انضم إلينا
اغلاق
ملعب النار.. هذه قصة تحول العراق لساحة الحرب المحتملة بين واشنطن وطهران

ملعب النار.. هذه قصة تحول العراق لساحة الحرب المحتملة بين واشنطن وطهران

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

  

خارج إيران، توجد بلاد محدودة العدد على وجه الأرض يمكن أن يتمتع فيها "قاسم سليماني"، قائد فيلق القدس، فرع المهمات الخارجية في الحرس الثوري الإيراني، بنفوذ وصيت وقدرة على الوصول إلى أرفع المستويات السياسية والعسكرية -في تلك البلدان- مقارنة بنفوذ أي مسؤول أميركي آخر بمن في ذلك الصف الرفيع من المسؤولين السياسيين والعسكريين، بل والرئيس الأميركي نفسه، ويمكننا أن نعتبر العراق ببساطة أحد أهم تلك الأماكن، إن لم يكن أهمها على الإطلاق.

 

يحب المسؤولون الإيرانيون بمختلف مستوياتهم التفاخر بهذه الحقيقة دوما، ويفخرون(1) بقدرتهم على الوصول إلى كبار المسؤولين العراقيين، والسفر إلى العراق علنا، وهو ما كان واضحا في زيارة الرئيس الإيراني "حسن روحاني" في مارس/آذار الماضي التي التقى فيها رجل الدين الشيعي آية الله "علي السيستاني" وكبار المسؤولين العراقيين، ووقع خلالها اتفاقات أمنية واقتصادية كبيرة، وذلك على النقيض من الدبلوماسيين الأميركيين ومسؤولي الإدارة الأميركية الذين يظلون محاصرين عادة ويُغلّفون زياراتهم وأنشطتهم في العراق بقدر من السرية، بمن في ذلك الرئيس "دونالد ترامب" نفسه الذي يبدو أنه لم يفقد قدرته على إدهاش الجميع حيث اختار القيام -بصحبة زوجته ميلانيا- بزيارة سرية إلى القوات الأميركية في قاعدة "عين الأسد" الجوية في صحراء الأنبار غربي العراق في ديسمبر/كانون الأول الماضي لتهنئة الجنود الأميركيين بعيد الميلاد، في زيارة مثيرة للجدل لم يلتقِ فيها بأيٍّ من كبار المسؤولين العراقيين، بمن في ذلك رئيس الوزراء الذي تم تنصيبه للتو وقتها "عادل عبد المهدي".

 

ليس معلوما على وجه الدقّة ما الذي فكر فيه ترامب حين قرر القيام بتلك الزيارة المفاجئة وغير التقليدية، ولكن بعض تصريحاته خلال الزيارة وما بعدها ربما تكشف بعضا مما يدور في عقل الرئيس، ووراء كواليس إدارته، حيث أعلن ترامب خلال الزيارة أن الولايات المتحدة لا تنوي سحب قواتها -حوالي 5200 جندي- من العراق في وقت قريب، مؤكدا أن الجيش الأميركي قد يتخذ العراق قاعدة لشن هجمات داخل الأراضي السورية، وهي التصريحات التي أثارت غضبا كبيرا لدى المسؤولين العراقيين الذين اعتبروها انتهاكا لسيادة البلاد، ودفعت العديد من الكتل السياسية العراقية لتصعيد مطالباتها لإنهاء الوجود الأميركي هناك، بما في ذلك كتلة "الإصلاح" البرلمانية التي يدعمها الزعيم الشيعي القومي "مقتدى الصدر"، وتحالف "البناء" الذي يقوده رجل الميليشيات الموالي لإيران "هادي العامري".

    

  

في وقت لاحق، أصبحت نيّات ترامب أكثر وضوحا حين صرح لشبكة "سي إن إن" الأميركية بعد الزيارة بأقل من شهرين، في فبراير/شباط للعام الحالي، قائلا إنه يرغب في الاحتفاظ بقاعدة أميركية في العراق من أجل مراقبة إيران، التي اعتبرها "مشكلة حقيقية" على حد وصفه، وهو ما استدعى ردا دبلوماسيا رسميا من بغداد هذه المرة على لسان الرئيس العراقي "برهم صالح" الذي اتهم ترامب بمحاولة توريط العراق في قضاياه الخاصة، مؤكدا أن الاتفاقية الأمنية الموقعة بين بغداد وواشنطن في عام 2008 لا تمنح واشنطن حق استخدام الأراضي العراقية لمحاربة أي طرف ثالث.

 

وبعيدا عن السجالات الكلامية بين الفريقين، سلّطت زيارة ترامب السرية إلى العراق في خضم تصاعد التوتر في العلاقات الأميركية الإيرانية، وتصريحاته اللاحقة حول استخدام العراق كقاعدة لمحاربة الإيرانيين، سلّطت الضوء على حقيقة أن الولايات المتحدة ربما لا تمانع في أخذ مواجهتها مع إيران إلى مسارح أخرى في الشرق الأوسط، وعلى رأسها العراق الذي تراه واشنطن معقلا للنفوذ الإيراني رغم الوجود الأميركي القوي فيه، وهو أمر لا يبدو أن طهران نفسها تمانعه أيضا وفقا لتقارير صحفية نُشرت في مايو/أيار المنصرم وأكّدت أن قاسم سليماني زار العراق وقام بحشد الميليشيات الموالية لطهران من أجل حرب بالوكالة ضد واشنطن، حيث توفر العراق من وجهة نظر طهران مسرحا غير مُكلف لاستهداف القوات والمصالح الأميركية مع قدر معقول من القدرة على إنكار مسؤوليتها، فيما يبقى الخاسر الأول في تلك المواجهة هو العراق الهش سياسيا، والذي يجد نفسه طرفا في مواجهة إقليمية كبرى تقع جذورها الأولى في تلك العلاقة التاريخية المعقّدة التي جمعت بين بغداد وطهران وواشنطن منذ عهد الشاه في إيران وقبيل حكم صدام حسين في العراق.

   

زمان الثورة

تمتلك الولايات المتحدة وإيران والعراق تاريخا معقدا من العلاقات الثلاثية يعود إلى زمان الحرب الباردة. في ذلك التوقيت، ظلت الحكمة السائدة في واشنطن أنها لا تتحمل خسارة طهران وبغداد معا، وأن سياستها في الشرق الأوسط تتطلب أن يكون أحد البلدين على الأقل مواليا لها، ولما كان العراق القومي قد حسم خياره في وقت مبكر بالانحياز إلى السوفييت، فقد استثمرت أميركا الكثير من أصولها السياسية في المنطقة لتقوية شاه إيران، وبنت سياستها الشرق أوسطية بشكل تام حول نظامه، وأرسلت أسلحة بمليارات الدولارات إلى جيشه، وبخلاف ذلك، عملت طهران كرأس حربة في سياسة واشنطن الرامية لتقويض النظام العراقي.

   

ونتيجة لذلك، كان من الطبيعي أن يكون نظام الشاه العدو اللدود لنظام البعث العراقي، ولم يكن من المستغرب أن يقرر العراق استضافة آية الله الخميني، العدو الأول لنظام الشاه، بعدما تم طرده من إيران إثر قيادته للاحتجاجات إثر علاقة إيران بالولايات المتحدة في الستينيات، حيث استقر به المقام عام 1965 في مدينة النجف، وساعدته المخابرات العراقية في إدارة عمليات سرية لزعزعة استقرار نظام الشاه، كما استغل الخميني رحلات الشيعة الإيرانيين إلى النجف من أجل تجنيد الأنصار داخل إيران وتهريب ما يريد للداخل أيضا بجانب المواعظ المسجلة على أشرطة الكاسيت.

    

صدام حسين (يمين) والخميني (مواقع التواصل)

   

وفي عام 1968 صعد صدام حسين إلى السلطة إثر انقلاب عسكري قام به حزب البعث العراقي، حيث تولى منصب نائب الرئيس وحكم العراق من خلف الكواليس لمدة عقد من الزمان. وقد عزز صدام سياسة البعث في توظيف الخميني ضد نظام الشاه، الذي قام بدوره -الشاه- بدعم تمرد كردي قوي ضد نظام صدام بغطاء من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، واستمر ذلك حتى عام 1975 حين وقّع صدام والشاه اتفاقية سلام في الجزائر، قام العراق بموجبها بالتخلي عن أراضٍ متنازع عليها على طول شط العراق وتعهّد بالتخلي عن الخميني مقابل إيقاف الشاه دعمه للأكراد.

 

لكن اتفاقية السلام لم تُثنِ صدام عن مواصلة تقديم الدعم للخميني حتى عام 1978 حين خضع أخيرا لضغوط الشاه وقام بطرده من النجف ليستقر به الحال في باريس، ويقود المعارضة خلال الأشهر التالية من قرية نوفل لوشاتو في شمال فرنسا، قبل أن يعود إلى طهران منتصرا في فبراير/شباط عام 1979 بعد قيام "الثورة الإسلامية"، وساعتها فقط أدرك صدام أنه أبعد الرجل الذي دعمه لسنوات طويلة قبل لحظات قليلة من انتصاره، وكان ذلك -للمفارقة- الخطأ الأكثر فداحة في حياته السياسية.

 

لم يكن صدام -أو أي حد- يتوقع أبدا حجم الثورة التي ساهم في خلقها حين قرر استضافة الخميني في النجف، ولم يكن القائد البعثي يتوقع في أبشع كوابيسه أن رجل الدين "الكاريزمي" الذي ظن أنه استخدمه لتقويض نظام الشاه سيؤسس نظاما أكثر عداء للعراق، وسيسخّر جهوده لاحقا لتقويض النظام العراقي بالطريقة نفسها التي استخدمها ضد الشاه، فلم تكد عدة أسابيع تمضي على تأسيس "الجمهورية الإسلامية" حتى قام(2) الخميني بعكس طرق التهريب التي استخدمها ضد الشاه من النجف وأعاد هندستها وتوظيفها لتقويض نظام صدام في بغداد، لتدعم إيران من خلالها سلسلة من الهجمات داخل العراق، وفي المقابل قام صدام باستقدام الجنرالات السابقين في جيش الشاه من أجل التخطيط لانقلاب يطيح بالخميني، وعلى مدار الأشهر التالية انخرط الطرفان في مؤامرات ومخططات متبادلة لتقويض بعضهما بعضا استهدفت بشكل أساسي الأقليات العِرقية في كلا البلدين، حين دعم نظام إيران "الثوري الإسلامي" تمرد الأكراد كما فعل الشاه من قبل، وفي المقابل دعم صدام عرب إيران في خوزستان وبلوشستان.

 

من وجهة نظر الخميني، لم يكن(3) من الممكن ضمان استقرار نظام الثورة الإسلامية في إيران مع عراقٍ مُعادٍ على حدوده الغربية، خاصة أن البلدين يتشاركان حدودا مفتوحة يبلغ طولها نحو 1500 كم، بخلاف ذلك كان الخميني يرى أن العراق هو البيئة الأكثر ملاءمة لتصدير ثورته الإسلامية مع وجود شيعي كبير في ظل حكم "ديكتاتوري"، وفي ظل هذا التوجه الإيراني المعادي للعراق، لأسباب يتداخل فيها الشخصي مع الأيديولوجي، كان من الطبيعي أن يتحول النزاع بين الدولتين من حرب سياسية بالوكالة لتقويض بعضهما بعضا إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

   

دعمت الاستخبارات الأميركية بشكل مبكر جهود صدام لتنظيم جنرالات جيش الشاه السابقين وعلى رأسهم "غلام علي أويسي" القائد الأخير للجيش الإيراني

مواقع التواصل
   

بالتزامن مع ذلك، تحولت إيران الخمينية بسرعة من دولة حليفة للولايات المتحدة إلى أكبر عدو لها، ومع اندلاع أزمة الرهائن الشهيرة في نوفمبر/تشرين الثاني عام 1979، أصبح من الواضح أن العلاقات الأميركية الإيرانية وصلت إلى طريق مسدود، ولما كانت أميركا لا تحتمل خسارة إيران والعراق معا كما سبق أن أسلفنا؛ فإنها بدأت في البحث سريعا عن حلف اضطراري مع نظام صدام في مواجهة النظام الإيراني، رغم أنها كانت قد صنفت للتو العراق على قائمة الدول الراعية للإرهاب، وقد دعمت الاستخبارات الأميركية بشكل مبكر جهود صدام لتنظيم جنرالات جيش الشاه السابقين وعلى رأسهم "غلام علي أويسي" القائد الأخير للجيش الإيراني وصاحب العلاقات الوثيقة مع البنتاجون والاستخبارات الأميركية قبل أن يتم اغتياله في باريس عام 1984 من قِبل فريق اغتيال إيراني.

 

بحلول ذلك التوقيت، كانت الحرب العراقية الإيرانية قد اندلعت بالفعل، بعد أن غزا صدام إيران بدعوى تحرير السكان العرب في الجنوب الغربي، المنطقة التي تحوي معظم مصادر الطاقة الإيرانية، وبالتزامن، وصل "رونالد ريغان" إلى البيت الأبيض مع قناعة بدعم الغزو العراقي لإيران، لذا فإنه قام بإزالة العراق من قوائم الدول الراعية للإرهاب، وقام بتزويد صدام بالأموال والأسلحة وخدمات الاستخبارات لمواصلة حربه، كما انخرطت إدارته بنشاط في حرب الناقلات لمنع طهران من مهاجمة السفن الخليجية، وكان الدعم الأميركي حاسما في تعزيز قدرة العراق على مواصلة القتال، وإجبار إيران على وقف إطلاق النار في نهاية المطاف.

 

انتهت الحرب العراقية الإيرانية تاركة العراق قوة عسكرية مهيمنة على المنطقة، لكنها في الوقت نفسه مشلولة اقتصاديا مع ديون ضخمة للسعودية والكويت، ودفعت قضية الديون والنزاعات حول إنتاج النفط الكويتي في نهاية المطاف صدام إلى غزو الكويت نفسها، ما تسبّب في إطلاق أميركا لعملية "عاصفة الصحراء" الشهيرة لطرد القوات العراقية من الكويت. وعلى الرغم من الحجم الهائل للعملية الأميركية، فإنها لم تكن مصممة بأي شكل لإزاحة صدام عن السلطة حيث كانت واشنطن تخشى من اندلاع الفوضى في العراق، كما كانت لا تزال مؤمنة بالدور الذي يلعبه صدام كثقل موازن ضد إيران.

   

   

في أعقاب الحرب، صبّ صدام غضبه على المعارضة الداخلية والأقليات في بلاده، وكان للأكراد نصيب الأسد من الغضب، بعدما قصف صدام مناطقهم بالأسلحة الكيماوية متهما إياهم بأنهم عملاء لإيران والولايات المتحدة، وردَّت أميركا وبريطانيا وفرنسا بفرض حظر طيران على المناطق الكردية في الشمال والمناطق الشيعية في الجنوب، وقامت بفرض عقوبات أضعفت العراق اقتصاديا وعسكريا إلى حدٍّ كبير، ومن هذا الوجه تحديدا أسهمت حرب الخليج بشكل غير مباشر في تقوية إيران، كما أسهمت مناطق حظر الطيران بشكل غير مقصود في منع صدام من قصف طهران، وللمفارقة غير المستغربة، جاءت حرب الخليج في مرحلة انفراج نسبي في علاقة إيران مع الولايات المتحدة إبان فترة حكم الرئيس الراحل "هاشمي رفسنجاني"، واستمرت إيران بعدها في رعاية حركات المعارضة العراقية الضعيفة في المنفى حتى الغزو الأميركي للعراق عام 2003.

 

زمان الغزو

في عام 2003 غزت الولايات المتحدة العراق، وأدّى الغزو إلى إضعاف العراق إلى الدرجة التي أصبح من الصعب عليه معها لعب دور الثقل الموازن للنفوذ الإيراني، وفي غضون وقت قليل بدأت أميركا تدرك أنها بحاجة إلى إيران من أجل تنظيم المجتمعات الشيعية في العراق، ولكن إيران -وبعد أن أمضت فترة قصيرة في الترقب والمقاربة- قررت أن الغزو الأميركي قدم لها فرصة غير مسبوقة(4) لتحقيق ما لم تنجح في تحقيقه في حرب السنوات الثمانية، وباختصار، ومن وجهة نظر طهران، كان عراق ما بعد الاحتلال فرصة لهندسة نظام موالٍ لها في بغداد، وفي الوقت نفسه إغراق واشنطن في مستنقع من الأزمات والمواجهات الدموية المُكلفة لفترة طويلة.

  

  

وبسرعة، بدأت(5) إيران في توظيف علاقاتها طويلة الأمد مع الشيعة العراقيين الذين هربوا إليها فرارا من بطش نظام صدام وأقاموا علاقات وثيقة مع المسؤولين الإيرانيين وتعلموا الفارسية وتزوجوا من عائلات إيرانية، بل وانخرط بعضهم في فيلق "الحرس الثوري الإسلامي"، حيث قام هؤلاء جميعا بالعودة إلى العراق أعقاب الإطاحة بصدام وقاموا بتشكيل المشهد السياسي العراقي وحتى المشهد العسكري، حيث أسسوا عددا من الميليشيات القريبة من طهران التي سدّت الفراغ الأمني والعسكري في العراق، خاصة بعد قرار قوات التحالف حل الجيش العراقي رسميا بعد أسابيع من بدء الغزو والاحتلال.

 

تسبّبت هذه التغيرات المتزامنة في تعميق الصدوع الطائفية بين السنة والشيعة العراقيين، وكذا تزايد الصدوع العرقية بين العرب والأكراد هناك، ومع تسريح 400 ألف مقاتل معظمهم من السنة من الجيش العراقي، أصبح العراق بيئة خصبة لنشاط التنظيمات الإسلامية المسلحة مثل تنظيم "القاعدة" الذي اشتبك مع الميليشيات الشيعية والقوات الأميركية لتنشب بذلك حرب أهلية دامية بدأت عام 2005، ما دفع واشنطن لزيادة وجودها العسكري هناك، في وقت استغلت فيه طهران الهياكل الديمقراطية الهشة التي أسسها الاحتلال الأميركي لترسيخ حلفائها في العراق الجديد.

   

يشمل هؤلاء الحلفاء قائمة طويلة من الميليشيات والأحزاب المرتبطة بها وعلى رأسها "المجلس الأعلى الإسلامي" بقيادة "عمار الحكيم"، وحزب الدعوة بقيادة "نوري المالكي"، وهو سياسي عراقي منفي قضى فترة طويلة من حياته في إيران إبان حكم صدام حسين، وبحلول عام 2005 كان المالكي وحزب الدعوة قد هيمنا بشكل كبير على المشهد السياسي الشيعي، بمباركة من كلٍّ من طهران وواشنطن اللتين تنافستا بشكل دائم على تشكيل المشهد السياسي في عراق ما بعد الاحتلال، وقد لعب "نور المالكي" لعبة النَفَس الطويل في تنظيم المنافسة بين القوتين، ولكن مع الانسحاب الأميركي من العراق عام 2011 تغير ميزان القوى لصالح طهران بشكل واضح، وزادت المعارضة الداخلية لحكم "المالكي" خاصة من العشائر السنية التي عانت من التهميش والقمع تحت حكمه الطائفي، وبخلاف ذلك منح اندلاع الثورة في سوريا وما تبعها من حرب طاحنة "الجهاديين العراقيين" الفرصة لتنظيم أنفسهم في الأراضي السورية مؤسسين "تنظيم الدولة الإسلامية".

حيدر العبادي (مواقع التواصل)

   

وفي عام 2014، عاد "تنظيم الدولة الإسلامية" إلى العراق واستولى على مساحات شاسعة من الأراضي وانهارت أمامه -بصورة غريبة- قوات الأمن العراقية بشكل كامل، ما دفع إدارة الرئيس الأميركي "باراك أوباما" لنشر 5000 جندي من القوات الأميركية والاستشاريين هناك والقيام بحشد تحالف من 79 دولة لمواجهة التنظيم. وعلى الأرض، وحّدت دعوة أطلقها رجل الدين الشيعي العراقي البارز آية الله "علي السيستاني" الميليشيات الشيعية المتناحرة، بما في ذلك الموالية لإيران، وتم تأسيس قوة من الميليشيات تحت اسم "الحشد الشعبي" كانت هي القوات المقاتلة الرئيسة في مواجهة "تنظيم الدولة" على الأرض وقاتلت تحت غطاء جوي أميركي، وعلى المستوى السياسي توافقت واشنطن وطهران ضمنيا على تنصيب "حيدر العبادي" رئيسا للوزراء خلفا للمالكي عام 2014، فيما اصطف البلدان لاحقا على جانب واحد في معارضة استفتاء استقلال كردستان في سبتمبر/أيلول 2017.

 

شهدت هذه الفترة قدرا غير مسبوق(6) من التوافق بين الولايات المتحدة وإيران في العراق، وكان الجزء الأكبر من هذا التوافق راجعا إلى التقدم الملحوظ في المفاوضات بين البلدين حول الاتفاق النووي الذي حجّم طموحات إيران النووية، وساعد في خلق ظروف للتعايش الإستراتيجي بين طهران وواشنطن، وعلى عكس المالكي الذي كانت مهمته تدور حول التوازن بين القوتين الكبيرتين، كان دور العبادي هو التنسيق بين متنافسين تاريخيين وجدا فجأة مصالح مشتركة بينهما، وبحلول عام 2017 كان تحالف المصالح بين واشنطن وطهران قد نجح في هزيمة "تنظيم الدولة" في العراق.

      

   
  

وعلى الرغم من أن هزيمة التنظيم هيّأت الفرصة لإعادة بناء الدولة العراقية، فإن نهايته كشفت الانقسامات الكامنة داخل المشهد السياسي العراقي الهش، وبدأت الاحتجاجات في الظهور مجددا ضد الحكم الفاسد وغير الكفء للنخب العراقية المرتبطة بالقوى الخارجية، وكانت الاحتجاجات هذه المرة قادمة من الشيعة أنفسهم خاصة في البصرة، المحافظة الجنوبية الغنية بالنفط، وولّدت الاحتجاجات قومية عراقية شيعية جديدة معادية للنفوذ الإيراني وللوجود الأميركي معا، وقد تسبّب هذا التيار القومي، الذي تزعّمه رجل الدين الشيعي "مقتدى الصدر"، بظهور توازن جديد في المشهد السياسي بعد انتخابات العام الماضي 2018، حيث تصارعت القوى الموالية لإيران والقوى المناهضة لها على تشكيل الحكومة، واستغرق الأمر خمسة أشهر كاملة لحين الاتفاق بين الكتلتين على تسمية "عادل عبد المهدي" رئيسا للوزراء في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، في حين استغرق الأمر ثمانية أشهر أخرى للاتفاق على الوزارات السيادية في حكومة عبد المهدي، الداخلية والدفاع والعدل، في يونيو/حزيران المنصرم.

 

لعبة الدجاج

بشكل إجمالي، تسبّب غزو العراق في تغيرات دائمة في لعبة القوى داخل مثلث "طهران - بغداد - واشنطن"، فمن تنافس ثنائي محموم بين إيران والعراق تدعم الولايات المتحدة أحد طرفيه؛ إلى تنافس أميركي إيراني في الملعب العراقي بعد انهيار قدرة بغداد كفاعل سياسي مستقل، وأصبح استقرار العراق السياسي منذ عام 2003 رهينا لطبيعة العلاقات ومستوى المنافسة بين الولايات المتحدة وإيران، فكلما زادت حدة الخصومة بين البلدين أصبحت الحكومة العراقية أكثر ضعفا، حيث شلّت هذه المنافسة التوازن القائم داخل الحكومات الهشة في بغداد وحوّلت العراق إلى ساحة للمنافسة بالوكالة بين القوتين.

 

أصبحت(7) تلك الدينامية واضحة بشكل خاص منذ منتصف العام الماضي 2018 مع تصعيد إدارة ترامب لهجومها الدبلوماسي ضد طهران وقيامها بالانسحاب من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات عليها، ليحوّل ترامب بندول العلاقات الأميركية الإيرانية في المنطقة من التعاون الضمني والاحتواء المتبادل إلى المواجهة المفتوحة، وهي مواجهة لم يُبدِ أيٌّ من الطرفين تورعا -ولو خطابيا- عن اعتبار العراق أحد ميادينها، وربما أكثر هذه الميادين أهمية وتأثيرا.

   

   

بالنسبة لإيران، فالعراق أكثر بكثير من ساحة مواجهة محتملة مع الولايات المتحدة، ففي ظل معاناة إيران من تأثير العقوبات الأشد في تاريخها على الإطلاق، وفي ظل عجز الأوروبيين والآسيويين عن إبقاء القنوات التجارية مفتوحة في إطار الاتفاق النووي تحت ضغط واشنطن شديد القوة، وتوقف هذه الدول عن شراء النفط الإيراني، فإن طهران لا تمتلك بديلا لتخفيف أكثر العقوبات سوى التحايل على العقوبات نفسها من خلال تعزيز العلاقات مع الجيران المباشرين بدلا من الجيران الأبعد من أجل تفادي القيود المفروضة على تجارتها الدولية وتعزيز القدرة على إخفاء أكبر قدر ممكن من المعاملات التجارية.

 

في هذا السياق، يُعدّ العراق هو البقعة الأقرب جغرافيًّا وسياسيًّا إلى طهران، وهو سوق مفتوح(8) نسبيا أمام الصادرات الإيرانية مع اقتصاد مرتبط نسبيا بالاقتصاد الإيراني وتعريفات جمركية مخفضة، ما يعني عدم الحاجة إلى استخدام الدولار الأميركي أو المرور عبر المؤسسات المالية المعرّضة للعقوبات الأميركية، فضلا عن كون السوق العراقي غارقا بالفعل بالمنتجات الإيرانية، من منتجات الألبان إلى الملابس إلى السيارات إيرانية الصنع، حيث يبلغ الحجم الحالي لإجمالي التجارة بين إيران والعراق 12 مليار دولار سنويا مع خطط لمضاعفة هذا القدر إلى 20 مليار دولار، ويبقى المجال الذي يعتمد فيه العراق على إيران بشكل كلي هو توليد الكهرباء، حيث يحصل العراق على كامل صادراته من الغاز الطبيعي من إيران، وهو يتمتع بإعفاء أميركي من العقوبات على استيراد الغاز الإيراني يتم تجديده كل ثلاثة أشهر.

 

باختصار، ينظر الإيرانيون إلى العراق اليوم كحجر رئيس في محور محتمل لإعادة توجيه تجارتهم الدولية والتحايل على العقوبات الأميركية، وهو الدور الذي كانت دبي الإماراتية تلعبه في وقت سابق لكنها انسحبت منه الآن بفعل الضغوط الأميركية والهيمنة السياسية الحالية لقيادة "محمد بن زايد" في العاصمة أبوظبي، ويُعدّ العراق مؤهلا بشكل خاص للعب هذا الدور بالنظر للحدود الطويلة وسهولة العبور بين البلدين وإمكانية تنشيط السوق السوداء العراقية الإيرانية حتى لو أرادت الحكومة في بغداد إغلاق هذه القناة استجابة للضغوط الأميركية مثلا.

   

أدرجت وكالة الخزانة الأميركية حركة "النجباء" على قوائم عقوبات وزارة الخزانة الأميركية، ويمكن لأميركا أن توسع عقوباتها لتشمل سائر الميليشيات الشيعية

الجزيرة
   

بيد أن نفوذ إيران على العراق يتجاوز كثيرا مقتضيات القرب الجغرافي والترابط الاقتصادي، حيث تمتلك إيران تأثيرا حقيقيا على العديد من المسؤولين والنخب السياسية والحزبية في بغداد، ويمكنها استخدام هذا النفوذ من أجل التضييق على تحركات واشنطن السياسية والعسكرية وحتى الاستخباراتية. فعلى سبيل المثال، يمكن لإيران أن تشجع البرلمانيين العراقيين على تحدي النفوذ الأميركي. وفي حال تصاعد الأمور يمكن لطهران استغلال نفوذها على الميليشيات العراقية من أجل دفعها لشن هجمات على المصالح الأميركية، مثل الهجوم الصاروخي الذي استهدف محيط السفارة الأميركية في بغداد في مايو/أيار الماضي، حيث يوفر العراق ساحة مثالية للإيرانيين يمتلكون فيها الخبرة اللازمة والقدرة اللازمة لضرب واشنطن بدون الوصول لمستوى قد يؤدي بالعسكريين الأميركيين إلى انتقام مباشر.

 

في المقابل، تمتلك(9) الولايات المتحدة أوراقها الخاصة لإدارة الصراع في العراق أيضا وعلى رأسها العقوبات، ففي مارس/آذار الماضي أدرجت وكالة الخزانة الأميركية حركة "النجباء" وهي ميليشيا شيعية عراقية على قوائم عقوبات وزارة الخزانة الأميركية، ويمكن لأميركا أن توسع عقوباتها لتشمل سائر الميليشيات الشيعية المرتبطة بإيران مثل "عصائب أهل الحق" و"حزب الله" العراقي، ومع ذلك فإن هذه القرارات يمكن أن تأتي بنتائج عكسية وتدفع هذه الفصائل للعمل بشكل موازٍ خارج سلطة الحكومة لتتحدى الدولة العراقية الضعيفة، وفي الوقت نفسه فإن قادة الميليشيات السياسيين من المرجح أن يستخدموا سلطتهم السياسية لتحدي الوجود الأميركي في العراق ردا على ذلك.

 

يمكن لواشنطن أيضا أن تختار معاقبة الحكومة العراقية بأسرها حال استمرت في التعامل اقتصاديا مع طهران خاصة في مجال الطاقة، ولكن هذه العقوبات يمكن أن تضر بالعلاقات الأميركية العراقية أكثر مما تضر بإيران، خاصة أن الأمر قد يستغرق سنوات بالنسبة لبغداد حتى تحصل على استقلالها في مجال الطاقة، ولن يمكنها الاستجابة للضغوط الأميركية لتقليل الاعتماد على إيران خلال وقت قصير، وأخيرا يمكن لأميركا حال تصاعد الأمور أن توجه ضربات استباقية للميليشيات الإيرانية في العراق بهدف تقليل قدرة طهران على العمل خارج حدودها خاصة في سوريا ودول الخليج، ولكن هذا السيناريو يخاطر بقيام هذه الميليشيات باستهداف المصالح الأميركية بشكل مكثف في المقابل.

 

وأيًّا كان السيناريو المرجح للمواجهة الأميركية الإيرانية في العراق، فمن غير المرجح أن تكون الأضرار التي سيلحقها أي طرف بالآخر كفيلة بإخضاعه تماما أو دفعه إلى الاستسلام، وتُعدّ جميع الأضرار التي يمكن أن تلحق بمصالح واشنطن أو مصالح طهران في العراق أضرارا هامشية مقارنة بالصراعات المحتملة على المسارح الأخرى؛ سواء داخل إيران نفسها أو في ساحة الشحن البحري في الخليح ومضيق هرمز، وسيبقى الطرف الأكثر تضررا من هذا الصراع هو العراق الذي لا يملك بديلا(10) سوى التمسك باستقلاله والرقص على حبال الحياد بين القوتين أملا في منع حرب سيكون تدميره وتقويض استقراره خلالها مجرد عرض جانبي لا يأبه به المتحاربان، مهما زعما خلاف ذلك.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار