انضم إلينا
اغلاق
"ضرب في مواطن الوجع".. كيف استطاعت إيران إرباك خصومها في الرياض؟

"ضرب في مواطن الوجع".. كيف استطاعت إيران إرباك خصومها في الرياض؟

محمد السعيد

محرر سياسة
  • ض
  • ض

حين سمع العمال والمهندسون في منشأة بقيق لمعالجة النفط التابعة لشركة أرامكو السعودية صوت انفجار ضخم شق هدوء الليل في تمام الساعة الرابعة إلا عشر دقائق فجر يوم الرابع عشر من سبتمبر/أيلول الحالي؛ ظنوا جميعا للوهلة الأولى أن الانفجار ناجم عن أحد الأعطال النادرة في المنشأة، لكن مع توالي أصوات الضربات مرة ثانية وثالثة ورابعة سرعان ما تبددت الشكوك وأدرك الجميع الحقيقة الواضحة وهي أن المنشأة الحيوية تتعرض لضربات عسكرية متعمدة، كما تحكي "جوزي إنسور" مراسلة التليغراف البريطانية في الشرق الأوسط في قطعتها(1) الصحافية المهمة عن مصادرها بعد العملية.

  

على بُعد 150 ميلا، وفي اللحظة نفسها بالتحديد، كما تكمل "جوزي"، ضربت هجمات مماثلة على ما يبدو موقع معالجة آخر في خريص، وعلى الفور، قام الفنيون في الموقعين بارتداء أقنعة الغاز الخاصة بهم، وركضوا إلى أعمدة التثبيت -وهي أحد أكثر أجزاء المنشأة أهمية- في محاولة يائسة لإطفاء النيران بشكل مبكر قبل خروجها عن السيطرة، لكن وتيرة الهجمات ودقتها كانت أكبر من قدرتهم على ملاحقتها، وبالنسبة إلى مجموعة من الموظفين المدنيين، فإن ما يواجهونه وقتها حمل السمات النموذجية لكل ما تعرفه عقولهم وتصوراتهم عن أجواء الحروب.

  

وبحلول موعد شروق الشمس، أصبح الضرر الذي لحق بالبنايتين واضحا، وفي بقيق تعرضت 17 بناية من إجمالي 19 في منشأة المعالجة الضخمة لأضرار واضحة، فيما أصابت الهجمات بنايتين أخريين في خريص، وفي حين أعلن المتمردون الحوثيون في اليمن على الفور مسؤوليتهم عن الهجمات مُدّعين أنها شُنّت بواسطة عشر طائرات بدون طيار من طراز متطور أُطلقت من الأراضي اليمنية، فإن الولايات المتحدة سرعان ما شكّكت في رواية الحوثيين مرجحة -استنادا إلى تحليل الصور الجوية- أن الهجوم أُطلق من الأراضي الإيرانية باستخدام 12 صاروخ كروز وأكثر من 20 طائرة بدون طيار.

    

  

في الحقيقة، كانت هناك العديد من الثغرات التي دفعت الخبراء للتشكيك في رواية الحوثيين حول مسؤوليتهم عن الهجمات منذ اللحظة الأولى، وعلى رأسها المدى البعيد نسبيا للضربات والدقة المتناهية لإصابة الأهداف مقارنة بهجمات الحوثيين السابقة على المرافق السعودية، فعلى سبيل المثال، تقع(2) منشأة خريص على بُعد 770 كيلومترا من الحدود السعودية اليمنية وأكثر من 800 كيلومتر من أقرب نقطة مناسبة لإطلاق الصواريخ يسيطر عليها الحوثيون في اليمن، وإذا نظرنا إلى بقيق تصبح الأمور أكثر صعوبة ودرامية حيث تقع المنشأة على بُعد 1000 كيلومتر على الأقل من أقرب موقع مناسب لإطلاق الصواريخ من اليمن، وأكثر من 1200 كيلومتر عن معقل الحوثيين الرئيس في صعدة شمالي البلاد.

  

وبخلاف الموقع الجغرافي للمنشآت ودقة الضربات التي تفوق بوضوح سوابق القدرات المُثبتة للهجمات الحوثية، فإن قرائن(3) أخرى مثل تقارير تحليق الطائرات والصواريخ فوق الكويت، ونمط تضرر البنايات المستهدفة في بقيق التي تعرضت لأضرار على جوانبها الشمالية والشمالية الغربية وليس على واجهاتها الجنوبية بما يتوافق مع كون الهجمات قادمة من اليمن إن تمت من هناك، وغياب أي رد فعل من الدفاعات السعودية الموجهة بشكل أساسي للدفاع ضد الهجمات القادمة من الجنوب، فإن تلك القرائن جميعها وفرت إشارات إضافية أن الهجمات الأخيرة من غير المرجح أن تكون قادمة من اليمن، ورجحت الرواية الأميركية حول كون الصواريخ والطائرات قد انطلقت من الشمال، أي من العراق أو من إيران نفسها.

  

من ناحيتها، أنكرت إيران مسؤوليتها عن الهجوم ووصفته بأنه مجرد حلقة في سلسلة الأكاذيب المتتالية للإدارة الأميركية حول الدولة الفارسية، أما السعودية نفسها فقد حاولت إمساك العصا من المنتصف على ما يبدو، حيث تجنّبت المملكة توجيه اللوم إلى إيران بشكل مباشر على الأقل في البداية، واكتفت بالتأكيد أن أسلحة إيرانية تم استخدامها في الهجوم، قبل أن تعود لتؤكد لاحقا يقينها أن الهجمات "لم تأتِ من اليمن" وأنها جاءت من نقطة معينة من الشمال يجري تحديدها، وبينما عرضت المملكة أدلة على التورط المزعوم لطهران في الهجمات، فإنها تجنّبت الجزم أن الهجوم أُطلق من الأراضي الإيرانية في مناورة أظهرت أن السعودية غير راغبة في تصعيد مواجهة منفردة مع إيران، لذا فإنها اختارت تصريحاتها بعناية لخلق مساحة للتراجع عن التصعيد حال اختارت واشنطن غض الطرف عن الهجمات والاكتفاء بالردود الخطابية كما اعتادت مؤخرا.

   

  

وبغض النظر عن الموقع الذي نُفّذت الهجمات منه، وسواء كانت قادمة من اليمن أو من إيران نفسها، تبقى الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن هجمات أرامكو الأخيرة تُمثّل تصعيدا غير مسبوق للصراع بين إيران وبين الولايات المتحدة وحلفائها في الشرق الأوسط منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي منتصف عام 2018، وهو أخطر هجوم(4) على المنشآت النفطية في الخليج منذ حرب الخليج الثانية عام 1991 سواء من حيث حجم الأضرار أو التأثير الاقتصادي، حيث أسفر الهجوم عن انخفاض مؤقت قدره 5.7 مليون برميل يوميا في إنتاج النفط السعودي، أي نحو 50% من الطاقة الإنتاجية السعودية ونحو 6% من إجمالي إنتاج النفط العالمي، وتسبب في ارتفاع مبدئي في أسعار النفط العالمية بنسبة 20% وصولا إلى 74 دولارا في البرميل، قبل أن تستقر الأسعار مجددا عند مستوى يصل إلى 62 دولارا بعد أسبوع من الهجمات بفضل تعافي الإنتاج السعودي وامتصاص الأسواق للصدمة الناجمة عن الهجمات.

   

لكن ما هو مؤكد حول الهجمات هو أن دوافعها وتداعياتها تتعدى بوضوح حدود الحرب في اليمن -بصرف النظر عن حجم التورط الحوثي-، وهي مرتبطة بشكل أكبر بالمواجهة الأوسع بين إيران والولايات المتحدة، وبينهما وبين السعودية، وإذا صدق تقييم(5) الاستخبارات الأميركية حول كون الهجوم شُنّ من قاعدة الأهواز الإيرانية، وأنه صُرِّحَ به من قِبل المرشد الأعلى الإيراني شريطة إخفاء بصمات طهران، فإن هذا سيُعدّ أول هجوم مباشر تقوم به إيران بشكل مباشر ضد خصمها السعودي، ويُعدّ ذلك علامة لا يمكن غض النظر عنها حول كون طهران قد قررت تجاوز بعض الخطوط الحمراء السابقة في إستراتيجية الردع الخاصة بها عبر البدء في استهداف خصومها بشكل مباشر، وتحدي المصالح الاقتصادية الحيوية والمباشرة للسعودية، وكذا اختبار متانة التحالف المناهض لها عبر التشكيك في التزام واشنطن بأمن حلفائها من دول الخليج العربية.

   

إستراتيجية كسر الجمود

يمكننا أن نقول إن الموجة الأخيرة من التوترات الأميركية الإيرانية قد اندلعت فعليا منذ اللحظة التي انسحبت فيها إدارة ترامب رسميا من الاتفاق النووي مع إيران في مايو/أيار للعام الماضي، لكن هذه التوترات بلغت مستوى غير مسبوق من السخونة على مدار الأشهر الأربعة الماضية منذ أثبتت واشنطن أنها جادة في تطبيق حملة "أقصى ضغط" ضد إيران، والتي كانت تهدف في جوهرها إلى تقويض الجمهورية الإسلامية من خلال منظومة عقوبات متنوعة ومتعددة الطبقات.

   

أثبتت مرونة طهران وقدرتها على التكيّف خطأ الرهان الكبير للبيت الأبيض حول كون العقوبات المكثفة ستُجبر نظام الملالي في النهاية على الرضوخ لمطالبه

الجزيرة
  

من الناحية الظاهرية، آتت العقوبات الأميركية أُكلها وتسبّبت في آلام اقتصادية ضخمة للنظام الإيراني مع بلوغ مستويات التضخم نسبة 50% والتجميد الكامل للاستثمارات الأجنبية وتراجع صادرات النفط الإيرانية إلى أقل من 200 ألف برميل يوميا مقارنة بـ2.5 مليون برميل قبل العقوبات، ومع ذلك، فإن الحكومة الإيرانية لم تنكسر تحت وطأة الإكراه الاقتصادي، حيث نجحت في منع الاضطربات الشعبية واسعة النطاق، فيما تمكّن البنك المركزي الإيراني من تحقيق الاستقرار في سعر العملة، وبالتزامن مع ذلك، قامت طهران بتفعيل سياسة الأبواب الخلفية التي أتقنتها عبر عقود وأحيت شبكات التهريب غير الشرعية لتصدير أكبر كمٍّ ممكن من النفط وتعويض النقص في المنتجات الحيوية بفعل العقوبات.

  

أثبتت مرونة طهران وقدرتها على التكيّف خطأ الرهان الكبير للبيت الأبيض حول كون العقوبات المكثفة ستُجبر نظام الملالي في النهاية على الرضوخ لمطالبه للتوصل لصفقة جديدة أكثر شمولا تحدّ من طموحات إيران الإقليمية وأنشطتها النووية والصاروخية، لكن إيران أدركت في الوقت نفسه أنه ليس بإمكانها تحمل العقوبات كواقع جديد دائم إلى ما لا نهاية، خاصة مع فشل الشركاء الآخرين في الاتفاق النووي في الوفاء بالتزاماتهم بموجب الاتفاق وتوفير قنوات بديلة لإيران لتصدير النفط وإنقاذ اقتصاد البلاد المتعثر.

  

ونتيجة لذلك، قرّرت طهران -فجأة فيما يبدو- بعد عام كامل من التزام سياسة الصبر الإستراتيجي منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، قررت أن عليها إلقاء حجر في المياه الراكدة وتغيير معادلة الصراع القائمة على التصعيد الأميركي في مواجهة التكيّف الإيراني، وكانت البداية مع تهديد طهران بإغلاق مضيق هرمز أمام حركة الناقلات، في محاولة لإثارة اهتمام مستوردي النفط الحيويين في أوروبا وآسيا، خاصة أن هذه التهديدات تزامنت مع قيام إيران بالكشف عن أنواع مختلفة من الصواريخ المضادة للسفن وتدشينها عدد من التدريبات العسكرية التي ركّزت على سلاح البحرية التابع للحرس الثوري.

    

  

وبحلول مايو/أيار المنصرم، قررت طهران لأول مرة الانتقال إلى مربع الفعل مع عملية تخريب غامضة استهدفت أربع ناقلات نفطية قرب ميناء الفجيرة الإماراتي، قبل أن يقوم الحوثيون في اليمن في الشهر نفسه باستهداف خط أنابيب "شرق – غرب" النفطي الحيوي في السعودية الذي يقوم بنقل النفط إلى ميناء جدة على البحر الأحمر، وقد حرصت إيران على تنفيذ هذه التدخلات بطريقة تحجب بصماتها هادفة إلى إرسال رسالة جدية حول نيّاتها واستكشاف حدود رد الفعل العالمي على سياستها الجديدة، لكن دون المخاطرة بالدخول في صراع أوسع مع واشنطن والغرب.

  

لاحقا، انتقلت إيران إلى المرحلة الثانية في خطتها التصعيدية، حيث قامت تدريجيا بالتخلي عن بعض التزاماتها بموجب الصفقة النووية، وشرعت في الاستيلاء على ناقلات النفط الأجنبية بحجة عبورها للحدود البحرية وقيامها باختراق المياه الإيرانية، قبل أن تختار طهران تصعيد الصراع إلى مستوى جديد عبر إسقاط طائرة أميركية بدون طيار في يونيو/حزيران الماضي، وهي خطوة كادت تدفع واشنطن لتوجيه ضربة عسكرية عقابية للجمهورية الإسلامية لولا تدخل ترامب وقيامه بإلغاء الرد العسكري الأميركي قبل ساعات قليلة فقط من موعده المقرر.

  

قوبل هذا التردد الأميركي في مواجهة السياسات الإيرانية الجديدة بارتياح كبير لدى صُنّاع القرار في طهران على ما يبدو، حيث أثبت جزئيا صحة رهانهم على أن واشنطن ستُحجم عن الدخول في مواجهة عسكرية مع إيران في الوقت الراهن، لكنه أثبت في الوقت نفسه أن إجراءات طهران الحالية لم تكن كافية لخدمة هدفها بخلق ذعر في العالم الصناعي حول مخاطر قطع الإمدادات النفطية إلى الدرجة التي قد تدفع أوروبا ودول آسيا للضغط على واشنطن لتخفيف العقوبات، وبعبارة أخرى أدركت إيران أنها لا تعيش اليوم في أجواء الثمانينيات حين تسبّبت حرب الناقلات في ارتفاع أسعار النفط بشكل دفع العالم بأكمله للانتفاض من سُباته لوقف الحرب والدفاع عن النفط، وأدركت أن تحريك المياه في أجواء أواخر العقد الثاني من الألفية الحالية يحتاج إلى حجر أكبر.

    

رغم أن الرياض استطاعت التغلب على آثار الهجوم المباشرة بشكل أسرع من المتوقع، فإن ذاكرة الهجوم ستبقى حاضرة، ولا يمكن استبعاد احتمالية أن تشن طهران هجوما آخر مماثل

الجزيرة
   

كان ذلك يعني أن على طهران أن تقفز خطوة أخرى في إستراتيجيتها يمكن أن تؤثر تأثيرا حقيقيا على تدفق النفط وأسعاره، وبالنظر إلى مكانة السعودية المحورية في سلسلة إمدادات النفط العالمية، فإن تخفيض إنتاج المملكة وصادراتها أتى كأفضل طريقة لإظهار مدى عرضة الإمدادات النفطية العالمية للانتقام الإيراني، وإرسال رسالة إلى الولايات المتحدة والدول الحليفة لها مفادها أنه على الرغم من قدرة هذه الدول على إلحاق الألم بطهران اقتصاديا فإنها لن يمكنها البقاء آمنة بينما تُعاني إيران وحدها.

  

كانت الضربة الإيرانية إذن لمصافي النفط السعودية حيوية ومدروسة بعناية على عدة مستويات، وكما يؤكد(6) المحلل الإستراتيجي المرموق جورج فريدمان؛ فإن طهران لم تُثبت فقط -كما برهنت من قبل- أن صناعة النفط السعودية عُرضة للضربات من قِبلها وحلفائها، ولكنها نجحت في إلحاق أضرار حقيقية وقلّلت بشكل ملحوظ، وإن كان مؤقتا، إنتاج النفط السعودي وأثارت قدرا من الذعر في أسواق النقط ونجحت في التأثير على الأسعار، ورغم أن الرياض استطاعت التغلب على آثار الهجوم المباشرة بشكل أسرع من المتوقع، فإن ذاكرة الهجوم ستبقى حاضرة، ولا يمكن استبعاد احتمالية أن تشن طهران هجوما آخر مماثل أو أكثر خطورة يفرض تكاليف أكبر على السعودية.

  

في الوقت نفسه، كان الهجوم الإيراني تذكيرا واضحا لدول الخليج بشأن الطبيعة المتغيرة والمتقلبة لتحالفهم مع أميركا، وفي حين كان لدى واشنطن في السابق مصلحة حقيقية ومباشرة في حماية تدفقات النفط من الشرق الأوسط، فإن هذه المصلحة -رغم استمرارها للآن- تتقلص يوما بعد يوم بفضل تزايد إنتاج النفط الصخري وزيادة المخزونات النفطية الأميركية، وتُعدّ هذه أيضا رسالة ضمنية لحلفاء واشنطن الآخرين في أوروبا وآسيا حول هشاشة الالتزام الأميركي تجاه الشرق الأوسط، في الوقت الذي أصبحت فيه واشنطن قادرة على تحمّل مخاطر لا يمكن لحلفائها اليوم تحمّلها، وبعبارة أخرى، يمكن القول إن إيران صمّمت(7) إستراتيجيتها من أجل تقسيم التحالفات الأميركية حول قضية النفط.

  

أما بالنسبة للسعودية على وجه الخصوص، فقد كانت الهجمات الإيرانية مُصمّمة لإرسال رسالة(8) إليها تُذكّرها بحقيقة أنها الحلقة الأكثر ضعفا وهشاشة في منظومة التحالفات الأميركية في الشرق الأوسط، وأنه طالما ظلّت الولايات المتحدة، الضامن الفعلي لأمن المملكة، ملتزمة بسياسات النأي عن التدخلات العسكرية في المنطقة، فإن الرياض هي من ستدفع الشق الأكبر من ضريبة السياسات الأميركية المناهضة لإيران، وحتى إذا اختارت أميركا الرد على طهران عسكريا، يبقى من الصعب تخيّل كيف يمكن أن تستهدف إيران دون أن تخاطر بإثارة المزيد من الهجمات الإيرانية على السعودية، بما يعني أن استهداف السعودية يتعدّى في جوهره مجرد الاستهداف لمحاولة ضرب التحالف بين واشنطن والرياض على وجه الخصوص عبر تذكير الأخيرة بالفجوة الكبيرة والمتزايدة في المصالح والتباين الشاسع في فاتورة الآثار الجانبية للصراع بينها وبين حليفها الأميركي.

   

  

الحلقة السعودية الأضعف

في المقابل، فإن المشكلة من وجهة نظر الرياض لا تكمن في الآثار المباشرة للهجوم التي يمكن استيعابها(9) على كل حال، لكن المعضلة أنه لا يوجد ما يضمن أن يكون هذا هو الهجوم الأخير من نوعه وأن المملكة لن تتعرض في وقت قريب لهجمات مماثلة وربما أكثر خطورة وعلى جبهات متعددة بالتزامن، لذلك فإننا لا نبالغ إذا قلنا إن الهجمات على بقيق وخريص تسبّبت في تغيّر جذري في حسابات السعودية بشأن إيران، وفي حين أن المملكة تكيّفت على قيام الحوثيين في اليمن بشن هجمات منخفضة إلى متوسطة المستوى عبر الحدود الجنوبية للمملكة منذ أعوام، فإن استعداد إيران لضرب إنتاج النفط السعودي بشكل مباشر أجبر الرياض على الانتباه لاحتمالية تعرضها لهجمات على جبهات أخرى خاصة في حال استمرت العقوبات ضد إيران.

  

وفي هذا الصدد، يبقى التحدي الكبير الذي تواجهه المملكة هو محاولة حماية عدد كبير من الأهداف الحاسمة المنتشرة بشكل عشوائي في جميع أنحاء أراضي البلاد الشاسعة، ولسوء حظ السعودية فيما يبدو، فإنها أدركت متأخرا أن نوعية الأسلحة التي أنفقت مليارات الدولارات من موازنات الدفاع سنويا على شرائها، بما في ذلك مبلغ 51 مليار دولار المخصص للإنفاق العسكري في العام الحالي 2019، لن تكون قادرة ببساطة على حماية منشآت البنية التحتية السعودية من الضربات الإيرانية المحتملة.

  

فمع إدراك طهران لضعفها على مستوى القدرات العسكرية التقليدية مقارنة بالولايات المتحدة وحلفائها، فإنها ركّزت على تعزيز قدراتها في مجال الحرب غير المتماثلة التي تمنحها ميزة في الصراعات مع خصومها المسلحين بشكل أفضل، وتشمل هذه القدرات الطائرات بدون طيار المسلحة والصواريخ الباليستية وصواريخ كروز، وهي أسلحة تُمكّن طهران من الاستفادة من موقعها الحيوي قرب مضيق هرمز وقربها من البنية التحتية الحيوية لمنافسيها الإقليميين من أجل فرض تكاليف عالية للصراعات على خصومها، حيث يمكن للصواريخ الإيرانية على سبيل المثال الوصول إلى جميع منشآت النفط الرئيسة في المملكة وغيرها من المنشآت الحيوية التي تقع على الخليج العربي أو بالقرب منه.

    

   

وفي مواجهة هذا التهديد المحتمل، شيّدت السعودية قوة دفاع جوي قوية نظريا مكوّنة من 50 ألف شخص، ومجهزة بأنظمة دفاع جوي أميركية متطورة وعلى رأسها نظام باتريوت الذي يُعدّ الدعامة الرئيسة لمنظومة الدفاع الجوي السعودية، حيث تمتلك السعودية ست منظومات باتريوت لديها القدرة على إطلاق 200 قاذفة تقريبا، وقد قامت الرياض بتحديث النظام باستمرار وحصلت على صواريخ باتريوت "باك – 3" في يوليو/تموز 2015 بعد أسابيع قليلة من بدء تدخلها في اليمن، وفي حين أكّدت شركة رايثون الأميركية المنتجة لصواريخ باتريوت أن النظام نجح في اعتراض أكثر من مئة صاروخ باليستي قادم من اليمن من بداية الحرب في عام 2015، فإن صواريخ باتريوت فشلت في كثير من الحالات في اعتراض أهدافها إما بسبب ضعف خبرة المشغلين السعوديين أو بسبب أعطال النظام أو تشبّعه بفعل العدد الكبير من القذائف التي تُطلق في الوقت نفسه بما يفوق قدرات البطاريات الدفاعية.

  

ومما يُعقّد من خطورة المشكلة أن الأنظمة الدفاعية الأخرى، وفي مقدمتها نظام الدفاع الصاروخي "ثاد" الذي تنتجه لوكهيد مارتن، والذي تعاقدت عليه المملكة أيضا، مصممة بشكل كبير لاعتراض الصواريخ الباليستية التي تطير على ارتفاعات عالية، ولا يُعدّ أيٌّ من نظامَيْ باتريوت وثاد مناسبا لمواجهة الأهداف التي تُحلّق على ارتفاع منخفض مثل الطائرات بدون طيار المحملة بمتفجرات وصواريخ كروز التي استُخدمت في هجمات الشهر الحالي، فيما تزداد الأمور تعقيدا بالنسبة للرياض مع المساحة الجغرافية الشاسعة التي يتعيّن على الدفاعات الجوية السعودية حمايتها، فبينما كانت معظم منظومات الدفاع الجوي السعودي موجهة لصد الهجمات القادمة من اليمن، أثبتت التطورات الأخيرة أن هناك جبهات أخرى لا تقل أهمية وأهدافا حرجة متعددة ينبغي للرياض حمايتها.

  

يشمل بنك الأهداف الحرجة هذا جميع المنشآت النفطية في المملكة بما يشمل خطوط الأنابيب ومستودعات تخزين النفط ومصافي التكرير ومرافق التصدير ومنشآت المعالجة المركزية -مثل بقيق وخريص- التي تقوم بمهمة تثبيت النفط عبر إزالة غاز كبريتيد الهيدروجين المتطاير من أجل إعداده للتصدير والنقل. وتُعدّ منشأتا بقيق وخريص من أهم مرافق معالجة النفط في المملكة، وتعالج بقيق وحدها نحو 4.9 مليون برميل يوميا من النفط الخام القادم من اثنين من أهم حقول النفط السعودية وهما الغوار والشيبة، فيما تعالج منشأة خريص نحو 800 ألف برميل يوميا قادمة من حقل خريص النفطي وبعض الحقول الأصغر، قبل أن تنخفض قدرة المرفقين -مؤقتا- بفعل الهجمات الإيرانية.

    

هجوم أرامكو (رويترز)

  

لكن بقيق وخريص لا تُعدّان المنشأتين الوحيدتين المُعرّضتين للهجمات الإيرانية، فوفقا(10) لمركز الاستخبارات الأميركي الشهير ستراتفور، تقع معظم منشآت المعالجة المركزية السعودية بالقرب من الخليج العربي في مرمى صواريخ إيران حيث تقوم بمعالجة النفط المستخرج من الحقول البحرية في البلاد، وفي مقدمتها مرفق السفانية الذي يعالج النفط المستخرج من حقل السفانية البحري، وهو الحقل الأكبر في العالم مع طاقة إنتاجية تبلغ 1.3 مليون برميل يوميا، فيما تُعالج محطة منيفة 900 ألف برميل يوميا من النفط المستخرج من حقل منيفة البحري، وتُعالج محطة القطيف النفط الخام المنتج من حقلَيْ القطيف وأبو سعفة، فيما تقوم منشأة تناجيب بمعالجة النفط المستخرج من حقل المرجان البحري، وجميعها مرافق حيوية يمكن أن يُسبّب استهدافها أضرارا بالغة للاقتصاد السعودي.

  

وبخلاف منشآت المعالجة، يمكن لإيران أيضا إلحاق الضرر بالسعودية عبر استهداف محطات تصدير النفط الأكثر أهمية في المملكة، وتشمل قائمة المحطات الأكثر إغراء للاستهداف الإيراني كلًّا من ميناءي رأس تنورة ورأس الجعيمة في مدينة رأس تنورة الساحلية اللذين يمتلكان طاقة تصديرية إجمالية تُقدّر بـ6.5 مليون برميل يوميا، بخلاف محطة التصدير الرئيسة في المملكة في ينبع على شاطئ البحر الأحمر والقادرة على استقبال قرابة 5 ملايين برميل يوميا من النفط الخام القادم من شرق المملكة إلى موانئ البحر الأحمر، أما عن قائمة المصافي الأكثر عُرضة للاستهداف فتشمل مصفاة "أرامكو" وتبلغ طاقتها 550 ألف برميل يوميا، ومصفاة "أرامكو المشتركة"، وهي مصفاة ذات طاقة إجمالية تبلغ 400 ألف برميل يوميا وتقع في "الجبيل"، إضافة إلى مصفاة أخرى في الجبيل أيضا تبلغ طاقتها 310 ألف برميل يوميا.

  

وحتى خارج قطاع النفط يمكن لإيران إلحاق الضرر بالسعودية عبر توجيه الضربات للعديد من أهداف البنية التحتية الحيوية ضعيفة التأمين، وعلى رأسها 31 محطة لتحلية المياه مسؤولة عن توفير أكثر من نصف المياه الصالحة للشرب في البلاد، إضافة إلى الموانئ الرئيسة مثل ميناء الملك عبد العزيز في الدمام، وميناء الملك فهد الصناعي في الجبيل، وصولا إلى المطارات حيث سبق للحوثيين استهداف المطارات في جنوب المملكة، رغم أن إيران من المرجح أن تتجنّب هذا النوع من الهجمات بسبب احتمالية وقوع خسائر كبيرة في الأرواح.

   

   

تضع هذه القائمة الواسعة من الأهداف ضغوطا واسعة(11) على صُنّاع القرار في السعودية لمعايرة ردودهم على الهجمات الإيرانية، ويمكنها أن تُفسّر أيضا تردد السعودية في الجزم بأن هجمات منشآت النفط شُنّت من الأراضي الإيرانية لأن مثل هذا الإعلان سيفرض على السعودية أن ترد بشكل مباشر داخل الأراضي الإيرانية لحفظ ماء الوجه على الأقل، وهي خطوة لا يبدو أن المملكة مستعدة للإقدام عليها بمفردها مع يقينها أن قدرتها على إلحاق ضرر حقيقي بإيران تتضاءل أمام قدرة طهران على إلحاق الأضرار بمصالحها الحيوية، لذا يبدو أن الرياض اختارت -مؤقتا على الأقل- الطريق الأكثر سلامة وسعت لاستيعاب آثار الضربة على اقتصادها وعلى أسواق النفط الدولية عن طريق تعويض الصادرات المفقودة من مخزونات النفط المعالج السعودية، حيث تحتفظ المملكة بقرابة 188 مليون برميل من المخزونات بما يمكنها من الحفاظ على مستوى الصادرات نفسه لمدة 71 يوما كاملة على الأقل بافتراض أن كامل الطاقة الإنتاجية المفقودة بسبب الهجمات، والبالغة 5.7 مليون برميل يوميا كما سبق أن أشرنا، ستظل خارج الخدمة طوال هذه المدة.

  

لكن المشكلة في هذه الإستراتيجية السعودية أنها تفشل في معالجة الأضرار طويلة الأجل الناجمة عن الهجوم، وعن تضرر سمعة المملكة أمام المستثمرين بوصفها دولة غير قادرة على حماية بنيتها التحتية الحيوية، وعلى رأس هذه الأضرار الهزة الكبيرة التي أصابت خطط المملكة لإطلاق الاكتتاب العام الأوّلي لشركة "أرامكو" السعودية، الذي كان من المفترض أن يبدأ في شهر نوفمبر/تشرين الثاني القادم، ومن المرجح في ضوء الهجوم أن تقوم المملكة بتأجيل الطرح حتى إصلاح كامل بنيتها التحتية المتضررة، ولكن حتى بعد إصلاح الضرر المادي فإن التداعيات السلبية للهجمات على سمعة الشركة ستستمر، حيث سيظل المستثمرون متخوّفين(12) من احتمالية حدوث هجمات إضافية يمكن أن تُعطّل إمدادات النفط من الشركة، ما سيجعل الاستثمار في أرامكو مخاطرة كبيرة في ظل بيئة مضطربة وربما يخفض من قيمة أسهم الشركة خلال الاكتتاب العام بشكل ملحوظ.

  

بخلاف ذلك، تفشل السياسة السعودية الحالية في الأخذ بالاعتبار الأسباب التي أدّت إلى حدوث الأزمة في المقام الأول، فطالما استمرت العقوبات في منع إيران من تصدير نفطها، وطالما ظلّت السعودية غير قادرة على حماية منشآتها الحيوية، وطالما ظلّت الولايات المتحدة تُحجم عن التدخل، فسيبقى شبح هذه الهجمات يلوح في الأفق، وفي ضوء ذلك يبقى الرهان الوحيد المتاح للسعودية هو الانتظار حتى وصول سياسة التصعيد الإيرانية للحد الذي لا يمكن لواشنطن تجاهله ويجعلها مضطرة إلى الرد، خاصة أن الهجمات الأخيرة أثبتت أن واردات الخام من الشرق الأوسط ما زالت تؤثر(13) على الأسواق الأميركية رغم ارتفاع الإنتاج المحلي الأميركي كما ذكرنا، حيث تابع مؤشر خام غرب تكساس الوسيط، مؤشر النفط الأميركي، خام برنت في صعوده بعد الهجمات، وتسلط هذه الحقيقة الضوء على أن الاقتصاد الأميركي لا يزال عُرضة لآثار عدم الاستقرار في الشرق الأوسط بصرف النظر عما إذا كانت واشنطن تستهلك الطاقة من المنطقة أم لا.

   

المعضلة الأميركية

   

وبقدر ما تُمثّل الهجمات الإيرانية معضلة للسعودية، فإنها تُثير معضلة لا تقل تعقيدا بالنسبة للولايات المتحدة، لأنها تضع تحديات متزايدة أمام التزامها بتقليل انخراطها في صراعات الشرق الأوسط وتركيز مواردها السياسية والعسكرية والاقتصادية لتعزيز موقفها التنافسي في صراعات القوى الكبرى في أوروبا وآسيا وحول المحيطات والممرات المائية الحيوية، فمع كل هجوم جديد تشنه طهران في منطقة الخليج، يتجدد الجدل المحتدم في الداخل الأميركي بين معسكر الداعين لتقليص الوجود الأميركي في المنطقة، وبين صقور الشرق الأوسط في الكابيتول هيل الذين يرون أن أميركا لا تستطيع التخلي عن التزامها التاريخي تجاه أمن المنطقة، وأمن السعودية على وجه الخصوص.

  

تعود بدايات هذا الالتزام إلى زمان الحرب العالمية الثانية حين أقر الرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت بأن الدفاع عن السعودية وإمداداتها النفطية يُعدّ دفاعا عن بلاده نفسها، وهو التزام أكّده الرئيس هاري ترومان مجددا بعد عدة أعوام، لكن واشنطن لم تضطلع بمهمة حماية إمدادات الطاقة في الخليج بشكل فعلي سوى مطلع الثمانينيات إبان الحرب العراقية الإيرانية، حين أقر الرئيس جيمي كارتر مذهبه(14) القائل إن الولايات المتحدة ستحمي منطقة الخليج العربي واحتياطاتها النفطية وستتدخّل عسكريا لفعل ذلك إذا لزم الأمر.

  

من وجهة نظر صُنّاع السياسة الأميركيين، كان هذا الالتزام أكثر من منطقي في ذلك التوقيت حين كانت بلادهم وحدها تستورد نحو مليوني برميل من النفط الخليجي عام 1980، وكان حلفاء واشنطن في أوروبا واليابان يعتمدون بشكل كبير على تدفق النفط من السعودية والعراق، وقد ظل ذلك الالتزام منطقيا حتى بعد عقد من الزمان وتحديدا في مطلع التسعينيات حين أُرسل نصف مليون جندي لحماية السعودية وتحرير الكويت بعد الغزو العراقي.

   

المشكلة الرئيسة بالنسبة للإدارة الأميركية تكمن في الاهتزاز الملحوظ لصورتها بفعل الهجمات الإيرانية المتتالية، والتآكل المتزايد لسمعة الردع الأميركي في المنطقة

وكالة الأنباء الأوروبية
  

لكن الأمور تتغير(15) الآن من وجهة نظر الكثيرين في واشنطن بعد الطفرة المحلية في إنتاج النفط، وتستورد أميركا اليوم أقل من مليون برميل يوميا من النفط من الشرق الأوسط، أي أقل من نصف الكمية التي كانت تستوردها حين أعلن كارتر التزامه الخليجي، وحتى أوروبا نفسها صارت تعتمد بشكل أكبر على النفط الروسي والأميركي، فيما يتجه ثلاثة من كل أربعة براميل من النفط الخليجي إلى آسيا حيث تُستَهلك في دول الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، ما يُثير أسئلة واسعة حول جدوى الاستمرار في تحمّل تبعات التزام دام أربعة عقود بحماية النفط في منطقة الخليج.

  

في الحقيقة، ربما يرى البعض أن أميركا قد تكون مستفيدة بشكل مباشر من التوترات في الخليج، نظرا لأن ارتفاع أسعار النفط، ورغم كونه يضر المستهلكين الأميركيين بشكل هامشي، فإنه ينعش صناعة النفط الأميركي ويساعد في تطورها وهو ما يمنح واشنطن إغراء إضافيا لغض الطرف عن التحركات الإيرانية، لكن المشكلة الرئيسة بالنسبة للإدارة الأميركية تكمن في الاهتزاز الملحوظ لصورتها بفعل الهجمات الإيرانية المتتالية، والتآكل المتزايد لسمعة الردع الأميركي في المنطقة، وهو توجّه من شأنه أن يهز الثقة في قدرة واشنطن على حماية حلفائها وربما يتسبّب في انهيار التحالف الإقليمي الذي تقوده لمواجهة إيران.

  

لكن أميركا لا تملك فيما يبدو سوى خيارات محدودة(16) جدا لمواجهة إيران في الوقت الراهن، يأتي في مقدمتها فرض المزيد من العقوبات، غير أن المشكلة الرئيسة في هذا الخيار هي أنها قد استنفدت بالفعل معظم العقوبات التي يمكن أن تُسبّب ألما حقيقيا للاقتصاد الإيراني، وسيكون التأثير الإضافي لأي عقوبات جديدة محدودا جدا مقارنة بالعقوبات السابقة، فضلا عن كون العقوبات لن يكون لها ذلك التأثير النفسي الذي تملكه الضربات العسكرية ولن تحل مشكلة تراجع الردع الأميركي.

  

وسيكون الرد الأميركي البديل هو توجيه ضربة عسكرية ضد بعض الأهداف العسكرية الإيرانية وعلى رأسها مصانع إنتاج الطائرات بدون طيار وصواريخ كروز ومرافق تخزين هذه الأسلحة، ولكن هذا الخيار لديه نصيبه من المشكلات أيضا، فمن ناحية فإن تنفيذ ضربة ناجحة يتطلّب معلومات استخباراتية دقيقة حول الداخل الإيراني، ومن ناحية الأخرى فإن تلك الضربة المرجح تنفيذها عن بُعد عبر القصف الجوي وصواريخ التوماهوك من غير المرجح أن تكون قوية بما يكفي لشل قدرة إيران على الرد، وحينها لن يكون مستبعدا أن تقوم إيران ووكلاؤها بشن هجمات أكثر عنفا ضد السعودية أو يقوموا باستهداف السفن وتعطيل المرور في مضيق هرمز وربما استهداف القوات والمرافق الأميركية في المنطقة، مما سيُجبر واشنطن على النظر في ردٍّ أكثر قوة وتأثيرا ربما يجلب تبعات أكبر مما ينبغي.

   

  

ومن غير المرجح أن يكون هذا الرد شيئا سوى حملة جوية طويلة الأمد تستهدف المرافق والقدرات العسكرية الإيرانية، لكن هذه الحملة لن تمنع طهران من إغراق السعودية ودول الخليج وسائر المنطقة بأمطار من الصواريخ المدمرة على مدار أسابيع وربما أشهر كاملة، وساعتها لن يكون أمام واشنطن سوى التفاوض والاعتراف ضمنيا بالهزيمة، أو المُضي قُدما نحو شن غزو بري لتغيير النظام واحتلال إيران، غزو بمقدوره أن يحوّل غزو العراق نفسه إلى نزهة عسكرية إذا ما قُورن مع التكاليف والتداعيات المتوقعة لحرب برية إيرانية أميركية.

  

تُدرك إدارة ترامب أبعاد هذه الدائرة المدمرة ذاتيا من الخيارات على ما يبدو، لذا فإنها تُحجم عن المساس بما يُخِلّ بها خاصة على مشارف عام الانتخابات الحاسم في 2020، ونتيجة لذلك كانت الإدارة حريصة على إلقاء الكرة في ملعب السعودية كي تقرر بنفسها كيفية الرد، وكما كان متوقعا فإن السعودية كانت أكثر إحجاما من واشنطن، فبخلاف الخيار المستحيل لقيام واشنطن بشن حرب استئصالية ضد النظام الإيراني، لا يمكن تخيل سيناريو لا تكون السعودية فيه هي الخاسر الأكبر خاصة حال اختارت الولايات المتحدة القيام بضربة عسكرية عقابية ضد إيران، وتركت السعودية وحدها بعد ذلك فريسة للانتقام الإيراني.

  

ومن الواضح أن إيران أدركت هذه الحقائق وعايرتها جيدا قبل القيام بخطواتها، وأيقنت أن مفتاح تفوّقها يكمن في المقام الأول في حقيقة أنه في حين أن طهران تمتلك كل الدوافع الممكنة للإقدام وتغيير الجمود الحالي للصراع ولو من خلال تصعيده إلى نقطة أكثر سخونة، فإن خصومها يملكون كل الدوافع الممكنة للإحجام والإبقاء على الوضع الراهن، وهو رهان سيظل ناجحا طالما ظلت إيران تتفاوض بالصواريخ بينما يتفاوض خصومها بالتصريحات، لكنه رهان محفوف بالمخاطر حيث لا يمكن لأحد أن يتوقع كيف يمكن أن تسير الأحداث في المنطقة في اللحظة التي ستبدأ فيها أول سفينة أميركية في إطلاق أول قذائف التوماهوك صوب الأراضي الإيرانية.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار