الحمدي كانت بالأساس عملية أشرفت عليها السعودية باستخدام يمنيين يتقاضون رواتب منها بواسطة أشخاص يقومون بتنفيذ مهماتها كان من بينهم بالطبع الغشمي وعلي عبد الله صالح الذي كان يعمل وقتها في الجيش بتعز". 

    

  

أما في الوثائق الدبلوماسية، فقد أورد الفيلم وثيقة أرسلتها السفارة الأميركية في 5 يناير/كانون الثاني 1978 ما نصه: "مع أننا لا نعرف من يقف وراء اغتيال الحمدي، لكن ثمة اعتقاد راسخ منتشر على نطاق واسع في شمال اليمن يزعم بتورط السعودية في اغتيال الحمدي". وتأكيدا لذلك تحيل السفارة المعنيين بمتابعة القضية إلى تلغراف كانت أرسلته في 2 يناير/كانون الثاني بشأن التطورات المتصلة باغتيال الحمدي والذي جاء فيه: "تود السفارة في صنعاء أن تفيدكم بأن رئيس الجمهورية العربية اليمنية إبراهيم الحمدي قد قُتل على يد زملائه الضباط. كما تود السفارة أن تشير إلى أن الغشمي لعب دورا في عملية الاغتيال، وأن علي عبدالله صالح كان أحد المشاركين في جريمة الاغتيال. وتضيف السفارة أن "الدافع وراء الاغتيال يعود إلى تحسن علاقات الحمدي مع الجنوب وفتورها مع السعودية"".

     

     

إضافة إلى ما سبق، وجدنا تطابقا بين رواية الشهود وبين ما تضمن في الوثائق الدبلوماسية حول مأدبة الغداء الأخير للرئيس الحمدي. وبهذا الصدد روى لنا شقيق الحمدي أن الرئيس إبراهيم الحمدي كان في منزله رفقة وزيره أحمد عبده سعيد حينما تلقى اتصالا من الغشمي يدعوه فيه لمأدبة غداء يقيمها على شرف عودة رئيس الوزراء عبد العزيز عبد الغني من رحلة استشفاء في لندن. وبحسب هذه الرواية -المنتشرة في الأوساط اليمنية- كان من ضمن المدعوين لهذه المأدبة كلٌّ من رئيس الوزراء عبد العزيز عبد الغني، وعلي عبد الله صالح قائد لواء تعز، ومحمد الحاوري المقرب من الغشمي، وعبد السلام مقبل وزير الشؤون الاجتماعية. ضيف الفيلم عبد الله الحكيمي، الذي عمل ناطقا باسم الحكومة في فترة الحمدي، ذهب في الاتجاه السابق نفسه حينما أكد "أن عبد السلام محمد مقبل يعتبر شاهد العيان الذي لولا روايته لما عرفنا شيئا عن حادث الاغتيال إطلاقا. فقال [أي عبد السلام مقبل] إنهم كانوا في الديوان في بيت أحمد الغشمي الواقع في منطقة الدائري مقابل السفارة السعودية... وأن الحمدي جاءهم فيما هم بالديوان بانتظار الغداء".

  

والحال هذه، فكيف روت الوثائق الدبلوماسية التي ذكرها الفيلم الوقائع السابقة؟ وجدنا وثائق كثيرة تتناول الغداء الأخير للرئيس الحمدي، لكن أهمها وثيقة أرسلتها السفارة الأميركية في صنعاء بعد أسبوع على حادثة اغتيال الحمدي، أي في يوم 18 أكتوبر/تشرين الأول 1977. في مستهل الوثيقة تبدأ السفارة بالقول: "انقضى أسبوع على حادثة اغتيال الحمدي وتولي منصبه المقدم أحمد الغشمي، رئيس أركان القوات المسلحة. ومع أنه بات من الممكن توثيق بعض الوقائع المتصلة بحادثة اغتيال الحمدي، فإن هوية ودوافع القاتل لا تزال غير معروفة. بيد أنه من الإنصاف القول إن نسبة 90% ممن تحدثنا معهم من عامة الناس ومن مسؤولين على مستوى مجلس الوزراء يعتقدون أن المقدم الغشمي قد يكون هو من ارتكب الجريمة. وينبع هذا الاعتقاد من اعتبار انتفاع الغشمي بصورة شخصية من وراء اغتيال الحمدي".

   

  

أما بخصوص مأدبة الغداء الأخيرة، فتؤكد وثيقة السفارة أن الحمدي بالفعل تلقى دعوة من الغشمي بهذا الخصوص، وجاء في الوثيقة ما نصه: "من الأمور التي بتنا نعلمها أن الرئيس الحمدي كان قد دُعِي إلى وليمة غداء في منزل الغشمي على شرف عودة رئيس الوزراء عبد العزيز عبد الغني من رحلة استشفاء في لندن. ويبدو أن الرئيس الحمدي إما أنه تناسى أمر الدعوة أو لم يكن يرغب في الذهاب، فتناول غداءه في منزله برفقة أحمد عبده سعيد. وعند الساعة الواحدة والنصف ظهرا، اتصل عليه الغشمي وذكّره بالموعد، على إثر ذلك انطلق الحمدي إلى منزل الغشمي وترك أحمد عبده سعيد في المنزل. وعندما وصل الحمدي لمنزل الغشمي وجدَ عندَ وليمة الغداء كلًّا من رئيس الوزراء ونائبه الجنيد. لكنه طلب منهم أن يأكلوا من دونه وذهب على الفور إلى غرفة خلفية في منزل الغشمي".

____________________________________________________

هوامش:

[1] - الحمدي نفسه كان يعبّر عن هذه الفكرة في تصريحاته الصحفية، حيث ذكر مرة: "ما أستطيع قوله هو إنني وزملائي المسؤولين يمنيون حتى العظم كما يقولون.. ومن ثم فنحن وطنيون ولسنا يساريين أو يمينيين. وسلوكنا ومواقفنا وتصرفاتنا هي خير دليل على ذلك، بل هي الحكم علينا".

  

[2] - وتضيف الوثيقة بأنّ الحمدي بعد استيلائه على السلطة "قام بإنشاء مجلس قيادي من سبعة أشخاص -ارتفع عددهم في وقت لاحق إلى عشرة- وطلب من مجلس الوزراء الاستمرار في تأدية أعماله. إلى جانب ذلك أعلن إيقاف العمل بالدستور وقبول استقالة أعضاء مجلس الرئاسة الثلاثي بما في ذلك استقالة الشيخ عبد الله الأحمر نفسه من رئاسة البرلمان".

 

[3] - تكوّن المجلس القيادي من الشخصيات التالية: إبراهيم الحمدي رئيسا للمجلس، وعضوية مجاهد أبو شوارب، عبد الله عبد العالم، علي الضبعي، أحمد الغشمي، علي أبو لحوم، يحي المتوكل، حمود بيدر، علي صالح الشيبة، محمد صالح القهالي.

 

[4] - محسن العيني هو صهر الشيخ سنان أبو لحوم، لذلك سعى من البداية لإعادته إلى السلطة. إلى جانب ذلك، تذكر الوثائق أن الشيخ سنان قد "حقق مزيدا من النفوذ في البلاد بفضل دهائه وأمواله وبفضل ثلاثة من أفراد قبيلته، يعمل أحدهم قائدا لكتيبة الدبابات، والآخر قائدا لقوات الاقتحام والاحتياطي، والثالث قائدا بالمنطقة العسكرية في تعز".

  

[5] - تجدر الإشارة إلى أن محسن العيني بعد شهر من توليه رئاسة الوزراء قام بنشر أول ميزانية مالية للفترة من يونيو/حزيران 1974 إلى يونيو/حزيران 1975.

  

[6] - وتعلق وثيقة بريطانية على تعيين عبد العزيز عبد الغني رئيسا للوزراء على النحو التالي: "ولد عبد العزيز في حيفان في المنطقة المتاخمة للحدود مع اليمن الجنوبي، وقد تلقى تعليمه في عدن وأميركا، وشغل من قبل منصب محافظ المصرف المركزي، وليست له أي توجهات سياسية. ولهذا فقد اعتبر تعيينه مؤشرا على رغبة الحمدي في تعيين شخص غير مهتم بالسياسة ويركز على إدارة الدولة. وقد أثبت تعيين عبد الغني هذا الأمر نفسه، حيث تركزت مساهمته في جعل مجلس الوزراء يعمل بصورة جماعية وبكفاءة أكثر".

  

[7] - إضافة إلى ذلك لم ترد أي إشارة إلى زعماء القبائل مثل الشيخ عبد الله الأحمر والشيخ سنان أبو لحوم في قضية اغتيال الحمدي. صحيح كانوا على خلاف كبير معه، ولكن لم تكن لهم أي سلطة أو نفوذ داخل الجيش أو داخل المجموعة التي وردت أسماؤها في قائمة الاتهام في الوثائق السرية.

  

[8] - قُتل القاضي حجري مع زوجته في لندن في أبريل/نيسان 1977، وبموته خسر الحمدي الرجل الوحيد من التيار المحافظ الذي كان يعتمد عليه في تبديد مخاوف المرتابين حول سياساته، ليس من زعماء القبائل فحسب، بل من السعودية نفسها. ولم يجد الحمدي من معسكر المحافظين رجلا في قامة الحجري يتولى مكانه في الحكومة. بعد الحادثة توترت علاقة الحمدي أكثر مع السعودية، ولم تنته السنة وتعرض هو الآخر لاغتيال في 12 أكتوبر/تشرين الأول 1977. لم تعثر الشرطة البريطانية على قاتل الحجري، فسجلت القضية ضد مجهول، رغم أن البعض حاول توجيه التهمة إلى عناصر يسارية متطرفة في حكومة اليمن الجنوبي الماركسية. لم نشأ إقحام اغتيال الحجري في مسار الفيلم لقناعتنا بأنها قضية تحتاج إلى فيلم مستقل لا سيما وأن السلطات البريطانية حاولت التعتيم على تفاصيل حادثة الاغتيال، ربما لأن السعودية متورطة في تصفية الحجري.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار