انضم إلينا
اغلاق
زمن بوريس جونسون.. سيفه ضد أوروبا وعينه على أموال الخليج

زمن بوريس جونسون.. سيفه ضد أوروبا وعينه على أموال الخليج

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض

منذ 24 يوليو/تموز المنصرم، اختار حزب المحافظين البريطاني وزير الخارجية السابق المثير للجدل "بوريس جونسون" رئيسا له، ومع تمتع الحزب بالأغلبية في مجلس العموم، فإن ذلك يعني أن جونسون سيتولّى أيضا منصب رئيس الوزراء في البلاد، وسيكون مسؤولا عن المهمة العسيرة في إتمام خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد أكثر من عامين من تصويت البريطانيين على الخروج من اتحاد دول القارة العجوز.

    

ورغم الجدل الكبير الذي صاحب صعود جونسون، بالنظر إلى شخصيته ومواقفه المثيرة للجدل، ودوره الحاسم في دفع البريطانيين للتصويت لمغادرة الاتحاد، فإن اختيار بوريس جونسون لا يُعدّ مفاجئا، وهو النتيجة الأكثر منطقية(1) لمسار السياسة البريطانية منذ منتصف عام 2016، لكن بوريس من غير المرجح أن يختلف عن أسلافه إلى حدٍّ كبير، وعلى الرغم من انتقاداته الشديدة لحكومة رئيسة الوزراء السابقة "تيريزا ماي" بسبب فشلها في إتمام الخروج من الاتحاد الأوروبي، فمن غير المرجح أن يكون لدى "جونسون" حِيل إضافية للتوصل إلى اتفاق مُرْضٍ للخروج، بما يعني أن رئيس الوزراء الجديد سيجد نفسه على الأرجح في الدائرة الضيقة نفسها التي أفشلت الحكومة السابقة في النهاية.

     

رحلة الصعود

كان صعود "جونسون" السياسي مرتبطا بالبريكست إلى حدٍّ كبير. بدأ الأمر عام 2013 حين وعد رئيس الوزراء البريطاني الأسبق "ديفيد كاميرون"(2) بإجراء استفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي حال فاز حزب المحافظين في الانتخابات المقبلة وقتها، وقد حافظ "كاميرون" على وعده وقام بعقد الاستفتاء في يونيو/حزيران 2016، مع خيارين واضحين، إما البقاء في الاتحاد الأوروبي وإما الخروج.

     

ديفيد كاميرون (يمين)  وبوريس جونسون (وسط) (رويترز)

    

وعلى الفور تبنّى "جونسون" حملة الدعوة للخروج في مواجهة كاميرون الذي دعا للبقاء، واستخدم -جونسون- خلال حملته افتراضات مشكوك فيها للترويج للخروج البريطاني؛ مثل ادّعائه أن بريطانيا كانت تدفع 350 مليون جنيه إسترليني أسبوعيا للاتحاد الأوروبي، وأن هذه الأموال يمكن أن تُستخدم بدلا من ذلك لتمويل الخدمات للبريطانيين، وقد نجحت حملة جونسون بالفعل في اجتذاب الناخبين البريطانيين الأكبر سِنًّا ممن تضرروا وظيفيا بفعل الانضمام للاتحاد وسياسات الهجرة الخاصة به. وفي النهاية، حسم جونسون المعركة لصالحه بعدما صوّت ما يقارب 52% من البريطانيين لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، وبدأت الحكومة الاستعداد الفعلي لإجراءات الخروج.

  

استقال رئيس الوزراء "كاميرون" مباشرة بعد الاستفتاء، وكان من الطبيعي أن يفوز جونسون بالمقعد في النهاية، لكنّ خلافا دبّ بينه وبين شريكه السابق في حملة بريكست ووزير العدل آنذاك "مايكل جوف" أدّى إلى انهيار أحلامه وذهاب رئاسة الوزراء بشكل اضطراري إلى وزيرة الداخلية تيريزا ماي، التي قامت بتعيين "جونسون" وزيرا للخارجية، إلا أنه لم يستمر طويلا حيث استقال بعد عامين فقط، احتجاجا على تعامل رئيسة الوزراء مع ملف الخروج.

   

وعلى مدار ثلاثة أعوام فشلت "ماي" في صياغة اتفاق يُنظّم خروج بريطانيا ويُوفّق بين شروط المشرّعين البريطانيين والضوابط التي فرضها الاتحاد الأوروبي، وفشلت في تمرير خطتها من خلال مجلس العموم للخروج البريطاني في ثلاث مناسبات على الأقل، آخرها في مارس/آذار الماضي، ما اضطرها إلى الاستقالة في نهاية المطاف لتفسح الطريق أمام "جونسون"، الذي تعهّد بإتمام خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قبل الموعد النهائي، المحدد في 31 أكتوبر/تشرين الأول للعام الحالي، حتى لو اضطر لتنفيذ الخروج دون اتفاق مع الاتحاد، بيد أن مهمة "جونسون" في ذلك لن تكون سهلة بالنظر إلى المعارضة الكبيرة في مجلس العموم للخروج دون اتفاق، وبالنظر إلى الملفات المُلِحَّة الأخرى التي تنتظره، وعلى رأسها الأزمة المفاجئة في العلاقة مع إيران، والانتقادات المتزايدة لسياسات لندن في الشرق الأوسط، خاصة فيما يتصل بمبيعات الأسلحة البريطانية لدول الخليج الغنية بالنفط، وذلك بالتزامن مع انتقادات متزايدة لصمت العاصمة البريطانية عن انتهاكات حقوق الإنسان هناك.

   

البريكست الخشن

تكمن أهمية التوصل إلى اتفاق بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي بشأن البريكست في حقيقة أن تنظيم خروج الأولى من الاتحاد من شأنه أن يقلل التوابع الاقتصادية الناجمة عن الخروج والتي ستؤثّر على بريطانيا في المقام الأول وعلى الاتحاد الأوروبي نفسه إلى حدٍّ كبير، ولكن المشكلة هي أن الاتحاد لا يريد منح بريطانيا خروجا سهلا ومُيسّرا دون تداعيات اقتصادية كبرى، وذلك في ظل تزايد الدعوات المُطالبة بمغادرة الاتحاد في دول مثل إيطاليا وبولندا والمجر، حيث يخشى الاتحاد من أن رحيل ثاني أكبر اقتصاد في الكتلة دون عواقب كافية ربما يشجع بقية الأعضاء على فعل الشيء نفسه في وقت قريب.

     

   

كما أن القضية الرئيسية التي تزيد الخلافات بين الطرفين هي مسألة الحدود الأيرلندية؛ أي تنظيم الحدود بين مقاطعة أيرلندا الشمالية التابعة لبريطانيا وبين جمهورية أيرلندا العضو في الاتحاد الأوروبي. وفي ظل عدم رغبة الطرفين في فرض حدود لتقسيم جزيرة أيرلندا، يطالب الاتحاد الأوروبي ببقاء أيرلندا البريطانية جزءا من الاتحاد الجمركي الأوروبي لفترة غير معلومة، وهو اقتراح ترفضه بريطانيا لأن جزءا من أراضيها سيبقى مرتبطا بالاتحاد، فضلا عن الخلافات الأخرى حول تنظيم شكل العلاقات الاقتصادية بين بريطانيا والاتحاد بعد الخروج، وفي خضم هذه الخلافات ومع فشل البريطانيين أنفسهم في التوصل لصيغة حول الاتفاق؛ جاء "جونسون" إلى السلطة مع وعود بحل الأزمة التي فشل أسلافه في حلها.

   

ورغم خطاب "بوريس" الصقوري، وتهديده بالخروج دون اتفاق، لا تزال خطة "جونسون" الأولى هي التوصل لاتفاقية خروج مع الاتحاد، ويعني ذلك أن عليه تقديم اقتراح حول الحدود الأيرلندية يحظى بموافقة الأوروبيين والبريطانيين، وهو أمر من غير المرجح أن يحصل فيه على تقدم كبير بالنظر إلى تمسك الجبهات المختلفة بمواقفها في هذه القضية، وستكون الخطة البديلة لجونسون حينها هي استهلاك الوقت حتى يوم 31 أكتوبر/تشرين الأول القادم من أجل تأمين خروج تلقائي من الاتحاد دون اتفاق.

   

لكن البرلمان الذي يعارض أغلبيةُ مشرّعيه الخروجَ من الاتحاد دون اتفاق، فمن غير المرجح أن يسمح بحدوث ذلك، وهو ما يتركنا مع احتمالية(3) قيام البرلمان بالتصويت على سحب الثقة من "جونسون"، وهي خطوة تتطلب تحالفا بين المعارضة التي يقودها حزب العمال وبين بعض أعضاء حزب المحافظين الحاكم نفسه، ورغم صعوبة ذلك فإنه ليس بالسيناريو المستبعد نظرا إلى أن الحكومة الحالية ترتكن لأغلبية ضعيفة بفارق ثلاثة مقاعد فقط ووجود العديد من نوّاب المحافظين الذين يُحتمل أن يعارضوا الخروج بدون اتفاق، ولكنه في المقابل سيحتاج إلى انضباط كبير من أعضاء المعارضة، وهو أمر صعب نسبيا بالنظر إلى كون بعض مشرّعي حزب العمال يُمثّلون دوائر انتخابية تدعم مغادرة الاتحاد الأوروبي.

     

مع صعوبة تأمين "جيرمي كوربين" زعيم حزب العمال للأصوات اللازمة لقيادة الحكومة فإن الانتخابات المبكرة تبقى هي الخيار الأقرب

رويترز
   

وإذا فشل نوّاب العموم في سحب الثقة من "جونسون" فإن ذلك سيعطي دفعة قوية لخطة رئيس الوزراء لتنفيذ خروج من طرف واحد من الاتحاد، أما في حال نجاح المجلس في سحب الثقة فسيكون أمام المشرّعين 14 يوما لتعيين رئيس وزراء جديد أو الدعوة لانتخابات عامة مبكرة، ومع صعوبة تأمين "جيرمي كوربين" زعيم حزب العمال للأصوات اللازمة لقيادة الحكومة فإن الانتخابات المبكرة تبقى هي الخيار الأقرب، وفي هذا السيناريو سيكون الخيار الوحيد أمام حكومة تصريف الأعمال هو مطالبة الاتحاد الأوروبي بمد مهلة الخروج.

   

في المقابل، يمتلك "جونسون" خياراته لمواجهة سيناريو الإطاحة به، ويمكن لرئيس الوزراء بموجب القانون تقديم التماس إلى الملكة لإغلاق البرلمان وتعليق جلساته حتى حلول الموعد النهائي للبريكست، ولم يستبعد "جونسون" بالفعل اللجوء إلى هذا الخيار حال عارض المشرّعون رؤيته للخروج، وتحسبا لذلك فقد وافق مجلس العموم في 18 يوليو/تموز على اقتراح يسمح للبرلمان بالانعقاد لو تم إغلاقه بمساندة 17 نائبا من المحافظين، بما يعني أن "بوريس" سيواجه مشكلة قانونية كبيرة حال أقدم على هذه الخطوة.

    

بخلاف ذلك، لدى "جونسون" أسباب شخصية أيضا للتردد قبل الإقدام على خطة تعليق البرلمان، ورغم أن هذه الخطوة ستضمن تمرير خطته للخروج الخشن دون صخب، فإنه ربما يدفع منصبه ثمنا لها، حيث سيكون قيام المشرّعين بسحب الثقة من رئيس الوزراء عقب عودة البرلمان هو الرد الأكثر منطقية على استبعادهم من قضية مصيرية مثل البريكست، وربما لن تنجح أي انتخابات جديدة في جلبه ثانية إلى مقعده المفضل في أي وقت قريب.

   

ومن أجل الخروج من هذا الموقف الصدامي مع المشرّعين، يمكن لبوريس جونسون استخدام مهارته في العلاقات العامة لطرح خطة شبيهة لخطة "ماي" مع رتوش تحسينية، وأن يراهن أنه مع اقتراب الموعد النهائي للخروج فإن المشرّعين سيضطرون لقبول خطة ما في نهاية المطاف، ويبقى الخيار الأخير غير المرجح هو طرحه للبريكست في استفتاء شعبي مجددا، غير أن هذا الخيار يمكن أن يتسبّب في نكسة كبيرة لحزب المحافظين بالنظر إلى أن معظم مناصري الحزب هم من مؤيدي الخروج من الاتحاد الأوروبي، وفي ظل لعبة الخيارات المعقدة تلك، يبقى الخيار الأفضل لجونسون هو إقناع النواب بقبول خطة ما قبل الموعد النهائي أو المُضي قُدما نحو انتخابات مبكرة(4) يمكنه أن يجادل خلالها بأن المشرّعين هم من أعاقوا خطته للخروج، ولكن هذا الخيار لن يخلو من مخاطر على حزب المحافظين، مع احتمالية فقدان الحزب للسلطة بالنظر إلى الأداء السيئ الذي قدّمه في انتخابات البرلمان الأوروبي الأخيرة في مايو/أيار الماضي.

      

إيران.. دبلوماسية بوريس الناعمة

 سبق لبوريس أن دافع عن الاتفاق النووي مع إيران في الوقت الذي كان الاتفاق يتعرض فيه لهجوم كبير من الإدارة الأميركية قبل أن تنسحب واشنطن منه رسميا للعام الماضي

رويترز
      

رغم أن البريكست يُعدّ أكثر الملفات حسما ومفصلية في ولاية "جونسون" السياسية الأولى كرئيس وزراء لبريطانيا، فإن أول اختبار حقيقي لسياسته سيكون إدارة الأزمة الدبلوماسية -غير المتوقعة- لبلاده مع إيران، وهي أزمة اندلعت مساء يوم 19 يوليو/تموز المنصرم حين أعلنت طهران احتجاز ناقلة ترفع العلم البريطاني في مضيق هرمز، فيما يُعتقد بحسب محللين باعتباره ردا على قيام لندن قبلها بأيام باحتجاز ناقلة إيرانية في جبل طارق زعمت أنها كانت متجهة إلى سوريا بدعوى أنها تنتهك عقوبات الاتحاد الأوروبي على دمشق.

   

وفي هذا الصدد، فإن بواعث الحكمة التقليدية(5) تقول إن جونسون سيسعى لتجنّب أي سيناريو يمكن أن يزج بالمملكة في مواجهة أوسع نطاقا في الشرق الأوسط، حيث يمكن أن يتسبّب انحياز بريطانيا إلى إستراتيجية الولايات المتحدة الأكثر تشددا في مواجهة إيران في انهيار الاتفاق النووي لعام 2015 بشكل كامل ووضع الشرق الأوسط على حافة مواجهة عسكرية حتمية لا تصب في صالح لندن بحال، وتعضّد تصريحات جونسون المبكرة بعد توليه منصبه ميله إلى هذا النهج، حيث أكّد رئيس الوزراء أن الصراع العسكري "لن يحل أيًّا من القضايا العالقة، ويمكن أن يزيد الأمر سوءا".

 

يعزّز سجل جونسون السابق خلال فترة عمله وزيرا للخارجية (من يوليو/تموز 2016 - يوليو/تموز 2018) من إمكانية تحقق هذا السيناريو أيضا، حيث سبق لبوريس أن دافع عن الاتفاق النووي مع إيران في الوقت الذي كان الاتفاق يتعرض فيه لهجوم كبير من الإدارة الأميركية قبل أن تنسحب واشنطن منه رسميا في مايو/أيار للعام الماضي، كما زار جونسون إيران بنفسه خلال فترة عمله وزيرا للخارجية في عام 2017 في زيارة غلب عليها الدفء الدبلوماسي وإن لم تحقق أي نتائج عملية، بل إن سجل جونسون السياسي القديم -تحديدا في عام 2006- يشير بحسب صحيفة التلغراف البريطانية إلى أنه لم يكن يمانع في وقت من الأوقات أن تمتلك إيران أسلحة نووية، وهو موقف لا يبدو أن رئيس الوزراء سيكون قادرا على تبنّيه في ظل الإدارة الأميركية الحالية.

   

وعلى ما يبدو، فإن هناك الكثير من الحقائق التي تدفع "جونسون" لتبنّي مقاربة أكثر دبلوماسية في التعامل مع إيران، فبادئ ذي بدء، ليس لدى بريطانيا الكثير لتكسبه من الاندفاع نحو صراع عسكري جديد في الشرق الأوسط حتى لو تم خوض هذا الصراع تحت شعار حماية الملاحة في مضيق هرمز، وتشير الأرقام(6) بوضوح إلى أن أمن الطاقة في بريطانيا صار يرتبط ارتباطا محدودا جدا بالشرق الأوسط، حيث تحصل البلاد على أكثر من 50% من وارداتها من النفط الخام و60% من احتياجاتها من الغاز من النرويج، في حين تعتمد بشكل أساسي على روسيا والسويد وهولندا للحصول على احتياجاتها من المشتقات النفطية، فيما يأتي الفحم بشكل رئيس من روسيا وكولومبيا والولايات المتحدة، وتستورد لندن الكهرباء من فرنسا وهولندا، بما يعني أن أمن الطاقة البريطاني يعتمد في المقام الأول على جوارها الأوروبي وليس على الشرق الأوسط، ربما باستثناء الغاز الطبيعي المسال، حيث تحصل بريطانيا على 30% من احتياجاتها منه من الدوحة، وهي الإمدادات التي يمكن أن تتعطل بشكل كبير حال قيام إيران بتعطيل مضيق هرمز أو في حال نشبت مواجهة عسكرية في الخليج.

      

  

في الوقت نفسه تدرك بريطانيا أن الطريقة الأقل تكلفة لتأمين العبور حول مضيق هرمز هي الوصول إلى اتفاق دبلوماسي مع إيران نفسها، حيث لا يمكن للندن المثقلة بالمشكلات الاقتصادية المرتبطة بالخروج من الاتحاد الأوروبي أن تتحمل بشكل دائم تكلفة التأمين المرتفعة على السفن في المضيق مع تزايد التوترات، وفي حين تطالب الولايات المتحدة أوروبا بتحمل المسؤولية عن تأمين مرور ناقلاتها في المضيق، تدرك لندن مدى محدودية قدراتها العسكرية البحرية في الوقت الراهن، حيث لا تمتلك(7) البحرية الملكية سوى 19 سفينة مرافقة وفرقاطة ومدمرة، منها تسع سفن فقط قيد العمل لتغطية المهمات البريطانية في جميع أنحاء العالم، وبينما تمتلك لندن قاعدة بحرية في البحرين، فإنها لا تستطيع أن تحتفظ فيها بأكثر من فرقاطة واحدة دون التأثير على التزاماتها في أماكن أخرى حول العالم.

   

يلمس بوريس ذلك الوضع المتردي للبحرية الملكية جيدا، لذا فإنه تعهد مبكرا بزيادة ميزانية الدفاع من أجل صناعة المزيد من السفن، ولكن مع كون ذلك غير مرجح أن يحدث في وقت قريب، فإن المقاربة المفضلة لبوريس لحل أزمة الناقلات مع إيران تُماثل ببساطة ما صرّح به والده السياسي المحافظ السابق ستانلي جونسون، خلال لقاء له على "برس تي في"، وهي الشبكة الإيرانية الناطقة بالإنجليزية، قائلا إن الجانبين عليهما الوصول لاتفاق على أن يقوم كلٌّ منهما بإطلاق ناقلة النفط التي يحتجزها ثم ينخرطا معا في محادثات دبلوماسية، ورغم أن بوريس قد يرغب في تنفيذ ذلك الحل البديهي، فإن الأمر ليس بالسهولة التي يبدو عليها.

   

تكمن المعضلة في أن بريطانيا جونسون التي تغادر الاتحاد الأوروبي اليوم لا تتحمل ببساطة إغضاب الولايات المتحدة في الوقت نفسه، حيث تُعدّ إحدى أهم أولويات(8) بوريس جونسون السياسية هي توقيع اتفاقية تجارة حرة مع الولايات المتحدة من أجل نقل بريطانيا اقتصاديا بعيدا عن أوروبا باتجاه واشنطن، وهو ما يعني أن لندن قد تكون مضطرة لتقديم تنازلات لترامب في سياستها الشرق أوسطية، بما في ذلك اتخاذ موقف أكثر تشددا مع طهران، وربما الاستجابة لمطالب أميركا بزيادة قواتها في سوريا حتى تتمكّن الأخيرة من خفض عدد قواتها العاملة هناك تماشيا مع قرار ترامب بمغادرة الساحة السورية.

   

وفي هذا الصدد، يبدو أن طهران لديها مخاوف بالفعل من أن هذا هو الطريق الذي سيسلكه "جونسون" في النهاية، حيث تصور وسائل الإعلام المرتبطة بالنظام الإيراني رئيس الوزراء البريطاني الجديد على أنه شخص ضعيف مرتبط بترامب، وتبالغ في إظهار التشابهات الشكلية بين الرجلين، ويعني ذلك كله أن جونسون سيواجه اختيارا أكثر إلحاحا من بريكست في الوقت الراهن، فإما التمسك بسياسة الدبلوماسية مع طهران ومحاولة استغلال علاقاته الجيدة نسبيا مع الرئيس الأميركي لإقناعه بتخفيف العقوبات عن طهران والضغط في المقابل على الأخيرة للعودة إلى المفاوضات، وإما أن يمارس "بوريس" هوايته المفضلة في التقلب السياسي وينحاز للسياسة الأميركية في نهاية المطاف، وهو خيار لم يستبعده جونسون نفسه أيضا خلال تصريحاته لصحيفة "جويش نيوز"، حيث أكد أنه مستعد "لإعادة فرض العقوبات على إيران"، وأنه "ملتزم بتقييد أنشطة طهران التخريبية في المنطقة" حدّ وصفه، لكنه لا يزال يتمسك بالدبلوماسية على الأقل في الوقت الراهن.

      

حاكم الإمارة الثامنة

  

خلال عمله كعمدة للعاصمة لندن بين عامي 2008 و2016، أظهر بوريس جونسون التزاما وثيقا تجاه تقوية علاقات بريطانيا مع دول الخليج، حيث صرّح جونسون آنذاك مغازلا دول الخليج بالقول إن هناك "متسعا كبيرا" لهذه الدول لشراء العقارات في لندن، واصفا نفسه بأنه عمدة الإمارة الثامنة، في إشارة إلى الإمارات السبع التي تُشكّل دولة الإمارات العربية المتحدة. وفي أبريل/نيسان 2013 قاد عمدة لندن مهمة تجارية في دول الخليج لجذب الاستثمارات إلى العاصمة البريطانية، حيث حصل على تعهدات من الدوحة بزيادة استثماراتها البالغة 20 مليار جنيه إسترليني في العاصمة الإنجليزية وتعزيز منتدى الأعمال البريطاني القطري.

  

وإبان عمله لاحقا وزيرا للخارجية، بدا أن هذا الالتزام تجاه العلاقات مع دول الخليج قد تعزز أكثر، حيث أكد جونسون خلال زيارته إلى المنطقة في يوليو/تموز 2017 أن "صداقة بريطانيا الوثيقة والتاريخية مع دول الخليج أصبحت أكثر أهمية في عالم اليوم المضطرب"، مكررا تعهّد رئيسة الوزراء آنذاك "ماي" بأن "أمن دول الخليج من أمن بريطانيا"، كما أبدى جونسون التزاما بالدفاع عن حرب السعودية في اليمن، مؤكدا أن بريطانيا ترى أن الرياض "تحرص على الالتزام بالقانون الدولي وحقوق الإنسان"، وقد تم الكشف مؤخرا أن جونسون أوصى في عام 2016 بالسماح بتوريد قنابل بريطانية إلى السعودية بعد أيام من غارة جوية سعودية على مصنع للبطاطس في اليمن تسبّبت في مقتل 14 شخصا مدنيا.

   

بخلاف ذلك، جادل بوريس -أثناء عمله وزيرا للخارجية- في أكثر من مناسبة بأن بريطانيا تسعى للتوقيع على اتفاقات للتجارة الحرة مع جميع شركائها الخليجيين، وهو توجّه نابع من رؤية جونسون لفوائد ترك بريطانيا للاتحاد الجمركي الأوروبي، ما يتيح لها تبنّي سياسة تجارية مستقلة وإبرام اتفاقات تجارية في المناطق الصاعدة تجاريا في جميع أنحاء العالم. ومن أجل تحقيق ذلك وافقت بريطانيا خلال فترة عمل جونسون وزيرا للخارجية على اتفاقات مبدئية لاستثمار 65 مليار جنيه إسترليني بالمشاركة مع السعودية، كما أقرّت 200 مشروع بقيمة 11.5 مليار جنيه إسترليني في دولة الإمارات.

   

ومن المتوقع أن يواصل جونسون كرئيس للوزراء إعطاء الأولوية للتجارة والاستثمار في الخليج، خاصة إذا اضطرت بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق، حيث ستصبح اتفاقات التجارة الحرة حينها أولوية مُلِحّة، وستكون سياسة جونسون في هذا المجال استكمالا لسياسة "ماي" ووزير التجارة الدولية في حكومتها "ليام فوكس"، من كان يعمل بالفعل على الوصول لاتفاقات تجارية مع الدول الخليجية، ودخل في مفاوضات جادّة مع الإمارات للوصول لاتفاق للتجارة الحرة في فبراير/شباط الماضي.

     

من المرجح أن تواصل بريطانيا جونسون سياسة الحكومات البريطانية الأخيرة في غض الطرف عن انتهاكات دول الخليج لحقوق الإنسان وتجاهلها للديمقراطية مقابل استمرار تدفق الأموال

غيتي
     

ومن أجل استقطاب أكبر كمٍّ ممكن من الأموال الخليجية، من المتوقع أن يواصل جونسون سياسة بيع الأسلحة إلى دول الخليج، خاصة مع كون هذه الدول هي المشتري الأول للأسلحة البريطانية خلال السنوات الأخيرة، فعلى سبيل المثال، شكّلت مبيعات الأسلحة البريطانية إلى السعودية نحو 49% من إجمالي صادرتها من الأسلحة في الفترة بين عامي 2012 و2017، بقيمة سنوية تتراوح حول 1.4 مليار دولار، وقد رخصت بريطانيا مبيعات أسلحة بقيمة 6 مليارات دولار (نحو 4.7 مليار جنيه إسترليني) إلى السعودية منذ بدء تدخل المملكة في اليمن عام 2015.

   

غير أن هذه المقاربة التجارية لعلاقات بريطانيا مع دول الخليج لن تأتي بلا ثمن، وبخلاف السياسة التقليدية للندن التي تربط غالبا بين الاتفاقات التجارية والتخفيضات الجمركية وبين الالتزام بالديمقراطية ومراعاة حقوق الإنسان والمعايير البيئية، بخلاف ذلك، فمن المرجح أن تواصل بريطانيا جونسون سياسة الحكومات البريطانية الأخيرة في غض الطرف عن انتهاكات دول الخليج لحقوق الإنسان وتجاهلها للديمقراطية مقابل استمرار تدفق الأموال، وسيتسبّب ذلك على الأرجح في انتقادات برلمانية وحقوقية لنهج الحكومة، وربما محاولات قضائية لعرقلة صفقات الأسلحة مع دول الخليج، كما حدث في 20 يونيو/حزيران الماضي حين رأت المحكمة العليا البريطانية أن تراخيص التصدير التي تمنحها الحكومة إلى السعودية غير قانونية وتنتهك حقوق الإنسان، غير أن الحكومة ستسعى للتصدي لهذه المحاولات والمُضي قُدما في العلاقات التجارية في نهاية المطاف.

   

وستضع سياسة بريطانيا المؤيدة للحكومات الأوتوقراطية الخليجية الدولة الإنجليزية على تماس مع العديد من خطوط الصدع الإقليمية، فمن ناحية، ستكافح لندن من أجل عدم الانخراط في أزمة مجلس التعاون الخليجي المستمرة منذ عامين في محاولة لضمان تدفق الفوائد الاقتصادية من كلا جانبي الأزمة، مع حث الجانبين على حل الخلافات والاستجابة لجهود الوساطة، وهي السياسة نفسها التي تبناها جونسون تقريبا مع بداية الأزمة في عام 2017، ومن ناحية أخرى، فإن دبلوماسية جونسون الناعمة مع إيران ربما لا تروق للكثير من حلفاء بريطانيا الخليجيين، مما قد يجبر لندن على الاختيار بين اتخاذ موقف أكثر تشددا تجاه طهران أو قبول التعامل مع عقبات كبرى في علاقاتها الاقتصادية شديدة الأهمية مع دول الخليج العربية.

      

من المتوقع أن تتخلى حكومة بوريس عن الموقف التقليدي لبريطانيا الداعم لحكومة الوفاق المدعومة من الأمم المتحدة 

رويترز
 

وكما يتضح في سياسات بريطانيا المتوقعة تجاه دول الخليج، فمن المرجح أن لندن ستختار مقاربات سياسية قائمة على دعم الاستقرار السلطوي في سائر مسارح الصراع في المنطقة سواء في الجزائر أو السودان أو في ليبيا، حيث سيعطي جونسون الأولوية للاستقرار ولمغازلة حلفائه العرب الاستبداديين على المغامرة بدعم المحاولات الوليدة أو الثورية لإصلاح أنظمة الحكم في المنطقة.

 

ومن المرجح أن تظهر تداعيات هذه السياسة في ليبيا على وجه الخصوص، حيث من المتوقع أن تتخلى حكومة بوريس عن الموقف التقليدي لبريطانيا الداعم لحكومة الوفاق المدعومة من الأمم المتحدة نحو موقف أقرب للموقف الأميركي المائل لدعم الجنرال حفتر، أو على الأقل غض الطرف عن مغامراته العسكرية، دون قطع أحبال الصلات كليا مع حكومة الوفاق، ومع وجود "مارتن رينولدز"، السكرتير الخاص السابق لجونسون في وزارة الخارجية، في منصب سفير بريطانيا الحالي في ليبيا، فمن المتوقع أن تحتل الدولة المتوسطية مرتبة متقدمة في أولويات السياسة البريطانية القادمة في الشرق الأوسط.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار