انضم إلينا
اغلاق
حرب المصالح والنفوذ.. كيف يمزق الصراع الأميركي الإيراني أرض العراق؟

حرب المصالح والنفوذ.. كيف يمزق الصراع الأميركي الإيراني أرض العراق؟

فارس الخطاب

محلل سياسي وخبير في الشأن العراقي
  • ض
  • ض

قد تكون الأزمة المتصاعدة بين الولايات المتحدة وحلفائها من جانب وإيران وأذرعها الإقليمية من جانب آخر، واحدة من أخطر التحديات التي تواجه النظام السياسي العراقي منذ تشكيله بعد احتلال العراق عام 2003، حيث سيكون على قوى سياسية غير متجانسة ومختلفة الولاءات والمرجعيات أن تتخذ قرارات موحدة تجاه التعامل مع الصراع الراهن الذي يتطور وقد ينحدر نحو حرب شاملة.

  

إن الظاهر في المشهد السياسي العام، أن القيادات العراقية الرسمية ممثلة برئاسة الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء، ثم رئيس مجلس النواب، ركزت كلها في ردود أفعالها وفي خطاباتها الرسمية على ضرورة إبعاد العراق عن أية محاور للصراع الدولي والإقليمي، وبخاصة بين حليفي العملية السياسية، أميركا وإيران، لكن ذلك لم يمنع من ظهور تيارات ومواقف لدى بعض أطراف هذه العملية بعضها صبَّ نار غضبه تجاه واشنطن وإسرائيل وحتى المملكة العربية السعودية، فيما وجد آخرون أنها فرصة مناسبة لتحجيم الدور الإيراني في بلادهم وتمكينهم من إحداث التوازنات المفقودة في موازين القوى السياسية والمسلحة التي كانت وما زالت تميل لصالح الأحزاب والكتل والميليشيات المدعومة من قبل إيران.

  

طبيعة المشكلات البنيوية للوضع السياسي في العراق

تقوم العملية السياسية في العراق على أسس مركزية جرى الاتفاق عليها بين قوى المعارضة السابقة في مؤتمر لندن الذي جرى في عام (2002) برعاية الولايات المتحدة الأميركية وتمويلها، مع موافقة ضمنية من قبل إيران التي تمثلت في المؤتمر من قبل قوى سياسية عراقية تأسست في طهران وعملت لصالحها قبل أن يُقدَّر لها أن تسيطر بعد الغزو الأميركي وبدعم من سلطة الاحتلال على المفاصل الأساسية في الدولة وهياكل السلطة.

  

لقد تسببت هذه الترتيبات المتفق عليها في ذلك الوقت بين واشنطن وطهران، في جعل العراق رهنًا للنفوذ الأميركي والإيراني، وقد مضت هذه الترتيبات بطريقة انسيابية تارة وخشنة في أخرى حسب ما تقتضيه مصالح كل من هذين الطرفين، فيما كان العراق ذاته وعمليته السياسية خارج دائرة الأولويات.

   

برغم كل مظاهر العداء الأميركي-الإيراني فإن هناك إطارًا عامًّا للتفاهم بين القوتين في موضوع العراق على وجه الخصوص

الجزيرة
  

ورغم أن الإطار العام لنظام الحكم في العراق، منذ عام 2003 حتى اليوم، يوحي بوجود نظام حكم ديمقراطي قائم على انتخاب الشعب لممثليه ثم تقاسم السلطات وفق هذا الاختيار، إلا أن ذلك في واقع الحال لم يوفر استقرارًا سياسيًّا في العراق، وقد يكون من بين أهم أسباب عدم الاستقرار السياسي، هو "عدم قدرة النظام على التعامل مع الأزمات التي تواجهه بنجاح، وعدم قدرته على إدارة الصراعات القائمة داخل المجتمع بشكل يستطيع من خلاله أن يحافظ عليها في دائرة تمكِّنه من السيطرة والتحكم فيها، ويصاحبه استخدام العنف السياسي من جهة، وتناقص شرعيته، وكفاءته من جهة أخرى".

  

ولعل الحالة العراقية، وخلال أكثر من 16 سنة من التجربة المريرة في إدارة الحكم، عكست أنماطًا كثيرةً من حالة عدم الاستقرار السياسي، وأبرزت بدلًا عنه ظواهر صراع داخلي كان من بين مؤشراته تفاقم الأزمات الداخلية، وانتشار الفساد، وضعف مؤسسات الدولة، وتعدد مراكز القوى وسلطات القرار، وهيمنة قوى خارجية، وتعزيز سلطة الميليشيات المسلحة وتحكمها في المشهد السياسي والأمني.

  

إن وجود التأثير المباشر للولايات المتحدة وإيران في الحراك السياسي العراقي جعل من الصعوبة بمكان توحيد الجهد العراقي للخروج من عنق الزجاجة الذي وُضِع العراق فيه بعد الاحتلال الأميركي له؛ وكان للأحزاب السياسية ذات الصبغة الدينية الطائفية الملامح الأبرز في إدارة التخبط وعدم المنهجية في رسم سياسات الدولة، تحت دعم ومساندة ثم تحكم هذا الطرف أو ذاك في خط سيرهم السياسي والتنظيمي داخل العراق، ومع وضوح التجربة وتكرار المواقف بات المواطن العراقي البسيط يعلم بوضوح ماهية كل حزب من هذه الأحزاب ودرجة ارتباطه بإيران أو بالولايات المتحدة وكذلك الدول الإقليمية الأخرى العربية منها أو غير العربية والتي لا تتقاطع كثيرًا مع التوجه الأميركي أو الإيراني.

  

التأثيرات الخارجية على الانقسام السياسي

تبدو الحكومة العراقية محدودة القدرة على ضبط التطورات الأمنية بسبب تعدد مراكز القوى، والتأثير الواسع لكلا من إيران وأميركا

مواقع التواصل
  

فرض نفوذ كل من الولايات المتحدة وإيران في العراق ضغوطًا شديدة على الحالة السياسية والأمنية، خصوصًا في حالات الاختلاف وتناقض المصالح بين الطرفين، وقد كان ذلك من بين أسباب عديدة أسهمت في نشر الانقسام السياسي والاجتماعي، وتكريس ظاهرة الفساد، وما يستتبعه من انتشار الفقر والبطالة والأمية وانتشار المخدرات والكثير من مظاهر التخلف.

  

وقد شهدت مرحلة ما بعد هزيمة تنظيم "الدولة الإسلامية" نهاية مرحلة التنسيق وغض الطرف بين طرفي النفوذ في المنطقة (إيران وأميركا) وبدا ذلك واضحًا في لبنان وسوريا وفي العراق حيث شهدت عملية تشكيل الحكومة العراقية الأخيرة تجاذبات ومناكفات بين وكلاء هذه الدولة أو تلك في العملية السياسية العراقية، أخَّرت إعلانها عدة أشهر، وحتى بعد إعلانها كانت تكهنات المراقبين والشارع العراقي تذهب إلى تسمية الحاصلين على مراكز الدولة القيادية كل بحسب الدولة التي يمكن أن تكون قد ساومت عليه لإنهاء ملف تشكيل الحكومة.

  

ومع سريان تنفيذ واشنطن لعقوباتها تجاه طهران وتضاؤل تصدير حصتها النفطية إلى أدنى الحدود بما يعني تراجع إيراداتها بشكل حاد، فإن القيادة الإيرانية وجدت أنه من المناسب مشاغلة الجانب الأميركي في العراق حيث تمتلك إيران القوة الضاربة (سياسيًّا) في مجلس النواب ورئاسة الوزراء، و(أمنيًّا) بوجود آلاف المقاتلين من ميليشيات في الحشد الشعبي مطلقة الولاء للمرشد الأعلى في إيران، فيما ركزت الجهود الأميركية على القوى السياسية العراقية وبعض شيوخ العشائر في محافظات الأنبار ونينوى وصلاح الدين وكذلك منطقة كردستان العراق إضافة إلى بعض الشخصيات المتحسسة من تنامي النفوذ الإيراني في العراق، فكان أن برزت أجواء تحشيد بالوكالة في العراق ظهرت تجلياتها بوضوح مع ازدياد الضغط الاقتصادي على إيران.

     

  

لكن، وهو المهم هنا، وبرغم كل مظاهر العداء الأميركي-الإيراني فإن هناك إطارًا عامًّا للتفاهم بين القوتين في موضوع العراق على وجه الخصوص، كما أن هناك بالضرورة خطوط اتصال وتواصل بينهما لإبقاء الوضع العام خارج حدود الاشتباك المباشر، فيما تبدو الحكومة العراقية محدودة القدرة على ضبط التطورات الأمنية بسبب تعدد مراكز القوى، والتأثير الواسع لإيران على المشهد الأمني والسياسي، وكذلك الحضور الأميركي السياسي في التأثير على جزء آخر من أطراف العملية السياسية.

   

تأثير ظاهرة الميليشيات المسلحة على القرار السياسي

برزت ظاهرة الميليشيات والفصائل المسلحة مباشرة بعد احتلال العراق عام 2003، وكانت بأوجه متعددة، من أبرزها:

- الفصائل المسلحة التي تشكَّلت تحت شعار (مقاومة الاحتلال)، وتمركزت خصوصًا في المناطق السُّنية والعاصمة بغداد، وضمت عناصر من الجيش العراقي السابق بعد قرار سلطة الاحتلال بحله، وكذلك من عناصر مدنية مستقلة أو ذات مرجعيات دينية أو قومية.

 

- الجماعات الكردية المسلحة (البيشمركة) وهذه كانت موجودة بالفعل منذ عقود عدة، ولها خبرات قتالية وتنظيم هيكلي واضح، قبل أن تصبح القوة العسكرية الرسمية لإقليم كردستان العراق.

 

- التنظيمات المسلحة (الجهادية)، ومن أبرزها: تنظيم القاعدة ثم تنظيم (الدولة الإسلامية).

 

- الميليشيات المسلحة الشيعية التي نشأت في إيران وقامت بعمليات مسلحة داخل العراق، كما شاركت في الحرب العراقية-الإيرانية إلى جانب إيران، ومن أبرزها منظمة بدر، كما نشأ بعد الاحتلال ما عُرف بـ(جيش المهدي) التابع لرجل الدين، مقتدى الصدر.

 

- ميليشيات أخرى نشأت لاحقًا انشطرت عن بعضها البعض أو جرى تشكيلها حديثًا.

 

- الحشد الشعبي الذي تأسس في العام 2014 على أساس فتوى دينية أصدرها المرجع الشيعي، السيد علي السيستاني، لمواجهة تقدم تنظيم الدولة بعد سيطرته على الموصل، وقد أخذ الحشد لنفسه فيما بعد طابعًا رسميًّا قانونيًّا وانتظمت فيه عشرات الميليشيات وفق هيكلية خاصة وقيادة خاصة، حتى صار كيانًا عسكريًّا موازيًا للجيش.

   

قوات الحشد الشعبي العراقي (الجزيرة)

   

وقد اضمحلت أو تلاشت معظم هذه القوى المسلحة باستثناء البيشمركة الكردية والميليشيات الشيعية سواء كانت ضمن قوات الحشد الشعبي أو خارجه، ومن هذه الميليشيات الشيعية التي ما باتت تشكِّل قوة ضاربة ليس على مستوى التقييم الأمني حسب، بل والسياسي أيضًا، وقد خصصت الحكومة ميزانية كبيرة للحشد الشعبي من الموازنة العامة للعراق، ما جعلها أقوى من الجيش الوطني عدة وعتادًا بما يمكِّنها من بسط سيطرتها على مجريات الأمور بالبلاد متى ما أرادت. وقال موقع (ديبكا) الإسرائيلي: إن قوات الحشد الشعبي ولاسيما الميليشيات الأكثر قربًا من إيران "تتفوق على الجيش الوطني العراقي من حيث الحجم والتسليح، وتمتلك دبابات جديدة وصواريخ أرض-أرض ومجموعة من الطائرات بدون طيار المتفجرة".

 

ويقارن الرئيس السابق لوكالة الاستخبارات الأميركية، ديفيد بترايوس، بين ما وصفه بخطر الحشد الشعبي وخطر تنظيم الدولة على المدى البعيد مرجحًا الحشد الشعبي بأنه الأكثر خطورة على مستقبل العراق؛ إذ قال: "هذه الميليشيات تقوم بفظاعات ضد المدنيين السنَّة. تجاوزات الميليشيات الشيعية ضد المدنيين السنة تشكل تهديدًا لكل الجهود الرامية إلى جعل المكون السني جزءًا من الحل في العراق وليس عاملًا للفشل. تنظيم داعش لا يمثل الخطر الأول بالنسبة لأمن العراق والمنطقة لأنه في طريقه للهزيمة، لكن الخطر الأشد يأتي من الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران".

 

قصف مقرات الحشد الشعبي وتكريس الانقسام السياسي

كشف القصف المتكرر لمواقع ومعسكرات لميليشيات شيعية قريبة من إيران أو تابعة لها، عن علاقة عضوية وعملياتية لهذه الميليشيات بالرؤية الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة، وطبيعة المواجهة بالأذرع المحلية المسلحة التي تستخدمها إيران في أكثر من مكان عبر الشرق الأوسط. وقد كان من النتائج الفورية لهذا القصف، ورغم بقاء مجهولية مصدر الضربات، أن تبين حجم تنسيق الميليشيات مع إيران، وحصولها على أسلحة متقدمة وكثيرة، كما أوضحت آثار القصف، لكن الأكثر أهمية يكمن في التداعيات التي يمكن أن يفرضها بقاء الميليشيات في دائرة الاستخدام الإيراني في سياق الصراع الراهن مع الولايات المتحدة.

   

  

وقد أثارت هذه الضربات جدلًا واسعًا داخل العراق، فرغم أن أحدًا لم يعلن تأييدًا لها، وفيما اعتبرتها القوى السياسية المختلفة والناشطون ووسائل الإعلام اعتداء مرفوضًا على السيادة العراقية، إلا أن آراء واضحة وقوية ظهرت بعدها تطالب بتجنيب العراق أي تداعيات من جرَّاء الاصطفاف مع هذا الطرف أو ذاك في المواجهة المستمرة بين الولايات المتحدة وإيران.

 

وقد تناغم هذا الموقف الشعبي الغالب مع المواقف الرسمية؛ حيث أعلنت الرئاسات العراقية الثلاث (الجمهورية، ومجلس الوزراء، ومجلس النواب) موقفًا مشتركًا يتمثل في "النأي بالبلد عن أن يكون منطلقًا للاعتداء على أي من دول الجوار والمنطقة"، لكن مواقف أخرى ظهرت طالبت على العكس بدعم الحشد الشعبي في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، وضرورة الرد عسكريًّا بضرب المواقع الأميركية داخل العراق، وتداعى بعض قادة الميليشيات والأحزاب والكتل المكوِّنة للحشد الشعبي، إلى كيل الاتهامات لرئيس مجلس الوزراء واتهامه بالضعف ومحاباة الولايات المتحدة.

  

وتقول الباحثة في المركز الدولي لدراسة التطرف في جامعة كينجز كوليدج في لندن، إينا رودولف: "لا يوجد مزاج واسع بين الجمهور العراقي لأي نوع من التدخل الأجنبي، سواء كان أميركيًّا أو إيرانيًّا". لكنها تعتقد أيضًا أنه من المهم أن "يتابع المسؤولون الأميركيون الخطاب العام العراقي عن كثب وألا يقلِّلوا من شأن هذا التأكيد على سيادة العراق وأن التفجيرات يمكن أن تقوض حكومة مهدي، خاصة إذا قررت ميليشيا الحشد الشعبي الرد على أهداف أميركية أو إسرائيلية".

  

السيناريوهات المفترضة للوضع السياسي في العراق في حال نشوب صراع إقليمي

يبدو مشهد حكومة رئيس مجلس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، وكأنها تمسك العصا من المنتصف؛ حيث يربض على طرفيها القوتان النافذتان والمؤثرتان في واقع العراق السياسي والأمني والاقتصادي، الولايات المتحدة وإيران، وهو أمر بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلًا، في ظل الظروف السياسية والعسكرية الخطيرة للمنطقة، والتي دخلت أطراف عديدة فيها كقوى لاعبة ضمن مداها الحيوي والاستراتيجي تحت مظلة واشنطن أو طهران.

    

زيارة رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي لطهران (وكالة الأنباء الأوروبية)

 

إن صعوبة الحياد العراقي في الصراع الأميركي-الإيراني تكمن في محاولة بغداد ترضية طرفي النزاع وهو سلوك قد تبدو فيه مكتسبات مرحلية محدودة لكن ضررها بالغ الخطورة والتدمير حيث ستتلاشى السيادة العراقية الرسمية (الدولة) ليحل بدلًا عنها ولاءات مجاميع لهذا الطرف أو ذاك في مرحلة الصراع وسرعان ما تتحول إلى انتقام كامل في حالة غلبة أحد الطرفين في نهاية المطاف.

  

إن الواقع السياسي العراقي، غير متماسك، بسبب الأسس التي أُنشئ عليها والمتمثلة بالمحاصصة والطائفية وتجاهل اللحمة الوطنية والاعتماد على قوى أجنبية في الاستمرار، ويجد العراقيون أنفسهم اليوم بلا قيادة فعلية قادرة على رسم ملامح طريق يحفظ للعراق سيادته ويعزز من فرص الالتفاف حول هوية وطنية واحدة، وبدل ذلك فإن الطبقة السياسية بشكل عام تعلن انقسامها بشكل واضح إلى صف إيران أو أميركا رغم جلوسهم جميعًا تحت قبة برلمان واحدة، والأدهى من موضوع الانقسامات ذاتها هو أن أغلبية الأطراف السياسية في العراق تعمل وفق مصالح هاتين القوتين المركزيتين دون أن يكون هناك حسابات تتعلق بإخراج العراق من وضعه السياسي والأمني والاقتصادي الحالي.

  

ومن يتابع المشهد العراقي في خضمِّ تسارع الأحداث بين كافة أطراف الصراع، يلاحظ أن أميركا وإيران يتجنبان الصدام المباشر بينهما، لكن الطرفين يحثَّان حكومة بغداد، تشجيعًا أو تهديدًا، على عدم موافقة أو دعم الطرف الآخر، وبما أن حجم الضغوط في تصاعد يومي مستمر، مع اتساع دائرة الصراع وأطرافه، ومنها من هي داخل العراق، فإن العراق وضمن تركيبة قيادته الحالية قد ينتهي به المطاف إلى استقالة حكومته الحالية والإتيان بحكومة قد تجعل من فكرة (الحياد) دعمًا ومشاركةً لأحد أطراف الصراع.

   

حذَّر الزعيم الشيعي، مقتدى الصدر، من طهران، في 16 سبتمبر/أيلول الجاري (2019) من "نهاية العراق حال نشوب الحرب بين إيران وأميركا"

رويترز
  

يشير ستيفن فيرتهايم، المتخصص في تاريخ السياسة الخارجية الأميركية، إلى مقولة الرئيس دونالد ترامب، في آخر خطاب لحالة الاتحاد في السادس من فبراير/شباط 2019: إن "الدول العظمى لا تخوض حروبًا لا تنتهي". لذلك، فإن الحرب التي ربما يراهن عليها البعض ويظنون أنها ستكون وسيلة للخلاص من النفوذ الإيراني أو حتى الأميركي ليست هي خاتمة المطاف؛ حيث إن أي حرب وفي منطقة مليئة بالألغام كمنطقة العراق-إيران والخليج العربي لن تكون طويلة، ولكن ما يمكن أن يكون طويلًا هو الحصار الاقتصادي والحروب البديلة بين طهران وواشنطن على أرض العراق وسوريا واليمن ومياه الخليج العربي وسواها، وحينها سيكون هناك خاسرون حقيقيون بشكل أكبر ربما من طرفي الصراع.

  

سياسيًّا، وفي العراق تحديدًا، فإن خطورة الموقف العام في هذا البلد هو في تشظي المؤيدين والرافضين للوجود الإيراني وتوافر الأسلحة بكافة أنواعها بيد كل الأطراف عربًا، وأكرادًا، وتركمانًا، مسيحيين وأيزيديين، ولأنه أمر خطير فعلًا في ظل الانفلات المتوقع للحالة السياسية والأمنية العراقية، حذَّر الزعيم الشيعي، مقتدى الصدر، من طهران، في 16 سبتمبر/أيلول الجاري (2019) من "نهاية العراق حال نشوب الحرب بين إيران وأميركا، أرفض زجَّ بلادي في هذه الحرب وجعله ساحة للصراع، نحن بحاجة الى وقفة جادة مع كبار القوم لإبعاد العراق عن تلكم الحرب الضروس التي ستأكل الأخضر واليابس".

  

ويؤيد الصدر في هذا التخوف والتحذير من المشاركة في أي صراع أميركي إيراني على أرض العراق، نائب رئيس الوزراء العراقي الأسبق، بهاء الأعرجي، قائلًا: "إنه في حال نشوب صراع بين الولايات المتحدة وإيران، من الممكن أن تورِّط فصائل في الحشد الشعبي الدولة العراقية، وأن تعصى أوامر السلطة المسؤولة عنها من أجل الدفاع عن المصالح الإيرانية؛ أنا لا أتهم كل فصائل الحشد بالولاء لإيران لكن هنالك مجموعات مرتبطة بالمسؤولين في طهران".

    

الحشد الشعبي العراقي، قوة قتالية موازية للجيش، تعلن بعض وحداته استعدادها للقتال إلى جانب إيران (غيتي)

   

إن توازن القوى العراقية صعب للغاية وهي في مجملها العام تميل لصالح القوى المؤيدة للنفوذ الإيراني في العراق، لكن الكثير من العراقيين يأملون أن تتصرف الولايات المتحدة بكثير من الحكمة والدقة في التعامل مع ملفات بلدهم خاصة الملف الاقتصادي والعسكري لتمكين الدولة العراقية وجيشها الرسمي من ممارسة دورها من موقع أكثر قدرة وقوة مع محيطها الإقليمي وبخاصة إيران، كما أن بعض قادة الكتل والأحزاب والعشائر من العرب السنَّة والأكراد يضعون كل آمالهم في دعم الخطوات الأميركية في العراق وعند اندلاع أي صراع أميركي-إيراني وتخلي واشنطن عن دعمها لهم أو تخليها عن العراق لصالح إيران فإن هذا سيعني نهاية كل شيء في هذا البلد بالتبعية المطلقة لِطَيْف واحد.

  

صحيفة "فايننشيال تايمز" وفي تقرير لها للكاتبة تشولي كورنيش، تقول فيه: إن العراق يجد نفسه أمام تحد كبير في المواجهة الحالية بين إيران والولايات المتحدة، وتنقل الكاتبة عن الرئيس العراقي، برهم صالح، قوله: "العراق هو نجاح يظهر بعد 4 عقود من النزاع، ليست لدينا القدرة أو الطاقة أو المصادر أو الاستعداد لأن نكون مرة أخرى ضحية حرب جديدة بالوكالة، نقول: العراق أولًا، ولا نريد تضييع استقرارنا، وعانينا بما يكفي من النزاعات". إن الخوف الحقيقي هو من دور الميليشيات المدعومة من إيران البالغ عدد عناصرها نحو 150 ألف شخص من خلال قيامها بعمل عسكري يدفع العراق ليكون طرفًا في مواجهة بين إيران والولايات المتحدة رغمًا عنه.

  

إن وضع الحكومة العراقية صعب للغاية، وهي ربما في ظل الظروف الحالية لا تملك القدرة الفعلية على اتخاذ موقف محدد يضع الأمور في نصابها، فالولايات المتحدة حليف استراتيجي مهم للعراق وكذلك إيران التي ارتبط معها بمصالح اقتصادية بالغة الأهمية إضافة إلى نفوذها السياسي والأمني، وفوق كل هذا وذاك، وجود ما يمثل القوة العسكرية الضاربة لإيران فوق أراضي العراق بما يشكِّل جيشًا ثانيًا لا يمكن تجاهله مطلقًا في حسابات موازين القوى.

--------------------------------------------------

هذا المقال مأخوذ عن مركز الجزيرة للدراسات.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار