انضم إلينا
اغلاق
حمى التسلح المغاربي.. إلى أين سيصل السباق العسكري بين الجزائر والمغرب؟

حمى التسلح المغاربي.. إلى أين سيصل السباق العسكري بين الجزائر والمغرب؟

ميرفت عوف

محررة سياسة
  • ض
  • ض
اضغط للاستماع

    

تترقب العاصمة المغربية "الرباط" منذ بضعة أشهر زيارة رسمية للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وهي زيارة أجّلها قصر الإليزيه أكثر من مرة، ولم يكن التأجيل الذي حدث منذ شهر ونيف في يناير/كانون الثاني المنصرم هو الأخير من نوعه، رغم أن "ماكرون" زار عاصمة الكيان المحتل في 22 من الشهر نفسه للمشاركة في إحياء ذكرى تحرير معسكر "أوشفيتز" النازي، وكذلك الضفة الغربية للقاء الرئيس الفلسطيني "محمود عباس"، ومن ثم أحال زيارته وقتها للمغرب بهذا الداعي إلى فبراير/شباط الحالي، لكن هذه الإحالة تبعها تأجيل آخر إلى مارس/آذار، ثم تأجيل ثالث إلى ما بعد مارس/آذار حيث لم يضع قصر الإليزيه موعدا محددا واكتفى بتأجيل مبهم لـ "وقت لاحق".

  

تعود زيارة "ماكرون" الأخيرة للمغرب لعام 2018 حين حضر حفل افتتاح القطار السريع الرابط بين مدينتَيْ الدار البيضاء وطنجة والمسمى بـ "البراق"، وتتمثّل الأهمية الرئيسة لزيارة الرئيس الفرنسي بالنسبة للمغاربة -كما أوردت صحف محلية مغربية نهاية يناير/كانون الثاني الماضي وكذا شركة الاستخبارات الاستشارية "ستراتفور"- في إتمام صفقة أسلحة(1) فرنسية بقيمة 400 مليون يورو (442 مليون دولار)، وهو إعلان أعاد للأذهان زيارة الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا هولاند للمغرب في أبريل/نيسان عام 2013 والتي باعت خلالها فرنسا للمغرب اثنين من الأقمار الصناعية الكهربائية الضوئية بلغت تكلفتهما نصف مليار يورو، وهي صفقة بقيت سرية حتى عام 2017 حين أطلقت الرباط أحدهما والمسمى بـ "قمر محمد السادس".

     

ماكرون في زيارته الأخيرة للمغرب (وكالة الأنباء الأوروبية)

  

تأتي الصفقة الجديدة المنتظرة كـ "أحدث علامة" على جدية النيّات المغربية بمتابعة خطة البلاد الخمسية لتحقيق تفوق عسكري إقليمي وتحديدا على المنافس التقليدي في منطقة المغرب العربي "الجزائر"، وهي خطة وُضِعت عام 2017 لعام 2022، ولم تمانع الرباط في التحدث عنها علنا في وقت يشتد فيه سباق التسلح بينها وبين "الجزائر" صاحبة(2) أكبر ميزانية عسكرية في أفريقيا. على النسق نفسه إذن تحاول الرباط معادلة ميزان القوى حاليا مع الجزائر، خاصة مع حالة اللا يقين السياسية والاقتصادية التي أتت كعرض ملازم لوصول موجات الربيع العربي بنجاح هناك، والتي أطاحت بالحكم التاريخي للرئيس السابق "عبد العزيز بوتفليقة" وبعض أبرز رموزه، معادلة تحاول الرباط تسريعها لفرض توازن قوى في الغرب الأفريقي.

    

في سبيل ذلك كان الجيش المغربي قد أتمّ صفقة(3) منتصف العام الماضي بمليار دولار مع الولايات المتحدة، اقتنى بموجبها سربا من طائرات "إف-16" المقاتلة، وحصل على 400 قاذفة صواريخ مضادة للدّروع من طراز "تاو"، ونحو 2400 صاروخ "تاو" منها 28 للتجارب الأولية قبل الشراء، وبعض تلك القاذفات ستعمل بنظم توجيه مختلفة أحدث وأدق والمعروفة بالنظم المطورة لاحتواء الأهداف "ITAS". صفقة أعلنت بشكل واضح تماما أنه لا تراجع في الرباط عن الهدف الموضوع بانتزاع الهيمنة الإقليمية، هدف تراه الجزائر أيضا وردّت عليه بالطريقة نفسها بعدها بأشهر قليلة عن طريق صفقة(4) تورِّد فيها موسكو للجيش الجزائري 14 مقاتلة شبح من طراز "سوخوي 57"، وهي أكثر المقاتلات الروسية تطورا وتعتبر الجزائر المشتري العالمي الأول لها، وسينتهي توريدها عام 2025. ووقّعت عقدا آخر بتوريد حالي لـ 14 مقاتلة نفاثة "سوخوي 35"، و14 قاذفة قنابل "سوخوي 34"، مع بند في العقد ينص على إمكانية توريد سربين آخرين بالأعداد نفسها للإحلال والتبديل المستقبلي.

 

  

تُلقي تلك الصفقات والتحركات الضوء على سباق تسلح متسارع في منطقة المغرب العربي بين المغرب والجزائر في محاولة للفوز بالهيمنة في منطقة مهمة يُعاد تشكيلها سياسيا وعسكريا ببطء وانتظام، وفي هذا الإطار تبرز العلاقات الفرنسية بكلا البلدين كمحور مهم في ترجيح كفة أحدهما على الآخر، خاصة بعد ما توارد من أن تأجيل زيارة ماكرون تأتي في إطار إرسال رسالة فرنسية للمغرب بأن الجزائر هي الحليف المُفضَّل حاليا رغم عدم الاستقرار السياسي هناك من ناحية، ورغم السعي المغربي للأسلحة الفرنسية من ناحية أخرى، فإنها رسالة -إن صحّت- لا يُتوقَّع أن يراها المغرب على أنها حسم لصراع ما زال يمتلك فيه عدة أوراق لعب أخرى في غرب القارة.

   

الجزائر كقوة أولى   

احتفظت الجزائر -وما زالت- بلقب القوة العسكرية الأولى في المغرب العربي لفترة طويلة، ويُعَدُّ الجيش الجزائري في المرتبة الثانية كأقوى جيش أفريقي بعد الجيش المصري، وقد تحقّق ذلك بفضل ترسانة عسكرية وتكنولوجية بنتها الجزائر بحرص منذ استقلّت عن فرنسا عام 1962، فاستغلّت جزءا كبيرا من عائدات ثرواتها النفطية والمعدنية في عمليات إنفاق ضخمة لبناء أقوى جيش في المنطقة، فهي المورد الأفريقي الرئيس للنفط والغاز إلى أوروبا، بجانب كونها جهة فاعلة أمنيا في مناطق غرب الصحراء الكبرى وسواحل البحر المتوسط الشمالية وكذا الحدود الجنوبية مع الغرب الأفريقي "النيجر ومالي"، وهي مناطق نفوذ فرنسية فائقة الأهمية.

      

    

خلال التسعينيات على وجه التحديد، رأت الجزائر(5) أن جهود "مكافحة الإرهاب" التي شغلت العالم بأسره قد تمنحها فرصة لقيادة فعالة وطويلة المدى في المغرب العربي، بالتزامن مع محاولاتها إسقاط قوتها العسكرية على المنطقة، باتباع المبدأ الذي ينص على أن "النجاح في البيت أولا هو أمر أساسي"، وقد دفعت هذه القناعة الجزائر لاستخدام قوتها العسكرية داخليا حين فُرِض عليها مواجهة انتشار الجماعات "المتطرفة" في مدنها الجنوبية، وهو استخدام حرصت الجزائر من خلاله على تصدير قدرتها على "مكافحة الإرهاب" كما ينبغي، وإثبات جدارتها في وأد مخاوف أفريقيا مما أسمته الولايات المتحدة وتبعها العالم بـ "الإسلام الراديكالي". وبالفعل تمكّنت الجزائر من أن تدفع المجتمع الدولي للاقتناع بأهميتها في ذلك، ومن ثم أصبحت شريكا رئيسا له في المنطقة يتبادل معها الخبرة في "مكافحة الإرهاب" والجريمة المنظمة، وقد لعبت الجزائر كذلك دورا وسيطا كبيرا في النزاعات الإقليمية المختلفة بناء على هذه السمعة الدولية.

  

مع ممارسة مستمرة للنفوذ السياسي والأمني في محيطها المباشر حرصت الجزائر بشكل أكبر على زيادة إنفاقها العسكري، وباستعراض تاريخي(6) لقوتها في السنوات العشر الأخيرة نجد أنها بحلول عام 2009 تخطت جنوب أفريقيا كأكبر سوق دفاع ومستورد أسلحة في القارة الأفريقية، ثم في عام 2013 أصبحت أول دولة أفريقية تنفق أكثر من عشرة مليارات دولار على جيشها، أي بزيادة 176% منذ عام 2004، وقد أنفقت في 2016 نحو 10.5 مليار دولار على جيشها، وفي السنوات الخمس الأخيرة سيطرت الجزائر بشكل مطلق على صدارة واردات القارة من السلاح، حيث احتكرت 52% من الواردات خلال الفترة الممتدة ما بين 2013-2017 بحسب تقرير لمعهد ستوكهولم للسلام، ويعتبر المستفيد(7) الأكبر من الإنفاق العسكري الجزائري وشريكها الحيوي هو روسيا، إذ تستورد الجزائر بالدرجة الأولى 59% من وارداتها العسكرية من موسكو، كذلك تعتبر الجزائر(8) أكبر مستورد أفريقي للأسلحة الصينية وثالث أكبر مشترٍ(9) للسلاح الصيني على مستوى العالم، وبجانب ذلك فإن بكين تتمتع بفائض تجاري هائل مع الدولة شمال الأفريقية، وتنمو شراكتيهما الإستراتيجية بوتيرة سريعة ومستمرة، حتى إنه في الأعوام الثلاثة الأخيرة تقريبا تجاوزت الصين فرنسا كأكبر مُصدِّر بشكل عام(10) للجزائر.

   

   

لكن التفوق العسكري الجزائري مسّه الكثير من المخاطر في السنوات الأخيرة، إذ لم تنحصر المشكلة الجزائرية في اقتصادها الراكد منذ بداية انهيار أسعار الطاقة عام 2014، فبرغم تعافيها البطيء وعدم خفضها ميزانيتها العسكرية الضخمة بكثير فإن ركودها السياسي الداخلي أعاق بشكل أو بآخر طموحاتها الإقليمية، ثم تفاقم هذا الناتج منذ دخلت البلاد في خضم أزمة بين النظام والجيش والمتظاهرين الذين احتفظوا بزخم احتجاجاتهم حتى بعد تحقُّق مطلبهم ورحيل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في أبريل/نيسان من العام الماضي، إذ تعيش البلاد أزمة اقتصادية وسياسية حادة، وهي أوضاع رأتها بوضوح على الأرجح أعين خصم الجزائر الإقليمي "المغرب"، باغيا أن تسنح له تلك المتغيرات بفرصة انتزاع رداء التفوق الإقليمي من الجارة التي لا تزال حدودها البرية الطويلة بينها وبينه مغلقة غلقا مستمرا بسبب العداء الذي يعود كما هو معروف إلى موقف(11) الجزائر من التقارب مع واحتواء متمردي الصحراء المغربية المنخرطين في صراع طويل مع النظام الملكي المغربي لتحقيق ما يصفونه بـ "استقلال الصحراء" وما تصفه الرباط بـ "انشقاق وتمرد ومحاولات انفصالية غير شرعية".

  

المغرب.. النسخة الجديدة

في أبريل/نيسان عام 2013، وبعد عام تقريبا منذ وصوله لكرسي الرئاسة بقصر الإليزيه، استجاب الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند لدعوة الملك محمد السادس وزار المغرب ليُستقبل بحفاوة شعبية، وقد كان برنامج هولاند حافلا بتوقيع 30 اتفاقا في مجالات النقل والصناعات الغذائية والطاقة المتجددة والبحث العلمي، وهي اتفاقات رسمية أُعلن عنها حينها وتم بعضها أمام وسائل الإعلام، لكن الصفقة الأهم للرئيس الفرنسي ونظيره المغربي بقيت سرية لأربعة أعوام كاملة، حتى نوفمبر/تشرين الثاني من عام 2017، حين عُرف أن الجانبين وقّعا خلال تلك الزيارة صفقة باعت بموجبها فرنسا للمغرب قمرين صناعيين اثنين للمراقبة والرصد الجغرافي والتجسس بلغت تكلفتهما كما ذكرنا نصف مليار يورو، وفي تاريخ الكشف عن تلك الصفقة أطلق المغرب أول أقماره الصناعية المسمى بـ "محمد السادس أ" من نوع "بلياد أستريوم" من قاعدة كورو التابعة لمنطقة غوايانا الفرنسية.

   

منح ذلك القمر المملكة فرصة أن تكون أول دولة أفريقية تحصل على تقنية مراقبة فضائية متطورة من هذا القبيل، وقد وضع القمر في يد المملكة الوسائل اللازمة كافة لجمع المعلومات الاستخباراتية ومراقبة الحدود وساحل الأطلسي، وهي إمكانية لا تحظى بها أي دولة أخرى في المنطقة. وقد غيّر الإعلان عن تلك الصفقة جزءا يسيرا لكنه مهم من موازين القوى، ومن رسوخ هيمنة الجزائر، وأثبت أن الرباط تستطيع وضع يدها بشكل مختلف على أدوات فعالة تمنحها بلا شك جزءا من النفوذ الإقليمي المتنافس عليه، وقد تأكّد ذلك بشكل لا يقبل الشك عندما أعلن(12) المغرب في العام المذكور نفسه أنه لأول مرة يسعى لتحقيق "السيادة العسكرية الإقليمية" وخصَّص لها نحو 20 مليار دولار، وهي الخطة الخمسية سابقة الذكر، وخصصت تلك الأموال لترسيخ قاعدة إنتاج عسكري محلي، وكذلك في صفقات سلاح واسعة مع الولايات المتحدة وفرنسا، والتي حصل بموجبها الجيش المغربي بجانب ما ذكرناه على مروحيات أباتشي الشهيرة "AH-64E" الهجومية من شركة "بوينج"، ودبابات أبرامز M1، ومدافع هاوتزر فرنسية الصنع طراز "القيصر"، وهو طراز المدفعية ذاتي الحركة المثبت على شاحنات حربية، وكذا منظومات صواريخ "MICA" أرض-جو متعددة الاستخدامات.

    

  

إذن، وكما يبدو، مضى المغرب، مدفوعا بتنافس تاريخي طويل ربما يرقى لعداء سياسي مع الجزائر، نحو صياغة خطط دفاعية إستراتيجية وتحديث قوّاته المسلحة بالكامل، وهي نسخة جديدة من المغرب إن لم تُستخدم في نزاع محتمل مستقبلي فستُستخدم على الأرجح في فرض توازن قوة كافٍ مع الجزائر، وقد أدركت الرباط أن ذلك التوازن سيتحقّق باستثمارات كبيرة في الجيش وأفرعه المختلفة منذ عام 2003 تقريبا، حين وجد المغرب أن افتقاره للموارد الهيدروكربونية الوفيرة التي تستخدم الجزائر عائداتها لتنمية جيشها لن يحول بينه وبين إنفاق عسكري واضح بطرق أخرى، وهي قناعة أدّت إلى تقارب الرباط بالتدريج مع الولايات المتحدة وفرنسا ودول الخليج العربية الثرية مثل السعودية بُغية توفير المساعدات والمنح العسكرية. وقد أدّى ذلك إلى أن تصبح المغرب أكبر(13) مشترٍ للأسلحة الأميركية في 2019 في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث أبرمت صفقات مستقبلية بلغت قيمتها نحو 10.3 مليار دولار ستذهب معظمها لصالح تجديد سلاح الجو الملكي بالكامل.

  

في سبيل تغيير ميزان القوى مع الجزائر حدّدت الرباط ثلاث طرق تُمكِّنها بشكل تدريجي من التحوُّل إلى دولة أكثر ترابطا عسكريا واقتصاديا والأهم إلى منافس حقيقي داخل المنطقة. وقد أتى أول تلك الطرق تماما كما فعلت الجزائر سابقا عبر تعبئة ماهرة للحرب ضد "الإرهاب" وتصدير المغرب كقوة إقليمية يعتمد عليها في ذلك السياق الغربي الرئيس، ورغم أنه يملك إستراتيجية متكاملة لـ "مكافحة الإرهاب" وُضعت بعد تفجيرات الدار البيضاء التي وقعت عام 2003، فإن الرباط أخذت خطوة جديدة موسعة من الناحية الإقليمية حين قرّرت في صيف عام 2016 التدخل لمكافحة جماعة "بوكو حرام" في النيجر، مزودة نظام الأخيرة بمعدات عسكرية وتعاون أمني.

  

أما الطريق الثاني فتمثَّل في توجيه السياسة المغربية كقوة ناعمة معتمدة على خطاب دبلوماسي مفتوح ونشط، لتصبح الدبلوماسية المغربية في وضع حيوي مقارنة بالسابق. وقد كثّفت الرباط منذ بداية عام 2017 تعبئتها لترسانتها الدبلوماسية بشكل فعّال، وبدأت بعودة لازمة للاتحاد الأفريقي في العام المذكور، بعد أن وجد النظام المغربي أن ترك كرسيه فارغا داخل قاعات الاتحاد، في مقاطعة دامت 33 عاما بسبب موقف الدول الأفريقية من قضية الصحراء الغربية (جبهة البوليساريو)، قد أضرّه كثيرا على مدى تلك العقود. ولم يكتفِ النظام المغربي بذلك، وإنما كثّف من اندماجه في القضايا الإقليمية الأخرى، ولم يغب أيضا بشكل ما عن قضايا الشرق الأوسط محافظا على مسافات دبلوماسية من الجميع.

    

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وملك المغرب محمد السادس في القمة الخامسة للاتحاد الأفريقي (رويترز)

  

أما ثالث تلك الطرق وهو الأهم فكان قرار خوض سباق التسلح بهدف تحقيق توازن قوى وتقليل الفجوة التي صنعها التفوق العسكري الجزائري. فتحت ستار تحديث أنظمة الدفاع بلغ حجم الإنفاق العسكري المغربي خلال الفترة الممتدة ما بين 2005 و2015 نحو 48 مليار دولار، في حين كانت ميزانية الجزائر تصل إلى 58,65 مليار دولار أي تزيد بنسبة 22% فقط عن ميزانية الرباط، حيث احتل المغرب التي كانت الولايات المتحدة أكبر مُزوِّد له بالأسلحة المرتبة الثانية أفريقيا ضمن كبار مشتري السلاح بين عامي 2012 و2016، واستحوذت الرباط على 15% من إجمالي مشتريات أفريقيا بعد الجزائر، التي بلغت نسبتها 46%.

  

ويُركِّز المغرب على شراء الطائرات الحربية النفّاثة والمروحية، والسفن، والصواريخ، والدبابات والفرقاطات، والغواصات، وأنظمة الرادارات، ويُقدِّر تقرير عُنون بـ "مستقبل الصناعة الدفاعية وجاذبيتها في المغرب" أن الأخير مع الجزائر اشتريا نصف ما اقتنته أفريقيا من أسلحة بين أعوام 1956 و2015، كذلك وفي إطار سباق التسلح بينهما يتوقّع التقرير أنه في الفترة ما بين 2018-2022 سينفق المغرب 18.6 مليار دولار لأغراض دفاعية، من بينها 5.7 مليار دولار مخصصة لتمويل مشتريات الدفاع، وهي أرقام تعدّت مشتريات الرباط نصفها بالفعل في نصف مدة التوقع "عامين من أربعة".

   

كل أسلحة الملوك

بالنظر إلى كل ما سبق، نجد أن التنافس الجيوسياسي الحتمي بين المغرب والجزائر يفرض عليهما الاستعداد دوما للسيناريوهات المستقبلية المحتملة كافة، سواء تلك التي تتضمّن تقاربا أو أخرى تتضمّن تباعدا ونزاعات دبلوماسية أو ربما عسكرية في أسوأ الأحوال، سيناريوهات تتطلّب في مجملها من الطرفين تطبيق إستراتيجيات لتحسين القوة العسكرية واستغلال أوراق اللعب السياسي المختلفة، لكن برغم ما يُعرف عن القوة العسكرية الجزائرية وما حظيت به المغرب من تطور كبير في قدراتها العسكرية في السنوات الأخيرة، فإن معرفة القوة العسكرية الأكثر كفاءة ونجاعة وذات اليد المهيمنة بينهما تبقى شبه مستحيلة، كونها تعتمد على عناصر لا تعتمد على الإمكانات التسليحية المباشرة فقط "تطور أسلحة الجيشين وأفرعهما"، وإنما تمتد إلى عوامل أخرى كالموقع الجغرافي، وتوافر واجهة بحرية من عدمه، ووقوع البلد في منطقة غير مستقرة أو بعيدة عن مناطق النزاع.

       

مع إصرار المغرب والجزائر على خوض سباق التسلح بكل ما أوتيا من قوة، ستُفرض على المنطقة حالة من انعدام الثقة تُغذّي العدائية الحالية بين الجارين بصورة أكبر

الجزيرة,وكالة الأنباء الأوروبية
     

أما إن قارنّا في نطاقات عسكرية معينة فسيظهر المغرب في قلة منها كبلد يتمتع بأفضلية طفيفة على جارته الشرقية "الجزائر" ربما للمرة الأولى، فالقوات المغربية تحظى بتدريب أفضل ولها أفضلية في سلاح المدفعية، وقد تؤتي عقود الرباط العسكرية مؤخرا ثمارها في أن تصبح القوة العسكرية المهيمنة في منطقة المغرب العربي إن تمت وسُلِّمت جميع الأسلحة المنصوص عليها في المستقبل، لكن حتى الآن فإن الجزائر التي يحثّها تحركات المغرب نحو استثمار المزيد في المشتريات والتحديث العسكري ما زال لديها أفضلية لا بأس بها على الرباط، فلديها كمُّ كبير من الطائرات المقاتلة ومروحيات النقل، والمضادات الجوية المتمركزة على الأرض، والغواصات، كما لديها مخزون أفضل بشكل عام من المركبات وناقلات الجند المدرعة لدعم المشاة.

  

وفي وقت يرى المراقبون فيه أن طريق المغرب نحو القيادة العسكرية في المنطقة ما زال صعبا، يعتقد الباحث في الشؤون الأفريقية "عباس محمد صالح عباس" أن التنافس بين البلدين على الصعيد العسكري سيظل تقليديا ولن يُحقِّق النفوذ أو الأمن لكليهما، كما أنه سيظل محدودا ولن يخرج عن معادلة "توازن الضعف"، قائلا في حديثه معنا بـ "ميدان" إن "أي قوة لأي طرف ستبقى عامل ضعف وليست عامل انتصار أو تفوق على الدول الأخرى في النطاق الإقليمي الراهن"، ويوضح عباس لـ "ميدان" أن "التنافس بين المغرب والجزائر لا يزال يرتهن للنمط التقليدي للتفاعلات بين الدول، وبدلا من أن يطور البلدان إطارا جديدا فاعلا لحل القضايا ذات الاهتمام المشترك، يُصرّان على التجمد في مربع الماضي"، ويضرب عباس مثالا بالتهديدات الأمنية العابرة للحدود والتي يجب أن تكون مدخلا مناسبا لكلا البلدين نحو علاقات أكثر تطورا وتبادلا ومواكبة لعالم اليوم، خاصة موجتَيْ "الإقليمية" و"الإقليمية الجديدة"، حيث التعاون البراغماتي من جانب البلدين ومعرفة أنهما "فاعلان تابعان" وليسا مستقلين في المعادلات الإقليمية والدولية الراهنة، حد وصفه.

  

في نهاية المطاف، لا تزال الجزائر تكافح من أجل أن تبقى على عرش القيادة الإقليمية كقوة عسكرية أولى في المغرب العربي، ولا يزال أمام المغرب طريق ليس بالقصير للوصول بإمكانياته وقدراته العسكرية المتنامية لإزاحة الجزائر، ومع إصرار كليهما على خوض سباق التسلح بكل ما أوتيا من قوة، ستُفرض على المنطقة حالة من انعدام الثقة تُغذّي العدائية الحالية بين الجارين بصورة أكبر، الأمر الذي ربما سيؤدّي إلى تقليص احتمالية حدوث تقارب بينهما ويُنذر بخطر انعدام الاستقرار الإقليمي، احتمالية تقارب ما زالت موجودة حتى اللحظة لكنها تتطلّب أولا أن يضغط الطرفان على مكابح المدفوعات العسكرية ويوليان اهتماما أكبر للمقاربات الدبلوماسية ولو كانت طويلة المدى.

تقارير متصدرة


آخر الأخبار