انضم إلينا
اغلاق
"ملك إسرائيل يترنح".. هل انتهى زمن نتنياهو؟

"ملك إسرائيل يترنح".. هل انتهى زمن نتنياهو؟

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض

فقط في إسرائيل، وحين يكون اسمك هو "بنيامين نتنياهو"، فسيكون بإمكانك البقاء في السلطة بشكل شرعي تماما تحت مرأى ومسمع العالم، حتى إذا خسرت الانتخابات واعترفت بخسارتك، وقد كان ذلك هو الدرس الذي علّمه "نتنياهو" للجميع مع عودته الثانية لمقعد رئاسة الوزراء عام 2009 بعد غيابه عن مقعده الأثير لأكثر من عقد منذ انتهت ولايته الأولى في المنصب على يد الجنرال السابق "إيهود باراك" عام 1999.

  

فخلال (1) الانتخابات التشريعية التي جرت في فبراير/شباط من ذلك العام، حل نتنياهو وحزب الليكود اليميني في المركز الثاني في قائمة الأحزاب الفائزة بمقاعد في الكنيست مع نسبة تصويت بلغت 21.61% من الأصوات وبحصيلة بلغت 27 مقعدا، خلف حزب كاديما -المصنّف ضمن أحزاب الوسط- بزعامة "تسيبي ليفني" الذي حاز المرتبة الأولى بنسبة تصويت 22.47% وحصيلة 28 مقعدا، ليحقق كاديما بهذه النتيجة الأداء الأضعف للحزب الفائز في الانتخابات في تاريخ إسرائيل.

  

قبيل الانتخابات بعدة أشهر، كان حزب كاديما الحاكم آنذاك قد أجرى انتخابات قيادية داخلية فازت بها وزيرة الخارجية "ليفني" على حساب رئيس الحزب السابق ورئيس الوزراء "إيهود أولمرت"، الذي اضطر للاستقالة من منصبه الحكومي بسبب قضايا فساد تاركا ليفني مع مهمة شاقة لإبقاء الأحزاب اليمينية داخل الائتلاف الحاكم وتشكيل حكومة جديدة، مهمة يبدو أن ليفني فشلت فيها بجدارة ما دفعها في النهاية لتقديم طلب إلى الرئيس "شيمون بيريز" للدعوة لانتخابات مبكرة.

  

تسيبي ليفني (الجزيرة)

    

خلال ذلك التوقيت، كان من الواضح أن التمييز التقليدي بين اليسار واليمين في إسرائيل أصبح غير واضح كما كان الحال في العقود السابقة، مع تركّز معظم الناخبين في منتصف الطيف السياسي والتغير السريع للولاءات بين مختلف التيارات والأحزاب، كما بدا بالتزامن أن جميع خطط الوصول لاتفاق سلام مع الفلسطينيين قد باءت بالفشل وأن هناك إجماعا ضمنيا داخليا أن إسرائيل لن يكون بمقدورها تقديم الاستحقاقات المطلوبة للسلام، وكان ذلك يعني أن الساحة باتت مهيأة لعودة "نتنياهو"، الرجل الذي عارض (2) السلام مع الفلسطينيين منذ الوهلة الأولى، وتحديدا منذ صعوده الأول كزعيم لحزب الليكود -المعارض آنذاك- عام 1993 ووقوفه بقوة ضد محادثات السلام التي قادها رئيس الوزراء "إسحاق رابين"، قبل أن يمهد اغتيال رابين عام 1996 الطريق أمام نتنياهو للوصول إلى مقعد رئاسة الوزراء للمرة الأولى في تاريخه.

  

كانت انتخابات عام 2009 التي توقع الجميع فيما يبدو أن تكتب شهادة وفاة اليسار التقليدي في إسرائيل هي فرصة نتنياهو الذهبية من أجل العودة للسلطة مجددا، ومع ذلك فإن "بيبي" -كما يحب أنصاره أن يلقبوه- فشل في هزيمة كاديما بشكل مباشر في صناديق الاقتراع وحل في المركز الثاني بفارق ضئيل، ولكن بالنسبة لنتنياهو فإن ذلك لم يكن يعني نهاية المعركة، ففي غضون عشرة أيام فقط من الانتخابات، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي "بيريز" معلنا أن "نتنياهو" هو من سيتولى مهمة تشكيل الحكومة الجديدة وليس زعيمة كاديما الفائز "ليفني"، في سابقة هي الأولى من نوعها لتكليف شخص آخر غير رئيس الحزب الأكبر في الكنيست بمهمة قيادة الائتلاف الحاكم.

  

ومن أجل تبرير قراره، احتج بيريز بأن مشاوراته مع الأحزاب كشفت أن نتنياهو، ورغم حلوله في المركز الثاني، يتمتع بفرص أفضل لتشكيل الائتلاف نظرا لأن شركاء الليكود المحتملين على اليمين السياسي يحظون بعدد أكبر من المقاعد من أحزاب يسار الوسط المرجح أن تدعم ليفني، وقد أثبتت نظرة بيريز صحتها، ففي غضون أسابيع من تكليفه، نجح نتنياهو في تشكيل أكثر الحكومات يمينية في تاريخ إسرائيل حتى ذلك التوقيت، بمساندة أحزاب "شاس" و"إسرائيل بيتنا" و"البيت اليهودي" وبمشاركة من حزب العمل اليساري، فيما تم إبقاء حزب كاديما الفائز بالانتخابات خارج السلطة.

    

رئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو"  (مواقع التواصل)

    

ومن وجهة نظر نتنياهو، ربما تكون أجواء السياسة الإسرائيلية اليوم بعد انتخابات سبتمبر/أيلول الحالي شبيهة بأجواء عام 2009، على الأقل من الناحية الشكلية، فالحزب الفائز في الانتخابات الأخيرة، حزب "أزرق أبيض"، قد حصل على 33 مقعدا بزيادة مقعدين فقط عن الليكود بزعامة نتنياهو الذي حلّ ثانيا، غير أن الحزب لا يمتلك عددا كافيا من الحلفاء المتجانسين لتشكيل تحالف برلماني مستقر يمكن أن يدعم حكومة قوية، وهو ما ترك الفرصة لنتنياهو مجددا للبقاء في السلطة رغم خسارته للانتخابات من الناحية التقنية حال نجاحه في تشكيل ائتلاف مستقر بعد تكليف الرئيس الإسرائيلي له بتشكيل الحكومة بالأمس.

    

غير أن الحقيقة التي يدركها الجميع اليوم، بمن فيهم نتنياهو نفسه، أن تكرار ذلك السيناريو اليوم يبقى أكثر صعوبة وتعقيدا مقارنة بعام 2009، بالنظر إلى الانقسامات الكبرى داخل اليمين نفسه، وبالنظر إلى أن نتنياهو فشل في تشكيل حكومة قبل 5 أشهر فقط في أعقاب انتخابات أبريل/نيسان الماضي رغم كونه الحزب الفائز في الانتخابات آنذاك بسبب فشله في توحيد أحزاب اليمين المتعارضة، ما اضطره للذهاب إلى انتخابات مبكرة أملا في إعادة تشكيل الخارطة السياسية، انتخابات يبدو أن رياحها لم تأتِ بما تشتهيه سفن نتنياهو الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى من مغادرة مقعد رئيس الوزراء إن لم ينجح في تشكيل حكومة في أحد أكثر مناخات إسرائيل انقسامًا خلال 28 يومًا فقط، وهو مقعد هيمن نتنياهو عليه منفردا، بلا منازع، منذ عام 2009 ولعقد كامل حتى الآن.

      

    

مقامرة بيبي

منذ عهد ما قبل تأسيس كيان الاحتلال الإسرائيلي، كان من الواضح أن ذلك الكيان السياسي المنتظر سيُعاني من مشكلة مزمنة في تمثيل جميع الأطياف بالنظر إلى كون المجتمع العبري تم تشكيله بالأساس من مجموعة متباينة من الأقليات المهاجرة، ومن أجل حل هذه المعضلة رسّخ المؤسسون الأوائل للكيان نظام التمثيل السياسي النسبي على مستوى الأراضي المحتلة من أجل ضمان حصة تمثيل مختلف الطوائف في السياسة الإسرائيلية، ومنع نشوب النزاعات العرقية والأيديولوجية في وقت مبكر من عمر دولة الاحتلال الناشئة.

  

كان هذا التوجه واضحا منذ زمن المؤسسات الصهيونية الأولى التي سبقت تشكيل الدولة فوق الأرض المحتلة، وعلى رأسها المؤتمر الصهيوني العالمي الذي أنشأ نظاما للتمثيل النسبي حدد حصة لكل دولة من الدول المشاركة في الحركة الصهيونية، وقد تم نقل الممارسة نفسها إلى مجلس نواب تم تشكيله تحت الانتداب البريطاني، حيث حصل 20 حزبا على تمثيل برلماني في مجلس النواب الصهيوني الأول تم انتخابهم بواسطة 67 ألف يهودي، فيما فاز أعضاء ممثّلون عن 26 قائمة حزبية بعضوية مجلس النواب الثاني جرى انتخابهم بواسطة 122 ألف شخص.

  

تسبّبت عوامل مثل غياب التجانس الاجتماعي والانقسام المبكر في السياسة الصهيونية في إجبار السياسيين على إبقاء قاعدة التمثيل النسبي للأحزاب والطوائف مع إبقاء عتبة التمثيل السياسي منخفضة حتى بعد تشكيل الكنيست بشكله الحالي في أعقاب تأسيس دولة الاحتلال عام 1948، حيث تم التعامل مع كامل البلاد بوصفها دائرة انتخابية موحّدة يصوّت فيها الناخب لقائمة واحدة تضم مرشحين من حزب أو أكثر، مع حاجز انتخابي منخفض جدا بدأ بنسبة 0.83% من الأصوات عام 1949 وتم رفعه 4 مرات ليصل إلى 3.25% منذ انتخابات عام 2015 وحتى اليوم.

    

على مدار عمر ثلاث حكومات قادها نتنياهوK هيمن الليكود على السياسة الإسرائيلية دافعا المزاج الانتخابي الإسرائيلي ناحية اليمين بفضل سياسات متشددة

الجزيرة
  

منحت عتبة التمثيل المنخفضة نسبيا نفوذا سياسيا كبيرا للأحزاب الصغيرة في النظام السياسي الإسرائيلي، كما منعت أي حزب من الهيمنة المطلقة على الحياة السياسية، حيث لم يستطع أي حزب في تاريخ إسرائيل -مهما كان حجمه أو شعبيته- تأمين الحصة اللازمة من مقاعد الكنيست (50% + 1) من أجل تشكيل حكومة بمفرده، وبدلا من ذلك كانت الأحزاب الكبيرة مضطرة دوما للتحالف مع الأحزاب الصغيرة التي غالبا ما تكون متطرفة أيديولوجيا ودينيا من أجل تشكيل الائتلافات الحاكمة، في الوقت الذي مالت فيه هذه الأحزاب الصغيرة إلى استخدام هذا النفوذ لفرض أجنداتها على الحكومات وكسر الائتلافات الحاكمة في كثير من الأحيان.

  

تسبّب هذا النظام الانتخابي المختل وظيفيا في تقليص أمد التحالفات الحاكمة وتسهيل انهيارها، فمنذ تأسيس دولة الاحتلال لم يكمل سوى كنيست واحد فقط مدته الكاملة البالغة 4 سنوات، وغالبا ما كانت تنتهي ولاية الكنيست بانتخابات مبكرة لسبب أو لآخر، وعلى مدار قرابة 70 عاما، تناوبت 34 حكومة على السلطة في البلاد بمتوسط عامين فقط من الحكم لكل حكومة.

  

كان نتنياهو نفسه أحد الذين عانوا من تبعات ذلك النظام خلال ولايته الأولى عام 1999 حين انهار التحالف الحاكم الذي ضم أحزاب الليكود وجيشر وتسوميت بعد توقيع مذكرة واي ريفر مع الفلسطينيين، بفعل الضغوط من اليمين المتطرف الذي لم يكن راضيا عن المفاوضات ومن اليسار الذي رأى أنها تسير ببطء شديد، وهي التجربة التي لقّنت نتنياهو فيما يبدو الدرس الأكبر في حياته السياسية وهو أنه إذا أراد أن يبقى في السلطة فإن حكومته عليها أن تكون أكثر صرامة من الناحية الأيديولوجية، بما يعني أن نتنياهو نفسه وحزب الليكود سوف يميلان تدريجيا إلى أطراف اليمين السياسي استجابة لهوى المتدينين والأحزاب المتطرفة التي أدرك نتنياهو أنه لن يمكنه البقاء في السلطة دون رضاها.

   

رآى ليبرمان عملية خان يونس الشهيرة في نوفمبر/تشرين الثاني بمنزلة فشل ذريع لنتنياهو إثر رفضه خوض حرب جديدة ضد غزة ردا على تصعيد المقاومة

رويترز
  

على مدار عمر ثلاث حكومات تالية قادها نتنياهو منذ عودته عام 2009، هيمن الليكود على السياسة الإسرائيلية دافعا المزاج الانتخابي الإسرائيلي شيئا فشيئا ناحية اليمين بفضل سياسات متشددة شملت التركيز على القضايا الأمنية واتخاذ مواقف أكثر عنصرية تجاه الفلسطينيين ونبذ المفاوضات بشكل كلي، وشن ثلاث حروب مدمرة ضد قطاع غزة، لكن ما لم يدركه نتنياهو خلال هذه الرحلة أن خياراته كانت تُضعف موقع الليكود تدريجيا كمركز ثقل في اليمين الإسرائيلي، وأن الاستجابة لمطالب المتشددين لن تولّد إلا المزيد من المطالب شديدة التطرف التي لن يكون نتنياهو قادرا في مرحلة ما على الوفاء بها.

  

أدرك نتنياهو هذه الحقيقة بوضوح في الثلث الأخير من ولايته الثالثة العام الماضي 2018 حين وجد نفسه عاجزا عن الوفاء بالمطالب المتعارضة لشركائه اليمينيين، ففي حين ظلّت الأحزاب الأرثوذكسية المتشددة في الحكومة مثل حزب "شاس" وحزب "يهودية التوراة" متمسكة بالامتياز التاريخي الذي يُعفي الأرثوذكس من الخدمة العسكرية، وهي الامتيازات التي يتمسك بها نتنياهو لضمان تأييد الناخبين المتدينين، تمسّك حليف نتنياهو الآخر في الحكومة، أفيغدور ليبرمان، وزير الدفاع ورئيس حزب إسرائيل بيتنا اليميني الصهيوني العلماني، بتجنيد المتدينين أسوة بسائر الإسرائيليين.

   

تطوّر الخلاف بين نتنياهو وليبرمان إلى صدع كامل في التحالف الحاكم مع اقتراب عام 2018 من نهايته، وتحديدا في أعقاب عملية خان يونس الشهيرة في نوفمبر/تشرين الثاني التي رآها ليبرمان بمنزلة فشل ذريع لنتنياهو إثر رفضه خوض حرب جديدة ضد غزة ردا على تصعيد المقاومة آنذاك، لينتهي الأمر باستقالة ليبرمان من منصب وزير الدفاع، وانسحاب حزبه من الحكومة تاركا نتنياهو بأغلبية ضيقة حكومية سرعان ما انهارت دافعة إسرائيل نحو انتخابات مبكرة.

   

كان انسحاب ليبرمان وانهيار الحكومة ضربة قاصمة لرهان نتنياهو التاريخي على دفع المجتمع والسياسة في إسرائيل نحو اليمين، ضربة اختار نتنياهو معالجتها بالمزيد من الدواء ذاته، أي الانحراف أكثر ناحية اليمين متحالفا مع الأحزاب الأكثر تطرفا في أقصى يمين الطيف السياسي الإسرائيلي مثل حزب "القوة اليهودية" العنصري، تحالف أثار استياء واسعا حتى بين صفوف الداعمين لنتنياهو من اليهود الأميركيين، غير أن مغامرة بيبي اليمينية الجديدة لم تُثمر نجاحا يُذكر خلال انتخابات أبريل/نيسان المنصرم، حيث ظل التحالف اليميني عاجزا عن بلوغ العتبة اللازمة لتشكيل حكومة بدون المقاعد الخمسة التي حصل عليها حزب ليبرمان.

      

      

وبدلا من السعي لاستمالة ليبرمان أو تشكيل حكومة وحدة وطنية بعد انتخابات أبريل/نيسان الماضي، لجأ نتنياهو للخيار الأكثر مغامرة وهو الذهاب للانتخابات مرة أخرى، وهي المرة الأولى في تاريخ إسرائيل التي يتم فيها الذهاب إلى الانتخابات مباشرة للمرة الثانية بسبب الفشل في تشكيل حكومة، وكانت المفارقة الأكبر في هذا القرار أن الأحزاب اليمينية التي حصلت على الأغلبية كانت هي مَن صوّتت لصالح قرار حل الكنيست أملا في تعزيز مواقفها خلال الانتخابات الجديدة فيما صوّتت الأحزاب اليسارية ضد القرار، ويكمن المنطق وراء ذلك في إدراك هذه الأحزاب أن مجتمع الناخبين الإسرائيليين يشهد انجرافا ملحوظا نحو اليمين، حيث أظهرت (3) استطلاعات الرأي قبيل انتخابات أبريل/نيسان الماضية أن 59% من الناخبين الإسرائيليين وصفوا أنفسهم بأنهم يمينيون، فيما صرح 41% أنهم ينتمون إلى اليسار أو الوسط بما يشمل المواطنين العرب في إسرائيل الذين تبلغ نسبتهم 21% من عدد السكان.

 

باختصار، ومن وجهة نظر نتنياهو وأحزاب اليمين، فإن إسرائيل لم تعد تحوي القدر الكافي من ناخبي الوسط واليسار اللازمين لإزاحة أي ائتلاف يميني وتثبيت حكومة يسارية في الوقت الراهن، وأن اللعبة الكبرى تدور (4) بالكامل داخل صفوف اليمين نفسه، وكان رهان نتنياهو خلال الانتخابات الأخيرة هو دفع أكبر عدد ممكن من الناخبين للتصويت لحزب الليكود والكتل اليمينية المتطرفة وتقليل المُصوّتين لليبرمان قدر الإمكان من أجل تقليل عدد المقاعد التي يحصل عليها حزبه أو دفعه تحت عتبة التمثيل الانتخابي بالكلية، وكان هذا الرهان يعني أن على نتنياهو أن يُغري المزيد من الناخبين القوميين الذين تذهب أصواتهم إلى ليبرمان بالتصويت لصالح الليكود، وهو ما يفسر تعهّد نتنياهو الصريح بتجاوز العديد من الخطوط الحمراء التاريخية للسياسة الإسرائيلية إبان حملته الانتخابية.

    

على سبيل المثال، وقبل الانتخابات بأيام قليلة، أعلن نتنياهو نيته ضم أجزاء كبيرة من الضفة الغربية إلى الأراضي الإسرائيلية في خطوة من شأنها أن تُغيّر التوازن الديمغرافي بين إسرائيل والفلسطينيين وتقتل حل الدولتين إلى الأبد، ومن خلال هذا الإعلان، داعب (5) نتنياهو حلما طويل الأمد لدى اليمينيين القوميين في إسرائيل الذين لا يرغبون في رؤية فلسطينيين إلى جوارهم، وبخلاف ذلك فإن نتنياهو وعد بتوقيع معاهدة دفاع مشترك مع الولايات المتحدة في خطوة هدفت فيما يبدو لإظهار الدعم الذي يحظى به رئيس الوزراء من قِبل إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، خاصة وأن ترامب يحظى بشعبية ليست بالقليلة بالداخل الإسرائيلي.

    

رئيس الوزراء الإسرائيلي"بنيامين نتنياهو" والرئيس الأميركي "دونالد ترمب" (رويترز)

   

بالتزامن مع ذلك، سعى (6) نتنياهو لتجنّب أي تشتيت محتمل للأصوات داخل معسكر اليمين، وبخلاف دعمه لحزب القوة اليهودية المتطرف لتجاوز العتبة الانتخابية، قام رئيس الوزراء باستقطاب حزب كولانو إلى قائمته الانتخابية (حصل كولانو على 4 مقاعد خلال انتخابات أبريل/نيسان)، كما نجح في التوصل إلى اتفاق مع "موشيه فيجلين"، زعيم حزب "زيهوت" اليميني المثير للجدل للانسحاب من الانتخابات مقابل تعيينه في الحكومة المقبلة، وكان نتنياهو يأمل أن تضيف هذه الخطوة 120 ألف صوت انتخابي حصل عليها زيهوت خلال الانتخابات السابقة إلى حصيلة الليكود.

   

الرهانات الفاشلة

لكن إذا كانت هناك لعبة سياسية أخطأ نتنياهو في تقدير رهاناتها على مدار حياته السياسية فستكون هي الانتخابات الأخيرة بكل تأكيد، وبدلا من أن ينجح رئيس الوزراء في رفع تمثيل الأحزاب اليمينية فوق حاجز الـ60 مقعدا التي حصلت عليها في انتخابات أبريل/نيسان، انخفضت الحصة الإجمالية لتحالف نتنياهو اليميني إلى 55 مقعدا فقط، وخسر حزب الليكود نفسه ثمانية مقاعد في هذه الانتخابات مقارنة بالانتخابات السابقة، حيث حصل تحالف الليكود وكولانو على 31 مقعدا فقط مقابل 39 مقعدا حصل عليها الحزبان منفصلين خلال الانتخابات التي أُجريت قبل خمسة أشهر، وبدلا من أن يتم تقليص حصة ليبرمان أو دفعه خارج الحلبة، زاد (7) حزبه من حصيلة مقاعده إلى ثمانية مقاعد مُرسّخا موقعه بشكل أكبر كصانع للملوك في إسرائيل، وباتت فرصة نتنياهو في تشكيل حكومة يمينية أكثر صعوبة وتعقيدا مما كان الحال عليه بعد الانتخابات السابقة.

    

  

في الواقع، فشلت تكتيكات الحشد التقليدية التي يستخدمها نتنياهو والتي تشمل مزيجا من التخويف وتشويه الخصوم والعنصرية ضد العرب هذه المرة في دفع الناخبين في المناطق النائية من المؤيدين التقليديين لنتنياهو إلى الاحتشاد خلف اليمين، حيث يبدو أن المُصوّتين لم يقتنعوا (8) برواية نتنياهو حول وجود خطر وجودي يتهدد إسرائيل حال فشل اليمين في حصد الأغلبية، وهي المعادلة التي يُلخّصها أنصار نتنياهو غالبا في شعارهم "بيبي أو الطيبي" في إشارة إلى عضو الكنيست العربي أحمد الطيبي، وبدا أن الناخبين من الطوائف الشرقية المؤيدة لليكود وحتى المستوطنين لم يروا أن منافسي نتنياهو الرئيسيين، وعلى رأسهم رئيس الأركان السابق "بيني غانتز"، يُمثّلون تحوّلا جذريا في سياسة إسرائيل. بعبارة أخرى، يبدو أن نتنياهو فقد دعم بعض ناخبي اليمين المعتدلين لصالح معسكر الوسط واليسار الذي رأى الناخبون أنه يتبنّى توجّهات يمينية في جوهرها، وإن كانت أكثر اعتدالا.

   

في المقابل؛ فإن بعض تكتيكات نتنياهو جاءت بنتائج عكسية تماما، حيث تسبّبت محاولاته لإرهاب الناخبين العرب -وعلى رأسها مساعيه لتمرير قرار بتثبيت كاميرات مراقبة بحجة منع التزوير داخل اللجان العربية- في زيادة ملحوظة في نسبة التصويت بين الناخبين العرب من أقل من 50% في انتخابات أبريل/نيسان إلى أكثر من 60% في الانتخابات الأخيرة، وهو ما تسبّب في زيادة حصيلة أحزاب القائمة العربية المشتركة من 10 مقاعد في انتخابات أبريل/نيسان إلى 13 مقعدا في الانتخابات الأخيرة، وأثمر في النهاية زيادة الحصيلة الكلية لأحزاب اليسار والوسط إلى 57 مقعدا مقابل 55 مقعدا في الانتخابات التي جرت قبل 5 أشهر.

     

تحالف أزرق - أبيض الذي يتزعمه رئيس الأركان السابق "بيني غانتز" (رويترز)

  

كان تحالف أزرق - أبيض الذي يتزعمه رئيس الأركان السابق "بيني غانتز" صاحب نصيب الأسد من هذه الحصة بحصيلة بلغت 33 مقعدا، ورغم أن الحزب خسر مقعدين مقارنة بحصيلته خلال الانتخابات الأخيرة، فإنه جاء في صدارة الأحزاب الفائزة في الانتخابات بسبب التهاوي الملحوظ في أداء الليكود، ما جعل غانتز المرشح صاحب الفرصة الأكبر في تشكيل حكومة جديدة من تيارات الوسط واليسار واليمين المعتدل نسبيا في البلاد.

   

غير أن الوضع ليس بالسهولة التي يبدو عليها أيضا بالنسبة إلى الجنرال السابق، حيث يبلغ مجموع المقاعد التي حصلت عليها تيارات اليسار والوسط بدون القائمة العربية 44 مقعدا فقط، وهو رقم ارتفع إلى 54 مقعدًا مقابل 55 مقعدًا لتحالف اليمين "نتنياهو وشركاه"، ويبقى رقم غانتز أقل من حاجز الـ61 مقعدا المطلوب لتشكيل الحكومة وأقل من تحالف اليمين بمقعد، وسيظل غانتس بحاجة إلى انضمام أحد الأحزاب اليمينية المتطرفة على الأقل للوصول إلى الرقم المطلوب، وهو احتمال غير مرجح لأكثر من سبب أولها أن هذه الأحزاب تميل بطبيعتها إلى اليمين، وثانيها أن ليبرمان من غير المرجح أن يقبل بالانضمام إلى تحالف يضم أحد الأحزاب الأرثوذكسية وهو السبب الرئيس الذي منعه سلفا من التحالف مع نتنياهو، وثالثها أن الزعماء الأرثوذكس من غير المرجح أن يقبلوا أن يدخلوا في تحالف مع شريك غانتس الرئيس "يائير لبيد" زعيم حزب "هناك مستقبل" المعروف بعدائه للمتدينين، ناهيك بالمعارك الأيديولوجية المتوقع نشوبها داخل الائتلاف الحاكم حول القضايا الخلافية مثل حقوق المثليين ودور الدين حال تم تشكيل تحالف يضم اليمين المتطرف جنبا إلى جنب مع أحزاب اليسار مثل "العمل" و"ميرتس".

    

في المقابل، يمكن لانضمام الأحزاب العربية إلى تحالف يسار الوسط أن يغير قواعد اللعبة (9) ويمنح غانتس 57 مقعدا ما يجعله بحاجة فقط إلى إقناع ليبرمان بالانضمام إليه، ورغم ذلك يبقى هذا الخيار مستبعدا جدا بالنسبة إلى غانتس بالنظر إلى أن التحالف مع العرب يمكن أن يُغضب قاعدة غانتس الجماهيرية من اليمينيين المعتدلين ويجعل الحكومة عرضة للابتزاز من قِبل اليمين، كما أن ليبرمان نفسه من غير المرجح أن يقبل المشاركة في حكومة واحدة مع العرب، وعلى الجانب الآخر فإن أعضاء الكنيست العرب من غير المرجح أن يقبلوا بأن يصبحوا جزءا رسميا من الحكومة الإسرائيلية، حيث لم يسبق للعرب المشاركة في أي حكومة إسرائيلية خشية أن يكونوا مسؤولين عن الموافقة على العمليات العسكرية ضد الفلسطينيين أو الجيران الحدوديين.

  

مأزق السياسية الإسرائيلية

  

في ضوء هذا الانسداد السياسي، من الصعب توقّع شكل الحكومة الإسرائيلية التي ستُفرزها مناقشات الأسابيع المقبلة. وأظهرت النتائج الأخيرة أن هناك قوتين متعارضتين (10) تقسمان الناخبين الإسرائيليين على أسس دينية وعرقية، فمن ناحية، يتصاعد الانقسام الديني العلماني في ظل الصعود الديمغرافي للناخبين المتدينين الذين حافظ دعمهم على بقاء نتنياهو في السلطة لأعوام عديدة، رغم أن اتهامات الفساد التي تحاصره والتي دفعت الناخبين من العلمانيين والمؤيدين للديمقراطية وحتى اليمينيين المعتدلين للتصويت ضده بكثافة حرمته من حوز الأغلبية، لكنها لم تكن كافية لمنح التفويض بالحكم لأي فصيل آخر.

  

بالمثل، أصبح الانقسام العربي اليهودي أكثر وضوحا، فرغم حصول القائمة العربية على 13 مقعدا جعلت العرب أصحاب ثالث أكبر تكتل في الكنيست، فإن العرب غير مرحب (11) بانضمامهم إلى أي حكومة، ولا يزالون يُفضّلون التكتل في مقاعد المعارضة، واستغلال مناصبهم للدفاع عن حقوق العرب في دولة الاحتلال والنضال ضد القوانين التمييزية مثل قانون الدولة القومية الصادر عام 2018 والذي يجعل حق تقرير المصير في دولة الاحتلال حقا حصريا للمواطنين اليهود دون العرب وغيرهم من الأقليات.

      

     

في ظل هذه الانقسامات والخيارات المعقدة، ظهر تقاسم السلطة عبر حكومة وحدة وطنية كخيار جذاب لتجاوز الأزمة، وهو خيار رحب به سابقًا كلٌّ من غانتس ونتنياهو بشكل مبدئي وكان هو محور الحملة الانتخابية لليبرمان الذي احتج أن حكومة الوحدة هي السبيل الوحيد للمُضي قُدما، وأنه في حال فشل تشكيل حكومة وحدة وطنية فإنه سيستغل الموقف لمعاقبة المسؤول عن المأزق وتحديد الطرف الذي يستحق دعمه، لكن النظر إلى تاريخ إسرائيل يكشف أن حكومات الوحدة الوطنية الموسعة لم تكن دوما خيارا جذابا للسياسيين الإسرائيليين، حيث لم تعرف (12) البلاد سوى حكومة وحدة وطنية واحدة على مدار تاريخها في الفترة بين عامي 1984 و1988 حين اتفق "شيمون بيريز" (يسار) مع سلف نتنياهو في رئاسة الليكود "إسحاق شامير" على التناوب على رئاسة الحكومة في محاولة لرأب الصدع المحتدم في السياسة الإسرائيلية في أعقاب الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982.

  

ومن شأن تقاسم السلطة من خلال حكومة وحدة وطنية أن يسمح لنتنياهو بالحصول على فترة خامسة قياسية في مقعد رئاسة الوزراء وأن يواصل استخدام منصبه في مواجهة اتهامات الفساد التي قد تُوجّه ضده في المستقبل القريب إن نجح في تشكيلها، وقد دعا إليها بالفعل مرة أخرى بعد تكليفه بالأمس، خاصة أن نتنياهو يواجه جلسة استماع مُرتقبة في ثلاث تهم بالفساد في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول المقبل، ومن المتوقع أن يُصدر المُدّعي العام "أفيخاي ماندلبليت" لوائح اتهام بعد وقت قصير من الجلسة، لكن هذا يتطلّب (13) أن يحصل نتنياهو على منصب رئيس الوزراء أولا بشكل نهائي في أي عملية تداول للسلطة، نظرا لأن القانون لا يسمح إلا لرئيس الوزراء -وليس للوزراء العاديين- بشغل منصبه خلال فترة الاتهام، غير أن غانتز من غير المرجح أن يستجيب لذلك الطلب بالنظر إلى أن كتلته هي التي فازت بالعدد الأكبر من المقاعد.

  

غير أن الخلاف حول ترتيب التناوب على رئاسة الوزراء لا يُعدّ العائق الأكبر أمام تشكيل حكومة وحدة وطنية، حيث سيظل النزاع الكبير قائما حول هوية الأحزاب التي ستُشارك في الحكومة، ومع تعهّد نتنياهو بتشكيل حكومة يمينية خلال حملته الانتخابية فإن حلفاءه من الأحزاب اليمينية سينظرون إلى محاولات نتنياهو ضم الليكود وحده إلى حكومة وحدة وطنية على أنها خيانة لتعهّداته، ومن المرجح أن يخسر دعم هذه الأحزاب في أي استحقاقات قادمة حال أقدم على هذه الخطوة، وبالمثل لا يبدو أن نتنياهو يملك فرصا كبيرة لدمج حلفائه اليمينيين في حكومة الوحدة بالنظر إلى المعارضة المحتملة من غانتس وليبرمان لهذه الخطوة.

   

احتمال تحرك الليكود لإبعاد نتنياهو يبقى غير مرجح في الوقت الراهن، حيث يمتلك الحزب سجلا تاريخيا من الوفاء لقياداته

رويترز
    

يعني ذلك أن الطريق إلى حكومة الوحدة سوف يكون وعرا وشائكا، ورغم تأكيدات مكتب الرئيس الإسرائيلي "رؤوفين ريفلين" موافقة غانتس ونتنياهو على الدخول في محادثات لتشكيل حكومة وحدة وطنية قبل أن يكلف نتنياهو بها، فإن كل طرف عاد بعدها ليؤكد لحلفائه وناخبيه تمسّكه بثوابته السابقة، حيث جدّد نتنياهو التزامه بتشكيل حكومة يمينية فيما شدّد غانتز على وعوده السابقة بدعم التغيير الذي يعني من وجهة نظره إبعاد نتنياهو، في مشهد عبثي يبدو أن كلا الطرفين فيه يراهن على كسب المزيد من الوقت.

  

فمن جانبه، يرى "غانتز" أن الوقت يصب في صالحه بالنظر إلى أنه من غير المرجح أن تنتهي مفاوضات الائتلاف قبل جلسة استماع نتنياهو المُرتقبة، حيث يراهن رئيس الأركان الأسبق أن توجيه لائحة اتهام ضد نتنياهو سيجعل جميع الأطراف مترددة في دعم سياسي مُدان لمنصب رئاسة الحكومة ما سيُضعف موقف نتنياهو بشكل أكبر في أي مفاوضات، وربما يدفعه للاستقالة أو يدفع حزب الليكود في النهاية للإطاحة (14) به وترشيح قائد بديل للتناوب على رئاسة حكومة وطنية.

  

لكن احتمال تحرك الليكود لإبعاد نتنياهو يبقى غير مرجح في الوقت الراهن، ويمتلك الحزب سجلا تاريخيا من الوفاء لقياداته حيث تناوب أربعة أشخاص فقط على رئاسة الحزب منذ عام 1948، وسوف يجعل هذا "الحمض النووي" المتأصل داخل الليكود -بتعبير المحللين ديفيد ماكوفيسكي ويوسي فيرتر- أعضاء الحزب أكثر ترددا في اتخاذ خطوات للإطاحة بزعيمهم التاريخي، بمن فيهم أولئك الذين يمتلكون خلافات شخصية مع نتنياهو مثل وزير الداخلية الأسبق "جدعون ساعر" الذي سبق أن اتهمه نتنياهو بالتخطيط لانقلاب ضده، كما يبدو أن نتنياهو قد احتاط لهذا الاحتمال أيضا وأجبر جميع قيادات الليكود على توقيع تعهّد بالولاء قبل الانتخابات.

    

على الرغم من تعهّد الرئيس ريفيلين ببذل كل جهوده لتشكيل حكومة وحدة وطنية ومنع الذهاب إلى انتخابات ثالثة، يبدو أن لعبة الاحتمالات لا تصب في صالحه

رويترز
   

بيد أنه من غير المستبعد أن يتغيّر هذا الولاء حال فشل نتنياهو في تشكيل حكومة يمينية أو أعاق وجوده عملية تشكيل حكومة وحدة وطنية خاصة إذا تم إصدار لائحة اتهام ضده في قضايا الفساد، وفي هذا السيناريو يمكن أن يضغط أعضاء الليكود والمجتمع السياسي الإسرائيلي على نتنياهو للاستقالة مقابل صفقة حصانة مع النائب العام، وإذا رفض نتنياهو الاستجابة للضغوط فيمكن ساعتها للجنة المركزية في حزب الليكود أن تقرر انتخاب رئيس جديد، أو يمكن لقادة الحزب ببساطة أن يطلبوا من الرئيس ريفلين تكليف عضو آخر من الحزب بتشكيل الحكومة بعد انتهاء مهلة ال 28 يومًا بشرط عدم نجاح نتنياهو فيها، ورغم أن ذلك سيكون من الناحية الفنية انتهاكا للوائح الليكود التي تنص على أن رئيس الحزب هو نفسه مرشحه لرئاسة الحكومة، فإنه يوجد نص في القانون الإسرائيلي يُلزم الرئيس بتكليف رؤساء الأحزاب فقط بمهام تشكيل الحكومة.

  

على الجانب الآخر يضع (15) نتنياهو رهانه الخاص على الوقت أيضا، حيث يرغب بيبي فيما يبدو في تعطيل جميع محاولات تشكيل الحكومة في الوقت الراهن وإغلاق سبل الوصول إلى أي صفقة سياسية لا تضمن له البقاء في منصبه بشروطه الخاصة ربما من أجل قيادة البلاد نحو انتخابات ثالثة لتحسين موقفه، لكن هذه المرة مع تحميل غانتز، الفائز بالأكثرية في الانتخابات الأخيرة، مسؤولية الفشل في تشكيل الحكومة، فيما يتبقى لدى نتنياهو رهان آخر احتياطي وهو محاولة إقناع ليبرمان بتجاهل خلافاته مع الأحزاب الأرثوذكسية والانضمام إلى الائتلاف الحاكم على أن يتناوب نتنياهو وليبرمان على رئاسة الوزراء، كما تظل هناك مشكلة أن الأحزاب الدينية من غير المرجح أن تقبل المشاركة في حكومة يقودها ليبرمان.

  

وبغض النظر عن السيناريو الذي سيترجّح في نهاية المطاف، فإن الفترة القادمة لا تبدو مُبشِّرة للإسرائيليين نظرا لمشهدهم السياسي المُمزق والمُنقسم، فعلى الرغم من تعهّد الرئيس ريفيلين ببذل كل جهوده لتشكيل حكومة وحدة وطنية ومنع الذهاب إلى انتخابات ثالثة، يبدو أن لعبة الاحتمالات لا تصب في صالحه، وحتى إذا نجحت إسرائيل في تجاوز معضلة تشكيل الحكومة وفق أي سيناريو؛ فإن الحكومة الناشئة ستظل هشة ومليئة بالتناقضات ومُعرّضة للانهيار في أي وقت، أما بالنسبة لنتنياهو، فسوف يتشبّث رئيس الوزراء الإسرائيلي برقصته الأخيرة على المسرح السياسي هذه المرة في مواجهة خصوم أقوياء يبدو أنهم متمسكون بدفعه إلى الهامش أو إلى السجن، أيهما أقرب وأسرع.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار